جلسة الاستراحة في الصلاة

جلسة الاستراحة في الصلاة

الحمد لله ربِّ العالمين وصلىٰ الله علىٰ محمد وآله الطيبين الطاهرين.

في آخرِ كل موسم دراسي حوزوي، نرىٰ الأساتذة الأعلام (دامت بركاتهم) يحثُّون الطلبة علىٰ استثمار التعطيل استثماراً حقيقياً، عن طريق كتابة البحوث، أو مراجعة الدروس وتقريرها، أو تحقيق بعض المطالب العلمية، سواء كان في علم الفقه أو الأصول أو الرجال أو غيرها من العلوم المتداولة في المناهج الحوزوية، حرصاً منهم علىٰ صقل الجانب العلمي، وبمقتضىٰ الأبوة الروحية والمسؤولية التي يشعرون بها تجاه أبنائهم الطلبة، لأجل تربيتهم ورفع مستواهم العلمي.

وقد كنت في خدمة أحد الأساتذة الأفاضل (دامت بركاته) في آخر حصة درسية، وتجاذبنا أطراف الحديث عن التعطيل، وأنَّه لطوله يورث الملل والتكاسل، فأجاب (دامت إفاضاته) أنَّ الطالب المشتغل يجد في التعطيل فرصة ثمينة جداً للبحث والتحقيق والتدقيق بالمطالب العلمية، والتأمُّل أكثر منه في وقت الدرس، ثم ذكرت له (دامت بركاته) أنَّ المشكلة تكمن في أنَّ ما يكتبه الطالب يحتاج إلىٰ متابعة من قبل الأستاذ لتقويم ما يكتب، وإرشاده في سيره العلمي لذلك البحث، كما هو المتعارف في الدراسة الأكاديمية، فأشار عليَّ وشجَّعني علىٰ استغلال أوقات التعطيل بكتابة بحوث تعود عليَّ بثمرة علمية، مع متابعة ذلك.

ولهذا عزمت علىٰ الكتابة، ومن جملة البحوث التي اخترتُها، هو بحث (جلسة الاستراحة في الصلاة) وتكمن أهمية هذا الموضوع في كونه من المسائل الفقهية الابتلائية المهمة في الصلاة التي هي محل ابتلاء المكلَّفين من جهة ومن جهة أخرىٰ فإن جلسة الاستراحة من المسائل التي اختلفت فيها أنظارُ العلماء قديماً وحديثاً.

وقد حاولت استقصاء الأقوال فيها، ومتابعتها، وعرض المدارك المستند عليها، ثم محاولة تقييم كل قول منها، وترجيح بعضها علىٰ بعض بما يُستظهر من تلك الأدلة والمدارك، معتمداً في ذلك علىٰ المنهج الفقهي الاستدلالي الذي يتقوَّم بالتحليل والاستنباط، وعليه فيكون هذا البحث من البحوث الاستدلالية التي تستهدف المتخصِّصين في علم الفقه أو علىٰ الأقل طلّاب العلوم الدينية الذين قطعوا شوطاً في هذا العلم وليس المخاطب به جميع طبقات المجتمع.

وقد تعرَّضت في هذا البحث أولاً لاستقصاء الأقوال الواردة في المسألة، ثم تعرَّضت للأدلة مع مناقشتها وبيان ما هو المعتمد من الأدلة واستخلاص النتيجة المطلوبة.

وهذه المحاولة لا تعدو أن تكون محاولة لفهم الأخبار والروايات لتنضيج التفكير، والارتقاء به إلىٰ مدارج الكمال، فإن أصبت فهو توفيق من الله سبحانه وتعالىٰ، وإلَّا فهي انشغال علمي له ثماره وفوائده العلمية كما لا يخفىٰ علىٰ الباحثين.

أسأل الله تعالىٰ أن يحفظ جميع الأفاضل من أساتذة الحوزة العلمية ويسددهم ويؤيِّدهم بتأييده، وأسأله تعالىٰ أن يحفظ أخوتي الأكارم من طلبة العلم، وأن يرزقنا وإياهم حسن العاقبة، ولا يفوتني أن أشكر أخي المفضال الشيخ عماد البغدادي علىٰ ما قدمه من ملاحظات قيِّمة أثرت البحث.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين وصلىٰ الله علىٰ محمد واله الطيبين الطاهرين.

 الثاني من صفر الخير ١٤٤٧هـ

٢٨ / ٧ / ٢٠٢٥ م

معنىٰ جلسة الاستراحة:

قَالَ السيد اليزدي (قُدِسَ سِرّهُ) في العروة: (وهي الجلوس بعد السجدة الثانية في الركعة الأولىٰ والثالثة مما لا تشهد فيه)(1).

