الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام علىٰ سيدنا محمد وآله الطاهرين، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا، واللعن الدائم علىٰ أعدائهم إلىٰ قيام يوم الدين.
المقدمة:
منذ أن أشرقت أنوار الرسالة المحمدية، تشكَّلت في مسيرة الإسلام مفاصل تاريخية عظيمة، كانت علاماتٍ فارقة بين الحق والباطل، وبين أصالة الدين وتحريفه، ولعلّ من أبرز هذه المحطات وأعمقها أثرًا في وجدان الأُمَّة، هي نهضة الإمام الحسين (عليه السلام).
فلم تكن تلك النهضة المباركة مجرَّد حركة عابرة، أو ثورة محدودة بزمنها، بل كانت رسالة شاملة خالدة، رسمت معالم الطريق للأُمَّة، وأعادت البوصلة نحو القيم الإلهية الأصيلة، فقد أنقذ الإمام الحسين (عليه السلام)، بدمه الطاهر، وخطابه الواعي، وشهادته التي هزَّت الضمير الإنساني، وأعاد بهذه التضحيات الجليلة مسيرة الإسلام إلىٰ جادَّتها، وفضح المشروع الأموي الذي سعىٰ لتحويل الخلافة إلىٰ ملكٍ دنيويّ باسم الدين.
ونتناول في هذا البحث أبعاد النهضة الحسينية وأهدافها، ضمن رؤية تحليلية واعية، تستند إلىٰ النصوص التاريخية، لنبيِّن كيف أنَّ أثر كربلاء ما زال حيًّا في ضمير الإنسان الحر، قائماً كمنارة للهدىٰ، ومصدرًا دائمًا لتجديد الوعي العقدي، والسياسي، والاجتماعي، في مختلف العصور.
منهجية البحث:
يعتمد هذا البحث في هيكليته علىٰ تحليل بعض أهداف نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) وبعص أبعادها الرسالية المتنوعة، وذلك من خلال المحاور التالية:
المحور الأول: البُعد العقدي والتوحيدي:
بيان البُعد الإيماني والتوحيدي في حركة الإمام الحسين (عليه السلام)، وسعيه لإحياء جوهر الدين وتطهيره من التحريف الأموي.
المحور الثاني: البعد السياسي والاجتماعي:
دراسة موقف الإمام من الحكم الجائر، وفضحه للطغيان الأموي، وتأسيسه لثقافة الوعي المقاوم، والكرامة المجتمعية.
المحور الثالث: البُعد الجهادي والفدائي:
تسليط الضوء علىٰ الطابع الجهادي للنهضة، وكيف جسَّد الإمام الحسين (عليه السلام) وأصحابه أسمىٰ صور الفداء والتضحية في سبيل الحق.
المحور الرابع: البعد التربوي والإنساني:
إبراز أثر النهضة في صناعة الشخصية المؤمنة المتكاملة، من خلال النماذج التي شاركت في كربلاء من مختلف الأعمار والطبقات.
المحور الخامس: البُعد الإعلامي والرسالي:
تحليل دور العقيلة زينب والإمام زين العابدين (عليهما السلام) في فضح السلطة، ونقل الحقيقة إلىٰ الأجيال، وتثبيت الرواية الحسينية.
المحور السادس: البُعد الفقهي والأخلاقي:
كيف رسَّخت كربلاء قيم الحلال والحرام، والإيمان العملي.
المحور السابع: البعد الوجداني:
تجلّي العاطفة المقدّسة ومقام الحزن الإيماني في نهضة الإمام الحسين (عليه السلام).
المحور الثامن: البُعد الثقافي والموروث العاشورائي:
توضيح كيف تحوَّلت النهضة الحسينية إلىٰ ثقافة حية، تُجسّد في الشعائر، والمجالس، والموروث الأدبي والاجتماعي للأُمَّة، بوصفها أحد أهم أدوات حفظ الهوية الإيمانية.
المحور التاسع: البعد العالمي والإنساني:
تسليط الضوء علىٰ شمولية النهضة، وكيف أنَّها تخاطب الضمير الإنساني في كل مكان، باعتبارها حركةً ضد الظلم ومن أجل الحرية.
المحور العاشر: البُعد المهدوي (الامتداد الرسالي):
ربط النهضة الحسينية بمشروع الظهور الإلهي للإمام المهدي (عجَّل الله تعالىٰ فرجه الشريف)، باعتباره الامتداد الطبيعي لكربلاء والثأر الإلهي المنتظر.
المحور الأول: البُعد العقدي والتوحيدي:
نهضة الحسين (عليه السلام) بين التوحيد الأصيل والانحراف الأموي.
إنَّ نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) لم تكن مجرَّد ردّة فعل علىٰ ظلمٍ سياسي عابر، بل كانت ثورةً عقديّةً ذات أبعاد وجودية، استهدفت إعادة الإسلام إلىٰ جوهره التوحيدي، بعد أن كاد يُمحىٰ معناه الحقيقي تحت وطأة الحكم الأموي، الذي أفرغ الدين من محتواه، واستعمله أداةً لتكريس سلطانه واستدامة طغيانه.
لقد كان الإمام الحسين (عليه السلام) يرىٰ بأُمِّ عينه كيف تحوَّل الإسلام إلىٰ مظهر أجوف، وانحرفت مفاهيم التوحيد والعدل، لتُستبدل بمنطق الطاعة العمياء للسلطان، وتقديس الحاكم، وإنْ كان فاسقًا، قاتلًا، سكّيرًا.
