الاستخارة: حقيقتها ومشروعيتها وحجيتها في النص الديني

الاستخارة: حقيقتها ومشروعيتها وحجيتها في النص الديني

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام علىٰ سيد الخلق أجمعين محمد (صلَّىٰ الله عليه وآله)، وعلىٰ أهل بيته المعصومين الطاهرين (عليهم السلام).

تمرّ علىٰ الإنسان في حياته اليومية مواقف تتطلَّب منه أن يتَّخذ قراراً، ويختار بين أكثر من أمر، وفي أغلب الأحيان يشعر بالتردُّد، إذ إنَّ من طبيعته التأنِّي والحذر عند الإقدام علىٰ أيِّ فعل، أو اتِّخاذ أيّ قرار، لذلك كان من الجميل والمناسب أن يلجأ إلىٰ الاستشارة في أفعاله وقراراته، طلباً للرأي السديد، وسعياً للوصول إلىٰ الاختيار والقرار الصائب والأصلح.

ومع أنَّ استشارة الآخرين أمرٌ ممدوح، إلَّا أنَّ علم الإنسان يبقىٰ محدوداً، وقد تخفىٰ عليه كثير من عواقب الأمور ونتائجها.

ومن هنا كان الأَولىٰ بالإنسان أن يلجأ إلىٰ الاستخارة، وهي الرجوع إلىٰ الله سبحانه وتعالىٰ، لأنَّه العليم بما كان وما يكون، والأعلم بما فيه الخير لعباده.

لذلك سنحاول في هذا البحث المختصر أن نجيب عن السؤال الآتي (ما حقيقة الاستخارة وما مدىٰ مشروعيتها في النصوص الدينية عند الإمامية؟) وفي طياته سوف نجيب عن (ما هي الاستخارة؟، ما هي شرائط الاستخارة؟، علىٰ كم قسم تكون الاستخارة؟).

ولقد عثرتُ علىٰ جملة مما كتبه علماؤنا في موضوع الاستخارة، واستفدنا منها كثيراً، منها للعالم العلامة السيد علي بن طاووس في رسالته (فتح الأبواب)، والبحث الذي ذكره عمّنا الشيخ هادي بن شيخ علي بن محمد رضا كاشف الغطاء في كتابه (الهادي فيما يحتاجه التفسير إلىٰ المبادي)، فأحببنا أن نضيف شيئاً نرجو أن يكون ذا فائدةٍ ونفعٍ، إن شاء الله.

المبحث الأوَّل: تعريف الاستخارة:

الاستخارة بالقرآن الكريم أو بالسبحة نوع من أنواع القرعة، فإنَّه إذا أشكل علىٰ إنسان أمر يفوضه إلىٰ الله تعالىٰ، ثم يدعو ببعض الدعوات المأثورة ثم يستخير الله فيعمل علىٰ طبق الاستخارة.

تعريف الاستخارة لغة:

المشهور بين علماء اللغة أنَّ الاستخارة هي بمعنىٰ طلب الخيرة – كما في النهاية والقاموس والمصباح ومجمع البحرين – من الله سبحانه وتعالىٰ عند الحيرة وعدم القطع في الأمور التي تواجه الإنسان في حياته العملية.

قال ابن منظور: «خار الله لك أي أعطاك ما هو خير لك، والخيرة بسكون الياء: الاسم من ذلك، واستخار الله: طلب منه الخيرة، يقال: استخر الله يخر لك، والله يخير العبد إذا استخاره»(1).

وقال الأزهري: «والأصل في هذا: أنَّ الصائد يأتي الموضع الذي يظنّ فيه ولد الظبية أو البقرة الوحشية فيخور خوار الغزال فتستمع الأُمّ، فإن كان لها ولد ظنَّت أنَّ الصوت صوت ولدها فتتبع الصوت فيعلم الصائد حينئذٍ أنَّ لها ولداً فيطلب موضعه، فيُقال: استخارها أي خار لتخور»(2).

تعريف الاستخارة اصطلاحاً: في اصطلاح المتشرِّعة طلب معرفة الخير(3) أي أنَّ الاستخارة عند الفقهاء يراد بها نفس المعنىٰ اللغوي، فهي أن يسأل الله سبحانه أن يجعل الخير فيما أراد إيقاعه من أفعال، وأن يوفقه لما يختار له وييسره له، أي أنَّه قد رجح في نفسه أحد الأفعال ورغب فيها(4).

