المقدمة:
يتناول البحث الآيات والروايات التي فيها سلام الله علىٰ أنبيائه وأوصيائه وأوليائه وأصفيائه (عليهم السلام)، وذلك بتتبُّع الآيات التي سلَّم الله بها علىٰ أنبيائه (عليهم السلام) بالمباشر كقوله تعالىٰ: ﴿سَلامٌ عَلىٰ نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ﴾ (الصافات: 79) وغيرهم، ومن شملهم سلام الله تبارك وتعالىٰ بقوله: ﴿وَسَلامٌ عَلَىٰ الْمُرْسَلِينَ﴾ (الصافات: 181)، أو بالسلام العام في الدنيا والجنة، إذ يتم تفسير هذه الآيات بما يناسبها من التفاسير، وإيراد الشاهد عليها من روايات العترة الطيبة (عليهم أزكىٰ الصلاة وأتم السلام).
أوَّلاً: مفهوم السلام:
* يقصد بالسلام هو الذي يوضِّح السلامة والعافية من كلِّ أنواع العذاب والعقاب في يوم القيامة، هو صمّام الأمان أمام الهزائم ودليل الانتصار علىٰ الأعداء(1).
* وهو رمز ودلالة علىٰ سلامة الدين والإيمان والرسالة والاعتقاد والمذهب، الذي يوضِّح النجاة والأمن من العقاب والعذاب في هذه الدنيا وفي الآخرة(2).
* سلامة وأمان لهم من أن ينصر عليهم أعداؤهم(3).
* تسليم علىٰ عامة المرسلين وصون لهم من أن يصيبهم من قبله تعالىٰ ما يسوؤهم ويكرهونه(4).
* إنَّ تعبير ﴿سَلامٌ﴾ تعبير ذو معنىٰ إذ يعبِّر عن الروح والريحان وكلّ أنواع الهدوء والنعمة والسلامة(5).
* وهو توسيم اللقاء بالأمن المطلق، ولا يوجد في غيرها من الأمن إلَّا اليسير النسبي(6).
ثانياً: السلام المنثور علىٰ أهل الجنّة:
وهو علىٰ أنواع منها(7) ما يأتي:
* سلام الملائكة: أهل الجنّة الذين يسكنون هناك، يقابلون بسلام الملائكة حينما يدخلون عليهم الجنَّة: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَىٰ الدَّارِ﴾ (الرعد: 23-24).
* أهل الأعراف: ينادوهم ويسلِّمون عليهم بقوله تعالىٰ: ﴿وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ (الأعراف: 46) وعند ما يدخلون الجنّة يقابلون بسلام وتحيّة الملائكة.
* عند قبض الأرواح: حينما تقبض الأرواح يتلقّىٰ المؤمن هذا السلام من ملائكة الموت: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (النحل: 32).
* في الجنة: بأن يسلِّم الله علىٰ المؤمنين أو يسلِّم المؤمنين بعضهم علىٰ بعض أو سلام الملائكة علىٰ المؤمنين بقوله تعالىٰ: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ﴾ (إبراهيم: 23).
* سلامه تعالىٰ علىٰ أصحاب الجنة الذي يعد أسمىٰ وأعظم سلام منه (عزَّ وجلَّ) لهم بقوله: ﴿سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ (يس: 58).
ثالثاً: المستحقون للسلام في الكتاب العزيز:
النبي نوح (عليه السلام):
قوله تعالىٰ: ﴿سَلامٌ عَلىٰ نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ﴾ (الصافات: 79).
قوله تعالىٰ: ﴿سَلامٌ عَلىٰ نُوحٍ﴾: يقصد بالسلام هو الذي يوضّح السلامة والعافية من كلّ أنواع العذاب والعقاب في يوم القيامة، السلام الذي هو صمّام الأمان أمام الهزائم ودليل الانتصار علىٰ الأعداء(8).