وتوضيح ذلك أنَّ الجلوس في الصلاة يكون في عدَّة مواضع، فقد يكون بين السجدتين وقد يكون بعد السجدة الثانية، وما يكون بعد السجدة الثانية قد يكون للتشهُّد كما هو الحال في الجلوس بعد السجدة الثانية من الركعة الثانية من الصلوات الثنائية والرباعية، وبعد الركعة الثالثة والرابعة من الثلاثية والرباعية من الصلوات، فإنَّه في هذه الموارد يكون هناك جلوس لكن لا يسمَّىٰ هذا الجلوس بجلوس الاستراحة.

وقد يكون بعد الركعة الأولىٰ والثالثة من الرباعية، أي قبل القيام للركعة التي بعدها، وهذا هو ما يعبَّر عنه بجلسة الاستراحة.

ومن هنا اتَّضح أنَّه ليس كلّ جلوس بعد السجود يعبَّر عنه بـ(جلسة الاستراحة)، وإنَّما هو خصوص الجلوس بعد الأولىٰ من الثنائية والرباعية، وبعد الثالثة منها، أي الجلوس قبل القيام للركعة التي بعدها.

هذا هو محل الكلام بين الأعلام في كونها واجبة أو ليست بواجبة.

الأقوال في المسألة:

الأقوال في (جلسة الاستراحة) اثنان:

القول الأوَّل: من ذهب إلىٰ الوجوب كالسيد المرتضىٰ، والصدوق ابن بابويه، وابن الجنيد، وابن عقيل، والحلي، والفاضل الهندي، والشيخ يوسف البحراني وغيرهم ومن المتأخِّرين السيد اليزدي(2).

القول الثاني: وهو رأي المشهور القائل بالاستحباب كالشيخ والعلامة والمحقق والميرزا النائيني وغيرهم(3).

الأدلة الواردة في المسألة:

قد استدلَّ بعدَّة أدلة في المقام، منها: الإجماع المدَّعىٰ من قبل السيد المرتضىٰ وابن زهرة، وأصل الاشتغال والعمدة في الاستدلال في المقام هو الروايات لأنَّ الإجماع لو تمَّ صغروياً فهو ليس بحجَّة لكونه محتمل المدركية، وأمَّا أصالة الاشتغال فإنَّما يلجأ إليها بعد فقد الدليل الاجتهادي وهو موجود في المقام.

ما يدل علىٰ الوجوب:

الرواية الأولىٰ: صحيحة أبي بصير ومحمد بن مسلم:

عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): اجلسوا في الركعتين حتَّىٰ تسكن جوارحكم، ثم قوموا، فإنَّ ذلك من فعلنا».

والمراد من الركعتين في الصحيحة هما الأولىٰ والثالثة، بقرينة الأمر بالقيام بعد السكون، الذي يستفاد منه أنَّ السكون متعقَّب بالقيام، وهذا إنَّما يكون في الركعة الأولىٰ والثالثة من الرباعية، والأمر «اجلسوا» ظاهر في الوجوب، فيثبت وجوب الجلسة.

وما قد يقال بأنَّها قاصرة الدلالة علىٰ ذلك لاشتمالها علىٰ التعليل «فإن ذلك من فعلنا»، بأنَّ هذا اللسان أقرب إلىٰ الاستحباب، فتدل علىٰ الاستحباب دون الوجوب، فيرد عليه:

أوَّلاً: أنَّ مجرَّد هذا التعليل لا يوجب صرف صيغة الأمر عن الظهور في الوجوب إلىٰ الاستحباب، كيف، ولم يكن هناك قائلُ بذلك قديماً وحديثاً، فقدماءُ الأصحاب كـ(ابن الجنيد، وابن عقيل، وابن بابويه القمي، والشيخ المفيد، والسيد المرتضىٰ) لم يحملوا التعليل علىٰ إرادة الاستحباب، بل إنَّهم التزموا بالوجوب.

وثانياً: يمكن أن يقال إنَّ وجود التعليل هنا علىٰ العكس أدل، لوجود قرينة في بعض الروايات – كما ستأتي إن شاء الله تعالىٰ – من أنَّ هذه الجلسة ممن التزم بها أهل البيت (عليهم السلام) خلافاً للعامة الذين لم يلتزموا به، وإن تنزَّلنا فالتعليل يجعل الرواية مجملة ولا يصلح أن تكون قرينة للحمل للاستحباب.