وذكر الفيض الکاشاني في كتابه (الوافي) عند بيانه للحديث المروي في الكافي: «محمد عن أحمد عن محمد بن خالد عن النضر بن سويد عن يحيىٰ الحلبي عن عمرو بن حريث، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «صلِّ ركعتين واستخر الله فوالله ما استخار الله مسلم إلَّا خار الله له البتة»(5).

(يعني ما طلب مسلم من الله الخيرة في أمره بالدعاء قبل أن يرتكبه إلَّا جعل الله تعالىٰ له ذلك الأمر خيراً).

هذا أحد معاني الاستخارة ولها معانٍ أُخر تستفاد من الأخبار الآتية كطلب تيسير ما فيه الخيرة أو طلب تعرف ما فيه الخيرة أو طلب العزم علىٰ ما فيه الخيرة وما سوىٰ طلب التعرف يكون بالصلاة والدعاء وطلب التعرف قد يكون بانضمام غيره كالرقاع والبنادق والقيام إلىٰ الصلاة وفتح المصحف وأخذ السبحة وعدّها والقرعة، ويأتي بيان ذلك كلّه إن شاء الله تعالىٰ والكل حسن أيُّها يأتي به العبد فقد استخار الله‌(6).

المبحث الثاني: شرائط الاستخارة:

بما أنَّ الاستخارة من مقولة الدعاء؛ لأنَّها بها يطلب معرفة صلاح العمل وفساده من الله (عزَّ وجلَّ)، لذلك كان حريٌّ فيها مراعات شروط استجابة الدعاء من جميع الأنحاء من الوقت والمكان والشخص، كما نقل صاحب مصدرك الوسائل عن الفيض الكاشاني في كتابه تقويم المحسنين (إذا أردت أن تستخير بكلام الله الملك العلام، فاختر ساعة تصلح لذلك، ليكون علىٰ حسب المرام، علىٰ ما هو المشهور، وإن لم تجد علىٰ ذلك حديثاً عن أهل البيت (عليهم السلام)).

يوم الأحد: جيد إلىٰ الظهر، ثم من العصر إلىٰ المغرب.

يوم الاثنين: جيد إلىٰ طلوع الشمس، ثم من الضحىٰ إلىٰ الظهر، ومن العصر إلىٰ العشاء الآخرة.

يوم الثلاثاء: جيد من الضحىٰ إلىٰ الظهر، ثم من العصر إلىٰ العشاء الآخرة.

يوم الأربعاء: جيد إلىٰ الظهر ثم من العصر إلىٰ العشاء الآخرة.

يوم الخميس: جيد إلىٰ طلوع الشمس، ثم من الظهر إلىٰ العشاء الآخرة.

يوم الجمعة: جيد إلىٰ طلوع الشمس، ثم من الزوال إلىٰ العصر.

يوم السبت: جيد إلىٰ الضحىٰ، ثم من الزوال إلىٰ العصر.

– وقال الشيخ هادي بن علي كاشف الغطاء عن هذا الترتيب – هذا الجدول قد أخذ من المحقِّق الطوسي في كتابه مدخل المنظوم(7).

وجاءت أخبار عديدة في كيفية الاستخارة:

منها في فردوس الأخبار: أنَّ النبي (صلَّىٰ الله عليه وآله) قال: «يا أنس إذا هممت بأمر فاستخر ربَّك فيه سبع مرّات، ثمَّ انظر إلىٰ الذي يسبق إلىٰ قلبك، فإنَّ الخير فيه» أي افعل ذلك(8).

منها: ما جاء عن المجلسي في كتابه البحار (سمعت والدي يروي عن شيخه البهائي (نوَّر الله ضريحه) أنَّه كان يقول: سمعنا مذاكرة عن مشايخنا عن القائم (صلوات الله عليه) في الاستخارة بالمسبحة أنَّه يأخذها ويصلِّي علىٰ النبي وآله (صلوات الله عليه وعليهم)، ثلاث مرَّات، ويقبض علىٰ السبحة ويعد اثنتين اثنتين، فإن بقيت واحدة فهو افعل، وإن بقيت اثنتان فهو لا تفعل)(9).

