نماذج من الحياة الزوجية في مدرسة علي وفاطمة (عليهما السلام)

نتحدَّث في هذا المقال – إن شاء الله تعالىٰ – عن بعض الجوانب من حياة علي وفاطمة (عليهما السلام) الزوجية وسنقف علىٰ أبرز القيم التي تجلَّت في بيت النبوة لنستلهمها في حياتنا اليومية.

قال علي (عليه السلام): «فو الله ما أغضبتها، ولا أكرهتها علىٰ أمر حتَّىٰ قبضها الله (عزَّ وجلَّ)، ولا أغضبتني، ولا عصت لي أمراً، ولقد كنت أنظر إليها فتنكشف عنِّي الهموم والأحزان»(1).

اجتناب الغضب في العلاقة الزوجية:

قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «فوالله ما أغضبتها».

يقسم الإمام علي (عليه السلام) – وهو الصادق المصدَّق – أنَّه لم يغضب زوجته فاطمة (عليها السلام) طوال حياته معها، ومن المعلوم أنَّ الغضب أساس المشاكل في البيت؛ فالزوج الذي يتَّصف بهذه الصفة السيئة تنفر منه أُسرته، وقد حثَّ الإسلام علىٰ اجتناب الغضب.

عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث، قال: «سمعت أبي يقول: جاء رجل بدوي إلىٰ رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله إنِّي أسكن البادية فعلِّمني جوامع الكلم، فقال (صلَّىٰ الله عليه وآله): آمرك أن لا تغضب، فأعاد الأعرابي السؤال ثلاث مرَّات، ثم قال: لا أسأل عن شيء بعد هذا، ما أمرني رسول الله إلَّا بالخير»(2).

عدم الإكراه في الحياة الزوجية:

وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «ولا أكرهتها علىٰ أمر حتَّىٰ قبضها الله (عزَّ وجلَّ)».

فالإنسان يعمل باختياره، ولا إكراه في أي عمل يقوم به، وهنا يعطينا الإمام (عليه السلام) درسًا عظيمًا في التعامل الأُسَري، إذ لم يُكره زوجته الزهراء (عليها السلام) علىٰ أمر حتَّىٰ انتقلت إلىٰ جوار ربِّها.

غياب الغضب المتبادل:

وقال (عليه السلام): «ولا أغضبتني».

فاطمة (عليها السلام) لم تغضب زوجها أمير المؤمنين (عليه السلام) أبدًا، وقد عُرف ما للغضب من آثار سلبية في الحياة الزوجية، إذ يولِّد النفور ويهدم المودَّة.

الطاعة والتفاهم:

وقال (عليه السلام): «ولا عصت لي أمرًا».

هنا يشير الإمام (عليه السلام) إلىٰ قضية مهمة في الحياة الزوجية، وهي عصيان الأمر، وهو ممَّا قد يسبب الخلافات ويؤدِّي إلىٰ الطلاق لا سمح الله، لذلك قدَّمت أُسرة علي وفاطمة درسًا بليغًا للبشرية في هذا المجال.

فعن محمد بن مسلم، عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: «جاءت امرأة إلىٰ رسول الله (صلىٰ الله عليه وآله) فقالت: يا رسول الله ما حقّ الزوج علىٰ المرأة؟ فقال (صلىٰ الله عليه واله): تطيعه ولا تعصيه»(3).

المواساة وتخفيف الهموم:

وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «ولقد كنت أنظر إليها فتنكشف عنِّي الهموم والأحزان».

فالإنسان في حياته اليومية يلاقي الكثير من المشاكل والمصاعب، فتتولَّد له الهموم، والمرأة الصالحة هي التي تبادر إلىٰ إدخال السرور علىٰ زوجها، وهكذا كانت فاطمة (عليها السلام)؛ إذ كان مجرَّد النظر إليها يبدِّد هموم الإمام علي (عليه السلام).

البُعد العبادي وأثره في الأُسرة:

ومن الجوانب المضيئة في حياتها، دعاؤها للمؤمنين، فقد روىٰ الإمام الحسن المجتبىٰ (عليه السلام) قال:

«رأيت أُمِّي فاطمة (عليها السلام) قامت في محرابها ليلة جمعتها، فلم تزل راكعة ساجدة حتَّىٰ أصبح الصبح، وسمعتها تدعو للمؤمنين والمؤمنات، وتُسمِّيهم وتُكثِر الدعاء لهم، ولا تدعو لنفسها بشيء، فقلت لها: يا أُمَّاه، لِـمَ لا تدعين لنفسك كما تدعين لغيرك؟ فقالت: يا بُني، الجار ثمَّ الدار»(4).

وفي هذا الحديث دلالات تربوية مهمة:

1 – كانت (عليها السلام) تدعو للمؤمنين والمؤمنات جميعًا، ما يدل علىٰ شمول رحمتها.

2 – كانت تُسمّيهم بأسمائهم، وهذا دليل علىٰ عظيم اهتمامها.

3 – كانت تُكثر الدعاء لهم، لا تقتصر علىٰ كلمات معدودة.

4 – لم تدعُ لنفسها بشيء، ما يعكس نكران ذاتها وعظيم إخلاصها.

5 – قولها (عليها السلام): «الجار ثم الدار» يرسِّخ مكانة الجار في الإسلام وحقوقه.

نموذج العمل وتقاسم المسؤوليات:

عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يحتطب ويستقي ويكنس، وكانت فاطمة (عليها السلام) تطحن وتعجن وتخبز»(5).

هذا النموذج العملي من التعاون وتقاسم المسؤوليات داخل البيت يقدِّم أعظم درس للأُسَّر المسلمة في كل زمان.

خاتمة واستنتاجات:

إنَّ الحياة الزوجية ينبغي أن تسودها الأخلاق العلوية الفاطمية، فهي من صميم الإسلام الحنيف، وما أحوجنا اليوم إلىٰ أن نجعل من بيت علي وفاطمة (عليهما السلام) قدوة لنا، فهو بحقّ بيتٌ من بيوت الله التي قال عنها سبحانه:

﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْأَصالِ﴾ (النور: 36).

ونستنتج مما ذكرناه أعلاه:

1 – ضرورة اجتناب الغضب والإكراه في الحياة الزوجية بل ينبغي أن يسودها الحب والسعادة وهذا ما قدَّمه لنا بيت علي وفاطمة (عليهما السلام).

2 – لا عصيان في الحياة الزوجية، فالطاعة المتبادلة هي الأساس وقد تجلَّىٰ ذلك في بيت فاطمة وعلي (عليهما السلام).

3 – السكون والهدوء والطمأنينة من أرقىٰ الآداب والأخلاق في الحياة الزوجية وكان بيت علي وفاطمة النموذج الأكمل في ذلك.

4 – ما أجمل الدعاء للمؤمنين بظهر الغيب فهو خلق رائع ويدلّ علىٰ التواضع وقد علَّمتنا ذلك مولاتنا الصديقة فاطمة (عليها السلام).

 

 

 

الهوامش:


(1) بحار الأنوار: ج43، ص 134.

(2) وسائل الشيعة: ج10، ص527.

(3) وسائل الشيعة: ج20، ص158.

(4) وسائل الشيعة: ج7، ص113.

(5) بحار الأنوار: ج43، ص151.

Edit Template
Scroll to Top