بنية النظم الاجتماعي في نهج البلاغة

بنية النظم الاجتماعي في نهج البلاغة

وسيتضمن البحث ما يلي:

أوَّلاً: مقدمة تتضمَّن الإشكالية لاعتماد البحث.

ثانياً: أنواع التشريعات في الإسلام.

ثالثاً: تقسيمات المجتمع عند الإمام.

أ – التقسيم علىٰ أساس طَبَقِي.

ب – التقسيم علىٰ أساس نفسي.

ت – التقسيم علىٰ أساس العلم والمعرفة.

ث – التقسيم علىٰ أساس إنساني.

ج – التقسيم علىٰ أساس العمل الموكول إليه (الوظيفي).

ح – التقسيم علىٰ أساس المهن.

المقدمة والإشكالية:

إنَّ الاجتماع الإنساني ضرورة حياتية، وهناك تعبير لعلماء الاجتماع بأنَّ الإنسان مدني بالطبع، أي لابدَّ له من الاجتماع، الذي يعبّر عنه ابن خلدون بأنَّه المدينة، وهو معنىٰ العمران عنده(1)، وهذا لا يتم إلَّا باستمرار الخلق والحياة وتأمين احتياجاته بالغذاء وغيره، وهذه الأمور يستحيل علىٰ الإنسان تأمينها بمفرده، حتَّىٰ ولو كانت رغيفاً من الخبز، فهي بحاجة إلىٰ الكثير من المعالجات والصناعات حتَّىٰ تصبح جاهزة للتناول، فهي بحاجة إلىٰ الزارع والصانع والتاجر وغيرهم، فكيف إذا تعدَّدت الحاجات، وتعقَّدت مطالب الحياة، عندها تكون الحاجات أكثر تعدداً، وتحتاج إلىٰ علاقات أكثر سعة، وبالتالي إلىٰ قوانين تنظِّم هذه العلاقات، لتأمين الحاجات الضرورية، وتتعقد أكثر مع تعدُّد الأقوام، واختلاف المصالح، فتبدأ بينهم الحروب لتحقيق المكاسب.

لذلك تحتاج الجماعة لنظمها من أجل تأمين الاستقرار، وتسمَّىٰ هذه العلاقة، بالعلاقات الاجتماعية، ونظراً لانبهار بعض المثقَّفين بما عند الغرب من ثقافة ونُظُمٍ، فقد ادَّعىٰ البعض منهم: بأنَّ الإسلام ليس لديه هذه المقدرة علىٰ نظم شؤون المجتمع، كيف يمكن تحقيق ذلك، والفترة الزمنية تبتعد أكثر فأكثر عن عصر التشريع (بداية المبعث)، وكيف يمكن الاعتماد علىٰ تشريع عالج احتياجات مجتمع قبل أكثر من (1400) سنة والظروف والاحتياجات تتغيَّر وتتبدَّل من زمن لآخر؟

لذلك لا يمكننا الاعتماد عليه في نظم أمور مجتمعاتنا الحديثة، بحيث تلبي كافة الاحتياجات له، ونظمها.

فيا ترىٰ هل في الثقافة الإسلامية ما يسد هذه الحاجة للمجتمعات؟ أو هل يمكن للقوانين والنُظُمِ الإسلامية القيام بذلك؟ وكيف يمكن ذلك مع البُعد الزمني الكبير بين عصر التشريع وعصرنا الحالي؟

وللإجابة علىٰ مثل هذه التساؤلات وهي من حيث المبدأ مشروعة، لذلك سيكون البحث بتجرُّدٍ تام ضمن بعض أُمَّهات الكتب الإسلامية، كالقرآن ونهج البلاغة، لنرىٰ هل هناك شيء من النُظُمِ لكافة متطلَّبات الحياة الكريمة، لذلك سيكون بحثي حول نظم الأمر الاجتماعي في نهج البلاغة، وذلك تحت عنوان:

(بنية النظم الاجتماعي في نهج البلاغة – دراسة تحليلية).

من المعروف لدىٰ الباحثين بأنَّ دراسة هذه العلاقات قريبة جداً من العصر الذي كان يعيش فيه ابن خلدون، حتَّىٰ أصبح معروفاً لدىٰ العلماء بأنَّه مؤسِّس علم الاجتماع وواضع قوانينه.

ولكنَّنا في الواقع لو تفحَّصنا جيداً كتاب الله وسُنَّة نبيِّه (صلَّىٰ الله عليه وآله)، وما هو موجود في نهج البلاغة، لوجدنا الشيء الكثير مما ينظِّم هذا الأمر، وابن خلدون وغيره عبارة عن باحثين استفادوا من هذا التراث، وهذا عمل جيد، ولو التزمت البشرية بهذا النظم لسادت السعادةُ حياتَهم، لأنَّ ما هو موجود في نهج البلاغة بشكل خاص (محل دراستنا) فيه التَعَرُّض لكافة المقاييس المُقَوِّمَة لأُسس العلاقات الاجتماعية ولكافة المفاهيم التي تحكم عمل الإنسان، وبالتالي صلاحه، كالحبِّ والبغض، والخير والشر، والفضيلة والرذيلة، والعدل والظلم، والحقّ والباطل… إلخ.

وكلّ مفردة من هذه المفردات لها أثرها الإيجابي أو السلبي علىٰ مسيرة الإنسانية في هذه الحياة.

ونظراً لتعدُّدها وتنوّعها، والتي تأخذ أشكالاً عديدة، كان لابدَّ من تنظيمٍ لهذه العلاقات، فكان التعدُّد في التشريع الإلهي، بعد أن كان في حَدِّه الأدنىٰ مع بداية الحياة البشرية علىٰ الأرض، بقوله تعالىٰ عندما خاطب آدم وحواء (عليهما السلام): ﴿يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: 35)، نلاحظ في أوَّل خطاب من الله (عزَّ وجلَّ) لآدم (عليه السلام) تضمن أمرين ونهي ﴿اسْكُنْ﴾، ﴿وَكُلا﴾، ﴿وَلا تَقْرَبا﴾ وذلك تبعاً لحاجة البشرية لمسألة نظم أمرها، بما يتوافق مع المصلحة العامة والخاصة.

لكن بعد ذلك أصبحت هناك تشريعات عديدة وأصبحت من الكثرة لتشمل كل مناحي الحياة للإنسانية، فهي تتدخَّل في كلِّ شأن له مدخلية في حياة الأُمَّة، وتبدأ هذه التشريعات من تنظيم العلاقة مع كلّ ما له علاقة في حياة الإنسان، اجتماعية أم أخلاقية، عبادية كانت أم معاملاتية، تشريعات تنظِّم العلاقة البينية بين مكونات المجتمع، والعلاقة البينية بين المجتمع المسلم وغيره، فرداً كان أم جماعة.

 فما هي أنواع هذه التشريعات؟

أنواع التشريعات في الإسلام:

تنوَّعت التشريعات الناظمة لسلوك الفرد والمجتمع بحيث أخذت أشكالاً متنوِّعة، منها(2):

أوَّلاً: تشريعات تتعلَّق بالفرد المسلم:

وهي علىٰ أنحاء عديدة، أهمّها:

إحداها: الجانب العبادي الفردي:

ويمثِّل هذا الجانب علاقة الإنسان بربِّه، وذلك من خلال العبادات المفروضة عليه، كالصوم والصلاة، والحج والزكاة، وغيرها، وهي أمور تنظِّم العلاقة ما بين الإنسان وربِّه، وذلك لغاية تربوية تتجسَّد في تحسين سلوك الإنسان من خلال اتِّصافه بصفة التقوىٰ، التي هي غاية جميع العبادات، والتي بواسطتها تنتظم كلَّ جوانب حياة الفرد، وبالتالي المجتمع.

والتراث الثقافي والفكري الإسلامي يتضمَّن الكثير الكثير منها، ونهج البلاغة باعتباره من أهم المصادر بعد القرآن والسُنَّة النبوية مليءٌ بالإشارة إلىٰ هذه الأمور، تارة بالإجمال وأخرىٰ بالتفصيل.

ثانيها: الجانب الحياتي الجماعي:

يظهر بشكلٍ واضحٍ في سلوكِ الإنسان مع أخيه الإنسان، وهذا الأمر لو أُحسِنَ تطبيقُه لعاشت البشرية بسعادة، وتتجسَّد بتنظيم العلاقة ما بين الإنسان ووالديه، وعلاقته مع الأرحام والجوار، وتظهر عظمة هذه العلاقة في نظمها من خلال حُسنها مع مطلق الناس، وخير شاهدٍ علىٰ آلية هذه العلاقة ما ورد في وصيَّةِ الإمام علي لابنه الحسن (عليهما السلام) خير ما يمكن قوله بعد كتاب الله، وقول الرسول (صلَّىٰ الله عليه وآله) في آلية العلاقة بين الإنسان وأخيه الإنسان، يقول الإمام في وصيته:

«يا بُني اجعل من نفسك ميزاناً فيما بينك وبين غيرك، فاحبب لغيرك ما تحبّ لنفسك، واكره له ما تكره لها، ولا تظلم كما لا تحب أن تُظلَم، وأحسن كما تحب أن يُحسَن إليك، واستقبح من نفسك ما تستقبح من غيرك، وارض من الناس بما ترضاه لهم من نفسك، ولا تقل ما لا تعلم وإن قَلَّ ما تعلم، ولا تقل ما لا تحب أن يقال لك»(3).