المبحث الثالث: حجية الاستخارة:

الظاهر من الأخبار هو جواز الاستخارة، فقد وردت أخبار عديدة تحث علىٰ الاستخارة منها:

– عن الإمام الصادق (عليه السلام): «يَقولُ اللهُ (عزَّ وجلَّ): إنَّ مِن شَقاءِ عَبدي أن يَعمَلَ الأَعمالَ، ثُمَّ لا يَستَخيرُني»(10).

– عن رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله): «مِن سَعادَةِ المَرءِ كَثرَةُ استِخارَتِهِ، ومِن شَقائِهِ تَركُهُ الاستِخارَةَ»(11).

– عن الإمام عليّ (عليه السلام): «بَعَثَني رَسولُ اللهِ (صلَّىٰ الله عليه وآله) عَلَىٰ اليَمَنِ، فَقالَ – وهُوَ يوصيني -: يا عَلِيُّ، ما حارَ مَنِ استَخارَ، ولا نَدِمَ مَنِ استَشارَ»(12).

– عنه (عليه السلام) – في وَصِيَّتِهِ لِلحَسَنِ (عليه السلام) – : «أكثِرِ الاستِخارَةَ»(13).

– عن الإمام الصادق (عليه السلام): «ما أبالي إذَا استَخَرتُ اللهَ عَلىٰ أيِّ طَرَفَيَّ وَقَعتُ، وكانَ أبي يُعَلِّمُنِي الاستِخارَةَ كَما يُعَلِّمُنِي السُّوَرَ مِنَ القُرآنِ»(14).

– عن الإمام الرضا (عليه السلام) في خِطبَةِ النِّكاحِ -: «استَخيرُوا اللهَ في أمورِكُم، يَعزِم لَكُم عَلىٰ رُشدِكُم إن شاءَ اللهُ»(15).

هذا جزء يسر من الأخبار وأمَّا في سير العلماء وفتاواهم فيوجد كتب كثير ونصوص عديدة تحث علىٰ الاستخارة منها:

– رأي سماحة المرجع الديني الأعلىٰ السيد علي الحسيني السيستاني (حفظه الله):

السؤال: ما هو رأيكم بأصل الاستخارة؟

الجواب: المتيقَّن من مشروعية الاستخارة هو مورد التحيُّر بعد الاستشارة.

السؤال: ما رأي سماحتكم في الاستخارة بالقرآن الكريم؟

الجواب: يجوز الاعتماد علىٰ الاستخارة، ولكن بعد عدم التمكُّن من رفع الحيرة بالتدبُّر ومراجعة أهل الخبرة ومشاورة الأهل والأصدقاء، فإن بقيت الحيرة ولم يمكن ترجيح أحد الأمرين أو الأمور فالاستخارة ترجِّح أحد الأطراف، وليس لها شأن آخر كالكشف عن الغيب.

المبحث الرابع: أقسام الاستخارة:

إنَّ معرفة ما هو صلاح أو فساد للمستخير من الله سبحانه وتعالىٰ لا تكون إلَّا بالأمارات التي نصَّ عليها من الله تعالىٰ بواسطة الشارع فكانت أنواع الاستخارة ستَّة أقسام بحسب الاستقراء.

أوَّلهما: ما كانت الآيات القرآنية فيها هي الأمارة الكاشفة عن صلاحية لعمل وفساده، ولها عدَّة كيفيات:

ما نقله العلامة المجلسي عن دعوات الخطيب المستغفري مسنداً عن النبي (صلَّىٰ الله عليه وآله) أنَّه قال: «إذا أردت أن تتفاءل بكتاب الله (عزَّ وجلَّ) فاقرأ سورة الإخلاص (ثلاث مرات) ثم صلِّ علىٰ النبي وآله (ثلاثاً)، ثمَّ قل: اللَّهم إنِّي تفاءلت بكتابك وتوكَّلت عليك، فأرني من كتابك ما هو مكتوب من سرِّك المكنون في غيبك، ثم افتح الجامع (الجامع هو القرآن التام لجميع السور والآيات) وخذ الفال من الخط الأوَّل من الجانب الأوَّل من غير أن تعد الأوراق والخطوط»(16).

