اللين في القرآن الكريم: مفتاح الاتصال القلبي والدعوي

اللين في القرآن الكريم: مفتاح الاتصال القلبي والدعوي

مقدمة:

﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ…﴾ (آل عمران: 159).

إنَّ مفتاح القلوب وسرّ التأثير فيها ونجاح الخاصة في التمكُّن من إرشاد الناس وتعليمهم يكمُنْ في التخلُّق بخُلُقٍ هو أشبه بالكبريت الأحمر، خُلُق لطالما غفل عنه الكثير وأهمله فضاع وضيّع غيره ألا وهو اللين، هذا الخلق المكوِّن من ثلاث حروف هو سرّ نجاح المبلِّغ والمرشد والمعلم والوالدين وغيرهم.

ويهدف هذا المقال إلىٰ بيان مكان اللين بوصفه ركيزة أساسية في نجاح حركة المبلغين من خلال القرآن والسيرة وكلمات أهل البيت (عليهم السلام).

تعريف اللِّين وأهميته:

فاللّين: هو حُسن الخلق، ولين الجانب، والقول الحسن، وخفض الجناح، واحتمال الأذىٰ من الناس ومدارتهم والرفق بهم، فاللّين من الصفات المهمة والأساسية لكلِّ إنسان مؤمن خصوصاً إذا كان من الذين وفقهم الله تعالىٰ لتعليم الناس وإرشادهم إلىٰ الحق (جلَّ وعلا)، ومن دون أن يتحقَّق المُبلِّغ بهذه الصفة لا يمكن أن يحقِّق المرجو من عمله التبليغي وحركته الرسالية حيث إنَّ القلوب تميل إلىٰ من يلينُ ويرفقُ بها أكثر من ميلهم إلىٰ من يعطيهم العطاء، ومن تصدَّىٰ إلىٰ تعليم الناس وإرشادهم أحوج ما يكون إلىٰ التفاف الناس حوله من أجل تحقيق الغاية في تعليمهم وإرشادهم نحو الحق (عزَّ وجلَّ)، وعلىٰ العكس من ذلك فمن كان فظاً غليظاً يُفسد بدل أن يُصلح ويُنفِّر الناس عن طريق الهداية بدل أن يهديهم، كما أشارت إليه الآية في قوله تعالىٰ: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (آل عمران: 159).

حيث إنَّها أشارت إلىٰ أنَّ اللّين نعمة من نعم الله تعالىٰ منَّها علىٰ نبيِّه المصطفىٰ (صلَّىٰ الله عليه وآله) في معاملته لقومه وهو واضح من خلال سيرته المباركة في حسن الخلق وتحمل الأذىٰ وقدرته علىٰ المداراة والرفق بكافة شرائح المجتمع ومختلف هوياتهم وأديانهم حتَّىٰ عرفوه وآمنوا به، وكذلك الآية تشير إلىٰ خلو النبي الأكرم (صلَّىٰ الله عليه وآله) من الفظاظة التي هي الغلظة والجفاء مع خشونة الكلام, والغلظة التي يكون معها القلب قاسياً صلباً لا يرتجىٰ منه الخير، لأن مثل الصفات موجبة لنفور الناس وابتعادهم عنه، وهذا ما لا يريده من يهمُّه أمر الدعوة إلىٰ الباري (عزَّ وجلَّ)، فقد رُوِيَ عَنْ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ علي بن أبي طالب (عليه السلام) أنَّه قَالَ: «إِنَّ يَهُودِيّاً كَانَ لَهُ عَلَىٰ رَسُولِ اللهِ (صلَّىٰ الله عليه وآله) دَنَانِيرُ فَتَقَاضَاهُ».

فَقَالَ لَهُ – أي الرسول -: «يَا يَهُودِيُّ مَا عِنْدِي مَا أُعْطِيكَ».

فَقَالَ: فَإِنِّي لَا أُفَارِقُكَ يَا مُحَمَّدُ حَتَّىٰ تَقْضِيَنِي.

فَقَالَ: «إِذاً أَجْلِسُ مَعَكَ».

فَجَلَسَ مَعَهُ حَتَّىٰ صَلَّىٰ فِي ذَلِكَ المَوْضِعِ الظُّهْرَ والْعَصْرَ والمَغْرِبَ والْعِشَاءَ الآخِرَةَ والغَدَاةَ، وكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ (صلَّىٰ الله عليه وآله) يَتَهَدَّدُونَهُ ويَتَوَاعَدُونَهُ.

فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ (صلَّىٰ الله عليه وآله) إِلَيْهِمْ فَقَالَ: «مَا الَّذِي تَصْنَعُونَ بِهِ»؟!

فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ يَهُودِيٌّ يَحْبِسُكَ!

فَقَالَ (صلَّىٰ الله عليه وآله): «لَمْ يَبْعَثْنِي رَبِّي (عزَّ وجلَّ) بِأَنْ أَظْلِمَ مُعَاهَداً ولَا غَيْرَهُ».

فَلَمَّا عَلَا النَّهَارُ قَالَ الْيَهُودِيُّ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، وشَطْرُ مَالِي فِي سَبِيلِ اللهِ أَمَا واللهِ مَا فَعَلْتُ بِكَ الَّذِي فَعَلْتُ إِلَّا لِأَنْظُرَ إِلَىٰ نَعْتِكَ فِي التَّوْرَاةِ، فَإِنِّي قَرَأْتُ نَعْتَكَ فِي التَّوْرَاةِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ، ومُهَاجَرُهُ بِطَيْبَةَ، ولَيْسَ بِفَظٍّ ولَا غَلِيظٍ، ولَا سَخَّابٍ، ولَا مُتَزَيِّنٍ بِالْفُحْشِ، ولَا قَوْلِ الْخَنَاءِ، وأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وأَنَّكَ رَسُولُ اللهِ (صلَّىٰ الله عليه وآله)، وَهَذَا مَالِي فَاحْكُمْ فِيهِ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ، – وكَانَ الْيَهُودِيُّ كَثِيرَ المَالِ(1).

التوازن بين اللِّين والشدَّة:

ومن الضروري الإشارة إلىٰ أمر مهم وهو أنَّ اللِّين وإن كان مطلوباً ومهماً كما تبيَّن، لكن لا يعني إهمال ضدَّه من الشدَّة في بعض الحالات فإنَّ للشدَّة دور مهم إصلاح الناس في بعض المواقف وأفضل ما يمكن بيانه في هذا الصدد ما جاء في كلام أمير المؤمنين في نهج البلاغة: أنَّه كتب إلىٰ بعض عمَّاله: «أمَّا بعد، فإنَّك ممن استظهر به علىٰ إقامة الدين وأقمع به نخوة الأثيم وأسدَّ به لهاة الثغر المخوف، فاستعن بالله علىٰ ما أهمَّك واخلط الشدة بضغث من اللِّين وأرفق ما كان الرفق أرفق واعتزم بالشدَّة حين لا يغني عنك إلَّا الشدة واخفض للرعية جناحك، وابسط لهم وجهك، وألن لهم جانبك وآس بينهم في اللحظة والنظرة والإشارة والتحية حتَّىٰ لا يطمع العظماء في حيفك ولا ييأس الضعفاء من عدلك والسلام»(2).

اللِّين في القرآن الكريم (نماذج):

وفي موقف آخر يذكره القرآن لإبراهيم (عليه السلام) وكيفية دعوة عمِّه آزر إلىٰ دين التوحيد، فقد قال تعالىٰ:

﴿إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً * يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا * يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا * يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا﴾ (مريم: 42-45).

فنستفيد من موقف إبراهيم (عليه السلام) في موضع بحثنا عدَّة أمور، أهمّها:

1 – إنَّ إبراهيم (عليه السلام) كان يخاطب عمّه آزر الذي كان من الذين يصنعون الأصنام ويعبدونها بـ﴿يا أَبَتِ﴾ وهذا مشعر بكمية الاحترام والأدب والمحبَّة والقرب، فبالتأكيد مثل هذا الأسلوب له أهمية بالغة في التأثير والقبول من الآخر وإلَّا لاتَّخذ إبراهيم (عليه السلام) غير أسلوب مثلاً، يا هذا، أو أيُّها العاصي أو المشرك وغيرها من الألفاظ الشديدة والغليظة، لكن إبراهيم (عليه السلام) كان حكيماً، فلا يريد أن يبطل غرضه من الدعوة باستخدام أسلوب غليظ وشديد.

2 – بيَّن إبراهيم (عليه السلام) لعمِّه آزر بأنَّ النفع والضرر يا أبتِ يعود إليك وأنا أريد منفعتك عندما أدعوك إلىٰ عبادة الواحد الأحد، الذي هو من النافع والضار دون غيره من الأصنام التي لا تنفع ولا تضر.