هذا النظم للعلاقة بين الناس، أظهر المقياس الحقيقي لذلك، وهو: (عامل الناس كما تحب أن يعاملوك به، وما يكره معاملة الناس له عليه أن يكرهه للناس)، إذا حاول كلٌّ منَّا أن يطبِّق هذا المقياس بشكل دقيق، لعاش الناس جميعاً بسعادة ما بعدها سعادة، وبالتالي تكون العلاقة بينهم في أسمىٰ درجاتها، ويترقَّىٰ الإمام أكثر، فيَجْعَل مقياساً للعلاقة لمرحلة ما بعد الممات، يقول الإمام (عليه السلام) في إحدىٰ حِكَمه:

«خالطوا الناس مُخالطة إن مُتُّم معها بكوا عليكم، وإن عشتم حنّوا إليكم»(4).

نلاحظ كيف جعل الأساس لهذه العلاقة في الدنيا وآثارها فيها، أنَّ الإنسان يحن لأخيه وما هذا إلَّا لشدة هذه العلاقة ومتانتها، وبعد الممات وكيفية استمرار هذه العلاقة، هذا الترتيب والنظم لا نجده فيما كُتِبَ من قبل علماء الاجتماع في العصر الحاضر، هذا البيان لشكل وكيفية العلاقة بين الناس بشكل عام مع بعضهم البعض يعتبر سبق وانفراد من قِبَل الإمام (عليه السلام).

ولكن كيف تكون ماهية العلاقة بين الأرحام؟

يقول الإمام (عليه السلام) ربيب الرسالة:

«أيُّها الناس إنَّه لا يستغني الرجل – وإن كان ذا مالٍ – عن عشيرته ودفاعهم عنه بأيديهم وألسنتهم، وهم أعظم الناس حِيطة من ورائه، وألمّهم لشعثه، وأعطفهم عليه عند نازلةٍ إذا نزلت به، ولسان الصدق يجعله الله للمرء في الناس خيراً له من المال يُورِّثه غيره» (5).

عندما يؤكِّد الإسلام علىٰ أهميَّة صلة الرحم، وجعل جزاء القاطع لرحمه العذاب الأخروي الشديد، يريد من ذلك التأكيد علىٰ الترابط الاجتماعي في المجتمع، فعندما يحصل هذا علىٰ مستوىٰ العشيرة والقرابة، ويصبح الترابط أكثر سهولة مع انتشار ظاهرة القرابة بأبعادٍ مختلفة، وبمصاديق متعدِّدة، يزداد الترابط المجتمعي أكثر، وبالتالي يزداد المجتمع قوة ومتانة، وتسود العلاقة الحميمية بين الناس، ومصاديق الحث علىٰ صلة الرحم كثيرة جداً في كتاب الله، وسُنَّة نبيِّه، وهذا لا نجده في أي ترتيب في أيِّ زمن، أو مجتمع أو تقنين معيَّن سوىٰ ما نراه في الإسلام وبشكل خاص لدىٰ الأمير بشكل واضح جَلِيٌّ.

وزيادة في التأكيد علىٰ توطيد العلاقة بين الأرحام يشير الإمام إلىٰ الخسارة التي تلحق بقاطع الرحم، فيقول (عليه السلام): «ألا لا يعدلن أحدكم عن القرابة يرىٰ بها الخصاصة(6) أن يسدها بالذي لا يزيده إن أمسكه ولا ينقصه إن أهلكه، ومن يقبض يده عن عشيرته فإنَّما تُقبَضُ منه عنهم يدٌ واحدة، وتقبض منهم عنه أيدٍ كثيرة، ومن تلن حاشيته يستدم من قومه المودَّة»(7).

هذا عن الأرحام والقرابة، ولكن ما هي نظرة القرآن بالنسبة للجوار والذي به يزداد المجتمع تماسكاً ويزداد قوة في مواجهة الأعداء؟

يقول تعالىٰ: ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبىٰ وَالْيَتامىٰ وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبىٰ وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالاً فَخُوراً﴾ (النساء: 36)، لقد قرن اللهُ حُسنَ العلاقة مع الجوار، وعدم الشرك بالله وحسن العلاقة مع الوالدين بدرجة واحدة وفي سياق واحد، وما هذا إلَّا لِعِظَمِ أثر هذه العلاقة علىٰ المسيرة الإنسانية.

ونلاحظ تأكيد أمير المؤمنين (عليه السلام) علىٰ أهمية الجوار وحقوقه، وهذا نابع من التربية النبوية والإسلامية التي يتمتَّع بها الإمام فيقول (عليه السلام):

«الله الله في جيرانكم، فإنَّهم وصية نبيِّكم، ما زال يوصي بهم حتَّىٰ ظننَّا أنَّه سيورثهم»(8).

وبالنسبة للأصحاب والأصدقاء، وأُسس العلاقة معهم، فإنَّ وصيته لابنه الحسن (عليهما السلام) تبدو في غاية الدقة في تحديد هذه العلاقة فيقول (عليه السلام):

«احمل نفسك من أخيك عند صرمه علىٰ الصلة، وعند صدوده علىٰ اللطف والمقاربة، وعند جموده علىٰ البذل، وعند تباعده علىٰ الدنو، وعند شدَّته علىٰ اللين، وعند جرمه علىٰ العذر، حتَّىٰ كأنَّك له عبدٌ وكأنَّه ذو نعمة عليك، وإيَّاك أن تضع ذلك في غير موضعه، أو أن تفعله بغير أهله، ولا تتخذنَّ عدو صديقك صديقاً، فتعادي صديقك، وامحض أخاك النصيحة حسنة كانت أو قبيحة، وتجرَّع الغيظ فإنِّي لم أر جُرعة أحلىٰ منها عاقبة ولا ألذ مغبَّة، ولِن لمن غالظك فإنَّه يوشك أن يلين لك ولا يكونن أخوك أقوىٰ علىٰ قطيعتك منك علىٰ صلته، ولا يكونن علىٰ الإساءة أقوىٰ منك علىٰ الإحسان»(9).

قواعد ووصايا في منتهىٰ الدقة والروعة، وتعبر عن نبذٍ للأنا المهلكة، ونستطيع تلخيص هذه القواعد بما يلي:

1 – التواصل مع الصديق عند القطع من قِبَلِهِ:

وهذا تنفيذ لقول رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله): «وأن تصل من قطعك»(10)، ولا يكون في قطيعته لك أقوىٰ منك علىٰ التواصل، يعني لابدَّ أن يكون وصلك إيَّاه أقوىٰ من قطيعته لك، فإنَّ ذلك يكون مدعاة لتغيير موقفه نحو الأحسن والأفضل، أفضل مثال لذلك ما تصرَّف به الرسول (صلَّىٰ الله عليه وآله) مع جاره اليهودي، فكان ذلك مدعاة لإسلامه.

2 – التعامل معه باللطف واللين عند مبادرته بالقسوة:

مهما بلغت درجة قسوته فلا يكون ذلك أقوىٰ من إحسانك له، ولابدَّ أن تصل إلىٰ مرحلة تؤثِّر فيه فيبدل تعامله وأسلوبه.

3 – وإذا منع هو العطاء في موقف ما، أن يكون ردَّك عليه بالعطيَّة والبذل يقول (صلَّىٰ الله عليه وآله): «وأن تعطي من حرمك»(11).

4 – إذا كان تعامله معك بالشدة فليكن تعاملك معه باللين، وإذا ابتعد عنك أن تدنو منه.

5 – التبدُّل من الطرف الآخر:

فإذا تكرَّر ذلك يوشك أن يتبدَّل هذا الصاحب من الغلظة إلىٰ اللِّين، يقول تعالىٰ: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (فصلت: 34).

6 – وأن تجد له العذر عند الخطأ:

خاصة وأنَّنا مأمورون بأن نحمل أخانا المسلم علىٰ سبعين محملاً حسناً.

هذه القواعد هي الأساس التي يجب علىٰ المسلم أن يسير عليها ويطبقها في مسيرة حياته، حتَّىٰ وإن استظهر أنَّ العلاقة هي أشبه ما تكون بعلاقة عبدٍ مع سيِّده، لذلك يقول (عليه السلام): «حتَّىٰ كأنَّك عبد وكأنَّه ذو نعمة عليك»(12)، ولكن هذا الأسلوب من التعامل يجب أن يكون في منتهىٰ الدقة، وذلك من حيث الاختيار للصديق، فعليك أن تحسن الاختيار، وأن تبحث عن الصاحب، الذي يستحق مثل هكذا معاملة، هذه المعاملة التي تكون وسيلة إصلاح وبناء، لا وسيلة تكبُّر وتجبُّر، فتكون قد وضعتها في غير موضعها.