وهناك نصوص أخرىٰ نقلها أيضاً العلامة المجلسي، وأخرىٰ نقلها السيد ابن طاووس في كتاب الاستخارات.

ثانيها: منها ما كان الكاشف فيها رقاع مشتملة علىٰ (افعل أو لا تفعل) أو (نعم أو لا).

الاستخارة بذات الرقاع وهي مروية عن الكافي عن غير واحد من الأصحاب بسنده عن الصادق (عليه السلام)(17).

وقد رجَّحها السيد ابن طاووس(18) علىٰ سائر الاستخارات وقال إنَّها أضبط الاستخارات وأحسنها.

وعن روض الجنان للشهيد الثاني أنَّها أشهر الاستخارات(19).

وقال الكفعمي في مصباحه هي أعظم الاستخارات مروية عن الصادق (عليه السلام)، قال: «إذا أردت أمراً فاكتب في ستِّ رقاع: بسم الله الرحمن الرحيم خيرة من الله العزيز الحكيم (لفلان بن فلانة) في ثلاث منها افعل وفي ثلاث لا تفعل، ثم ضع الست تحت مصلاك ثم صلِّ ركعتين فإذا فرغت فاسجد وقل (مئة مرة) أستخير الله برحمته خيرة في عافية ثم اجلس وقل: اللَّهم خِر لي واختر لي في جميع أموري في يسر منك وعافية، ثم اضرب بيدك إلىٰ الرقاع فشوشها وأخرج واحدة واحدة، فإن خرج ثلاث متواليات افعل فافعل، وإن خرج ثلاث متواليات لا تفعل فلا تفعل، وإن خرج واحدة افعل والأخرىٰ لا تفعل فاخرج من الرقاع إلىٰ خمس، فانظر أكثرها فاعمل به ودع السادسة(20).

ثالثها: منها ما كان الكاشف فيها هو العدد مشتملة علىٰ (افعل ولا تفعل) أو (نعم أو لا).

إنَّ هذه الاستخارة بكيفيات متعدِّدة ذكرها العلامة المجلسي في البحار، وذكر الاستخارة بالسبحة الشيخ الفقيه محمد حسن النجفي في (الجواهر) قال: وهناك استخارة أخرىٰ مستعملة عند أهل زماننا، وربما نسبت إلىٰ مولانا القائم (عجَّل الله فرجه) وهي أن تقبض علىٰ السبحة بعد قراءة ودعاء وتسقط ثمانية ثمانية، فإن بقي واحد فحسنة في الجملة، وإن بقي اثنان فنهي واحد، وإن بقي ثلاثة فصاحبها بالخيار لتساوي الأمرين، وإن بقي أربعه فنهيان، وإن بقي خمسة فعند بعض أنَّها يكون فيها تعب، وعند بعض إنَّ فيها ملامة، وإن بقي ستة فهي الحسنة الكاملة التي يجب العجلة، وإن بقي سبعة فالحال فيها كما ذكر في الخمسة، من اختلاف الرأيين والروايتين، وإن بقي ثمانية فقد نهىٰ عن ذلك أربع مرات إلىٰ آخره(21).

رابعها: منها ما كان الكاشف فيها الفردية والزوجية في السبحة ونحوها.

قد ذكرها الشهيد في كتاب الذكرىٰ قال: ومن الاستخارات الاستخارة بالعدد، ولم تكن هذه مشهورة في العصور الماضية قبل زمان السيد الكبير العابد رضي الدين محمد بن محمد الراوي الحسيني المجاور بالمشهد المقدس الغروي، وقد رويناها عنه وجميع مروياته عن عدَّة من مشايخنا، عن الشيخ الكبير الفاضل جمال الدين المطهر، عن والده (رضي الله عنهما)، عن السيد رضي الدين، عن صاحب الأمر (عليه الصلاة والسلام): يقرأ الفاتحة (عشراً) وأقله (ثلاث مرات) ودونه (مرة) ثم يقرأ القدر (عشراً) ثم يقول هذا الدعاء (ثلاثاً): اللَّهم إنِّي استخيرك لعلمك بعاقبة الأُمور، وأستشيرك لحسن ظنِّي بك في المأمول والمحذور، اللَّهم إن كان الأمر الفلاني مما قد أنيطت بالبركة أعجازه وبواديه، وحفَّت بالكرامة أيامه ولياليه، فخر لي اللَّهم فيه خيرة ترد شموسه ذلولاً، وتقعض أيَّامه سروراً، اللَّهم إمَّا أمر فأئتمر، وإمَّا نهي فأنتهي، اللَّهم إنِّي أستخيرك برحمتك خيرة في عافية، ثم يقبض علىٰ قطعة من السبحة – الظاهر أنَّ ذكر السبحة علىٰ سبيل المثال – ويضمر حاجته إن كان عدد تلك القطعة زوجاً فهو افعل، وإن كان فرداً لا تفعل أو بالعكس(22).

