الطريق إلىٰ الجنة
الشيخ حبيب جابر طاهر الإبراهيمي
تمهيد:
الإنسان يمر بمراحل متعدِّدة تبدأ من النطفة إلىٰ الجنين إلىٰ أن يخرج إلىٰ الحياة الدنيا، ويمر بالطفولة، والبلوغ، وتنتهي حياته بالموت، وتكون له أهداف وغايات في الحياة الدنيا، فمرَّة تكون دنيوية ومرَّة تكون أخروية ولا تنافي بينهما لأنَّ الله -سبحانه وتعالىٰ- جعل الإنسان خليفة في الأرض يعمر ويصلح وكذلك عليه أن يعمر ويصلح آخرته.
وهنا نطرح سؤالاً وهو هل الجنة غاية أم أُمنية؟
والإجابة عن السؤال تكون عبر محطات يمر بها الإنسان:
المحطة الأولىٰ: معرفة الله سبحانه وتعالىٰ:
من الضروريات في حياة الإنسان أن يعرف خالقه ومن المدبِّر لشؤونه ومن بيده نفعه وضرّه ومن المسيطر علىٰ هذا الكون ومن المدبِّر لشؤونات هذا الكون الواسع الذي به من أغرب وأعجب المخلوقات الصغيرة والكبيرة، والتي ترىٰ بالعين المجرَّدة والتي لا ترىٰ إلَّا بالمجهر وكيف تكون في حركة منتظمة ولا يوجد هناك تداخل في حركتها.
إذن لابدَّ من معرفة ذلك الخالق ومعرفة أنَّه -سبحانه- الغني غير المحتاج إلىٰ غيره، والعقل يفرض أن نشكره وإنَّه يستحق العبادة وأن نأتمر بأوامره وننتهي عن نواهيه، لأنَّ له حق الطاعة علينا لأنَّه المنعم وشكر المنعم واجب.
المحطة الثانية: الإدلاء علىٰ الله سبحانه وتعالىٰ:
والإدلاء هم الأنبياء والأوصياء والعلماء الربانيون الذين يهدون الناس إلىٰ طاعة الله سبحانه وتعالىٰ، ويعرفونهم الطريق الذي أراده الله للوصول إليه، وإنقاذ البشرية من الجهل والضلال إلىٰ النور والهداية والسير بالاتِّجاه الصحيح والتقرُّب إلىٰ الله سبحانه وتعالىٰ من حيث يريد لا من حيث يريد الإنسان والوصول إلىٰ الغاية القصوىٰ وهي الجنة التي وعد الله فيها المتَّقين، والجنة غاية وليست أُمنية، فهي ثمرة عمل في الدنيا وحصاد في الآخرة.
وكما جاء في الآية المباركة: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾ (العنكبوت: 69).
المحطة الثالثة: تزكية النفس:
النفس الإنسانية بطبعها تميل إلىٰ الملذَّات والشهوات وتميل إلىٰ الراحة والسعادة وتطمح أن تصل إلىٰ أعلىٰ المراتب في هذه الحياة الدنيا من جمع أموال وتفاخر بالمال والأولاد هذه المغريات كلّها موجودة في الحياة الدنيا، وهنا يأتي دور تزكية النفس وكبح جماح النفس، وهنا يأتي دور تزكية النفس، وكبح جماح هذا الفرس الجموح الذي يحتاج إلىٰ لجام يمنعه من الانغماس في الملذات والشهوات.
كما جاء في القرآن الكريم: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ (الشمس: 7-10).
وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): «الخطايا خيل شمس حمل عليها أهلها وخلعت لجمها فتقحمت بهم في النار، ألا وأنَّ التقوىٰ مطايا ذلل حمل عليها أهلها وأعطوا أزمتها فأوردتهم الجنة»(1).
ويأتي هنا دور الإيمان بالغيب في تزكية النفس بوصفه رادعاً نفسياً، كما جاء في الآية الكريمة: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ (البقرة: 3)، فإذا جعل الإنسان هذا الرادع حاضراً في جميع حركاته وسكناته، وأنَّ الله سبحانه وتعالىٰ هو الرقيب هنا يكون قد صان النفس ونأىٰ بها عن كلِّ الأشياء التي تبعده عن الباري (عزَّ وجلَّ).
الخاتمة:
وبذلك يتَّضح أنَّ الجنة ليست أُمنية مجرَّدة وإنَّما غاية يسعىٰ إليها الإنسان من خلال معرفة الله واتِّباع إدلائه وتزكية نفسه والعمل في الدنيا للفوز في الآخرة التي أُعدَّت للمتَّقين.
الهوامش:
(1) البحار: ج75، ص3.