فلم تكن المشكلة في يزيد كشخص، بل في مشروع أمويّ متكامل، سعىٰ لإعادة الأُمَّة إلىٰ جاهلية جديدة متستّرة بلباس الشريعة، يُحرَّف فيها الدين ليُخدَم به الجور، وتُقلب فيها المفاهيم، فيصبح الطاغية خليفة الله، والمصلح خارجيًّا.
وقد عبَّر الإمام الحسين (عليه السلام) عن هذا الانحراف بدقة في إحدىٰ رسائله إلىٰ أهل الكوفة، حيث قال: «أمَّا بعد، فقد علمتم أنَّ رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) قد قال في حياته: من رأىٰ سلطانًا جائرًا مستحلًّا لحرم الله، ناكثًا لعهد الله، مخالفًا لسُنَّة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان ثم لم يغيِّر بقول ولا فعل، كان حقيقاً علىٰ الله أن يدخله مدخله»(1).
لقد كانت غايته (عليه السلام) الأولىٰ إحياء التوحيد العملي، وتحرير الدين من التزييف السياسي، وتخليص الأُمَّة من عبودية الطغيان، لتعود إلىٰ عبودية الله وحده.
وكان بنو أُمية يعملون علىٰ صناعة صورةٍ مقدّسة للحاكم، ويطوّعون النصوص الدينية لخدمة سلطانهم، فكان يزيد يشرب الخمر علنًا، ويجاهر بالمعاصي، ويقتل ابن بنت رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله)، ثم يُقال عنه أمير المؤمنين، وتحت مظلة إعلامهم، وكان الخطاب الأمويّ لا يتورّع عن الكذب علىٰ لسان الدين.
وقد أشار الإمام الحسين (عليه السلام) بوضوح إلىٰ هذه الغاية السامية في وصيته التاريخية:
«وأنِّي لم أخرج أشرًا ولا بطرًا ولا مفسدًا ولا ظالمًا وإنَّما خرجت لطلب الإصلاح في أُمَّة جدي (صلَّىٰ الله عليه وآله) أريد أن آمر بالمعروف وأنهىٰ عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي ابن أبي طالب (عليه السلام)»(2).
لقد أعلن الإمام أنَّ السكوت عن الطغاة يُميت الدين، وأنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو جوهر الإسلام وروحه.
ولم تكن حركته المباركة فعلًا عاطفيًا أو سياسيًا مجرّدًا، بل جاءت امتثالًا لوصية إلهية مختومة، نزلت من السماء علىٰ يد جبرئيل إلىٰ النبي (صلَّىٰ الله عليه وآله)، حيث روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إنَّ الوصية نزلت من السماء علىٰ محمد كتابًا، لم ينزل علىٰ محمد (صلَّىٰ الله عليه وآله) كتاب مختوم إلَّا الوصية فقال جبرئيل (عليه السلام): يا محمد هذه وصيتك في أُمَّتك عند أهل بيتك، فقال رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله): أي أهل بيتي يا جبرئيل؟ قال: نجيب الله منهم وذريته، ليرثك علم النبوة كما ورثه إبراهيم (عليه السلام) وميراثه لعلي (عليه السلام) وذريتك من صلبه، قال: وكان عليها خواتيم، قال: ففتح علي (عليه السلام) الخاتم الأول ومضىٰ لما فيها ثم فتح الحسن (عليه السلام) الخاتم الثاني ومضىٰ لما أمر به فيها، فلما توفي الحسن ومضىٰ فتح الحسين (عليه السلام) الخاتم الثالث فوجد فيها أن قاتل فاقتل وتقتل واخرج بأقوام للشهادة، لا شهادة لهم إلَّا معك…»(3).
وفي يوم عاشوراء، تجسّد التوحيد في أبهىٰ مظاهره، حينما قدَّم الإمام الحسين (عليه السلام) أغلىٰ التضحيات في سبيل الله، وجعل من كربلاء ميدانًا لتجديد العهد الإلهي، وصرخةً في وجه التحريف.
وقد عبَّر الإمام الصادق (عليه السلام) عن هذا البُعد في زيارة يوم عرفة بقوله: «أَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ أَقَمْتَ الصَّلَاةَ، وَآتَيْتَ الزَّكَاةَ، وَأَمَرْتَ بِالمَعْرُوفِ، وَنَهَيْتَ عَنِ المُنْكَرِ، وَأَطَعْتَ اللهَ وَرَسُولَهُ حتَّىٰ آتَاكَ الْيَقِينُ»(4)، فكان الإمام الحسين (عليه السلام) شهيد التوحيد، حيث قدَّم دمه الطاهر فداءً لعقيدة الإسلام الأصيل، وتجسيدًا للعبودية الخالصة لله تعالىٰ، فكانت كربلاء صوتًا صارخًا في وجه التحريف والظلم، واستعادةً لروح الدين بعد أن كادت تندثر تحت وطأة السلطان الأموي.
لقد مثَّلت كربلاء مفترقًا عقديًّا حاسمًا، تجلّىٰ فيه مشروعان متضادّان:
الأوَّل: مشروع الحسين (عليه السلام): مشروع التوحيد، والعدل، والحرية، وكرامة الإنسان في ظلّ عبوديته لله.
الثاني: ومشروع بني أمية: مشروع تأليه السلطان، وتحريف الدين، واستعباد الأُمَّة باسم الإسلام.
وقد توهَّم الطغاة أنَّ بقتل الحسين (عليه السلام) تُخمد القضية، ولكن دمه الطاهر أنبت وعيًا توحيديًّا خالدًا، وأسس مدرسة لا تموت، وظلَّ صدىٰ السيدة زينب (عليها السلام) يدوّي في مجلس يزيد، قائلةً: «فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا»(5).