خامسها: منها ما كان الكاشف منها جواب الغير عند مشاورته.

كيفيتها كما عن مكارم الأخلاق عن الصادق (عليه السلام): «إذا أردت أمراً فلا تشاور فيه أحداً حتَّىٰ تشاور ربَّك»، قال: قلت له: وكيف أشاور ربِّي؟ قال: «تقول: (أستخير الله) مئة مرة ثم تشاور الناس، فإنَّ الله يجري لك الخيرة علىٰ لسان من أحب»(23).

سادسها: منها ما كان الكاشف منها ميل القلب وإرادته بعد طلب المعرفة.

لها عدَّة كيفيات:

(إحداها): كما عن الفقيه عن الصادق (عليه السلام)، قال: «استخر الله في آخر ركعة من صلاة اللَّيل وأنت ساجد (مئة مرة ومرة)»، قال: كيف أقول؟ قال (عليه السلام): «تقول أستخير الله برحمته، أستخير الله برحمته»(24).

(ثانيها): كما عن الفقيه عنه (عليه السلام) قال: «في الاستخارة أن يستخير، الرجل في آخر سجدة من ركعتي الفجر (مئة مرة ومرة) تحمد الله وتصلي علىٰ النبي ثم تستخير الله (خمسين مرة) ثم تحمد الله وتصلِّي علىٰ النبي وتتم المئة والواحدة»(25).

المبحث الخامس: الاستنابة في الاستخارة:

لم أرَ أخبار تنص علىٰ الاستنابة في الاستخارة بشكل مفصَّل، وهذا ما قاله العلامة المجلسي في البحار (ما ذكره السيد -ابن طاووس- من جواز الاستخارة للغير لا يخلو من قوة للعمومات ولا سيما إذا قصد النائب لنفسه أن يقول للمستخير أفعل أم لا؟ كما أومئ إليه السيد وهو حيلة لدخولها تحت الأخبار الخاصة؛ لكن الأولىٰ و الأحوط أن يستخير صاحب الحاجة لنفسه؛ لأنَّا لم نرَ خبراً ورد فيه التوكيل في ذلك، ولو كان ذلك جائزاً أو راجحاً لكان الأصحاب يلتمسون من الأئمة (عليهم السلام)، ولو كان ذلك لكان منقولاً لا أقل في رواية مع أنَّ المضطر أولىٰ بالإجابة، ودعاؤه أقرب إلىٰ الخلوص عن نية)(26).

المبحث السادس: التفاؤل بالقرآن الكريم:

روىٰ الكليني بسند ضعيف عن الصادق (عليه السلام) قال: «لا تتفاءل بالقرآن»(27).

الظاهر من هذا الحديث هو عدم جواز التفاؤل بالقرآن الكريم، وقد قال السيد عبد الله شبر في كتابة إرشاد المستبصر في الاستخارات عن هذا الحديث: (وحمل علىٰ أنَّ المراد النهي عن استنباط وقوع الأمر في المستقبل، واستخراج الأمور المخفية والغيبية كما يفعله بعض الناس لا الاستخارة)(28).

