زواج علي وفاطمة (عليهما السلام) نموذجُ القداسة والبساطة

الحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام علىٰ أفضل الخلق أجمعين محمد وآله الطيبين الطاهرين.

في يومٍ من أيام التاريخ الخالدة، يوم لم تغرب شمسه عن قلوب المؤمنين، حتَّىٰ انعقد أعظمُ عقدٍ في الإسلام، جمع بين وليِّ الله الأعظم وبضعة خاتم الأنبياء، كان ذلك في اليوم الأوَّل من شهر ذي الحجة، من السنة الثانية للهجرة، حين اقترن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) بسيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السلام).

لم يكن هذا الزواج المبارك مجردَ ارتباطٍ بين رجلٍ وامرأة، بل كان ارتباط بين نورَين طاهرين، انبثقا من مشكاة النبوّة والإمامة، وزواجٌ قدَّسته السماء، وشهد له الوحي، وتبارك به الوجود بأسره.

اختيارٌ ربّاني وزواجٌ بأمرٍ إلهي:

حينما تقدَّم أمير المؤمنين لخطبة الزهراء (عليهما السلام)، لم يكن يملك من زينة الدنيا شيئًا، لكنه كان أغنىٰ الخَلق إيمانًا، وأعظمهم صدقًا، وأسبقهم إلىٰ الإسلام، وحين ذكرها بين يدي النبي (صلَّىٰ الله عليه وآله)، قال له رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله): «يَا عَلِيُّ، إِنَّهُ قَدْ ذَكَرَهَا قَبْلَكَ رِجَالٌ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهَا، فَرَأَيْتُ اَلْكَرَاهَةَ فِي وَجْهِهَا، وَلَكِنْ عَلَىٰ رسْلِكَ حتَّىٰ أَخْرُجَ إِلَيْكَ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا فَقَامَتْ إِلَيْهِ، فَأَخَذَتْ رِدَاءَهُ وَنَزَعَتْ نَعْلَيْهِ، وَأَتَتْهُ بِالْوضُوءِ، فَوَضَّأَتْهُ بِيَدِهَا وَغَسَلَتْ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ قَعَدَتْ، فَقَالَ لَهَا: يَا فَاطِمَةُ، فَقَالَتْ: لَبَّيْكَ، حَاجَتَكَ، يَا رَسُولَ اَللهِ، قَالَ: إِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ مَنْ قَدْ عَرَفْتِ قَرَابَتَهُ وَفَضْلَهُ وَإِسْلاَمَهُ، وَإِنِّي قَدْ سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ يُزَوِّجَكِ خَيْرَ خَلْقِهِ وَأَحَبَّهُمْ إِلَيْهِ، وَقَدْ ذَكَرَ مِنْ أَمْرِكِ شَيْئاً، فَمَا تَرَيْنَ؟ فَسَكَتَتْ، وَلَمْ تُوَلِّ وَجْهَهَا وَلَمْ يَرَ فِيهِ رَسُولُ اَللهِ (صَلَّىٰ اَللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) كَرَاهَةً ، فَقَامَ وَهُوَ يَقُولُ: اَللهُ أَكْبَرُ، سُكُوتُهَا إِقْرَارُهَا، فَأَتَاهُ جَبْرَئِيلُ (عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ) فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، زَوِّجْهَا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَإِنَّ اَللهَ قَدْ رَضِيَهَا لَهُ وَرَضِيَهُ لَهَا»(1).

وهكذا كان، زواجٌ بأمرٍ من السماء، وعقدٌ كتبه الوحي، وباركه رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) بقوله: «إِنَّ اَللهَ تَعَالَىٰ أَمَرَنِي أَنْ أُزَوِّجَ فَاطِمَةَ مِنْ عَلِيٍّ»(2).

بساطة المهر وجهاز البيت:

رغم أنَّ فاطمة الزهراء (عليها السلام) كانت سيدة نساء العالمين، إلَّا أنَّ مهرها لم يتجاوز درعًا، باعها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) بقيمة خمسمائة أو أربعمائة درهم، بل تشير بعض الروايات إلىٰ أنَّه لم يتعدَّ ثلاثين درهمًا، فاستُعمل ثمنها في تجهيزها بأبسط ما تيسّر من متاع الدنيا، ليكون زواجها درسًا خالدًا في الزهد، وقُدوةً في التواضع، ومظهرًا من مظاهر العفّة والبركة، وقد ورد في الروايات أنَّ جهاز الزهراء (عليها السلام) كان عبارةً عن: (حصيرٍ من السعف، وسِقاء، ووسادةٍ من جلد حشوها ليف، وبعض الأواني الفخارية، وثوبٍ بسيط)(3).