والمراد بـ﴿الْعالَمِينَ﴾ جميعها لكونه جمعاً محلىٰ باللام مفيداً للعموم، والظاهر أنَّ المراد به عالموا البشر وأُممهم وجماعاتهم إلىٰ يوم القيامة فإنَّه تحية من عند الله مباركة طيبة تهدىٰ إليه من قبل الأُمم الإنسانية ما جرىٰ فيها شيء من الخيرات اعتقاداً أو عملاً فإنَّه (عليه السلام) أوَّل من انتهض لدعوة التوحيد ودحض الشرك وما يتبعه من العمل وقاسىٰ في ذلك أشد المحنة فيما يقرب من ألف سنة لا يشاركه في ذلك أحد فله نصيب من كلِّ خير واقع بينهم إلىٰ يوم القيامة، ولا يوجد في كلامه تعالىٰ سلام علىٰ هذه السعة علىٰ أحد ممن دونه(9).
نبي الله الخضر (عليه السلام):
ورد عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ الْخَضِرَ كَانَ نَبِيّاً مُرْسَلاً»(10)، فيشمله قوله تعالىٰ: ﴿وَسَلامٌ عَلَىٰ الْمُرْسَلِينَ﴾ (الصافات: 181).
النبي إبراهيم الخليل (عليه السلام):
قوله تعالىٰ: ﴿سَلامٌ عَلىٰ إِبْراهِيمَ﴾ (الصافات: 109).
لمّا امتاز به إبراهيم (عليه السلام) من صفات حميدة، خصّه الباري (عزَّ وجلَّ) بالسلام(11)، تحية منه تعالىٰ عليه، وفي تنكير ﴿سَلامٌ﴾ تفخيم له(12).
النبي يوسف الصديق (عليه السلام):
عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)… كَانَ يُوسُفُ رَسُولًا نَبِيّاً؟ قَالَ: نَعَمْ أَمَا تَسْمَعُ قَوْلَ اللهِ تَعَالَىٰ: ﴿وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ﴾ (غافر: 34)(13)، يشمله سلام الله تعالىٰ بقوله: ﴿وَسَلامٌ عَلَىٰ الْمُرْسَلِينَ﴾ (الصافات: 181).
النبي موسىٰ وهارون (عليهما السلام):
قوله تعالىٰ: ﴿سَلامٌ عَلىٰ مُوسىٰ وَهارُونَ﴾ (الصافات: 120).
سلام من عند الله العظيم والرحيم، الذي هو رمز لسلامة الدين والإيمان والرسالة والاعتقاد والمذهب، والذي يوضّح النجاة والأمن من العقاب والعذاب في هذه الدنيا وفي الآخرة(14).
الحبيب المصطفىٰ محمد (صلَّىٰ الله عليه وآله):
قوله تعالىٰ: ﴿يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (يس: 1-3) يشمله سلام الله تعالىٰ بقوله: ﴿وَسَلامٌ عَلَىٰ الْمُرْسَلِينَ﴾ (الصافات:181).
النبي لوط (عليه السلام):
في قوله تعالىٰ: ﴿وَإِنَّ لُوطاً لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (الصافات: 133) أي رسولاً من جملة من أرسله الله إلىٰ خلقه داعياً لهم إلىٰ طاعته ومنبهاً لهم علىٰ وحدانيته(15).
يشمله سلام الله تعالىٰ بقوله: ﴿وَسَلامٌ عَلَىٰ الْمُرْسَلِينَ﴾ (الصافات: 181).
النبي يونس (عليه السلام) ذا النون:
قوله تعالىٰ: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (الصافات: 139) يشمله سلام الله تعالىٰ بقوله: ﴿وَسَلامٌ عَلَىٰ الْمُرْسَلِينَ﴾ (الصافات: 181).
النبي إلياس (عليه السلام):
قوله تعالىٰ: ﴿وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (الصافات: 123) يشمله سلام الله تعالىٰ بقوله: ﴿وَسَلامٌ عَلَىٰ الْمُرْسَلِينَ﴾ (الصافات: 181).
