أربعة أساليب في الكتاب والسُنَّة كفيلة بتزكية النفس

مقدمة:

أيُّها القرّاء الكرام، إنَّ النفس الإنسانية قابلةٌ للسموّ والكمال، وقد وعد الله سبحانه وتعالىٰ البشرَ – رجالاً ونساءً – بالثواب الجزيل شرطَ العمل الصالح في الحياة الدنيا، قال تعالىٰ:

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها * وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها﴾ (الشمس: 9-10).

وقال (عزَّ وجلَّ): ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً﴾ (النساء: 124).

ولأنَّ زماننا هذا قد كثرت فيه المغريات وصُوَرُ الفساد، كان لزاماً علىٰ الإنسان أن يُزكّي نفسه ويُراقبها دوماً، جاعلاً القرآن الكريم وكلام النبيّ (صلَّىٰ الله عليه وآله) وعترته الطاهرة طريقاً لرُقيّ ذاته وسموّها.

ولستُ في هذا المقال أزعم الإحاطةَ بموضوع التزكية كلّه، لكنّي أذكر أربعة أساليب مهمّة كفيلة بأن تكون مناراتٍ يهتدي بها الإنسانُ في طريق تزكية نفسه.

التمهيد:

تزكيةُ النفسِ ليست حالةً عابرة، بل هي مبدأٌ أساسيٌّ يشملُ كلَّ تفاصيلِ الحياة، صغيرَها وكبيرَها، ماديَّها ومعنويَّها.

والنفسُ الإنسانيّةُ قابلةٌ للتغيّرِ والرُّقيّ، وهي التي ألهمَها اللهُ تعالىٰ الخيرَ والشرَّ، قال (عزَّ من قائل): ﴿وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها * فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها﴾ (الشمس: 7-8).

ومن هنا كانت تزكيةُ النفس ضرورةً لا غنىٰ عنها، إذ بدونها تتدنَّىٰ إلىٰ مستوىٰ الحيوانية، وكلّ يومٍ يحتاجُ المرءُ إلىٰ مراقبةٍ ومحاسبةٍ، وتخليةٍ من الرذائل وتحليةٍ بالفضائل.

وفيما يلي أربعةُ أساليبَ عمليّة تمثّل طريقاً واضحاً لتزكيةِ النفسِ وتهذيبِها:

الأسلوب الأوَّل: تزكية الطعام:

اعتبر القرآن الكريم طعامَ الإنسان مسألةً جوهرية في حياته، لما له من أثرٍ في قوّته الجسدية والروحية، وقد ورد عن النبيّ (صلَّىٰ الله عليه وآله):

«فلولا الخبز ما صلَّينا ولا صمنا ولا أدَّينا فرائض ربّنا»(1).

فالطعام قد يكون حلالاً أو حراماً أو مكروهاً أو مستحبّاً بحسب التشريع، غير أنَّ أثره في النفس عظيم، إذ إنَّ الطعام الحلال الطيب يزكّي النفس ويهذّبها.

الآيات المباركة:

قال تعالىٰ:

﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (البقرة: 168).

﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ (المائدة: 88).

﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ﴾ (الأعراف: 157).

الأحاديث الشريفة:

قال رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله):

«من أكل الحلال قام علىٰ رأسه ملكٌ يستغفر له حتَّىٰ يفرغ من أكله، وإذا وقعت اللقمةُ من حرامٍ في جوف العبد لعنه كلُّ ملكٍ في السماوات والأرض…»(2).

وعن الإمام الباقر (عليه السلام):

«ليس من نفس إلَّا وقد فرض الله لها رزقها حلالاً يأتيها في عافية، وعرض لها بالحرام من وجهٍ آخر…»(3).

وفي قصة أصحاب الكهف إشارة بليغة إلىٰ تزكية الطعام:

﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكىٰ طَعاماً﴾ (الكهف: 19)، أي: أطيبُه وأحله.