فالحسين لم يُقتل، لأنَّ التوحيد لا يُقتل، وكلَّما مرَّ الزمان، تجلَّت نهضته أكثر، وصار منارًا يُقاس به كل حاكم، وتُوزن به كل دولة، وتُعرف به كلّ ثورة.
لقد انتصر مشروع التوحيد الذي نادىٰ به الحسين (عليه السلام)، وبقي نابضًا في ضمير الأُمَّة، فيما اندثر المشروع الأموي رغم ما امتلكه من سيف وسلطة، وظلَّ الإمام الحسين (عليه السلام) رمزًا خالدًا للحقّ والعقيدة والكرامة، تُستمدّ منه معاني الحرية والتوحيد إلىٰ يوم الناس هذا.
المحور الثاني: البُعد السياسي والاجتماعي في نهضة الإمام الحسين (عليه السلام):
لم تكن نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) صراعًا شخصيًا مع يزيد بن معاوية، بل كانت انتفاضة سياسية واجتماعية شاملة، ثورة واعية علىٰ منظومة سياسية جائرة استبدّت بالأُمَّة، وبدَّلت الخلافة التي قامت علىٰ قواعد العدل والمساواة، إلىٰ نظام ملكي عضوض قائم علىٰ القهر والوراثة والاستبداد، وظفت الدين ستارًا لإضفاء شرعية مزيفة علىٰ حكمها الظالم.
البُعد السياسي:
رفض الإمام الحسين (عليه السلام) قبول بيعة يزيد بن معاوية كان موقفًا أخلاقيًا وسياسيًا جذريًا، لا يقتصر علىٰ مسألة خلافة أو خلاف شخصي، بل كان إعلانًا صريحًا عن رفض الانحراف الديني والأخلاقي والسياسي الذي أفرزه الحكم الأموي، وقد عبَّر الامام (عليه السلام) عن ذلك بكلمته الشهيرة التي تظل حية في ذاكرة التاريخ: «ألا وإنَّ الدَّعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين: بين الذلَّة والسلَّة، هيهات منَّا الذلة، يأبىٰ الله ذلك لنا ورسوله والمؤمنون وحجور طابت وطهرت وأنوف حمية ونفوس أبيَّة من أن تؤثر طاعة اللئام علىٰ مصارع الكرام»(6).
تكمن أهمية هذه العبارة في كونها تكرِّس رفض الذل والاستعباد، والتمسك بالكرامة والحرية، حتَّىٰ ولو تطلب ذلك التضحية بأغلىٰ ما يملك الإنسان، وهو النفس والدم.
كان المشروع السياسي للإمام الحسين (عليه السلام) قائمًا علىٰ مفهوم الولاية التي تستند إلىٰ العدالة والحق، وليست مجرَّد سلطة أو وراثة تؤول لمن يشاء من أفراد الأسرة الحاكمة، ولقد وقف الإمام (عليه السلام) بوجه نظام أموي الذي أغرق الأُمَّة في الفساد السياسي والأخلاقي، واستخدم الدين أداة لتبرير سلطته المطلقة، مستهينًا بمبادئ الإسلام الحقة التي تدعو إلىٰ العدالة والمساواة.
ولم تقتصر هذه المنظومة علىٰ الاستبداد السياسي فحسب، بل استخدمت الإعلام والدعاية والتزييف الممنهج لطمس الحقائق وتشويه صورة المعارضة، حيث وصل الأمر إلىٰ سبِّ أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب (عليه السلام)، أحد أعظم رموز العدل والتوحيد، محاولين بذلك ضرب جذور المقاومة في نفوس الناس وإسكات صوت الحقيقة.
وفي ظلِّ هذا الواقع القمعي، كان الإمام الحسين (عليه السلام) يدرك أنَّ الثورة لن تكون ناعمة أو مجرَّد مواجهة سياسية تقليدية، بل معركة وجودية تتطلب وعيًا تامًا بالمخاطر والتضحيات، فكان الهدف كشف فساد السلطة، وإقامة الحجة علىٰ الأُمَّة، وإيقاظ الضمائر الغافلة التي تسلَّمت زمام الأمور للباطل، مسهّلة بذلك صعود يزيد إلىٰ منبر الخلافة.
ولذلك كتب الإمام في رسالة تعكس عمق وعيه السياسي: «فإنَّ السُنَّة قد أميتت، وأنَّ البدعة قد أحييت، وأن تسمعوا قولي وتطيعوا أمري أهدكم سبيل الرشاد»(7).
فإنَّ هذا الوعي السياسي المقاوم أصبح مدرسة متكاملة لتربية الإنسان علىٰ رفض الذل والاستسلام، وتحمُّل المسؤولية في مواجهة الانحراف والفساد السياسي والاجتماعي، والدفاع عن الدين والكرامة الإنسانية.
البُعد الاجتماعي:
إنَّ الثورة الإمام (عليه السلام) لم تكن علىٰ الظلم السياسي فحسب، بل كانت رفضًا جذريًا للتحولات الاجتماعية الخطيرة التي طرأت علىٰ المجتمع الإسلامي في عهد بني أُميَّة، حيث عمَّ الفساد الأخلاقي، وانتشرت مظاهر الفجور، وانفصل الحكم عن هموم الناس، ليصبح حكامًا لا همَّ لهم إلَّا تكريس سلطتهم والاستمتاع بالملذات.
وتحوَّل المجتمع إلىٰ مسرح للصراعات الطبقية، حيث كان الأغنياء من الأمويين يعيشون في رغد وترف، بينما غابت العدالة الاجتماعية، واحتُقرت حقوق الفقراء والمظلومين، وكان هذا النقيض الاجتماعي واضحًا في التباين بين روح الإسلام الحقيقية التي تدعو إلىٰ التضامن والرحمة، وبين الواقع المؤلم الذي يعيشه الناس تحت وطأة الاستبداد والقمع.