3 – لم يتَّخذ إبراهيم (عليه السلام) أسلوب السب أو الشتم للأصنام التي كان يقدِّسها آزر ويعبدها، بل بيَّن بأسلوب حكيم ما هو واضح من عدم قدرة هذه الأحجار علىٰ السمع والبصر، وبالتالي عدم قدرتها علىٰ النفع، وهذا أبلغ وآكد في الدعوة، فعندما يكون إبراهيم (عليه السلام) مدارياً بهذا الشكل فهو يستخدم أفضل أساليب التأثير لأنَّ التهجُّم علىٰ الآخرين ورموزهم يوجب ردَّة فعل من قبلهم يتنافىٰ مع غايته المطلوبة.

فهذه عدَّة أمور التي من الممكن أن نستفيدها من خلال دعوة إبراهيم (عليه السلام) وكيفية تعامله مع الناس لجذبهم نحو طريق الهداية والصلاح.

وموقف آخر بيَّنه الله تعالىٰ حيث قد أمر موسىٰ وهارون (عليهما السلام) في اللِّين بالقول مع فرعون الذي عاث في الأرض فساداً، فقال: ﴿اذْهَبا إِلىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغىٰ * فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشىٰ﴾ (طه: ٤٣-٤٤).

فالله سبحانه قد أمر نبيَّين عظيمين بأن يلينا ويرفقا بأطغىٰ طغاة عصرهما عسىٰ أن يلين ويرق قلبه لذكر الله تعالىٰ، فإذا كانت معاملة أفضل خلق الله مع أطغىٰ خلق الله بهذا الشكل، فكيف ستكون معاملتهم بالناس الذين هم عباد الله وأهل توحيده.

مظاهر اللِّين العملية في التبليغ:

ولعلَّ سائل يسأل ما هي مظاهر اللِّين وكيف أكون ليِّناً؟

فنقول: إنَّ مظاهر اللّين كثيرة منها:

أولاً: الدفع بالتي هي أحسن:

فقد قال تعالىٰ: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (فصلت: 34).

فعن أمير المؤمنين (عليه السلام): «إِذَا لَقِيتُمْ إِخْوَانَكمْ فَتَصَافَحُوا وأَظْهِرُوا لَهُمُ الْبَشَاشَةَ والْبِشْرَ تَفَرَّقُوا ومَا عَلَيكمْ مِنَ الْأَوْزَارِ قَدْ ذَهَبَ»، وقَالَ (عليه السلام): «صَافِحْ عَدُوَّك وإِنْ كرِهَ فَإِنَّهُ مِمَّا أَمَرَ اللهُ (عزَّ وجلَّ) بِهِ عِبَادَهُ يقُولُ: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ (فصلت: 34-35)».

كما نقرأ في دعاء الإمام زين العابدين المعروف بدعاء مكارم الأخلاق قوله: «اللَّهم صلِّ علىٰ محمد وآل محمد، وأبدلني من بغضة أهل الشنآن المحبة، ومن حسد أهل البغي المودَّة، ومن ظنة أهل الصلاح الثقة، ومن عداوة الأدنَين الولاية، ومن عقوق ذوي الأرحام المبرة».

فمقابلة الإساءة بالإحسان جدير بأن يحول العلاقة إلىٰ أفضل ما يمكن أن تكون من المحبة والمودَّة والأُلفة بعدما كانت عداوة واضحة، فهذا يدعو المبلغ إلىٰ التحلِّي بالأخلاق الفاضلة والابتعاد عن رذائل الصفات من مقابلة الإساءة بالإساءة والانتقام، والتشفي، والعصبية، ونهر الآخر، فذلك مما يجعل ثغرة كبيرة بين الناس وبين المرشد والمبلغ، فبالتالي لا يتحقَّق الهدف الأسمىٰ من التبليغ.

ثانياً: الدعوة والمجادلة الحسنة:

قال تعالىٰ: ﴿ادْعُ إِلىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (النحل: 125).

فالمجادلة بالتي هي أحسن يعني دون الاعتداء علىٰ الآخر بكلمة أو فعل مما يسبب نفوره وابتعاده ولا يؤدِّي الغرض المطلوب من دعوتهم، فالمجادلة لا تكون ذات جدوىٰ من دون أن يحكمها الحق والعدل والصدق والأمانة، ومن دون إهانة أو تجريح أو تحقير أو مغالطة، فضرورة مراعاة كل جوانب الإنسانية في المجادلة الحسنة وما ذلك إلَّا اللِّين.