لكن ما هي مواصفات الصاحب (الصديق) الذي يجب أن يبني الإنسان علاقته معه؟

مواصفات الصاحب (الصديق):

يحدِّد الإمام (عليه السلام) لابنه مواصفات الصاحب، وذلك من خلال ذكره لمواصفات من لا ينبغي مصاحبته فيقول (عليه السلام): «يا بني إيَّاك ومصادقة الأحمق، فإنَّه يريد أن ينفعك فيضرك، وإيَّاك ومصادقة البخيل، فإنَّه يُقعِدُ عنك أحوج ما تكون إليه، وإيَّاك ومصادقة الفاجر، فإنَّه يبيعك بالتافه، وإيَّاك ومصادقة الكذاب، فإنَّه كالسراب، يقرب عليك البعيد، ويبعد عنك القريب»(13).

مما تقدَّم نستطيع أن نجعل المواصفات التي قرَّرها أمير المؤمنين (عليه السلام) أساساً للصحبة والصداقة، وهي علىٰ الشكل التالي:

1 – عدم مصاحبة الأحمق:

كي لا يحمل لنا المضرَّة باعتباره لا يحسن الاختيار، وذلك ناتج عن التسرُّع في اتِّخاذ قراره، وتحديد مواقفه، وهذا يعني أن يكون الصاحب متَّصفاً بالعقلانية والحكمة.

2 – عدم مصاحبة البخيل:

وذلك لكونه لا يفكر إلَّا بالمال وتحصيله، فيبعده عنك ولو كنت بأمسِّ الحاجة إليه، فالصاحب لابدَّ أن يكون متَّصفاً بالكرم، وهذه الصفة لا لمكسب خاص، بل لأنَّها تجعله يفكر بالمصلحة العامة، كما يفكِّر بمصلحته الخاصة.

3 – عدم مصاحبة الفاجر:

لأنَّه يكون بعيداً كلَّ البُعد عن القِيَم، فتكون الأنا هي الحاكمة علىٰ تصرُّفاته، وبالتالي حين حاجتك له يبيعك بأقلِّ الأثمان، وهذا يعني بأنَّ الصاحب أو الصديق يجب أن يكون متَّصفاً بالحياء والتديُّن.

4 – عدم مصاحبة الكذاب:

وذلك لكونه يجعلك بعيداً كلَّ البُعد عن الحقيقة والواقع، فيريك الأمر بالشكل الذي يريده هو، بغض النظر عن التوافق مع الصواب أو عدمه، ونِعْمَ الوصف من قبل أمير المؤمنين (عليه السلام) عندما شبَّهه بالسراب، إذاً يجب أن يكون صاحبي أو صديقي متَّصفاً بالصدق قولاً وفعلاً.

5 – عدم مصاحبة عدو الصديق:

إنَّ التأكيد علىٰ هذا الأمر من قِبَل أمير المؤمنين (عليه السلام) من خلال وصيَّته لابنه الحسن (عليه السلام): «لا تتَّخذنَّ عدو صديقك صديقاً فتعادي صديقك»، لشدَّة تأثير ذلك علىٰ العلاقة مع الصديق المتَّصف بخصال الصداقة السليمة.

لا شكَّ بأنَّ هذا التحذير من صحبة من يتَّصف بما ذكرناه حسب توصيات الأمير (عليه السلام) بسبب الخطر الذي تورثه كل صفة من تلكم الصفات، ولآثارها السلبية علىٰ مسيرة الإنسان، لذلك يؤكِّد الإمام لابنه الحسن (عليهما السلام) علىٰ ضرورة الحذر في اختيار الصحبة، فلا يتَّخذ صاحباً له يحمل إحدىٰ هذه الصفات، لأنَّ الصحبة لها أُسس في العلاقة، وقد ذكرها، فإذا كان الصديق يحمل إحدىٰ هذه الصفات – السيئة – وتعامل معه علىٰ أساس الصحبة، يكون قد وضع الشيء في غير محلِّه، ويعود عليه بالضرر.

ثانياً: تشريعات تتعلق بالأسرة المسلمة:

وأوَّل تشريع يمكن الإشارة إليه ليكون عاملاً في نظم الحياة الاجتماعيَّة في الإسلام هو تشريع الزواج، الذي بموجبه تتكوَّن الأُسرة، وقد وضع الشارع المقدَّس تشريعات كثيرة للأُسرة، تنظم أمرها من بدايتها أي إجراء العقد وكيفيته، وما يترتَّب عليه من أحكام، في مرحلة ما قبل الزواج وما بعده، وفي حالات الاتِّفاق والاختلاف والفراق، أو الوفاة وغيرها، كلّها تأخذ طابعاً تنظيمياً تتحدَّد من خلالها الواجبات والحقوق والالتزامات، وعلىٰ هذا الأساس كانت تشريعات الزواج والطلاق والميراث، وحقوق الزوجين المتبادلة، وأحكام الأولاد وحقوقهم وحقوق الوالدين، وما هي الأمور التي تترتَّب في حالات الخلل الذي يمكن أن يحصل.

وللعلم لكلِّ مفردة من هذه المفردات عِظَةٌ أو حكمةٌ أو مقالة لأمير المؤمنين، منها قوله (عليه السلام):

«ليتأسَّ صغيركم بكبيركم، وليرأف كبيركم بصغيركم، ولا تكونوا كجفاة الجاهلية»(14)، يبيِّن لنا الأساس السليم للتعامل مع الأبناء (الرأفة)، وكذلك في تعامل الأبناء مع آبائهم(التأسِّي)، وذلك من حيث وجوب اقتداء الصغار بالكبار، وكذلك رأفة الكبار بالصغار، والاهتمام بشأن تربية الأبناء وتعليمهم.

وعن آلية تعامل المرأة مع زوجها يؤكِّد الإمام (عليه السلام) بأنَّ جهاد المرأة هو بحسن العلاقة مع زوجها، فيقول: «وجهاد المرأة حسن التبعُّل»(15).

ثالثاً: ما يتعلَّق بالمجتمع المسلم:

لم تقتصر التشريعات الإسلاميَّة علىٰ الحالات الفرديَّة فقط، بل اتَّسعت لتشمل الجوانب الجماعية والمجتمعية، ولها مصاديق عديدة منها:

أ – تشريعات خاصة بالمال والاقتصاد:

كالتشريعات الناظمة لعملية توزيع الإرث، والبيع والشراء والهبة والوقف وغيرها، وما أكثرها.

ب – تشريعات خاصة بالأمور التربوية:

وتلك التي تتعلَّق بالعلاقة بين مكوِّنات الأُسرة، الأب والأُم والأولاد فيما بين بعضهم البعض وفي علاقتهم مع الله (عزَّ وجلَّ)، ومع الجوار والأصحاب.

ج – تشريعات خاصة بالدفاع والجهاد:

هي تلك التي تنظِّم عملية الالتحاق بالجبهات ضد أعداء الله، ومتىٰ يكون ذلك واجباً عينياً ومتىٰ يكون واجباً كفائياً، ومتىٰ لا يجب ذلك.

د – تشريعات خاصة بالعلاقات الخارجية:

ويقصد بها علاقة الدولة والأُمَّة مع مجتمعات أخرىٰ، والأُسس العامة الناظمة لهذه العلاقة.

ونظراً لأنَّ الإنسان هو المحور لهذا البحث، فلابدَّ لنا من النظر في رؤية الإمام علي (عليه السلام) إلىٰ تقسيم المجتمع، والذي بموجبه يمكن التوصُّل إلىٰ أصول نظم المجتمع وترتيبه كلٌّ حسب تقسيمه ووظيفة قسم مع الآخرين جماعة كانت أم فرداً.

تقسيمات المجتمع عند الإمام:

إنَّ المجتمع بنظر الإمام له تقسيمات مختلفة ومتنوِّعة، وذلك بحسب أساس القسمة الذي يعتمده لكلِّ قسم، فلا يمكن التقسيم إلَّا بالاعتماد علىٰ أساس لهذه القسمة، بحيث تتميَّز الأقسام بناءً علىٰ ذلك، لذلك علينا أن نرىٰ أوَّلاً أنواع هذه التقسيمات، والأساس الذي تعتمد عليه كل قسمة، وأثر ذلك علىٰ المجتمع، والدور الموكول لكلِّ قسم.

ثم النُظُم الحاكمة للعلاقة بين مكونات المجتمع علىٰ هذا الأساس أو ذاك.

أمَّا الأُسس عند الإمام التي يتم بموجبها تقسيم المجتمع إلىٰ أقسام متنوِّعة، فهي مختلفة ومتنوِّعة، وذلك علىٰ الشكل التالي:

أ – التقسيم علىٰ أساس طبقي.