ولمّا نظر النبي (صلَّىٰ الله عليه وآله) إِلَيْهِ بَكَىٰ وَجَرَتْ دُمُوعُهُ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَىٰ اَلسَّمَاءِ وَقَالَ: «اَللَّهُمَّ بَارِكْ لِقَوْمٍ جُلُّ آنِيَتِهِمُ اَلْخَزَفُ»(4).

فكان بيت أمير المؤمنين وفاطمة الزهراء (عليهما السلام) بيتًا تغمره السكينة، يغشاه نورُ الله، وترفرف عليه الملائكة، لم تسجّل كتب السّيرة خصومةً بينهما، ولا هجرًا، بل كانا يتقاسمان الحياة بمودّة ورحمة، وتعاونٍ ومؤازرة.

وقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنَّه قَالَ: «فَوَ اَللهِ مَا أَغْضَبْتُهَا وَلاَ أَكْرَهْتُهَا عَلَىٰ أَمْرٍ حتَّىٰ قَبَضَهَا اَللهُ (عَزَّ وجَلَّ)، ولاَ أَغْضَبَتْنِي وَلاَ عَصَتْ لِي أَمْراً وَلَقَدْ كُنْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهَا فَتَنْكَشِفُ عَنِّي اَلْهُمُومُ وَاَلْأَحْزَانُ»(5).

وكانت الزهراء (عليها السلام) ملازمةً لمحرابها، كثيرةَ الدعاء، وكان هو يعمل ويتعب ليأتي برزقٍ حلال، يشاركها فيه ويعينها في شؤون بيتها.

رسالة إلىٰ أولياء الأمور:

إلىٰ كلِّ أبٍ وأمٍّ، وإلىٰ كلِّ مربٍّ وموجِّهٍ للشباب، لنجعل من زواج النورين، زواج أمير المؤمنين علي وفاطمة الزهراء (عليهما السلام)، نموذجًا مضيئًا، وموعظةً بليغةً لأبناء هذا الجيل.

فلنتأمَّل كيف كان مهر الزهراء (عليها السلام) القليل، وجهازها عنوانًا للبساطة، وزواجها مرتكزًا علىٰ الإيمان، مشيّدًا بالمودّة، ومكلّلًا بالصبر والرضا.

ولا نجعل زواج الشباب في هذا اليوم، تطغىٰ فيه المظاهر علىٰ الجواهر، وتتعقّد فيه شروط الزواج، وترتفع فيه المهور، حتَّىٰ عجز كثيرٌ من الشباب عن تأسيس بيت كريم.

فلابدّ لنا أن نعود إلىٰ روح الإسلام أوَّلًا، ثم إلىٰ بيت علي وفاطمة (عليهما السلام)، نستضيء بنورهما، ونتعلَّم منهما أنَّ السعادة ليست في كثرة المال، بل في المودَّة و تقارب القلوب، وتواضع النفوس، وطهارة المقاصد، وحُسن الأخلاق، والإيمان بالله.

ارحموا أبناءكم وبناتكم، وخفِّفوا عنهم أثقال المهور، ويسِّروا لهم سبل الزواج، وازرعوا في قلوبهم الرضا والصبر، فإنَّنا نرىٰ اليوم – ومع غلاء المهور – كثرة حالات الطلاق، مما يدل علىٰ أنَّ السعادة لا تُشترىٰ بالمال، بل تُبنىٰ علىٰ الإيمان والأخلاق، كما أمرنا رسول الله (صلىٰ الله عليه وآله).

وإلىٰ بناتي وأبنائي، من أراد منكم بيتًا يُشبه بيت الزهراء (عليها السلام)، فلنبدأ من حيث بدأ علي وفاطمة (عليهما السلام) بالإيمان أوَّلًا، ثم البساطة في المهر، والرضا بما يُرضي الله، فهناك تبدأ البركة، ويُكتب التوفيق.

فطوبىٰ لمن جعل بيت علي وفاطمة (عليهما السلام) قدوته، وجعل الله غايته، وبنىٰ حياته علىٰ القيم التي باركها النبيُّ الأعظم (صلَّىٰ الله عليه وآله)، وشهد لها جبرائيل، ودعا لها أهل السماء.

أسأل الله تعالىٰ أن يرزق أبناءنا وبناتنا زواجًا مباركًا كزواج عليّ وفاطمة، قِوامُه الإيمان، وظلُّه المودّة والسكينة، وأن يُلين قلوب الآباء والأمهات لتيسير أمر الزواج، والاقتداء بسُنّة أهل البيت (عليهم السلام) في البساطة والرضا.

 

 

 

الهوامش:


(1) الأمالي – محمد بن الحسن الطوسي: ج1، ص٣٩.

(2) المناقب ابن شهر آشوب: ج٣، 126.

(3) انظر: بحار الأنوار – محمد باقر المجلسي: ج٤٣، ص١٢٤.

(4) المصدر السابق.

(5) المصدر السابق.

Edit Template
Scroll to Top