ومع هذا، تحولت نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) إلىٰ مدرسة اجتماعية تزخر بالقيم الإنسانية الرفيعة، من الحرية والكرامة إلىٰ التضحية والشجاعة، فشكلت نموذجًا في رفض الذل والاستكانة، وعلمت الناس أنَّ الحق لا يُنال إلَّا بالصبر والجهاد والتضحيات.
كما أنَّ النهضة الحسينية أكَّدت علىٰ أهمية الاستقامة الاجتماعية، والتزام المبادئ الأخلاقية والإنسانية في بناء المجتمع، فكانت رفضًا صارخًا لكل أشكال الفساد والظلم والاستبداد الاجتماعي، ومُناصرةً للضعفاء والمظلومين.
وقد ظلَّت كربلاء عبر القرون منارة صامدة تذكّر الأُمَّة بأنَّ بناء المجتمعات لا يكون إلَّا بالعدل والرحمة، وأنَّ الاستبداد السياسي والاجتماعي هو طريق للدمار والانهيار، وقد استُخدمت هذه النهضة رمزًا خالدًا في كل حركات الإصلاح الاجتماعي والسياسي، حاملةً رسالة الحرية والكرامة لكل الشعوب الإسلامية، وفي العالم أجمع.
الأثر التاريخي المستمر:
لم تقتصر نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) علىٰ عصرها أو جغرافيتها، بل شكَّلت نموذجًا خالدًا للثورة علىٰ الظلم، وللصمود في وجه الطغاة، مدرسة سياسية وأخلاقية لا تزال تُستلهم منها كل حركة إصلاحية تسعىٰ إلىٰ بناء مجتمع عادل.
فكربلاء ليست مجرد ساحة معركة، بل هي ملحمة رمزية تخلّد قيم الحق والعدل، وتكشف أنَّ الدم الطاهر له قوة لا تُقهر، وأنَّ القيم الإنسانية التي بُنيت عليها الثورة الحسينية هي الأساس في مواجهة كل أشكال الاستبداد السياسي والاجتماعي.
وهكذا بقيت نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) منارة ثابتة تهدي الأُمَّة نحو الحق والكرامة، وتعلمها أن لا تنازل عن المبادئ مهما كانت التضحيات، لتظل نموذجًا فريدًا يجمع بين السياسة والأخلاق، ويؤسِّس لثقافة مقاومة شاملة تستند إلىٰ القيم الإسلامية الأصيلة.
المحور الثالث: البُعد الجهادي والفدائي:
إنَّ نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) لم تكن مجرَّد ثورة عسكرية أو تمرّد سياسي، بل كانت في جوهرها تجلّيًا ناصعًا لأرقىٰ معاني الجهاد، بوصفه فعلًا وجوديًّا يستبطن الوعي، والإخلاص، والعشق الإلهي، والاستعداد الكامل للفناء في سبيل الله، ولم تكن كربلاء ساحةً لتنازع سيوف، بل ميدانًا للفرز الوجودي، حيث تمايز فيه معسكر الإخلاص عن معسكر التزييف، وتجسّد فيه الإيمان الصادق في أسمىٰ مراتبه.
لقد أدرك الإمام الحسين (عليه السلام) منذ خروجه من المدينة إلىٰ كربلاء أنَّ دمه الشريف سيكون اللغة الوحيدة القادرة علىٰ كسر جدار الصمت، وتحريك الضمائر الخانعة، وإيقاظ الأُمَّة من سباتها، فكان يعلم أنَّ موازين النصر في هذا الطريق لا تُقاس بعدد الجنود أو الغلبة العسكرية، بل بعدد الأرواح التي ستنهض علىٰ خطىٰ كربلاء، والضمائر التي ستفيق علىٰ صرخة هيهات منّا الذلّة.
ومن هذا المنطلق قال (عليه السلام): «من كان باذلًا فينا مهجته، موطنًا علىٰ لقاء الله نفسه، فليرحل معنا»(8).
هذه دعوة لا تحمل الطابع العسكري فقط، بل كانت نداءً روحيًّا إلىٰ الصفوة من أهل البصيرة والعقيدة، وقد تجلّىٰ هذا البُعد الجهادي بأبهىٰ صوره يوم عاشوراء، حين تحوَّلت أرض الطف إلىٰ محراب للشهادة، وميدانًا لتجلّي القيم الإلهية، ومقامات الفداء الخالص، فلم يكن الموت عند أنصار الحسين (عليه السلام) إلَّا وسيلة للفوز بالقرب من الله، لا يُهاب بل يُطلب، ومصداق ذلك ما رُوي عن القاسم بن الحسن (عليهما السلام)، حين سأله الإمام الحسين (عليه السلام): «يا بني كيف الموت عندك»؟ قال: يا عم، أحلىٰ من العسل، فقال: «إي والله، فداك عمك»(9).
وقال مسلم بن عوسجة: (… والله لو علمت أنِّي أُقتل ثم أحيا ثم أحرق ثم أحيا ثم أذرىٰ، يفعل ذلك بي سبعين مرة، ما فارقتك حتَّىٰ ألقىٰ حمامي دونك، فكيف لا أفعل ذلك وإنَّما هي قتلة واحدة، ثم هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبداً).
وكذلك قام زهير بن القين، فقال: (والله، لوددتُ أنِّي قتلت، ثم نشرت، ثم قتلت، حتَّىٰ أُقتل هكذا ألف مرة، وأنَّ الله تعالىٰ يدفع بذلك القتل عن نفسك، وعن أنفس هؤلاء الفتيان من أهل بيتك)(10).