النبي يوشع بن نون ذا الكفل (عليه السلام):
ورد عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني، قال: كتبت إلىٰ أبي جعفر أعني محمد بن علي بن موسىٰ (عليهم السلام) أسأله عن ذي الكفل ما اسمه؟ وهل كان من المرسلين؟ فكتب (صلوات الله عليه): «بعث الله تعالىٰ (جلَّ ذكره) مائة ألف نبيّ وأربعة وعشرين ألف نبيّ، المرسلون منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، وأنّ ذا الكفل منهم (صلوات الله عليهم)»(16)، يشمله سلام الله تعالىٰ بقوله: ﴿وَسَلامٌ عَلَىٰ الْمُرْسَلِينَ﴾ (الصافات: 181).
النبي يحيىٰ (عليه السلام):
قوله تعالىٰ: ﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ (مريم: 15).
السلام قريب المعنىٰ من الأمن، والذي يظهر من موارد استعمالها في الفرق بينهما أنَّ الأمن خلو المحل مما يكرهه الإنسان ويخاف منه والسلام كون المحل بحيث كل ما يلقاه الإنسان فيه فهو يلائمه من غير أن يكرهه ويخاف منه.
وتنكير السلام لإفادة التفخيم أي سلام فخيم عليه مما يكرهه في هذه الأيام الثلاثة التي كل واحد منها مفتتح عالم من العوالم التي يدخلها الإنسان ويعيش فيها فسلام عليه يوم ولد فلا يمسه مكروه في الدنيا يزاحم سعادته، وسلام عليه يوم يموت، فسيعيش في البرزخ عيشة نعيمة، وسلام عليه يوم يبعث حياً، فيحيا فيها بحقيقة الحياة ولا نصب ولا تعب، وقيل: إنَّ تقييد البعث بقوله: ﴿حَيًّا﴾ للدلالة علىٰ أنَّه سيقتل شهيداً لقوله تعالىٰ في الشهداء لقوله تعالىٰ: ﴿بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (آل عمران: 169). واختلاف التعبير في قوله: ﴿وُلِدَ.. يَمُوتُ.. يُبْعَثُ﴾ لتمثيل أنَّ التسليم في حال حياته (عليه السلام)(17).
النبي إسماعيل بن حزقيل صادق الوعد (عليه السلام):
قوله تعالىٰ: ﴿وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا﴾ (مريم: 51 و54) يشمله سلام الله تعالىٰ بقوله: ﴿وَسَلامٌ عَلَىٰ الْمُرْسَلِينَ﴾ (الصافات: 181).
النبي عمران أبو مريم العذراء (عليهما السلام):
ورد عن أبي بصير، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن عمران أكان نبيّاً؟ فقال: «نعم كان نبيّاً مرسلاً إلىٰ قومه»(18)، يشمله سلام الله تعالىٰ بقوله: ﴿وَسَلامٌ عَلَىٰ الْمُرْسَلِينَ﴾ (الصافات: 181).
السيدة خديجة الكبرىٰ (عليها السلام):
ورد في زيارتها (عليها السلام): «اَلسَّلامُ عَلَيْكِ يا مَنْ سَلَّمَ عَلَيْها جَبْرَئيلُ، وَبلَّغَهَا السَّلامَ مِنَ اللهِ الْجَلِيلِ»، وفي الحديث أنَّ جبرئيل أتىٰ النبي (صلَّىٰ الله عليه وآله وسلم) فسأل عن خديجة فلم يجدها، فقال: «إذا جاءت فأخبرها أنَّ ربَّها يقرؤها السلام»(19).
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، سَمِعَهُ يَقُولُ: أَتَىٰ جِبْرِيلُ النَّبِيَّ (صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) فَقَالَ: (أَقْرِئْ خَدِيجَةَ مِنَ اللهِ وَمِنِّي السَّلَامُ، وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصُبَ)(20).
وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَىٰ النَّبِيِّ (صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، وَعِنْدَهُ خَدِيجَةُ قَالَ: (إِنَّ اللهَ يُقْرِئُ خَدِيجَةَ السَّلَامَ) فَقَالَتْ: (إِنَّ اللهَ هُوَ السَّلَامُ، وَعَلَىٰ جِبْرِيلَ السَّلَامُ، وَعَلَيْكَ السَّلَامُ، وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ)(21).
وعن أبي سعيد الخدري: (إنَّ رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله وسلم) قال: إنَّ جبرئيل (عليه السلام) قال لي ليلة أُسري بي حين رجعت وقلت: يا جبرئيل هل لك من حاجة؟ قال: حاجتي أن تقرأ علىٰ خديجة من الله ومنّي السلام. وحدَّثنا عند ذلك أنَّها قالت حين لقيها نبي الله (صلىٰ الله عليه وآله وسلم) فقال لها الذي قال جبرئيل، قالت: إنَّ الله هو السلام ومنه السلام وإليه السلام وعلىٰ جبرئيل السلام)(22).
آل محمد (عليهم السلام):
قوله تعالىٰ: ﴿سَلامٌ عَلىٰ إِلْياسِينَ﴾ (الصافات: 130).
ورد عَنْ اَميرِ المُؤمِنينَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) قَالَ: «إِنَّ رَسُولَ اللهِ (صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) اسْمُهُ يَاسِينُ، وَنَحْنُ الَّذِينَ قَالَ اللهُ: ﴿سَلامٌ عَلىٰ إِلْياسِينَ﴾»(23).
وعَنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ آبَائِهِ، عَنْ عَلِيٍّ (عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ) قَالَ: «يَس مُحَمَّدٌ، وَنَحْنُ آلُ مُحَمَّدٍ»(24).
وورد عن ابن عباس قوله تعالىٰ: ﴿سَلامٌ عَلىٰ إِلْياسِينَ﴾ قال: أي علىٰ آل محمد(25).
عن عمر بن الخطاب أنَّه كان يقرأ: ﴿سَلامٌ عَلىٰ إِلْياسِينَ﴾ قال: علىٰ آل محمد (صلىٰ الله عليه وعليهم أجمعين)(26).
السلام علىٰ الأئمة (عليهم السلام) وشيعتهم:
قوله تعالىٰ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَىٰ الدَّارِ﴾ (الرعد: 24).
ورد عن علي بن إبراهيم أنَّه قال: (نزلت في الأئمة (عليهم السلام) وشيعتهم الذين صبروا)(27).
وورد عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) قَالَ: «نَحْنُ صَبَرْنَا وَشِيعَتُنَا أَصْبَرُ مِنَّا؛ لِأَنَّا صَبَرْنَا بِعِلْمٍ وَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا لَا يَعْلَمُونَ»(28).
وهذا عقبىٰ أعمالهم الصالحة التي داموا عليها في كل باب من أبواب الحياة بالصبر علىٰ الطاعة وعن المعصية وعند المصيبة مع الخشية والخوف, وقد خاطبوهم بالأمن والسلام الخالد وعقبىٰ محمودة لا يعتريها ذم وسوء أبداً(29).
فهذه السلامة جاءت بعد صبرهم علىٰ الشدائد وتحمّلهم المسؤوليات الجسام والمصائب، ولهم هنا كامل الطمأنينة والأمان، فلا حرب ولا نزاع، وكلّ شيء يبتسم لهم، والراحة الخالية من المتاعب معدّة لهم(30).
وانتفاء كل أمر تشوبه مضرة فيسلمهم الله من الأهوال والمكاره وشدائد الدنيا ومحنها في طاعة الله فيجزيهم بالكرامة(31).
أصحاب الأعراف:
قوله تعالىٰ: ﴿وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ (الأعراف: 46).
قوله: ﴿نادَوْا﴾ المنادون هم الرجال الذين علىٰ الأعراف وقوله: ﴿أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ يفسر ما نادوا به(32).