ب – التقسيم علىٰ أساس نفسي.

ج – التقسيم علىٰ أساس علمي.

د – التقسيم علىٰ أساس إنساني.

هـ – التقسيم علىٰ أساس مهني.

وما يهمُّنا من التقسيم المذكور هو بيان الأساس الذي يجب اعتماده في التعامل مع هذه الفئات من المجتمع، سواء كان فيما بين بعضهم البعض، أو آلية التعامل التي يتوجَّب علىٰ الوالي اتِّباعها، وذلك ليحصل الانسجام بين مكوِّنات المجتمع، وبالتالي تحقيق الغاية المرجوة من كلِّ فئة من الفئات.

أوَّلاً: التقسيم علىٰ أساس طبقي:

يقسم المجتمع علىٰ هذا الأساس إلىٰ قسمين:

القسم الأوَّل: الطبقة الخاصة:

هم الأغنياء المتنفِّذون المقرّبون من الوالي يلازمونه ما درَّت معايشهم، وهؤلاء كما يقول الأمير يتَّصفون بصفات منها:

1 – يعتبرون حملاً ثقيلاً علىٰ الوالي: وقت الرخاء لكثرة مطالبهم، فهم لا يشبعون كلَّما تحقَّق لهم مكسب انتقلوا إلىٰ مكسب جديد، ووقت الشدَّة يتخلّون عنه.

2 – هَمُّهُم الدنيا: لذلك تراهم حين المعركة يختبئون، ويتذرَّعون بأضعفِ الحُجَج فراراً من المشاركة في المعركة خوفاً من الموت، وما ذلك إلَّا لضعف الإيمان عند هذه الفئة.

3 – ليس للعدالة مكان في تفكيرهم: فهم يوجدون أي مبرّر لتحقيق المكاسب المادية، ولو علىٰ حساب الآخرين.

4 – لا يؤدّون واجب الشكر علىٰ النِعم التي يعيشون فيها: وذلك لاعتقادهم بأنَّ ما هم فيه حقٌ مكتسب لهم، ولا يحق لأحد منازعتهم به، فعلىٰ أي شيء يشكرون.

القسم الثاني: الطبقة السفلىٰ:

ويقصد بها فئة من المجتمع وهم الفقراء والمساكين واليتامىٰ والمحرومين، وهؤلاء لا حيلة لهم بعد الله، إلَّا عدل الوالي، لذلك نرىٰ أمير المؤمنين (عليه السلام) يلفت نظر واليه مالك الأشتر إليهم، وإلىٰ ضرورة الاهتمام بشأنهم فيقول له:

«الله الله في الطبقة السفلىٰ من الذين لا حيلة لهم، والمساكين والمحتاجين، وأهل البؤس(16) والزمنىٰ(17)، فإنَّ في هذه الطبقة قانعاً ومعتراً(18)، واحفظ الله ما استحفظك من حقِّه منهم».

نلاحظ بأنَّ هذه الفئة علىٰ عكس الفئة السابقة من حيث المواصفات فهي فئة تتَّصف بما يلي:

1 – قليلو المال: المال عندهم قليل بعكس الفئة الأولىٰ الذين يتَّصفون بكثرة أموالهم.

2 – القناعة: فهم يبحثون عن لقمة العيش الكريمة، والذي يمكن تسميته بحدِّ الكفاف، وهو الحد الذي يسد حاجته.

3 – الشكر: يعترفون لصاحب المعروف بمعروفه فيشكرونه علىٰ ذلك، وهذه المسألة تعتبر مسألة عقلائية، إضافة إلىٰ أنَّها أمر شرعي، فعن الإمام الرضا (عليه السلام): «من لم يشكر المنعم من المخلوقين لم يشكر الله (عزَّ وجلَّ)»(19)، وهذا يمثِّل اعتراف بفضل الله الذي جعل هذا الشخص وسيلة لوصول النعمة عن طريقه.

4 – يبحثون عن العدل: فهم يبحثون عن لقمة عيشهم الكريمة، ولا يمانعون غيرهم من أن يحصلوا علىٰ ما يحتاجون.

والملاحَظ بأنَّ الإسلام قد اهتمَّ كثيراً بهذه الطبقة، وأكَّد علىٰ أهمية المحافظة علىٰ حقوقهم، بل جعلهم أمانة بين المسلمين، وطلب منهم إيصال الحقوق الشرعية لهم، وتوعَّد المتخلِّف عن الأداء بالعذاب الشديد في الحياة الآخرة، وتعتبر رسالة الإمام إلىٰ مالك الأشتر واليه علىٰ مصر من أروع ما يمكن أن يكون نَظْمُ هذه العلاقة بكلِّ أشكالها، فعن التقسيم الطبقي إلىٰ طبقة خاصة وطبقة عامة، وكيفية التعامل معهم ونتائج ذلك يقول الإمام (عليه السلام):

«وليكن أحب الأمور إليك أوسطها في العدل، وأجمعها لرضىٰ الرعية، فإنَّ سخط العامة يجحف برضىٰ الخاصة، وإنَّ سَخَطَ الخاصةِ يُغتفر مع رضىٰ العامة، وليس أحد من الرعية أثقل علىٰ الوالي مؤونة في الرخاء، وأقل معونة له في البلاء، وأكره للإنصاف، وأسأل بالإلحاف، وأقل شكراً عند الإعطاء، وأبطأ عذراً عند المنع، وأضعف صبراً عند ملمات الدهر من أهل الخاصة، وإنَّما عماد الدين وجماع المسلمين والعدة للأعداء، العامة من الأُمَّة، فليكن صَغْوَكَ(20) لهم، وميلك معهم»(21).

يوصي الإمامُ (عليه السلام) واليَه بقانون عام في إدارة المجتمع، وهو الاجتهاد في رضىٰ العامة من الناس، وأن لا يبالي بسخط الخاصة والمقرَّبين، وذلك حين تعارض مصلحة هاتين الفئتين، وعادة تكون الخاصة قليلة العدد، بينما العامة هم البقية والتي تمثِّل الكثرة الغالبة، فإذا سخطت الخاصة لا يضر كثيراً أمام رضىٰ العامة، ولا يستطيعون التأثير، بينما علىٰ العكس تماماً بالنسبة للعامة إذا سخطت فإنَّها تثور عليه، وقد يؤدِّي إلىٰ الضرر الذي لا يُتَحَمَّل.

هذا من جهة النتيجة الآنيَّة، وأمَّا بالنسبة لحساب الله في حال تغليب الفئة الخاصة، فإنَّ الأمير (عليه السلام) يؤكِّد علىٰ أنَّ الله (عزَّ وجلَّ) إلىٰ جانب العامة، فيكون الباري خصمه، يقول الإمام (عليه السلام): «ومن ظَلَمَ عبادَ اللهِ كان اللهُ خصمه دون عباده، ومن خاصمه الله أدحض حجَّته، وكان الله حرباً حتَّىٰ ينزع أو يتوب، وليس شيء أدعىٰ إلىٰ تغيير نعمة الله وتعجيل نقمته من إقامة علىٰ ظلم، فإنَّ الله سميعٌ دعوة المضطرين وهو للظالمين بالمرصاد»(22).

وهذا الاهتمام بهذه الطبقة ناتج عن:

أ – أهمية العدل والمساواة بين الناس جميعاً.

ب – أهمية هذه الطبقة وفاعليتها في مسيرة الأُمَّة، لأنَّها عماد الأُمَّة.

لذلك نرىٰ الإمام (عليه السلام) يطالب واليه بانتهاج الطريق المناسب الذي ينفع ولا يضر، ويحفظ الكيان الاجتماعي من الخلل وعدم الانسجام، وضرورة الاهتمام بالطبقة العامة، حتَّىٰ وإن أضرَّ ذلك بمصالح الخاصة – وهو قانون عام في إدارة المجتمع – ففي حال التعارض بين المصلحتين تقدّم مصلحة العامة، لأنَّ الخاصة يسعون لزيادة الربح وتحقيق المكاسب والنفوذ، بينما العامة لا يسعون إلَّا إلىٰ تحقيق العيش الكريم ضمن حياة عزيزة هادئة، وبذلك يكون الوالي قد خطىٰ خطوة أو خطوات في طريق تطبيق عدالة السماء التي أرادها الله (عزَّ وجلَّ)، وبالتالي تحقيق درجة من الأمن ولوازم الحياة للمجتمع بشكل عام، وبذلك يتحقَّق أهم ما يسعىٰ الإنسان لتحقيقها، ويعتبر ذلك من نعم الله تعالىٰ، يقول (عزَّ وجلَّ): ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ (قريش: 1-4).