بل وصف الإمام الصادق (عليه السلام) جدّه الحسين بقوله: «وبذل مهجته فيك ليستنقذ عبادك من الجهالة وحيرة الضلالة»(11).
فلم يكن الجهاد الحسيني مجرَّد سيف يُشهَر، بل مقامًا من مقامات الفناء في الله، حيث فنِيَ المجاهدون في إرادة إمامهم، الذي كان يمثِّل الامتداد الإلهي الحق، وإرادة السماء علىٰ الأرض.
ولم يكن حضور النساء في واقعة الطف حضورًا ثانويًّا أو عاطفيًّا، بل كُنَّ شريكات في الموقف، ومكمّلات للجهاد بالسيف بجهاد الكلمة، وعلىٰ رأسهنَّ كانت السيدة زينب الكبرىٰ (عليها السلام)، التي واجهت الطغيان بصلابة وبلاغة، فحوَّلت الأسر إلىٰ منبر، والصمت إلىٰ ناطق، والدمعة إلىٰ بيان، فكانت نهضتها صدىٰ لنهضة أخيها، واستمرارًا لثورته.
وبهذا المعنىٰ، لم تكن كربلاء خاتمة ثورة، بل بدايتها؛ إذ أسَّست مدرسة جهادية متكاملة، تتوارثها الأجيال، وتستلهم منها كل حركة إصلاحية صادقة أنَّ طريق التغيير الحق لا يُعبَّد بالشعارات، بل بالتضحية، وأنَّ الدماء إذا امتزجت بالإخلاص، فإنَّها تكتب تاريخًا لا يُمحىٰ، وهكذا بقيت كربلاء صوتًا هادرًا في وجه كل ظلم، ومنارًا يضيء درب الأحرار في كل عصر وميدان.
المحور الرابع: البُعد التربوي والإنساني في نهضة الإمام الحسين (عليه السلام):
لم تكن نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) مجرَّد حركة عسكرية أو صراعًا سياسيًا عابرًا، بل كانت مدرسة إنسانية وتربوية متكاملة، انطلقت من جوهر الرسالة المحمدية، لتعيد بناء الإنسان علىٰ أُسُس الوعي، والإيمان، والعزّة، والكرامة، لقد أراد الإمام الحسين (عليه السلام) أن يربّي الأُمَّة بدمه، لا بوصاياه فقط، وأن يقدِّم نموذجًا حيًّا لإنسانٍ ربّانيٍ يتجاوز حدود الفِئوية والطبقية والانتماء الظاهري، ليكون ميزانُ القيمة فيه هو الصدق والإخلاص والاستعداد للتضحية في سبيل الحق.
كربلاء لم تكن معركة بين جيشين، بل كانت ساحة امتحان للنفوس، حيث تجلَّت فيها التربية الحسينية بأسمىٰ معانيها، فذلك الشيخ الكبير حبيب بن مظاهر الأسدي، رغم سِنّه الذي تجاوز السبعين، كان مثالًا حيًّا للتربية الحسينية التي تصوغ المجاهد لا يراه الموت نهايةً، بل بداية لرسالة، فقد سار إلىٰ كربلاء بنية صادقة معتمدة علىٰ يقين وعزم، مؤكِّدًا موقفه القويم تجاه الإمام الحسين دون تردُّد أو وجل، فأي تربية هذه التي تصنع من الشيخ الكبير مقاتلًا لا يُرهبه الموت، بل يراه طريقًا إلىٰ الخلود؟
وذلك العبد الأسود جون مولىٰ أبي ذر، والذي تجاوزت التربية الحسينية في حقِّه كل الفوارق الاجتماعية، فلم ينظر إليه الإمام (عليه السلام) بلون أو نسب، بل بالنية والولاء، فقال له حين استأذنه في القتال: «أنت في إذن منِّي فإنَّما تبعتنا طلباً للعافية فلا تبتل بطريقنا»، فقال: يا ابن رسول الله، أنا في الرخاء، ألحس قصاعكم وفي الشدَّة أخذلكم؟ والله إنَّ ريحي لنتن، وإنَّ حسبي للئيم، ولوني لأسود، فتنفَّس عليَّ بالجنة، فتطيب ريحي، ويشرف حسبي ويبيض وجهي، لا والله لا أفارقكم حتَّىٰ يختلط هذا الدم الأسود مع دمائكم(12).
فكانت شهادته عنوانًا لإلغاء الفوارق الظاهرية، وتأكيدًا علىٰ وحدة المصير حين يكون القائد حسينيًا والهدف ربانيًا.
حتَّىٰ الرضيع، عبد الله بن الحسين (عليهما السلام)، لم يُستثنَ من هذا البُعد التربوي والإنساني، بل أصبح صرخة مدوّية في وجه ضمير البشرية، فحين خرج به الإمام (عليه السلام) إلىٰ القوم وهو يتلوّىٰ عطشًا، قال لهم: «إن لم ترحموني فارحموا هذا الطفل»(13)، فكان الجواب سهمًا مثلثًا ذبحه من الوريد إلىٰ الوريد، ليُسجَّل في ذاكرة التاريخ أنَّ أعداء الحسين لم يفرّقوا بين سيف ورضيع، وأنَّ المظلومية بلغت ذروتها.