وثالثاً: قد يُنقض علىٰ ذلك، بأنَّ بعض الموارد التي يكون التعليل فيه من هذا القبيل، ومع ذلك تمسكوا به للدلالة علىٰ الوجوب، هو ما ورد في الموثق عن علي (عليه السلام) قال: «الأغلف لا يؤم القوم وإن كان أقرأهم، لأنَّه ضيع من السُنَّة أعظمها»(4)، فقد اتَّفق الأعلام في ضمن شرائط إمامة الجماعة علىٰ منع إمام الجماعة من التقدُّم إذا كان أغلفاً، وعُلِّل هذا الحكم بأنَّه ضيَّع السُنَّة، وهي من الأمور المستحبة، فعلىٰ الرغم من كون التعليل مفيداً للاستحباب إلَّا أنَّ الإلزام في النهي باقٍ علىٰ حاله لم يتغيَّر، وهذا خلاف ما صرَّحوا به من كون التعليل إذا كان يستفاد منه الاستحباب فيكون قرينة علىٰ حمل ما كان ظاهره الوجوب إلىٰ الاستحباب، فلاحظ.

وهكذا في رواية الصدوق بإسناده عن الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) قال: «لأنَّ الصلاة ركعتان ركعتان، فلذلك جعل الأذان مثنىٰ مثنىٰ»(5)، وهذه الرواية فيها تعليل يشير إلىٰ أمر وجوبي، وهو كون الصلاة ركعتين ركعتين في أصل التشريع كما هو واضح، وقد زيدت الأخيرتان بعد ذلك، وما يترتَّب علىٰ هذا التعليل الوجوبي هو حكم استحبابي (وهو جعل الأذان مثنىٰ مثنىٰ)، ومقتضىٰ ذلك أن يحمل علىٰ الوجوب بقرينة التعليل المستفاد منه الوجوب، ولكن الأعلام لم يلتزموا بذلك، أي أنَّ الأذان باقٍ علىٰ استحبابه علىٰ الرغم من اقترانه بهذه الراوية بتعليل يستفاد منه الوجوب، فتأمَّل.

هذا ما يتعلَّق بدلالة الرواية الأولىٰ.

وأمَّا سندها، فهو معتبر لأنَّ الصدوق (قدّس سرّه) رواها في الخصال في حديث الأربعمائة ولا يوجد في السند مشكلة إلَّا من جهة (القاسم بن يحيىٰ عن جدِّه الحسن بن راشد)، فإنَّه لم يرد في حقهما توثيق خاص، لكن يمكن توثيق الجد(6) عن طريق وقوعه في أسانيد كامل الزيارات، وتفسير القمي، ورواية بن أبي عمير عنه.

ويمكن توثيق القاسم بن يحيىٰ عن طريق وقوعه في أسانيد كامل الزيارات.

وهناك طريق آخر يمكن عن طريقه توثيق كلا الرجلين، فإنَّ الصدوق (قدّس سرّه) صحح روايةً وقعا في سندها، ففي باب الزيارات من كتاب الفقيه، قال: إنَّها أصح الروايات عندي من طريق الرواية وفيها بلاغ وكفاية(7)، وهذا توثيق صريح لكلِّ من كان في طريق هذه الزيارة وقد اشتمل السندُ عليهما، فتكون الرواية معتبرة، وممن بنىٰ علىٰ هذا التوثيق السيد الخوئي (قدّس سرّه) حيث قال: (إنَّ الصدوق اختار في باب الزيارات رواية، قال: إنَّها أصح الروايات التي وصلت إليَّ، مع أنَّ في طريقها أيضاً القاسم بن يحيىٰ عن جدِّه الحسن بن راشد، فهذا توثيق منه (قدّس سرّه) لهما) وغيره(8) أيضاً.

وقد يقال: إنَّ التعبير بالصحيح عند الصدوق ليس المقصود به الصحيح عند المتأخِّرين، وإنَّما المقصود به الصحيح عند القدماء، وهو لا يعني توثيق الراوي وإنَّما توثيق المروي، فالصحة المذكورة في كلام الصدوق لا تتضمَّن تصحيح السند؟

قلت: وإن كان مسلك الصدوق (قدّس سرّه) علىٰ الوثوق لا التوثيق، إلَّا أنَّه توجد خصوصية في المقام تدل أنَّه يريد التوثيق خاصة لا الوثوق، وهي أنَّ قوله: (من طريق الرواية) يدل علىٰ أنَّه في صدد بيان أنَّ الطريق المشتمل علىٰ الرجال صحيح فيكون رجاله ثقات، ولو كان نظره إلىٰ توثيق المتن لما عبَّر بهذا التعبير، والذي يؤكِّد هذا المعنىٰ أنَّ جملةً من الرجاليين ذهبوا إلىٰ التوثيق اعتماداً علىٰ هذه العبارة(9).