ثالثاً: خفض الجناح:

﴿وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الشعراء: 215).

نستفيد من هذه الآية الكريمة أمران:

أ – هو عطف الله تعالىٰ ورحمته بالمؤمنين فيوصي بهم أفضل خلقه (صلَّىٰ الله عليه وآله) لمدارتهم والتواضع لهم ورحمتهم، فالله اولا هو أهل الرحمة والمغفرة والرفق والشفقة بعباده فنستكشف أنَّ هذا خُلُق الله تعالىٰ كما ذكرنا.

ب – ما يمكن فهمه من تعبير خفض الجناح وكم هو تعبير رحيم مصحوب بالمحبَّة واللِّين بالقول والفعل والرفق والتواضع للمؤمنين حيث كما أنَّ الطير يحتوي أفراخه تحت جناحيه لحفظهم من مساوئ الأمور ولمهم من التفرقة والتشتُّت والضياع وتجنيبهم الحوادث التي من الممكن أن تؤذيهم وتهلكهم، فكذلك النبي (صلَّىٰ الله عليه وآله) ومن يتأسىٰ به (صلَّىٰ الله عليه وآله) فهو يحتوي قومه ويرفق بهم ويتواضع لهم حتَّىٰ يكون كأحدهم رحمة وفضلاً من الله تعالىٰ ورسوله بالمؤمنين.

رابعاً: الهجران الجميل قال تعالىٰ: ﴿وَاصْبِرْ عَلىٰ ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً﴾ (المزمل: 10).

في هذه الآية أيضاً نستفيد منها أمران:

أ – الله تعالىٰ يأمر نبيَّه (صلَّىٰ الله عليه وآله) بالصبر الذي هو للإيمان كالرأس من الجسد، وتحمل الأذىٰ من قبل قومه حين تكذيبهم إيَّاه واتِّهامه ومحاربته، ولا يكون الصبر هنا إلَّا رأفة ورحمة بالناس من أجل هدايتهم وتنويرهم والعبور بهم إلىٰ برِّ الأمان.

ب – الهجر الجميل هو الملازم للشفقة واستمرار الدعوة إلىٰ الله تعالىٰ وأيضاً هو نوع تربية في أوقات معيَّنة، فحتَّىٰ ولو اقتضىٰ الحال أن يتم الهجران بسبب سوء أفعال القوم وعدم استجابتهم لنداء الحق فسوف يكون الهجر هجراً جميلاً، وهذا من أجمل وأرقىٰ مصاديق الرحمة واللِّين في المعاملة، فحتَّىٰ مع الأعداء وفي حال الهجران، لابدَّ أن يكون متَّصفاً بالجمال، بالإضافة إلىٰ المظاهر الأخرىٰ كالتبسُّم، والتودُّد، ومدارة الناس وعيادة مرضاهم وتشييع جنائزهم، وإصلاح ذات بينهم، ومشاركتهم مصائبهم ومواساتهم، ومراعاة فقيرهم وغيرها من الأمور.

ثمار اللِّين الدعوية:

بعد ما عرفنا أهمية اللِّين وتأكيد الله تعالىٰ علىٰ أنبيائه ورسله بأن يتخلَّقوا به في دعوة الناس إليه، نأتي ونبيِّن من خلال ما جاء في كلمات أهل البيت (عليهم السلام) ثمار ونتائج هذا الخلق وكيفية الاستفادة منه في الدعوة إلىٰ الله تعالىٰ، فنقول:

إنَّ للِّين ثمار ومنافع آجلة وعاجلة منها أنَّ صاحب هذا الخلق تحرم عليه النار وتوجب له الجنة، فقد قال النبيّ (صلَّىٰ الله عليه وآله): «ألا أخبركم بمن تحرم عليه النار غداً»؟ قالوا: بلىٰ يا رسول الله، قال (صلَّىٰ الله عليه وآله): «الهيِّن القريب الليِّن السهل»(3).

وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنَّه قال: «إنَّ أهل الجنة كل مؤمن هيِّن ليِّن»(4).

وأمَّا منفعته فيما يهمُّنا من أمر الدعوة والتبليغ وتعليم الناس فيبيِّنه أمير المؤمنين (عليه السلام) في حِكم عديدة، منها ما ورد عنه في نهج البلاغة أنَّه (عليه السلام) قال: «… ومن تلن حاشيته يستدم من قومه المودة»(5).