وأمَّا النساء، فقد كان لهنَّ دور تربوي وإنساني بارز لا يمكن إغفاله في نهضة الإمام الحسين (عليه السلام)، وفي مقدَّمتهنَّ السيدة زينب (عليها السلام)، التي لم تكن مجرد أخت شهيد، بل كانت رائدة الوعي وقائدة الموقف بعد المصاب الجلل، لقد وقفت في وجه الطغاة بثبات يعجز عنه الرجال، وأظهرت من البصيرة والشجاعة ما جعلها الامتداد الحقيقي لرسالة الحسين (عليه السلام) بعد استشهاده، وحين واجهها ابن زياد في الكوفة بسؤاله المستفزّ: كيف رأيتِ صنع الله بأخيك وأهل بيتك؟ أجابته بكلمة خالدة هزَّت بها أركان الظلم: «ما رأيت إلَّا جميلًا، هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلىٰ مضاجعهم وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاجَّ وتخاصَم، فانظر لمن الفلج يومئذٍ، ثكلتك أُمّك يا ابن مرجانة»(14).
وهذا العباس بن علي (عليه السلام)، قد تربَّىٰ علىٰ يد الحسين (عليه السلام)، فكان مظهرًا للتكامل بين القوة والوفاء، وبلغ الماء، لكنَّه لم يشرب، وقال يخاطب نفسه:
«يا نفس من بعد الحسين هوني * * * وبعده لا كنت أن تكوني
هذا الحسين وارد المنون * * * وتشربين بارد المعين»(15).
ففضَّل الموت عطشًا علىٰ أن يشرب والحسين ظامئ، وأثبت أنَّ الإيثار لا يكون إلَّا في ميادين العشق الإلهي.
وقد بلغ الإمام الحسين (عليه السلام) في تربية أصحابه مقامًا عجيبًا، حتَّىٰ قال عنهم ليلة العاشر: «فإنِّي لا أعلم أصحاباً أولىٰ ولا خيرًا من أصحابي، ولا أهل بيت أبرّ ولا أوصل من أهل بيتي، فجزاكم الله عني جميعاً خيراً»(16).
وليست هذه الكلمات مجرَّد عاطفة أو مجاملة، بل شهادة إمام معصوم، في رجال صقلتهم التربية الجهادية، حتَّىٰ أصبحوا مزيجًا نادرًا من النور والبصيرة والثبات، لا تهزّهم الفواجع، ولا تزعزعهم جحافل الموت.
ولم يكن الإمام الحسين (عليه السلام) يوجّه أصحابه بأوامر جافّة، بل كان لهم القدوة والمعلم، يشاركهم الألم، ويقاسمهم العطش، ويعيش معهم روح التضحية، مُعلّمًا إيّاهم أنَّ النصر الحقيقي لا يُقاس بوفرة السلاح، بل بثبات الموقف وصدق النيّة، وقد نقلت الروايات عن جماعة من أصحابه كلامًا متقاربًا يجمعهم علىٰ عهد الإخلاص، حيث قالوا له: (والله لا نفارقك ولكن أنفسنا لك الفداء، نقيك بنحورنا وجباهنا وأيدينا فإذا نحن قتلنا كنا وفينا وقضينا ما علينا)(17).
فإنَّ البُعد التربوي والإنساني في كربلاء لم يكن هامشيًا، بل كان جوهر النهضة، لقد قدَّمت كربلاء أرقىٰ نموذج للإنسان المتحرِّر من الطمع، والمترفع عن التبعية العمياء، والمستعد لبذل النفس في سبيل القيم، وقد أثبتت التجربة الحسينية أنَّ الإصلاح يبدأ من الإنسان لا من السلطة، وأنَّ القادة الحقيقيين هم من يصنعون أحرارًا لا أتباعًا، ويغرسون الوعي لا الخوف.
ولذا، فإنَّ كل مشروع إصلاح أو نهضة في أي زمان أو مكان، لا بدَّ أن يبدأ من حيث بدأ الحسين (عليه السلام) في تربية الإنسان لا السيطرة عليه، وبناء الوعي لا التلاعب به، وتقديم القدوة الحيّة لا الشعارات الزائفة، وهكذا تبقىٰ كربلاء نبراسًا تربويًا خالدًا، يتوارثه الأحرار جيلاً بعد جيل.
المحور الخامس: البُعد الإعلامي والرسالي في نهضة الإمام الحسين (عليه السلام):
إنَّ من أعظم ما تميَّزت به نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) هو امتلاكها لجهازٍ إعلامي رسالي متكامل، لم يكن مكمّلًا للثورة العسكرية فحسب، بل كان عمقها الاستراتيجي الذي حفظ جوهرها، وامتدَّ بها عبر الأجيال، وقد تصدَّر هذا الدور العظيم شخصيتان جليلتان من بيت العصمة، وهما العقيلة زينب بنت أمير المؤمنين (عليهما السلام)، والإمام زين العابدين علي بن الحسين (عليه السلام)، فكان لهما الأثر العميق في فضح المشروع الأموي، ونقل الحقيقة الناصعة إلىٰ الأُمَّة، وتثبيت الرواية الحسينية في وجه كل محاولات التشويه والتضليل.
لقد أراد يزيد وأعوانه أن يطمسوا ذكر الحسين (عليه السلام) وأصحابه، وأن يُحرّفوا الحقيقة عن مسارها، ويُظهروا قتلهم ابن بنت رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) علىٰ أنَّه نصر سياسي للدولة، غير أنَّ السيدة زينب (عليها السلام) وقفت لهم وقفة الحرّ الواعي الذي أدرك مسؤولية الكلمة، فحوَّلت الأسر إلىٰ منبر، والقيود إلىٰ منطق ناطق باسم المظلومية، وكان ردّها علىٰ ابن زياد في الكوفة حين سألها متشفّيًا: كيف رأيتِ صنع الله بأخيك؟ فقالت بكل ثبات وشموخ بكلمة خالدة هزَّت بها أركان الظلم: «ما رأيت إلَّا جميلاً، هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلىٰ مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاجَّ وتخاصم، فانظر لمن الفلج يومئذٍ، ثكلتك أُمّك يا ابن مرجانة»(18).