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): «الْأَعْرَافُ كُثْبَانٌ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، يَقِفُ عَلَيْهَا كُلُّ نَبِيٍّ وَكُلُّ خَلِيفَةِ نَبِيٍّ مَعَ المذْنِبِينَ مِنْ أَهْلِ زَمَانِهِ، كَمَا يَقِفُ صَاحِبُ الْجَيْشِ مَعَ الضُّعَفَاءِ مِنْ جُنْدِهِ، وَقَدْ سِيقَ المُحْسِنُونَ إِلَىٰ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ ذَلِكَ الْخَلِيفَةُ لِلْمُذْنِبِينَ الْوَاقِفِينَ مَعَهُ: اُنْظُرُوا إِلَىٰ إِخْوَانِكُمُ المُحْسِنِينَ قَدْ سِيقُوا إِلَىٰ الْجَنَّةِ، فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِمُ المُذْنِبُونَ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾»(33).
سلام الملائكة علىٰ المؤمنين حين قبض أراوحهم:
قوله تعالىٰ: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (النحل: 32).
قوله تعالىٰ: ﴿طَيِّبِينَ﴾ الطيب تعري الشيء مما يختلط به فيكدره ويذهب بخلوصه ومحوضته يقال: طاب لي العيش أي خلص وتعرىٰ مما يكدره وينقصه(34)، وفيه عدَّة معاني منها:
– فالمراد بكون المتقين طيبين في حال توفيهم خلوصهم من خبث الظلم(35).
– هم المؤمنون الذين طابت مواليدهم في الدنيا(36).
– طيبي الأعمال طاهري القلوب من دنس الشرك(37).
– معناه طيبة نفوسهم بالمصير إليه لعلمهم بما لهم عنده من الثواب(38).
– طيبين أي صالحين بأعمالهم الجميلة(39).
– طيب وفاتهم فلا يكون صعوبة فيها(40).
قوله تعالىٰ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾:
إنَّ تعبير ﴿سَلامٌ﴾ تعبير ذو معنىٰ إذ يعبّر عن الروح والريحان وكلّ أنواع الهدوء والنعمة والسلامة(41).
قوله تعالىٰ: ﴿يَقُولُونَ﴾ أي تقول الملائكة ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أي سلامة لكم من كلِّ سوء ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فإنَّهم لما بشروهم بالسلامة صارت الجنة كأنَّها دارهم وهم فيها فقولهم: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ بمعنىٰ حصلت لكم الجنة وقيل إنَّما يقولون ذلك عند خروجهم من قبورهم(42).
سلام أهل الجنة:
قوله تعالىٰ: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ﴾ (إبراهيم: 23).
عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ)، عَنِ النَّبِيِّ (صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ مَعَ يَهُودِيٍّ، وَقَدْ سَأَلَهُ عَنْ مَسَائِلَ قَالَ (صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ): «إِذَا قَالَ الْعَبْدُ: (سُبْحَانَ اللهِ) سَبَّحَ كُلُّ شَيْءٍ مَعَهُ مَا دُونَ الْعَرْشِ، فَيُعْطَىٰ قَائِلُهَا عَشْرَ أَمْثَالِهَا، وَإِذَا قَالَ: (الْحَمْدُ لِلهِ) أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ بِنَعِيمِ الدُّنْيَا حَتَّىٰ يَلْقَاهُ بِنَعِيمِ الْآخِرَةِ، وَهِيَ الْكَلِمَةُ الَّتِي يَقُولُهَا أَهْلُ الْجَنَّةِ إِذَا دَخَلُوهَا، وَالْكَلاَمِ يَنْقَطِعُ فِي الدُّنْيَا مَا خَلاَ الْحَمْدُ لِلهِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ﴾»(43).
قوله: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ﴾ التحيّة في الأصل الحياة وتستعمل لسلامة وحياة الأفراد، وتطلق لكلِّ تحيّة وسلام ودعاء في بداية اللقاء، قال البعض: إنَّ التحية هنا من الله للمؤمنين قرينة علىٰ نعمهم وسلامتهم من كلِّ أذىٰ ونزاع، وقال البعض الآخر: إنَّ القصد هو تحيّة المؤمنين فيما بينهم، أو تحيّة الملائكة لهم، وعلىٰ أيّة حال فـ﴿سَلامٌ﴾ التي قيلت بشكل مطلق لها من المفهوم الواسع بحيث يشمل كلّ سلامة من أي نوع من أنواع العذاب الروحي والجسمي(44).