الرواية الثانية: صحيحة أبي بصير:

قال أبو عبد الله (عَلَيْهِ السَّلَامُ): «وإذا سجدت فافعل مثل ذلك، وإذا كنت في الأولىٰ والثالثة فرفعت رأسك من السجود، فاستتم جالساً حتَّىٰ ترجع مفاصلك، فإذا نهضت فقل: بحول الله وقوته أقوم وأقعد، فإنَّ علياً (عليه السلام) هكذا كان يفعل»(10).

وطريق الشيخ إلىٰ أحمد بن محمد صحيح، علىٰ ما هو المذكور في المشيخة، وداود في الرواية هو داود بن زربي الخندفي، الموثق من قبل النجاشي والمفيد (قدس سرهما)(11).

وأمَّا من حيث الدلالة، فإنَّ ظاهر الأمر (فاستتم جالساً) هو الوجوب، والتعليل إشارة إلىٰ النكتة التي تقدم الكلام عنها في الرواية المتقدمة، والمناقشة السابقة التي أوردنا تأتي هنا أيضاً.

الرواية الثالثة: صحيحة الأزدي:

قال سأله أبو بصير – وأنا جالس عنده -… فقال أبو عبد الله (عَلَيْهِ السَّلَامُ): «وإذا سجدت فلينفرج وليتمكن، وإذا رفع رأسه فيلبث حتَّىٰ يسكن»(12).

وسند الرواية في قرب الأسناد معتبر، فالحميري يروي عن أحمد بن إسحاق الأشعري، عن بكر بن محمد الأزدي، وكلهم ثقات.

وأمَّا من حيث الدلالة فإنَّه (عليه السلام) أمَرَ باللبث والسكون، والمراد منه الجلوس والاطمئنان، وهذا الأمر ظاهر في الوجوب، وبإطلاقه يشمل الرفع عن السجدة الأولىٰ والثانية، فيتم المطلوب.

الرواية الرابعة: مصححة زيد النرسي:

ما رواه زيد النرسي في كتابه قال: سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول: «إذا رفعت رأسك من آخر سجدتك في الصلاة قبل أن تقوم، فاجلس جلسة ثم بادر بركبتك إلىٰ الأرض قبل يديك وابسط يديك بسطاً، واتَّكِ عليها، ثم قم، فإنَّ ذلك وقار المؤمن الخاشع لربِّه، ولا تطيش من سجودك مبادراً إلىٰ القيام كما يطيش هؤلاء الأقشاب(13) في صلاتهم»(14).

وسند الرواية معتبر، فإنَّ زيد النرسي وإن لم يرد في حقه توثيق خاص، إلَّا أنَّه ممن روىٰ في كامل الزيارات، وروىٰ عنه ابن أبي عمير، هذا من حيث السند.

وأمَّا دلالة الرواية، فالأمر بالجلوس ظاهر في الوجوب، ولا توجد قرينة علىٰ الاستحباب، إلَّا ما ورد في التعليل وتقدَّم المناقشة فيه.

الرواية الخامسة: رواية الأصبغ بن نباتة:

قال: كان أمير المؤمنين (عليه السلام) إذا رفع رأسه من السجود قعد حتَّىٰ يطمئن ثم يقوم، فقيل له: يا أمير المؤمنين، كان قبلك أبو بكر وعمر إذا رفعوا رؤوسهم من السجود نهضوا علىٰ صدور أقدامهم كما تنهض الإبل، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «إنَّما يفعل ذلك أهل الجفاء من الناس، إنَّ هذا من توقير الصلاة»(15).

والرواية من جهة السند معتبر، فإنَّ طريق الشيخ إلىٰ محمد بن أحمد بن يحيىٰ صحيح في المشيخة، والطريق إلىٰ الأصبغ يشتمل علىٰ علي بن الحزّور وهو وإن لم يرد في حقِّه توثيق عند أصحابنا، إلَّا أنَّه يستفاد من كلام ابن حجر في التقريب حيث قال: علي بن الحزّور بفتح المهملة والزاي والواو المشددة بعدها راء الكوفي، وهو علي بن أبي فاطمة، متروك، شديد التشيع، من السادسة، مات بعد الثلاثين…(16).