أُسس العلاقة بين طبقتي الخاصة والعامة:

لقد تناول الشارع الحكيم تنظيم مختلف جوانب العلاقة بين الناس بكلِّ فئاتهم وطبقاتهم، والملتزم بها يعتبر ملتزماً بأمر الله، والمخالف لذلك يعتبر عاصياً له (جلَّ جلاله)، ومن هذه الأُسس:

1 – الاحترام: وهو أن يحترم كلُّ شخصٍ الشخصَ الآخر، بغض النظر عن المستوىٰ المادي الذي يمتلكه، لم يجعل الإسلام المال هو المقياس، وإنَّما جعل المقياس الأوَّل هو الإنسانية، والمقياس الثاني هو الإيمان، وعلىٰ هذا الأساس تترتَّب الحقوق والواجبات بين البشر، وعلىٰ الإنسان أن يحترم هذه الروابط، وكل ما تمثّله.

2 – المساعدة: نظراً لاتِّساع شبكة الحقوق والواجبات المفروضة من قِبَل الشارع الحكيم، فعلىٰ كلّ طرف من أطرافها العمل علىٰ تبرئة الذمة، ولا يتحقَّق ذلك إلَّا بأداء الواجبات بالشكل المطلوب، ونظراً للترابط بين الناس من خلال هذه الواجبات المفروضة، فإنَّ كل إنسان قد يكون بحاجة إلىٰ مساعدة أخيه الإنسان، والتي تعتبر جزءاً من الواجب في بعض الأحيان، لذلك فالمساعدة تعتبر أساساً في نجاح العمل الجماعي، يقول تعالىٰ: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلائِدَ وَلاَ آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعاوَنُوا عَلَىٰ الْبِرِّ وَالتَّقْوىٰ وَلا تَعاوَنُوا عَلَىٰ الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ (المائدة: 2).

3 – المساواة: نظراً لأنَّ المعيار الذي تقوم عليه العلاقة بين الناس هو إنسانيتهم، وعبوديتهم لله، فهم سواء ولا فرق بينهم، مهما كان جنسهم أو عرقهم أو غناهم أو فقرهم، لأنَّ المقياس هو درجة التقوىٰ التي يتَّصف بها كلٌّ منهم، يقول تعالىٰ: ﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثىٰ وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات: 13).

4 – الإخوة: يعتبر الإسلام جميع المسلمين إخوة، ولا فرق بينهم، يقول تعالىٰ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الحجرات: 10).

بل نلاحظ أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول لواليه علىٰ مصر:

«فإنَّهم صنفان: إمَّا أخٌ لك في الدين، أو نظيرٌ لك في الخلق»(23).

لقد حثَّ الإسلام علىٰ الاهتمام بشأن الفقراء والمساكين والأيتام، بل جعل الباري كفارة بعض الذنوب كمية من المال لهذه الفئات، وهي معروفة بالتفصيل من خلال الكتب الفقهية، ويقول الإمام (عليه السلام): «الله الله في الأيتام، فلا تُغِبُّوا أفواههم(24)، ولا يضيعوا بحضرتكم»(25).

وفيها من الدلالة ما فيها بضرورة الاهتمام بشأنهم ولوازمهم، وذلك بشكل مستمر، لأنَّهم محل ابتلاء المجتمع وامتحانه، ويقول في موردٍ آخر عن المساكين: «إنَّ المسكين رسولُ الله، فمن منعه فقد منع الله، ومن أعطاه فقد أعطىٰ الله»(26).

ويقول (عليه السلام) بشأن الفقير: «إنَّ الله فرض في أموال الأغنياء أقوات الفقراء، فما جاع فقير إلَّا بما مُتِّع به غني، والله تعالىٰ سائلهم عن ذلك»(27).

إذاً إنَّ للفقراء حق ثابت في أموال الأغنياء، وهم وكلاء علىٰ هذا المال الذي يعتبر أمانة لإيصاله إلىٰ مستحقه، وهذا المقدار من الفرض من الله (عزَّ وجلَّ) يكفي حاجة الفقراء، فكلَّما وجدنا فقيراً بحاجة فلنعلم بأنَّ هناك غني حجب حقّ الفقراء الذي هو تحت تصرُّفه، لذلك قرَّر الإمام هذه المعادلة بين جوع الفقير، ومتعة الغني.

فلو التزم الناس بالفرائض المالية التي أوجبها الباري (عزَّ وجلَّ) لما كان هناك فقير، ولكن الدنيا تجذب الإنسان الجاهل بحقيقتها فينساق وراءها، وبالتالي تتَّسع الفوارق وتكبر، ويزداد عدد الفقراء.

ثانياً: التقسيم النفسي للمجتمع:

يقسم أمير المؤمنين (عليه السلام) المجتمع حسب الرغبات النفسانية والأهواء والميول، فيقول (عليه السلام):

«والناس علىٰ أربعة أصناف:

1 – منهم من لا يمنعه الفساد في الأرض إلَّا مهانة نفسه، وكلالة حَدِّه، ونضيض وفره.

2 – ومنهم المصلت لسيفه، والمعلن بشره، والمجلب بخيله ورجله، قد أشرط نفسه، وأوبق دينه لحطامٍ ينتهزه، أو مِقنَبٍ يقوده، أو مِنبَرٍ يَفرَعُه، ولبئس المتجر أن ترىٰ الدنيا لنفسك ثمناً، ومما لك عند الله عِوَضاً.

3 – ومنهم من يطلب الدنيا بعمل الآخرة، ولا يطلب الآخرة بعمل الدنيا، قد طامن مِن شخصه، وقارب من خَطوه، وشمَّر من ثوبه، وزخرف من نفسه للأمانة، واتَّخذ ستر الله ذريعة إلىٰ المعصية.

4 – ومنهم من أبعده عن طلب الملك ضؤُولة نفسه، وانقطاع سببه، فَقَصَرَتهُ الحال علىٰ حاله، فتحلَّىٰ باسم القناعة، وتزيَّن بلباس أهل الزَّهادة، وليس مِن ذلك في مراحٍ ولا مغدىٰ»(28).

نلاحظ بأنَّ الإمام يقسم المجتمع بموجب هذا المعيار إلىٰ ما يلي:

1 – قسم لا يعمل الفساد ولكن ليس كرهاً بالفساد وإنَّما بسبب أمور تنقصه وهي:

أ – عدم وجود القوة الذاتية التي تدفعه لارتكاب الجرائم.

ب – ضعف سلاحه للفتك بالآخرين.

ج – الضعف الاقتصادي عنده.

ومثل هذا القسم لا خير فيه، ولا يمكن الاعتماد عليه في بناء مجتمع، لأنَّه مع تحقُّق الفرص له يرتكب الموبقات.

2 – القسم الثاني هو المصلت سيفه: هذا القسم شهر سيفه، وأعلن حربه لا حبًّا في الجهاد، وإنَّما حبًّا بالغنائم التي سيحصل عليها فيحرك المجتمع لاستغلال مقدراته، والعبث بها ظلماً وعدواناً، لتحقيق مكاسب إمَّا تكون ماديَّة (مِقْنَبٍ يقوده) ويقصد أن يكسب الغنائم وهي الخيول التي يكون عددها ما بين الثلاثين والأربعين، وقد يكون دافعه تحقيق النصر لاعتلاء منبرٍ ما والمباهاة بما فعل بغض النظر عن الحق، والمبرّر لفعلته.

3 – القسم الثالث: قسم يطلب الدنيا بعمل الآخرة، ولا يطلب الآخرة بعمل الدنيا.

«قد طامن من شخصه، وقارب من خطوه، وشمر من ثوبه، وزخرف من نفسه للأمانة، واتَّخذ ستر الله ذريعة إلىٰ المعصية»(29).

غاية أصحاب هذا القسم تحقيق مآربه وغاياته حتَّىٰ وإن كان علىٰ حساب المصلحة إيمانه ودينه وتقواه، وفي حال اصطدام مصلحته الذاتية مع أي قانون آخر حتَّىٰ وإن كان قانون الله، قدَّم مصلحته هو.

4 – القسم الرابع: المتزينين بلباس أهل الزهد وهم منه بُراء:

يقول الإمام (عليه السلام): «ومنهم من أبعده عن طلب الملك ضؤولة نفسه، وانقطاع سببه، فقصرته الحال علىٰ حاله، فتحلىٰ باسم القناعة، وتزيَّنَ بلباس أهل الزَّهادة، وليس من ذلك في مراحٍ ولا مَغدىٰ»(30).

هذا القسم يظهر نفسه وكأنَّه بلباس الزهد قد تلبس ولكنه في الواقع هو بعيد كل البعد عن هذه الصفة، بل إنَّ الدنيا هي التي زهدت به فتركته، ولا حيلة له إلَّا الظهور بهذا المظهر، وبئس هذا الظهور في الدنيا وبئس النتيجة هي في الآخرة.