وهو مقابلة حالهم من انعكاس السلام والتحية المباركة من بعضهم إلىٰ بعض(45)، وهو توسيم اللقاء بالأمن المطلق، ولا يوجد في غيرها من الأمن إلَّا اليسير النسبي(46).
سلام يوم اللقاء:
﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ (الأحزاب: 44):
قَالَ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): «يَعْنِي أَنَّهُ لاَ يَزُولُ الْإِيمَانُ عَنْ قُلُوبِهِمْ يَوْمَ يُبْعَثُونَ»(47).
التحيّة من مادّة حياة، وهي تعني الدعاء لسلامة وحياة أخرىٰ، هذا السّلام يعني السلامة من العذاب، ومن كلِّ أنواع الألم والعذاب والمشقّة، سلام ممتزج بالهدوء والاطمئنان(48).
إذ يحيي بعضهم بعضاً يوم يلقون ثواب الله بأن يقولوا السلامة لكم من جميع الآفات ولقاء الله سبحانه معناه لقاء ثوابه(49).
معنىٰ ذلك أنَّ كون التحية يوم القيامة سلاماً يدل علىٰ أنَّ كل شيء موافق لمراد الإنسان وملائم له. فما يتمنَّاه يجده، ولا يحتاج إلىٰ الكلام الدنيوي لتحقيق غاية وما يحتاجه، وإنَّما يقتصر كلامه علىٰ الثناء علىٰ ما يشاهده من جمال صنع الله تعالىٰ(50).
سلامه تعالىٰ علىٰ أصحاب الجنة:
قوله تعالىٰ: ﴿سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ (يس: 58).
قوله: ﴿سَلامٌ﴾ أي لهم سلام، ومنىٰ أهل الجنة أن يسلم الله عليهم(51).
وهو مبتدأ محذوف الخبر، والتنكير للتفخيم، والتقدير سلام عليهم أو لهم سلام، و﴿قَوْلاً﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف والتقدير قوله: ﴿قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾(52) بهم يسمعونه من الله فيؤذنهم بدوام الأمن والسلامة مع سبوغ النعمة والكرامة وأنَّ الملائكة يدخل عليهم من كل باب يقولون سلام عليكم من ربكم الرحيم(53)، فالسلام منه تعالىٰ أمان(54).
هذا النداء تهتز له الروح فيمتلئ بها النشاط، ولكونه نداءً مشحوناً بمحبة الله، ترتقي به الروح الإنسانية إلىٰ أفراح علوية لا يبلغها وصف ولا توازيها نعمة. فسماع نداء المحبوب، الندي بالمحبة المعطر باللطف، يغمر أهل الجنة من السرور ما تعادل لحظة منه الدنيا كلها بل تزيد عليها(55).
رابعاً: خاتمة: استنتاجات:
بعدما تقدَّم من الآيات وتفسيرها والروايات الواردة فيها يمكن التوصل إلىٰ عدَّة استنتاجات منها ما يأتي:
1- يعد السلام في القرآن سُنَّة إلهية.
2- يعد السلام في القرآن نوع من أنواع الجزاء والثمرة علىٰ الصبر والثبات.
3- السلام الوارد في القرآن ليس تحية فحسب، بل هو استحقاق للصابرين والعاملين وللمستحقين له وليس اعتباطي.
4- من معايير شمول سلام الله في القرآن الاصطفاء والصبر والدعوة لله سبحانه والمتقين والمستقيمين المؤمنين.
5- سلام الله في القرآن أمان واطمئنان ونجاة وسكن وتكريم وعافية وسلامة وانتصار وروح وريحان وهدوء والإخلاص.