فوصف ابن حجر عليَ بن الحزّور بأنَّه متروك، شديد التشيُّع يدل علىٰ أنَّ علي بن الحزّور يعتقد بأحقية أمير المؤمنين والأئمة (عليهم السلام) بالولاية دون غيره، وهو شديد من هذه الناحية، وهذا هو السبب في ترك ابن حجر للرواية عنه، بالإضافة إلىٰ أنَّه متروك عندهم، فيمكن أن يفهم من هذا التعبير المفروغية عن وثاقته إذ لو كان فيه قدح آخر يمنع من الأخذ بروايته غير ما ذكر لذكره ابن حجر لالتزام الرجاليين بذكر كل ما يكون قادحاً بالراوي إن كان موجوداً، خصوصاً مع كونه من أعدائه مذهبياً، فتأمل(17).

وأمَّا من جهة الدلالة فهي صريحة في أنَّ سلاطين الظلم والجور كانوا يعملون علىٰ خلاف ما يقوم به أمير المؤمنين (عليه السلام)، فهم لم يلتزموا بجلسة الاستراحة، ولذا اعتُرض علىٰ أمير المؤمنين (عليه السلام) عندما أتىٰ بجلسة الاستراحة من قبل الناس واحتجّوا عليه بأنَّ هذا لم يفعله الشيخان، فهذه قرينة واضحة جداً علىٰ أنَّ جلسة الاستراحة واجبة، بخلاف العامة تبعاً لسلاطينهم.

الرواية السادسة: رواية أبي بصير:

ما رواه الشيخ بإسناده عن سماعة عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «إذا رفعت رأسك [في] من السجدة(18) الثانية من الركعة الأولىٰ حين تريد أن تقوم فاستوِ جالساً ثم قم»(19).

وهي من حيث الدلالة ظاهرة في الوجوب، فإنَّ الأمر بالاستواء جالساً يدل علىٰ الوجوب، ولا يحتمل الخصوصية للجلسة في الركعة الأولىٰ دون الثالثة لوضوح أنَّ محل الكلام في جلسة الاستراحة وقد ذكرت في روايات أخرىٰ أنَّ المراد منها الأولىٰ والثالثة من الرباعية فيمكن التعدِّي من الركعة الأولىٰ إلىٰ الركعة الثالثة، لكون ذكر الركعة الأولىٰ من باب المثالية.

ولكن توجد مشكلة سندية، فإنَّ سماعة بن مهران ثقة في نفسه، ولكن الشيخ (قدّس سرّه) لم يذكر له طريقاً في المشيخة أو الفهرست، فتكون الرواية مرسلة، لمجهولية الواسطة ما بين الشيخ وسماعة.

اللَّهم إلَّا أن يقال: إنَّه يوجد عند الشيخ إلىٰ الصدوق طريق صحيح في الفهرست إلىٰ جميع كتبه ورواياته(20)، وطريق الصدوق إلىٰ سماعة صحيح، فيمكن تصحيح رواية سماعة بهذه الطريقة، فتأمَّل.

الرواية السابعة: صحيحة عبدالحميد بن عواض:

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «رأيته إذا رفع رأسه من السجدة الثانية من الركعة الأولىٰ جلس حتَّىٰ يطمئن ثم يقوم»(21).

هي وإن كان تحكي عن فعل الإمام (عليه السلام) – الذي هو أعم من الوجوب والاستحباب – إلَّا أنَّه بقرينة بعض روايات الباب يمكن حملها علىٰ الوجوب، والرواية وإن وردت في الركعة الأولىٰ إلَّا أنَّه يمكن التعدِّي إلىٰ الركعة الثالثة من الرباعية بالبيان السابق، وسيأتي مزيد كلام في هذه الرواية.

روايات معارضة لما سبق:

وقد يقال: بوجود روايتين تعارضان الروايات السابقة، حيث تدلان علىٰ عدم وجوب جلسة الاستراحة، وإليك بيان ذلك:

الرواية الأولىٰ: موثقة زرارة:

قال: رأيت أبا جعفر وأبا عبد الله (عليهما السلام) إذا رفعا رؤوسهما من السجدة الثانية نهضا ولم يجلسا(22).

فهي ظاهرة في عدم لزوم جلسة الاستراحة من جهة عدم التزام لمعصوم (عَلَيْهِ السَّلَامُ) بفعلها.

وطريق الشيخ إلىٰ أحمد بن محمد بن عيسىٰ صحيح، والرواية موثقة لاشتمالها علىٰ عبد الله بن بكير وهو فطحي، فالرواية معتبرة سنداً.

الرواية الثانية: خبر رحيم الخلنجي:

قال: قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام) جعلت فداك، أراك إذا صلَّيت فرفعت رأسك من السجود في الركعة الأولىٰ والثالثة، فتستوي جالساً ثم تقوم، فنصنع كما تصنع؟ فقال: «لا تنظروا إلىٰ ما أصنع أنا، اصنعوا ما تؤمرون»(23).