هذه الأصناف الأربعة التي أشار إليها الإمام تمثّل توصيفاً في غاية الدقَّة لشريحة واسعة من المجتمع، وهم يمثِّلون الجانب السلبي في المعادلة الاجتماعية، ولكن هناك قسماً آخر يختلف اختلافاً جذرياً عن هذه الأقسام، ويبتعد عنهم في آلية تفكيرهم، وما يسعون لتحقيقه ويمكن أن يعتبروا قسماً خامساً من أقسام المجتمع.

5 – القسم الخامس: رجال الإيمان، وأهل الذكر:

يقول عنهم أمير المؤمنين (عليه السلام):

«وبقي رجالٌ غَضَّ أبصارهم ذِكرُ المَرجِع، وأراق دموعهم خَوف المحشر، فهم بين شريدٍ نادٍ(31)، وخائفٍ مَقموع، وساكتٍ ومكعوم(32)، وداعٍ مُخلص، وثكلان مُوجِع، قد اخمَلَتهم التقية، وشملتهم الذلة، فهم في بحرٍ أُجاج(33)، أفواههم ضامِزَة(34)، وقلوبهم قرِحة، قد وَعَظوا حتَّىٰ مَلُّوا، وقُهِروا حتَّىٰ ذلُّوا، وقُتِلوا حتَّىٰ قلُّوا»(35).

هذا القسم يمكن لنا أن نسمِّيه بالقسم الطاهر الشريف، الذي فهم معنىٰ وغاية وجوده في هذه الحياة، وهم أقسام عِدَّة، بحسب الصفة الغالبة عليه، ولكنَّهم يشتركون بصفة الإيمان، والإخلاص في العمل، ويعتبرون حرباً علىٰ الفساد بكلِّ أشكاله وأنواعه، كلٌّ بحسب طريقته، ووجود هذه الفئة مترافق مع وجود الإنسان علىٰ مرِّ التاريخ منذ قابيل وهابيل إلىٰ يومنا الحاضر، وإلىٰ أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهذه الأنواع هي علىٰ الشكل التالي:

أ – نومهم قليل «غَضَّ أبصارهم ذِكرُ المَرجِع»: هؤلاء عرفوا حقيقة وجودهم، وشعروا بِعِظَم المسؤولية الملقاة علىٰ عاتقهم، فأصبح نومهم قليل بسبب كثرة تفكيرهم بمستقبلهم الأخروي.

ب – بكاؤهم كثير «أراق دموعهم خَوف المحشر»: خوفاً من المصير الذي يمكن أن يكونوا عليه، لأنَّهم يشعرون بأنَّهم مقصرون.

ج – منعزلون «شريدٍ ناد»: ويقصد بالشريد الناد الذي يهرب من الواقع الذي يعيشه، وذلك لعدم استطاعته التأثير والتغيير، لأنَّه يعتبر الابتعاد عن الناس عبادة، وذلك مع عدم مقدرته علىٰ التأثير بهم.

د – الخوف «وخائف مقموع»: إنَّ صفة الخوف حاكمة علىٰ تصرُّفاته، وهذا الخوف ناتج عن القهر الذي ألم به بسبب الواقع الذي يعيشه الناس من بُعدٍ عن الدين.

هـ – السكوت «ساكتٍ ومكعوم»: إشارة إلىٰ قِلَّة الكلام والطعام، وذلك لكثرة تفكيره.

و – الدعوة إلىٰ الله «داعٍ مُخلص»: يدعو إلىٰ الله بإخلاص، وذلك كلَّما سنحت له الفرصة بذلك.

ز – الحزن «ثكلان موجع»: نتيجة هذا الواقع فهو حزين دائماً، ومتألِّم للواقع الذي يعيشه الناس.

طبعاً هذه الصفات ليست مجموعة بشخصٍ واحد، بل يمكن أن يتَّصف بصفة واحدة منها، أو أكثر من واحدة، ولكن بالإجمال هذه صفات من اتَّقىٰ الله، وأخلص بعمله لله فهم مقهورون لقلَّتهم وندرتهم، فلا يستطيعوا التأثير بالغير، فتراهم ساكتين منعزلين ومقهورين لما يرونه أمامهم، ولا يستطيعون التغيير، بسبب عدم القابلية لدىٰ الطرف الآخر، وهكذا كان شأن الكثير من أنبياء الله في إرشاد أقوامهم، فقد وعظوا حتَّىٰ ملُّوا وسئموا الناس وتركهم الناس والمجتمع، حيث لا أثر لمواعظهم علىٰ النفوس التي مرضت بمرض حبّ الدنيا، وحب الذات، وما هذا إلَّا بسب استحكام الشيطان عليهم.

والملاحظ في كافة هذه التقسيمات وأسسها ليس لها وجود في التشريعات الوضعية، مهما كان مصدرها، والتركيز عبيها من الإمام لأثرها الكبير علىٰ مسيرة الأُمَّة.

ثالثاً: تقسيم المجتمع علىٰ أساس العلم والمعرفة:

هذا التقسيم بموجب الأساس العلمي والمعرفي له أثره الكبير علىٰ المجتمع، وقد قسم المجتمع علىٰ هذا الأساس إلىٰ أقسام ثلاثة، وذلك من خلال كلامه (عليه السلام) إلىٰ كميل بن زياد النخعي:

«الناس ثلاثة: فعالمٌ ربَّاني، ومتعلِّمٌ علىٰ سبيل نجاة، وهمجٌ رعاع أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلىٰ ركن وثيق»(36).

وعلىٰ هذا الأساس يكون تقسيم المجتمع من هذه الناحية إلىٰ أقسام ثلاثة هي:

1 – عالمٌ ربَّاني.

2 – متعلِّمٌ علىٰ سبيل نجاة.

3 – همجٌ رعاع.

وبيان حقيقة هذه الأقسام له مورده، واختصر هنا خوفاً من الإطالة، ولكن بشكل مختصر يمكن القول بأنَّ الناس باعتبار تلبسهم بالعلم علىٰ أنحاء ثلاثة:

عالم ربَّاني: وهذه الفئة علمت حقيقة وجودها وحقيقة العلاقة بينها وبين الله لعلمهم بصفات الله (عزَّ وجلَّ) ونسبة علاقتهم إليه (جلَّ جلاله)، فيعبدونه لكونه مستحق العبادة، ويخشونه لكونه مستحق لذلك.

والفئة الثانية: متعلِّمٌ علىٰ سبيل نجاة، هذه الفئة تخاف الله فتتعلم ما ينجيها في يوم الآخرة ولو بأدنىٰ درجات النجاة في يوم الحساب.

والثالثة: وهي الأكثر ضرراً علىٰ المجتمع تلك الفئة التي تتبع كل ناعق، كل مناد، ومُرَغِّبٍ بمال الدنيا، همهم ذلك، لا يميزون بين التُّرب والتراب.

رابعاً: التقسيم الإنساني:

وهو التقسيم الذي يعتمد الإنسان كأساس للتقسيم، بِغَضِّ النظر عن المواصفات الخاصة لكلِّ شخص، فهم مشتركون بصفة واحدة، عليه المحافظة عليهم جميعاً:

«فإنَّهم صنفان: إمَّا أخٌ لك في الدين، أو نظيرٌ لك في الخلق»(37)، وبموجب هذا التقسيم الناس ينقسمون إلىٰ قسمين أساسيين هما:

1 – الدين «إمَّا أخٌ لك في الدين»:

وهناك حقوق والتزامات خاصة بمن اعتمد الدين أساساً لمسيرته، وهناك التزامات منه تجاه الدولة، وتجاه إخوانه المؤمنين المشترك معهم بالانتساب لدين واحد، ولو طبقت تعاليم الله بشكل سليم من قبل البشر لسادت السعادة والمحبة والتعاون، وذلك لأنَّ حقوق المؤمنين علىٰ بعضهم البعض كثيرة جداً، وقد ورد في الحديث النبوي في هذا المجال أحاديث كثيرة منها الحديث التالي:

«إنَّ للمؤمن علىٰ أخيه ثلاثين حقًّا لا براء له منها إلَّا بأداء أو بعفو، يغفر زلَّته، ويرحم غربته، ويستر عورته، ويقيل عثرته، ويقبل معذرته، ويرد غيبته، ويديم نصيحته، ويحفظ خلته، ويرعىٰ ذمَّته، ويعود مرضته، ويشهد ميتته، ويجيب دعوته، ويقبل هديته، ويكافئ صلته، ويشكر نعمته، ويحسن نصرته، ويحفظ حليلته، ويقضي حاجته، ويشفع مسألته، ويطيب كلامه، ويبر أنعامه، ويصدق أقسامه، ويواليه ولا يعاديه، وينصره ظالماً أو مظلوماً، فأمَّا نصرته ظالماً فيرده عن ظلمه، وأمَّا نصرته مظلوماً فيعينه علىٰ أخذ حقِّه، ولا يسأمه، ولا يخذله، ويحب له من الخير ما يحب لنفسه، ويكره له من الشر ما يكره لنفسه»(38).