لكن هناك جملة من الأخبار التي تشير لجواز التفاؤل بالقرآن الكريم كما قال العلّامة المجلسي في البحار: (يمكن أن يكون المراد به النهىٰ عن استنباط وقوع الأمور في المستقبل واستخراج الأمور المخفية والمغيبة، كما يفعله بعض الناس لا الاستخارة، وإن مر إشعار بعض الأخبار بجواز الأوَّل أيضاً، ويحتمل أن يكون المعنىٰ التفاؤل عند سماع آية أو قراءتها كما هو دأب العرب في التفاؤل والتطيُّر للأمور، بل هو المتبادر من لفظ التفاؤل ولا يبعد أن يكون السرّ فيه أنَّه يصير سبباً لسوء عقيدتهم في القرآن إن لم يظهر بعده أثره، وهذا الوجه مما خطر بالبال، وهو عندي أظهر، والأوَّل هو المسموع من المشايخ (رضوان الله عليهم))(29).

الخاتمة:

بعد هذا العرض المختصر لمثل هذا الموضوع الذي يكون بحر كامل -الاستخارة- وما تضمن من بيان حقيقتها ومشروعيتها وحجيَّتها في النصوص الدينية، يمكن الخروج بملخص يبيِّن أهم النتائج التي يمكن أن نتوصَّل لها من هذا البحث التي هي:

1 – اتَّضح لنا أنَّ معنىٰ الاستخارة يدور حول طلب الخيرة من الله سبحانه وتعالىٰ، أي عندما يتردَّد الإنسان في الأمور التي يعرض له التردُّد فيها يذهب إلىٰ الاستخارة.

2 – دلَّت النصوص الروائية الواردة عن النبي (صلَّىٰ الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) علىٰ أصل مشروعية الاستخارة، حيث وردت أخبار عديدة تحثّ علىٰ الرجوع إلىٰ الله تعالىٰ وطلب الخيرة منه عند التحيُّر.

3 – إنَّ صور الاستخارة متعدِّدة بحسب ما ورد في الأخبار، كالاستخارة بالدعاء والصلاة، أو بالقرآن الكريم، أو بالسبحة، أو بالرقاع ونحوها، وجميعها ترجع في حقيقتها إلىٰ تفويض الأمر إلىٰ الله تعالىٰ وطلب الخيرة منه.

4 – لا يراد من الاستخارة الكشف عن الغيب أو الإخبار عن المستقبل، وإنَّما هي وسيلة لطلب التوفيق الإلهي وترجيح أحد الأمرين عند التحيُّر.

فإنَّ الاستخارة تمثِّل مظهراً من مظاهر التوكُّل علىٰ الله تعالىٰ وتفويض الأمر إليه، وهي اعتماد الإنسان علىٰ علم الله وحكمته في تدبير شؤون حياته، وسعيه إلىٰ تحصيل ما فيه الخير والصلاح في دينه ودنياه.

 

 

 

الهوامش:


(1) لسان العرب: 4/267.

(2) تهذيب اللغة: 7/223.

(3) الحدائق الناضرة 10/526.

(4) المنتخب من القواعد الفقهية: 71.

(5) الكافي: باب صلاة الاستخارة: ح1، 3/470.

(6) الوافي: 9/1409.

(7) الهادي فيما يحتاجه التفسير من المبادي: 236.

(8) فتح الأبواب: 156.

(9) بحار الأنوار: 88/250، باب الاستخارة بالسبحة والحصا، ح4.

(10) المقنعة: 217.

(11) مسند ابن حنبل: 1 / 357.

(12) تحف العقول: 207.

(13) نهج البلاغة: الكتاب 31.

(14) فتح الأبواب: 148.

(15) الكافي: باب خطب النكاح، حديث 7، 10 / 701.

(16) بحار الأنوار: 88/241.

(17) الكافي: باب صلاة الاستخارة، ح3،3/470.

(18) فتح الأبواب: 161.

(19) حكاه عنه في مفتاح الكرامة: 9/246.

(20) المصباح (الكفعمي): 390.

(21) جواهر الكلام: 12/172.

(22) ذكرىٰ الشيعة: 4/269.

(23) مكارم الاخلاق: 318.

(24) من لا يحضره الفقيه: 1/563.

(25) المصدر السابق.

(26) بحار الأنوار: 88/285.

(27) الكافي: ح7، 2/629.

(28) إرشاد المستبصر في الاستخارات: 71.

(29) بحار الأنوار: 88/244.

Edit Template
Scroll to Top