الأسلوب الثاني: اختيار الصديق:

الصداقة مفهومٌ رئيسيّ في الدين الإسلامي، وقد أولاه القرآن والسُنَّة أهميةً بالغة، حتَّىٰ إنَّ أهل النار يتحسَّرون يوم القيامة لعدم امتلاكهم صديقاً صالحاً، كما قال تعالىٰ: ﴿فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ (الشعراء: 100-101).

قال الإمام الصادق (عليه السلام):

«لقد عظمت منزلة الصديق حتَّىٰ أنَّ أهل النار يستغيثون به ويدعون به في النار قبل القريب الحميم»(4).

وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) لابنه الحسن (عليه السلام):

«إيَّاك ومصادقة الأحمق فإنَّه يريد أن ينفعك فيضرّك، وإيَّاك ومصادقة البخيل… والكذّاب فإنَّه كالسراب يقرب عليك البعيد ويبعد عليك القريب»(5).

فالصديق الصالح معينٌ علىٰ الكمال، ووسيلةٌ من وسائل تزكية النفس، ولذلك قال النبيّ (صلَّىٰ الله عليه وآله):

«المرء علىٰ دين خليله، فلينظر أحدكم من يُخالل»(6).

الأسلوب الثالث: ترك فضول الكلام:

فضول الكلام من أخطر الآفات التي تفسد النفس وتطفئ نور القلب، وقد حثَّ الإسلام علىٰ ضبط اللسان وحفظه.

قال تعالىٰ: ﴿ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (ق: 18)، ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً﴾ (البقرة: 83).

وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) لرجلٍ يتكلَّم كثيراً:

«يا هذا، إنَّك تُملِي علىٰ حافظيك كتاباً إلىٰ ربِّك، فتكلَّم بما يعنيك ودَع ما لا يعنيك»(7).

وفي وصية النبيّ (صلَّىٰ الله عليه وآله) لأبي ذرّ:

«يا أبا ذرّ، اترك فضول الكلام، وحسبك من الكلام ما تبلُغ به حاجتك»(8).

الأسلوب الرابع: المداومة علىٰ الأذكار:

إنَّ المداومة علىٰ ذكر الله تعالىٰ غذاءٌ للقلب وروحُ الحياة الإيمانية.

قال سبحانه:

– ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ﴾ (الرعد: 28).

– ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ (البقرة: 152).

– ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ (الأحزاب: 41-42).

وقال رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله):

«ذاكرُ الله في الغافلين كالمقاتل في الفارّين، والمقاتل في الفارّين له الجنة»(9).

وسُئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن معنىٰ قوله تعالىٰ: ﴿اذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾ فقال:

«من سبَّح تسبيح فاطمة (عليها السلام) فقد ذكر الله الذكر الكثير»(10).

الخاتمة:

أيُّها الأحبّة، إنَّ هذه الأساليب الأربعة – تزكية الطعام، واختيار الصديق، وترك فضول الكلام، والمداومة علىٰ الأذكار – تمثّل طريقاً عملياً لتطهير النفس وارتقائها.

زكِّ طعامك، تسمُ نفسك نحو الكمال، واختر صديقك، تصفو حياتك نحو الأفضل، واضبط لسانك، ليهنأ فكرك وعيشك، وأكثر من ذكر الله تعالىٰ، ليطمئنّ قلبك.

قال تعالىٰ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّىٰ * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ﴾ (الأعلىٰ: 14-15).

 

 

 

الهوامش:


(1) وسائل الشيعة: ج17، ص30-31.

(2) وسائل الشيعة: ج17، ص30.

(3) وسائل الشيعة: ج17، ص45.

(4) بحار الأنوار: ج71، ص176.

(5) وسائل الشيعة: ج12، ص33-34.

(6) بحار الأنوار: ج71، ص192.

(7) وسائل الشيعة: ج12، ص197

(8) وسائل الشيعة: ج12، ص188.

(9) بحار الأنوار: ج90، ص163.

(10) وسائل الشيعة: ج6، ص443.

Edit Template
Scroll to Top