2 – الإنسانية «أو نظيرٌ لك في الخلق»:

هذه الصفة هي صفة عامة، يشترك بها كل بني الإنسان، وقد استفاد الإمام هذه النظرة من الخطابات القرآنية والتي وردت في موارد كثيرة بعبارة ﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ﴾، منها قوله تعالىٰ: ﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثىٰ وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات: 13)، وذلك في موارد كثيرة، وهي نظرة فيها المساواة لمطلق الإنسان، فلم تفرد بالخطاب المسلم أو المؤمن، (لأن لكلِّ فئة خطابها المختص بها)، بل شملت جميع بني الإنسان، لإنسانيتهم فهم متساوون بهذه الصفة، فلا ميزة لشخص علىٰ آخر، وباعتبار الإنسان مطلقاً يعيش في كنف الدولة الإسلاميَّة وملتزم بقوانينها، فله ما للمسلمين، وله نوع من الحقوق والواجبات الخاصة به، هذه هي النظرة السليمة للإنسان والتي تبتعد كلَّ البعد عن العنصريَّة، وعن التعسُّف والتحكُّم، لأنَّ المقياس في التفاضل عند الله هو الاستقامة.

ومحل الابتلاء في هذا المقام هم أهل الذمَّة من اليهود والنصارىٰ، ومن أقوال الإمام التي تشير إلىٰ وجوب المحافظة عليهم، وعلىٰ أموالهم ودمائهم ما كتبه إلىٰ عماله علىٰ الخراج:

«فانصفوا الناس من أنفسكم، واصبروا لحوائجهم، فإنَّكم خُزَّان الرعية، ووكلاء الأُمَّة وسفراء الأئمة، ولا تحسِموا أحداً عن حاجته، ولا تحبسوه عن طَلِبَته، ولا تبيعن للناس في الخراج كِسوة شتاء ولا صيف ولا دابة يعتملون عليها ولا عبداً، ولا تضربنَّ أحداً صوتاً لمكان درهم، ولا تَمَسُّنَّ مال أحدٍ من الناس مُصَلٍ ولا معاهد إلَّا أن تجدوا فرساً أو سلاحاً يُعدىٰ به علىٰ أهل الإسلام»(39).

نلاحظ شدّة حرص الإمام علىٰ عدم الاعتداء علىٰ أحدٍ من المعاهدين من أهل الذمة وهو الذي قال: «من آذىٰ ذميًّا فقد آذاني»، وقال: «إنَّما بذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا، وأموالهم كأموالنا»، ولكن إن كان يتهيأ لقتال المسلمين أو يعد العدة لذلك فالأمر مختلف.

خامساً: التقسيم بحسب الإيمان والتزامه به:

ليس كل من قال أشهد أن لا إله إلَّا الله وأنَّ محمداً رسول الله هم سواء، بل إنَّ هؤلاء بنظر أمير المؤمنين ينقسمون إلىٰ أقسامٍ عِدَّة يقول الإمام (عليه السلام): «شُغِلَ من الجنة والنار أمامه، ساعٍ سريعٍ نَجا، وطالبٌ بطيء رجا، ومقصِّرٌ في النار هوىٰ»(40).

نلاحظ بأنَّ الناس ينقسمون إلىٰ أقسامٍ ثلاثة هي:

1 – الإنسان الذي يعمل لله «ساع سريع نجا»: هذا القسم همّه إرضاء الله، ولذلك فهو يسعىٰ في مرضاة الله بكلِّ قوة، ولذلك يعد هذا من الناجين.

2 – الميل عنده نحو الله موجود ولكن يميل إلىٰ الراحة «وطالبٌ بطيء رجا»: هذا الإنسان له قلب يميل إلىٰ الله، ولكن حبّه للراحة والدعة أقعده عن ذلك، فيكتفي بالفرائض فقط، وقد يتأخَّر في أدائه، وربَّما تكون له هفوات وسقطات نتيجة تجاوبه مع شهواته، ولكنه يندم لعمله، فيكون كالذي خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً فهو راجٍ لمغفرة ربِّه.

3 – المُقَصِّرِ الذي ليس له من الإسلام إلَّا الاسم «ومقصرٌ في النار هوىٰ»: هذا الإنسان لا يعرف عملياً من الإسلام إلَّا اسمه، وهو من الذين يقولون ما لا يفعلون، قد يأتي ببعض الفرائض، ولكنَّه يترك الباقي، فهو عبدٌ لمشتهيات نفسه، فأوقعته في المهالك، وكان من الأخسرين عملاً.

سادساً: التقسيم بحسب العمل الوظيفي:

هذا التقسيم عند الإمام أساسُهُ العمل الذي يقوم به الإنسان، فلا يمكن أن يكون الناس كلّهم يؤدُّون عملاً واحداً، لعدم إمكان استمرار الحياة عند ذلك والحالة هذه.

لذلك نرىٰ الإمام يشيد بأنواع شتَّىٰ من الأعمال، والعاملين بها من هؤلاء:

1 – الجنود: «فالجنود بإذن الله حصون الرعية وزين الولاة، وعز الدين، وسبل الأمن»(41).

يعطي أمير المؤمنين (عليه السلام) أهمية لوجود الجند، فهم الدرع الواقي من الأعداء، وبه تتحصَّن الأُمَّة خوفاً من الفتك والقتل والسلب، لذلك نرىٰ الإمام يصفهم بأنَّهم زين الولاة، وذلك لأنَّ قيام الوالي أو الحاكم باستقرار أمره وحكمه، ولا يمكن أن يستمر ويستقر ذلك إلَّا بوجود الجند، فَدَورُهم كبيرٌ، وشأنهم عظيم، ولم تقم الدولة في زمن رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) إلَّا بعد تشكيل الجيش، وإلَّا لاستطاع الأعداء القضاء علىٰ هذه الدولة الفتية وهي في المهد، ثم تطوَّر الجيش حتَّىٰ أصبح وسيلة لفتح عدد من البلدان.

ولكن من المناسب الإشارة إلىٰ آلية العلاقة التي يجب أن تكون معهم من قبل كافة الناس والولاة، فلابدَّ من: الثناء عليهم وعلىٰ تضحياتهم، وأن تكون العلاقة معهم علاقة مودَّة واحترام، وهذا الأمر يعطيهم دفعاً نحو الإمام، وتفاعلاً أكثر مع قضايا الأُمَّة.

2 – القضاة: «ثمَّ اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك»(42).

إنَّ للسلطة القضائية أهمية بالغة في حياة الأُمَّة، وهي وسيلة لحفظ توازنها، وصيانة المجتمع من الانحراف بكلِّ أشكاله وأنواعه، وهي ميزان العدالة بين الناس، واستطاع الرسول (صلَّىٰ الله عليه وآله)، أن يحقِّق العدل والمساواة والطمأنينة علىٰ الحقوق من خلال جعل هذه الوظيفة، وقد كانت الجاهلية الجهلاء هي المسيطرة والحاكمة علىٰ مجريات الحياة بأجمعها، فقد كان ضياع الحقوق أمراً عادياً جدًّا، واستطاع الرسول (صلَّىٰ الله عليه وآله) أن يضع الأمور في نصابها، وأن يُحِقَّ الحقَّ ويبطلَ الباطل، واستطاع أن يبني مجتمعاً بناءً أخلاقياً من خلال عدله، ونظمه لهذه المسألة (القضاء) بالشكل المناسب، ونلاحظ بُعْد النظر اللامحدود لأمير المؤمنين (عليه السلام) من خلال حديثه عن القاضي والقضاة، وعن مواصفاتهم، وما لهم وما عليهم، فقد أظهرها بدقة متناهية، وهذا ليس بغريب علىٰ رجلٍ مثل علي بن أبي طالب (عليه السلام).

3 – الوزراء: «شرّ وزرائك من كان للأشرار قبلك وزيراً، ومن شَرَكَهُم في الآثام فلا يكوننَّ لك بطانة»(43).

4 – المستشارون: «ولا تدخلنَّ في مشورتك بخيلاً يعدل بك عن الفضل، ويعدك الفقر»(44).

5 – الكُتَّاب: «وانظر في حال كتابك، فولِّ علىٰ أمورك خيرهم»(45).

6 – الشرطة: وهذه الفئة وظفتها المحافظة علىٰ النظام العام في المدينة.

7 – العيون: «ثم تفقد أعمالهم، وابعث العيون من أهل الصدق والوفاء عليهم».

ولكلِّ من هذه الفئات حديث حول صفاتهم ومهامهم، فيطول المقام.

سابعاً: التقسيم حسب المهن:

1 – التجار: هذه الفئة من المجتمع بالرغم من قِلَّةِ عددها بالقياس إلىٰ المجتمع، لكن لها عظيم الفائدة لتأمين احتياجاته، فهي التي تتولَّىٰ تأمين ذلك، فتنظر إلىٰ احتياجات كل مجتمع فتحاول تأمين احتياجات هذا المجتمع، وذلك بنقل المواد من مكان تواجدها إلىٰ مكان حاجتها، لكن لا شك بأنَّ الدافع لعملهم الأوَّلي هو تأمين الربح، وبالتبع تأمين الحاجات للمجتمع، وهذا العمل له مخاطره.