وليس في السند من يتوقَّف به إلَّا رحيم الخلنجي، وهو أبو أحمد الملقَّب بعبدوس الخلنجي، من أصحاب الإمام الرضا (عليه السلام)، لم يرد في حقِّه توثيق خاص، إلَّا أنَّه بناءً علىٰ كبرىٰ من وقع في أسانيد كامل الزيارات(24) فيمكن توثيقه.

ومفاد الرواية: أنَّها تنفي الوجوب لأنَّ نهي الإمام (عليه السلام) عن الاقتداء به في فعل جلسة الاستراحة يستفاد منه عدم الوجوب بها.

وفيه: أنَّ الرواية ليست في مقام بيان المراد الجدِّي لنفي الوجوب بقرينة أنَّ السائل سأل الإمام (عليه السلام) عندما رآه يجلس جلسة الاستراحة في الركعة الأولىٰ والثالثة، هل يفعل كما هو يفعله (عليه السلام)؟ فإذا الإمام أجابه بالمنع من ذلك، وأنَّ عليه أن لا يصنع كما هو يصنع، علىٰ الرغم من أن جلسة الاستراحة في حدِّ ذاتها راجحة وعلىٰ أقل التقادير هي مستحبة لكونها من توقير الصلاة، ومن وقار المؤمن الخاشع، وأنَّها من فعل أمير المؤمنين (عليه السلام)، حسبما ورد في الأخبار والروايات، فبعد كون جلسة الاستراحة راجحة فيكون منع الإمام للسائل عن النظر إلىٰ ما يصنع وأمره بامتثال ما يأمره من عدم الإتيان بها، قرينة علىٰ أن الإمام (عليه السلام) ليس في صدد بيان الحكم الواقعي، وإنَّما بصدد للتقية.

علاج التعارض بين الأخبار:

العلاج الأوَّل:

هو للمشهور- القول الثاني – إلىٰ الجمع بينها بحمل الأمر الوارد في الروايات بجلسة الاستراحة علىٰ الاستحباب بقرينة موثقة زرارة من جهة ظهورها في عدم اللزوم.

قال الميرزا النائيني (قدّس سرّه): من أنَّ صيغة الأمر تحمل علىٰ الاستحباب جمعاً بين الروايات الأمر وموثقة زرارة النافية للوجوب، وهذا غير تام لما سيأتي في العلاج الثاني.

العلاج الثاني:

وهو لأصحاب – القول الأول – فقد أخذوا بظاهر الأوامر المذكورة في الطائفة الأولىٰ علىٰ الوجوب، وأنَّ موثقة زرارة لا تصلح للمعارضة بعد حملها علىٰ التقيَّة، ففي الحدائق علَّق علىٰ رواية زرارة بأنَّه: (يظهر لي أنَّها خرجت مخرج التقية)(25)، وهكذا حملها سيد المستمسك قال (قدّس سرّه): (لاريب في رجحان الجلوس فمواظبتهما (عليهما السلام) علىٰ الترك لابد أن تكون لعذر وراء الواقع، فلا يدل علىٰ عدم الوجوب)(26)، وفي الجواهر ناقش من قال باستحباب موثقة زرارة بقوله: في موثقة زرارة باحتماله النفل والتقية والعذر…(27)، والفاضل الهندي حملها علىٰ النفل والعذر(28)، وهذا هو الصحيح كما تقدَّم.

ومن هنا اتَّضح أنَّ موثقة زرارة لا تصلح أن تكون معارضة لتلك الروايات الدالة علىٰ الوجوب، لعدم كونها في بيان الحكم الواقعي لكونها في مقام التقيَّة.

وأمَّا خبر رحيم فهو أيضاً وارد مورد التقيَّة كما تقدَّم، وهذا ما صرَّح به السيد الخوئي (قدّس سرّه): أنَّ معتبرة رحيم محمولة علىٰ التقيَّة، وإلّا فلماذا منعه (عليه السلام) عن أن يصنع كما صنع، مع أنَّ جلسة الاستراحة لا إشكال في رجحانها واستحبابها لكونها من توقير الصلاة كما مرَّ، فيعلم من ذلك أنَّ سند المنع هو التقيَّة، أمَّا من نفس الراوي كما احتمله في الحدائق، أو من أجل الابتلاء بالعامة والوقوع في خلاف التقيَّة، فلم تكن الرواية واردة في مقام الحكم الواقعي قطعاً(29).