6- إنَّ المخصوص بالسلام المستحق يدل علىٰ بلوغهم مرتبة ودرجة عالية وقرب حتَّىٰ استحقوا بها السلام وهو شهادة منه تعالىٰ لهم.
7- السلام في القرآن غير مختص بفئة معيَّنة فقط، بل شمل من يستحقه من الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) والعباد الصالحين وأهل الجنة.
8- السلام في القرآن علىٰ مستحقيه ليس سبباً، بل نتيجة للصبر والإيمان والتقوىٰ والثبات وعلامة علىٰ الفوز الأُخروي وتحقيق اتِّباع معايير المنهج الربانية علىٰ أتم وجه.
الهوامش:
(1) الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ج 14، ص340، وص432.
(2) الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ج14، ص385.
(3) مجمع البيان في تفسير القرآن: ج8، ص722.
(4) الميزان في تفسير القرآن: ج17، ص179.
(5) انظر: الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ج17، ص510.
(6) الميزان في تفسير القرآن: ج10، ص18.
(7) انظر: الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ج14، ص213.
(8) الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ج 14، ص340 وص432.
(9) الميزان في تفسير القرآن: ج17، ص146.
(10) علل الشرائع: ج1، ص60.
(11) الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ج14، ص368.
(12) الميزان في تفسير القرآن: ج17، ص153.
(13) قصص الأنبياء، للراوندي: ص135.
(14) الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ج14، ص385.
(15) مجمع البيان في تفسير القرآن: ج8، ص715.
(16) قصص الأنبياء، للراوندي: 214-215، الكافي، ج6، ص366، بحار الأنوار، ج13، ص405.
(17) الميزان في تفسير القرآن: ج14، ص21.
(18) قصص الأنبياء، للراوندي: ص214؛ بحار الأنوار: ج 14، ص202.
(19) روضة الواعظين: ج2، ص269.
(20) السنن الكبرىٰ للنسائي، رقم ح (8300).
(21) السنن الكبرىٰ للنسائي، رقم ح (8301).
(22) تفسير العياشي: ج2 ص279 ح12.
(23) تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة: ص: ص524.
(24) الأمالي: ص558؛ تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة: ص524.
(25) تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة: ص525.
(26) تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة: ص525.
(27) تفسير القمي: ج1، ص365.
(28) تفسير القمي: ج1، ص365.
(29) الميزان في تفسير القرآن: ج11، ص347.
(30) انظر: الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ج7، ص393.
(31) مجمع البيان في تفسير القرآن: ج6، ص445.
(32) الميزان في تفسير القرآن: ج8، ص129.
(33) مجمع البيان في تفسير القرآن: ج4، ص653.
(34) الميزان في تفسير القرآن: ج12، ص236.
(35) الميزان في تفسير القرآن: ج12، ص236.
(36) تفسير القمي: ج1، ص385.
(37) انظر: مجمع البيان في تفسير القرآن: ج6، ص552.
(38) انظر: مجمع البيان في تفسير القرآن: ج6، ص552.
(39) انظر: مجمع البيان في تفسير القرآن: ج6، ص552.
(40) انظر: مجمع البيان في تفسير القرآن: ج6، ص552.
(41) انظر: الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ج17، ص510.
(42) مجمع البيان في تفسير القرآن: ج6، ص552.
(43) البرهان في تفسير القرآن: ج3، ص18.
(44) الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ج7، ص498.
(45) الميزان في تفسير القرآن: ج12، ص50.
(46) الميزان في تفسير القرآن: ج10، ص18.
(47) التوحيد: ص255.
(48) الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ج13، ص290.
(49) مجمع البيان في تفسير القرآن: ج8، ص568.
(50) انظر: الميزان في تفسير القرآن: ج10، ص20.
(51) مجمع البيان في تفسير القرآن: ج8، ص671.
(52) الميزان في تفسير القرآن: ج17، ص101.
(53) مجمع البيان في تفسير القرآن: ج8، ص671.
(54) تفسير القمي: ج2، ص216.
(55) انظر: الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ج14، ص212.