يقول الأمير (عليه السلام) في وصيته لمالك الأشتر: «ثم استوص بالتجار وذوي الصناعات، وأوص بهم خيراً المقيم منهم والمضطرب بماله»(46).

2 – الصنَّاع: لقد كانت نظرة العرب إلىٰ الصناعات وأهلها نظرة احتقار واستهجان، لأنَّهم يعتبرونها غير لائقة بالسادة، وإنَّما هي خاصة بالخدم والعبيد والأعاجم، بينما الإسلام أعطاها مكانة عالية، ورأينا كيف كانت توصية الإمام لواليه بهم من خلال قوله له:

«واستوص بالتجار وذوي الصناعات»، وهذه نظرة متقدِّمة علىٰ المجتمع الذي كان يعيش فيه.

3 – الزرَّاع: «وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج، لأنَّ ذلك لا يُدْرَكُ إلَّا بالعمارة، ومن طلب الخراج بغير عمارةٍ أخرب البلاد، وأهلك العباد»(47).

وللعلم فإنَّ العمل بالزراعة كان عند عرب الجاهلية أمر غير مرغوب به، بل إن وجد شيء من هذا فقد كان يتم بأيدٍ غريبة كالموالي، والأحباش وغيرهم، وكان العرب يزدرون شأن الزراعة، وينقصون من قَدْرِ المزارع، وحتَّىٰ أنَّ بعض الصحابة كانت لديهم النظرة نفسها للزراعة، وكانوا يتركون ذلك لأهل الذمَّة، حتَّىٰ أنَّ القرشيين كانوا يحتقرون أهل المدينة لكونهم زُرَّاع، ويروىٰ أنَّ أبا جهل عندما قُتِلَ وقبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، قال: «لو غير أكار(48) قتلني»(49).

ويروىٰ بأنَّه عندما ارتقىٰ ابن مسعود – الصحابي الجليل – عنق أبي جهل، قال له أبو جهل: (لقد ارتقيت مرتقىٰ صعباً يا رويعي الغنم).

وهذا يدل علىٰ نظرة قريش، وجاهلية العرب قبل الإسلام إلىٰ هذه المهن، بينما الإسلام أعطاها مكانتها الحقيقية، واعتبر العمل بأي منها نوعاً من أنواع الجهاد.

ولكلٍّ من هذه الفئات بكلِّ تقسيماتها وما يتعلَّق بها من صفات وخصائص آلية للتعامل معها، سواء من قِبَلِ الوالي أو من عامة الناس، وغيرها من الأمور وهذا حديث طويل ذو شجون.

الخاتمة:

كما ذكرت في بداية الحديث عن التقسيم للمجتمع، فإنَّ هذه التقسيمات للمجتمع معتمدة بحسب الأساس الذي لابدَّ لكلِّ قسمة من أساس له، ويمكن أن تتداخل نتائج هذه الأقسام فيما بينها، مثلاً: يمكن أن يكون الشخص الواحد، مؤمناً وَرِعاً، جندياً، ومزارعاً، وعالماً علىٰ سبيل نجاة، ومن عامة الناس، ولكن في تقسيمات للمجتمع إلىٰ أصناف وأقسام، والشيء المهم في المقام هو نظم العلاقة بين هذه المكونات للمجتمع، بحيث تتكامل هذه العلاقات القائمة بين هذه الأقسام، وذلك بالشكل الذي يؤدِّي إلىٰ أحسن ترتيب للتعاون فيما بينهم وذلك للوصول إلىٰ النظم الحقيقي لمكونات المجتمع وذلك من حيث العلاقة، وبالتالي يؤثِّر ذلك علىٰ النتائج، لقد كان التقسيم لدىٰ الأمير (عليه السلام) شاملاً متكاملاً، وتنظيمه لأُسس العلاقة بين هذه المكونات بما يحقِّق أعلىٰ درجة من المصلحة الدنيوية والأخروية، كان واضحاً لا لبس فيه، ولم يتعرَّض ذلك من قِبَلِ المفكِّرين لدىٰ الثقافات الأخرىٰ، بهذا الشمول، وهذه السعة، وهذا الترتيب والربط بينها، بحيث يؤدِّي ذلك إلىٰ النتائج الإيجابية لمصلحة المجتمع.

وعلىٰ هذا الأساس نرىٰ بأنَّ الإسلام نظم العلاقات المجتمعية بأعلىٰ درجة من النظم والترتيب، ولم يصل أصحاب الفكر الآخر إلىٰ ما ذكر في نهج البلاغة حول هذا الموضوع.

ولكن هذا البحث المختصر لا يمكن أن يغطي جميع الجوانب المرتبطة بموضوع البحث، لذا من المناسب جدًّا البحث الموسَّع حول هذا الموضوع، وذلك من خلال رسائل الماجستير وأطروحات الدكتوراه لباحثينا، فيتم إغناء البحث بتغطيته من كافة جوانبه.

والحمد لله ربِّ العالمين

 

 

 

الهوامش:


(1) خلدون، عبد الرحمن بن محمد: تاريخ ابن خلدون، مطبوعات مؤسسة الأعلمي بيروت (د. ت)، ج1، ص41.

(2) شمس الدين، محمد مهدي: في الاجتماع السياسي الإسلامي، مطبوعات المؤسسة الدولية، بيروت، ط2، عام 1999ص27.

(3) مصدر سابق، أنصاريان، علي، نهج البلاغة، الرسالة 31 ، ص400.

(4) المصدر السابق: الحكمة 9، ص479.

(5) المصدر السابق: الخطبة 23، ص33.

(6) الخصاصة: الفقر والحاجة.

(7) مصدر سابق: أنصاريان – نهج البلاغة: ص34.

(8) المصدر السابق: الرسالة 47، ص428.

(9) المصدر السابق: الرسالة 31 ، ص407.

(10) البخاري، محمد بن إسماعيل: صحيح البخاري، مطبعة دار الجيل، بيروت، ط1 (د.ت)، ج13، الحديث3083.

(11) المصدر السابق.

(12) مصدر سابق: نهج البلاغة، الرسالة 31، ص407.

(13) مصدر سابق: أنصاريان، علي – نهج البلاغة: الحكمة 37، ص485.

(14) المصدر السابق: الخطبة 165، ص232.

(15) المصدر السابق: الحكمة 131.

(16) البؤس: أشد الناس فقراً.

(17) الزمنىٰ: أصحاب العاهات المزمنة.

(18) معتراً: السائل المتعرض للعطاء بلا سؤال.

(19) عيون أخبار الرضا (عليه السلام).

(20) صغوك: ميلك.

(21) مصدر سابق، أنصاريان، علي – نهج البلاغة: الرسالة 53، ص436.

(22) المصدر السابق.

(23) مصدر سابق: أنصاريان، علي – نهج البلاغة: الرسالة 53، ص434.

(24) «فلا تغبوا أفواههم»: أن يطعموهم يوماً ويتركوهم يوم.

(25) مصدر سابق: أنصاريان، علي – نهج البلاغة: الرسالة 47، ص42.

(26) المصدر السابق: الحكمة 296، ص534.

(27) المصدر السابق: الحكمة 320، ص537.

(28) مصدر سابق: الصالح صبحي – نهج البلاغة: ص74.

(29) نهج البلاغة: الرسالة 53.

(30) المصدر السابق.

(31) ناد: المنفرد الهارب من الجماعة.

(32) مكعوم: شدَّ فاه حتَّىٰ لا يأكل أو يعض، وتقال عادة للبعير، وهنا إشارة إلىٰ السكوت وعدم الكلام، وقلة الطعام.

(33) أجاج: المالح.

(34) ضامزة ساكنة.

(35) مصدر سابق: الصالح، صبحي – نهج البلاغة: ص75.

(36) مصدر سابق: أنصاريان، علي – نهج البلاغة: الحكمة 139، ص505.

(37) المصدر سابق: الرسالة 53، ص434.

(38) النراقي، محمد مهدي – جامع السعادات: النجف الأشرف، ط3، عام 1383هـ، ج1، ص81.

(39) مصدر سابق: أنصاريان، علي – نهج البلاغة: الكتاب رقم 51، ص431.

(40) المصدر السابق: الخطبة 16، ص27.

(41) المصدر السابق: ص441.

(42) المصدر السابق: ص442.

(43) المصدر السابق: ص437.

(44) المصدر السابق: ص437.

(45) المصدر السابق: ص445.

(46) المصدر السابق: ص446.

(47) المصدر السابق: ص444.

(48) أكار: الفلاح.

(49) الزبيدي، عبد الرضا – في الفكر الاجتماعي عند الإمام علي (عليه السلام): مطبعة باقيات، قم، ط1، عام 2005م، ص272.

Edit Template
Scroll to Top