وهكذا حملها في المستمسك علىٰ التقية حيث قَالَ: إذ بعد رجحان الجلوس جزماً لابدَّ أن يكون الأمر بالترك لعذر كما سبق – في موثقة زرارة –(30).

وأيضاً في الحدائق: (فالظاهر عندي أنَّ السائل في هذه الرواية من المخالفين، فلذا منعه (عليه السلام) من الاقتداء به، وأمره بما هم عليه من المبادرة إلىٰ القيام وعدم الجلوس)(31) وفي الجواهر قال: (وفي خبر رحيم بظهور إرادة التقية منه علىٰ معنىٰ لا تلتفتوا إلىٰ فعلي وتفعلون مثله فتخالفون التقية، بل اصنعوا ما تؤمرون ولو بها، فأنا أعلم منكم بصلاحكم)(32).

والمحقق الهمداني (قدّس سرّه) بعد أن نقل قول بعض الأعلام، حمل الروايتين – زرارة ورحيم – علىٰ التقية قائلاً: والإنصاف أنَّ هذا الحمل قريب جداً، بل ينبغي الجزم بعدم تعلُّق الأمر به إلَّا لمراعاة التقيَّة، بل ولا صدوره عن الإمام إلَّا عن علَّة من تقيَّة ونحوها، فيشكل صرف ما كان ظاهره الوجوب عن ظاهره لذلك(33).

ثم إنَّ المتتبِّع لكلمات جمهور المخالفين يجد أنَّهم ذهبوا إلىٰ عدم الالتزام بجلسة الاستراحة، قال ابن حجر في فتح الباري، قال الشافعي وطائفة من أهل الحديث بمشروعية جلسة الاستراحة، وعن أحمد روايتان، وذكر الخلال أن أحمد رجع إلىٰ القول بها ولم يستحبها الأكثر(34).

وقال ابن قدامه في المغني: اختلفت الرواية عن أحمد هل يجلس للاستراحة؟ فروىٰ عنه لا يجلس وهو اختيار الخرقي، وروىٰ ذلك عمر، وعلي، وابن مسعود وابن عمر وابن عباس، وبه قال مالك والثوري، وإسحاق وأصحاب الرأي، وقال أحمد أكثر الأحاديث علىٰ هذا، وذكر عن عمر، وعلي وعبد الله، وقال النعمان ابن أبي العياش: أدركت غير واحد من أصحاب النبي (صلَّىٰ الله عليه وآله) يفعل ذلك – أي لا يجلس – وقال الترمذي: وعليه العمل عند أهل العلم، وقال أبو الزناد: تلك سنة، والرواية الثانية: أنَّه يجلس، اختارها الخلال، وهو أحد قولي الشافعي(35)،(36).

العلاج الثالث:

وهو ما ذكره العلامة النراقي (قدّس سرّه) باستحكام التعارض واستقراره بين الطائفتين، فيرجح الطائفة الأولىٰ الدالة علىٰ الوجوب فإنَّها مخالفة العامة، بخلاف الروايتين فإنَّهما موافقتان لهم، قال (قدّس سرّه): ويمكن دفع الروايتين – مع عدم دلالة الثانية علىٰ عدم الوجوب – بأنَّ غايتهما التعارض، والترجيح لما مرَّ [أي الروايات الدالة علىٰ الوجوب]، لمخالفته العامة كما تظهر من الأخبار المتقدمة(37).

وهذا العلاج غير تام لما تقدَّم في العلاج الثاني.

نتيجة البحث:

من خلال ما تقدَّم يتَّضح أنَّ الصحيح هو الحكم بوجوب جلسة الاستراحة لظهور الروايات الآمرة بالوجوب وعدم كون الأخبار النافية – وهما خبر رحيم موثق زُرَارَة – بصدد بيان الحكم الواقعي لكونها واردة للتقيَّة، لانتفاء الحجيَّة عنها بعد عدم إحراز جهة الصدور، هذا بالإضافة إلىٰ ما اشتهر عند جمهور المخالفين علىٰ عدم وجوب جلسة الاستراحة.

ونتيجة ذلك هو بقاء الروايات الآمرة حجَّة في ظهورها بالوجوب من دون معارض لعدم صلاحية الأخبار النافية للمعارضة.

والحمد لله رب العالمين وصلَّىٰ الله علىٰ سيدنا محمد وآله الطاهرين.

 

 

 

الهوامش:


(1) العروة الوثقىٰ بتعليقة السيد السيستاني: ج٢، ص١٧٠، مسألة ٤.