وعنه (عليه السلام) أنَّه قال: «من لان عوده كثفت أغصانه»(6).

كادت هذه الكلمة أن تكون إيماء إلىٰ قوله تعالىٰ: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ (الأعراف: 58)، ومعنىٰ هذه الكلمة أنَّ من حسن خلقه، ولانت كلمته، كثر محبّوه وأعوانه وأتباعه، ونحوه قوله: «من لانت كلمته وجبت محبته»، وأصل هذه الكلمة مطابق للقواعد الحكمية، أعني الشجرة ذات الأغصان حقيقة، وذلك لأنَّ النبات كالحيوان في القوىٰ النفسانية، أعني الغاذية والمنمية، وما يخدم الغاذية من القوىٰ الأربع، وهي الجاذبة، والماسكة، والدافعة، والهاضمة، فإذا كان اليبس غالباً علىٰ شجرة كانت أغصانها أخف، وكان عودها أدق، وإذا كانت الرطوبة غالبة كانت أغصانها أكثر، وعودها أغلظ، وذلك لاقتضاء اليبس الذبول، واقتضاء الرطوبة الغلظ والعبالة والضخامة، ألا ترىٰ أنَّ الإنسان الذي غلب اليبس علىٰ مزاجه، لا يزال مهلوساً نحيفاً، والذي غلبت الرطوبة عليه لا يزال ضخماً عبلاً(7).

وعنه (عليه السلام): «بلين الجانب تأنس النفوس»(8).

وعنه (عليه السلام): «من لانت عريكته وجبت محبته»(9).

فأُنس النفس لمن يدعو إلىٰ الله تعالىٰ والحب والمودَّة وكثرة الناس من حوله كلّها أمور ضرورية من أجل تحقيق الهدف وهو تقوية علاقة الناس بالله تعالىٰ وأخذهم علىٰ تطبيق أحكامه بكلِّ سهولة ويسر, بل قد يتأثَّر الناس بسلوكه وأفعاله قبل كلامه, وهذه نتيجة طبيعية لمن تسكن إليه النفس وتحبّه, كما نراه بالوجدان من تشبه الحب بمحبوبه باللاشعور.

خاتمة:

ومما تقدَّم يظهر جليّاً للمبلغ الديني أهميّة هذا الخلق الرفيع وضرورة التخلُّق به والسعي لأن يكون سجية راسخة في النفس لأنَّ من دونه لا يمكن تحقيق الغرض المنشود في العمل التبليغي.

إضافة إلىٰ أهمية التوازن وعدم الإفراط والتفريط في الأمر لأن لا يخرج عن حدِّ الاعتدال ويكون جبناً أو ضعفاً, أو شدة وغلظة، وخير ما نختتم به وصف لأمير المؤمنين (عليه السلام) حيث قال صعصعة بن صوحان وغيره من شيعته وأصحابه: كان فينا كأحدنا، لين جانب، وشدة تواضع، وسهولة قياد، وكنا نهابه مهابة الأسير المربوط للسياف الواقف علىٰ رأسه.

وقال معاوية لقيس بن سعد: رحم الله أبا حسن، فلقد كان هشًّا بشًّا، ذا فكاهة، قال قيس: نعم، كان رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) يمزح ويبتسم إلىٰ أصحابه، وأراك تسر حسوا في ارتغاء، وتعيبه بذلك! أما والله لقد كان مع تلك الفكاهة والطلاقة أهيب من ذي لبدتين قد مسَّه الطوىٰ، تلك هيبة التقوىٰ، وليس كما يهابك طغام أهل الشام!

وقد بقي هذا الخلق متوارثاً متناقلاً في محبِّيه وأوليائه إلىٰ الآن، كما بقي الجفاء والخشونة والوعورة في الجانب الآخر، ومن له أدنىٰ معرفة بأخلاق الناس وعوائدهم يعرف ذلك(10).

 

 

 

الهوامش:


(1) بحار الأنوار: 217/16.

(2) نهج البلاغة: الكتاب 46.

(3) أمالي الصدوق. ص ١٩٢.

(4) غرر الحكم: 3400.

(5) نهج البلاغة: 23.

(6) نهج البلاغة: حكمة 214.

(7) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 19/35.

(8) غرر الحكم: 4261.

(9) غرر الحكم:8152.

(10) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 1/25-26.

Edit Template
Scroll to Top