وفي قصر يزيد بالشام، ارتفع صوت السيدة زينب (عليها السلام) مدوّيًا في وجه السلطان المستبد، معلنة أنَّ الدم سينتصر علىٰ السيف، وأنَّ الحق لا يُسحق ولو بدا مغلوبًا، فقالت في خطبتها الشهيرة: «فكد كيدك، واسْعَ سعيك، وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، ولا تدرك أمدنا، ولا ترحض عنك عارها، وهل رأيك إلَّا فند؟ وأيامك إلَّا عدد؟ وجمعك إلَّا بدد؟ يوم يناد المناد ألا لعنة الله علىٰ الظالمين، فالحمد لله الذي ختم لأوَّلنا بالسعادة ولآخرنا بالشهادة والرحمة، ونسأل الله أن يكمل لهم الثواب، ويوجب لهم المزيد ويحسن علينا الخلافة، إنَّه رحيم ودود، وحسبنا الله ونعم الوكيل»(19).
بهذه الكلمات النورانية، أعلنت زينب (عليها السلام) فشل المشروع الأموي في اجتثاث الهدىٰ، وأكَّدت خلود الثورة الحسينية كقضية واعية وهداية متجذّرة في ضمير الأُمَّة.
وأمَّا الإمام زين العابدين (عليه السلام)، فقد تسلَّم راية الإعلام بعد استشهاد أبيه، وكان – رغم مرضه وضعف جسده – يحمل قوة الحُجّة وبصيرةً لا تلين، وفي مجلس يزيد، حين أراد الطاغية أن يُحرجه ويُخرجه عن وقاره، وقف الإمام (عليه السلام) مخاطبًا الناس: «أيُّها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسي، أنا ابن مكة ومنىٰ، أنا ابن المروة والصفا، أنا ابن محمد المصطفىٰ، أنا ابن من لا يخفىٰ، أنا ابن من علا فاستعلىٰ، فجاز سدرة المنتهىٰ، وكان من ربِّه قاب قوسين أو أدنىٰ»، فضج أهل الشام بالبكاء(20).
لقد كانت هذه الخطبة صرخة مدوّية في وجه الأُمَّة، ومواجهة مباشرة لأبواق الإعلام الأموي، الذي حاول أن يُصوّر الإمام الحسين (عليه السلام) خارجيًّا علىٰ خليفة المسلمين، ولم تكن هذه الكلمات مجرَّد تعبير عن مظلومية، بل كانت تفكيكًا مدروسًا لبنية الطغيان، وكشفًا عن زيف الرواية الرسمية، بلغةٍ لا تحمل سوىٰ الحقّ النقيّ.
وهكذا، لم يكن الإعلام الرسالي الذي قاده الإمام زين العابدين والعقيلة زينب (عليهما السلام) مجرد ردّ فعل علىٰ الحدث، بل كان امتدادًا طبيعيًّا لثورة الإمام الحسين (عليه السلام)، واستكمالًا لمهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتحويلًا للمأساة إلىٰ وعي حيّ، وثقافة مقاومة، وحفظٍ دائم لجوهر النهضة الحسينية، لتصبح كربلاء حدثًا متجدِّدًا لا يجفّ مع شدة أدائه، بل يُبعث في كل زمان ومكان، ليبقىٰ ذلك اليوم حيًّا في وجدان الأُمَّة، محفورًا في ذاكرتها التاريخية.
إنَّ خطب السيدة زينب والإمام زين العابدين (عليهما السلام) تمثِّل أعظم نموذج في إعلام الثورة الواعية، حيث اجتمع فيها، الصدق، والبلاغة والشجاعة والبصيرة والارتباط بالله، دون أن تنزلق إلىٰ خطاب المأساة أو الانفعال العاطفي المجرد، ولقد أثبتا أن الكلمة يمكن أن تكون سيفًا قاطعًا، وأنَّ المنبر قد يكون ميدانًا لا يقلّ أثرًا عن السيف.
ومن هنا، فإنَّ البُعد الإعلامي في النهضة الحسينية لم يكن ثانويًا، بل كان ركنًا أساسيًّا في حفظ الثورة من التحريف، وضمان خلودها في الضمير الإسلامي والإنساني، وكل من يسعىٰ اليوم لإحياء أمر الحسين (عليه السلام)، عليه أن يعلم أنَّ الكلمة الصادقة، والرؤية الواضحة، والموقف الجريء، هي امتداد لذلك الإعلام الرسالي الذي أسسته السيدة زينب والإمام زين العابدين (عليهما السلام)، تحت ظل السيوف، وبين جراحات السبي والقيود.
المحور السادس: البُعد الفقهي والأخلاقي في نهضة الإمام الحسين (عليه السلام):
شكَّلت نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء مدرسة فريدة ومتجدِّدة في الفقه والأخلاق، حيث تجسَّدت فيها قيم الحلال والحرام، والإيمان العملي بأسمىٰ وأوضح صوره، وسط ظروف استثنائية اشتدت فيها المحن وتكاثرت التحديات، ولم تكن كربلاء مجرَّد ساحة معركة مادية، بل كانت ميدانًا امتحانيًا للروح والعقيدة، ومختبرًا حيًّا لصدق الإيمان وتمسّك الأولياء بالواجبات الشرعية، مهما بلغ حجم التضحيات، ومهما عظمت الضغوط.
في أجواء تلك اللحظات الحاسمة، كان الإمام الحسين (عليه السلام) يُعلِّم أصحابه وأتباعه أنَّ العبادة لا تُؤجَّل حتَّىٰ في مواضع الموت والفداء، بل هي جوهر الإيمان، وعنوان الثبات، وسرّ الهوية، ومصدر العزّة، ولو أحاطت بهم السيوف من كل جانب.