(2) الانتصار: ص١٥٠؛ الذكرىٰ: ج٣، ص٤٠٠؛ السرائر: ج١،ص٢٢٩؛ كشف اللثام: ج٤، ص١٠٣؛ الحدائق: ج٨، ص٣٠٢؛ المقنعة: ص١٠٦؛ المراسم: ص٧١؛ والعروة الوثقىٰ مصدر متقدِّم.

(3) الخلاف: ج١، ص٣٦١؛ المختلف: ج٢، ص١٧١؛ المعتبر: ج٢، ص٢١٥؛ كتاب الصلاة: ج٣، ص٣٥١؛ مجمع الفائدة والبرهان: ج٢، ص٢٦٩؛ جامع المقاصد: ج٢، ص٣٠٧.

(4) التهذيب: ج٣، ص٣٠، ح١٠٨.

(5) عيون أخبار الرضا (عليه السلام): ج١، ص١١٢.

(6) الحسن بن راشد هو أبو محمد العباسي مولىٰ بني العباس الكوفي أو البغدادي.

(7) الفقيه:ج٢، ص٣٦١.

(8) المستند: ج١٥، ص١٨٠؛ قاموس الرجال: ج٨، ص٥٠٦؛ روضة المتقين: ج٥، ص٤٣٨؛ بحوث في علم الرجال: ص١٧٠.

(9) يراجع الحاشية السابقة.

(10) الوسائل:ج٥، ص٤٦٥، ب١، ح٩؛ التهذيب: ج٢، ص٣٢٥، ح١٣٣٢.

(11) المعجم: ج٨، ص١٠٦، الرقم ٤٣٩٦.

(12) الوسائل:ج٤، ص٣٥، ب٨، ح١٤؛ قرب الأسناد: ص٣٦، ح١١٨.

(13) الأقشاب جمع قشب وهو مَنْ لا خير فيه.

(14) المستدرك: ج٤، ص٤٥٦، ب٥، ح٢.

(15) الوسائل: ج٦، ص٣٤٧، ب٥، ح٥.

(16) تقريب التهذيب: ج١، ص٦٩٠، الرقم ٤٧١٩.

(17) وقد يرد أنَّه لو كان مفروغاً عن وثاقته فلماذا لم يذكر في كتب أصحابنا من الرجاليين؟

ويمكن أن يجاب أنَّ كتب الرجال أكثرها بالحقيقة من قبيل الفهارس التي تقتصر علىٰ ذكر المؤلف ولا تستقصي جميع الرجال، بالإضافة إلىٰ أنَّها ليست معدَّة إلىٰ بيان حال الرجال من جهة الوثاقة والتضعيف، بل هي فهرسة لمؤلفات مصنفي الشيعة فلاحظ.

وأيضاً قد يقال في التأمُّل: إنَّ ابن حجر ذكر أهم ما يقدح فيه، وهذا يكفي فليس سكوته عن وثاقته يدل علىٰ المفروغية منها.

(18) في بعض النسخ يوجد بدلاً عنه (في السجدة).

(19) الوسائل: ج٦، ص٣٤٦، ب٥، ح٣؛ التهذيب: ج٢، ص٨٢، ح٣٠٣.

(20) المعجم: ج١٦، ص٣٦٢، الرقم ١١٢٩٧.

(21) الوسائل: ج٦، ص٣٤٦، ب٥، ح١.

(22) الوسائل: ج٦، ص٣٤٦، ب٥، ح٢.

(23) الوسائل: ج٦، ص٣٤٧، ب٥، ح٦؛ التهذيب: ج٢، ص٨٨، ح٣٠٤.

(24) المعجم: ج٨، ص١٨٩، رقم ٤٥٧١.

(25) الحدائق: ج٨، ص٣٠٣.

(26) المستمسك: ج٦، ص٤١٠.

(27) الجواهر: ج١٠، ص١٨٥.

(28) كشف اللثام: ج٤، ص١٠٣.

(29) المستند: ج١٥، ص١٨٥، – موسوعة السيد الخوئي-.

(30) المستمسك: ج٦، ص ٤١٠.

(31) الحدائق: ج٨، ص٣٠٤.

(32) الجواهر: ج١٠، ص١٨٥.

(33) مصباح الفقيه: ج١٣، ص٨٧.

(34) فتح الباري: ج٢، ص٢٤٩.

(35) المغني: ج١، ص٥٦٧.

(36) إن قلت: إنَّ بعض هؤلاء لم يكونوا مشهورين وبعضهم لم يكونوا معاصرين كـ(أحمد، الشافعي).

قلت: يكفي لاتِّقاء الإمام وجود آراء لآخرين نقل عنهم أحمد بن حنبل.

(37) مستند الشيعة: ج٥، ص٢٩٧.

Edit Template
Scroll to Top