وقد نقل أبو مخنف في مقتل الحسين: (أنَّ أبا ثمامة عمرو بن عبد الله الصائدي، قال للحسين: يا أبا عبد الله نفسي لك الفداء، إنِّي أرىٰ هؤلاء قد اقتربوا منك ولا والله لا تقتل حتَّىٰ أُقتل دونك إن شاء الله، وأحب أن ألقىٰ ربِّي وقد صلَّيت هذه الصلاة التي قد دنا وقتها، قال: فرفع الحسين رأسه ثم قال: «ذكرت الصلاة جعلك الله من المصلِّين الذاكرين، نعم هذا أول وقتها»، ثم قال: «سلوهم أن يكفّوا عنَّا حتَّىٰ نصلِّي» فلم يقبلوا، ثم صلّوا الظهر صلَّىٰ بهم الحسين صلاة الخوف، ثم اقتتلوا بعد الظهر)(21).
وهذا الموقف العميق يختصر جوهر الإيمان العملي، ويُبرز أنَّ الصلاة ليست طقسًا مشروطًا بالظروف، بل هي معيار الصدق، ومِيزان الثبات، وعلامة الحضور الربّاني في قلب المحنة.
ولم يكن ذلك الموقف الوحيد، بل كان أصحاب الإمام (عليه السلام) ليلة العاشر من محرَّم غارقين في العبادة، مقبلين علىٰ الصلاة وتلاوة القرآن، حتَّىٰ رُوي عنهم أنَّ لهم دويًّا كدويّ النحل من شدّة الذكر والخشوع، وكأنَّهم يستعدّون للقاء الله بأصفىٰ قلوب، وأطهر نية.
وفي المقابل، كان جيش يزيد يمثِّل الصورة النقيضة لهذا النموذج النوراني، إذ فُقدت بينهم معالم الورع، وتفشّىٰ الفجور، وساد الانحراف، وغاب عنهم أدنىٰ احترام لحدود الله وشرعه، ولم يكونوا جيشًا فقط، بل كانوا تجسيدًا لمشروع سياسي فاسد، يستحلّ المحرَّمات، ويجعل الدين ستارًا يُخفي خلفه الظلم والاستبداد، ولقد كانوا صورة حيّة لما حذَّر منه القرآن الكريم من الفساد في الأرض واتِّباع الهوىٰ بغير هدىٰ من الله، وهكذا، لم تكن كربلاء ساحة لصراع سيوف فحسب، بل كانت ميدانًا لانكشاف جوهر المشاريع، بين مشروعٍ إلهيٍ يقوده الحسين (عليه السلام)، يتمثَّل في الالتزام بالشرع والوفاء للحق، ومشروعٍ طاغوتيٍ يقوده يزيد وأعوانه، يقوم علىٰ نقض حدود الله، وتوظيف الدين لخدمة السلطة والانحراف.
وفي مقابل هذا التمسُّك الصادق بالعبادات والقيم الشرعية، كان جيش يزيد مثالًا صارخًا علىٰ التهاون والانحراف، إذ تفشىٰ بينهم الفجور والفساد وغياب أيّ احترام لحدود الله، وهذه القطيعة مع القيم الشرعية بيَّنت الفارق الجوهري بين نهج الإمام الحسين (عليه السلام) ونهج الطغاة الذين استحلُّوا الحرام واعتبروا الدين مجرَّد غطاء لتحقيق مآربهم السياسية.
إلىٰ جانب العبادة، كانت الوصايا الأخلاقية والروحية للإمام (عليه السلام) محورًا مهمًا في بناء الفقه العملي الذي يجمع بين العدل والتقوىٰ، فقد أورد الشيخ المجلسي أنَّ الإمام أوصىٰ أخاه محمد بن الحنفية حيث دعا الحسين (عليه السلام) بدواة وبياض وكتب هذه الوصية لأخيه محمد:
«بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصىٰ به الحسين بن علي ابن أبي طالب إلىٰ أخيه محمد المعروف، يا ابن الحنفية أنَّ الحسين يشهد أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، وأنَّ محمدًّا عبده ورسوله، جاء بالحق من عند الحق، وأنَّ الجنة والنار حق، وأنَّ الساعة آتية لا ريب فيها، وأنَّ الله يبعث من في القبور، وأنِّي لم أخرج أشرًا ولا بطرًا ولا مفسدًا ولا ظالمًا وإنَّما خرجت لطلب الإصلاح في أُمَّة جدِّي (صلَّىٰ الله عليه وآله) أريد أن آمر بالمعروف وأنهىٰ عن المنكر، وأسير بسيرة جدِّي وأبي علي ابن أبي طالب (عليه السلام)، فمن قبلني بقبول الحق فالله أولىٰ بالحق، ومن ردَّ عليَّ هذا، أصبر حتَّىٰ يقضي الله بيني وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين، وهذه وصيتي، يا أخي إليك وما توفيقي إلَّا بالله عليه توكَّلت وإليه أنيب»(22).
وحين وصل الإمام الحسين (عليه السلام) إلىٰ أرض كربلاء، حضرت صلاة الظهر، فأدّاها (عليه السلام) جماعةً، وكان الحر بن يزيد الرياحي قد التحق به في ذلك الحين، فصلَّىٰ خلفه، متأثرًا بهيبته ونور طاعته، وبعد الصلاة، توجَّه الإمام إلىٰ القوم، فحمد الله وأثنىٰ عليه، ثم خاطبهم بكلمة جامعة تُظهر عمق إدراكه للمسؤولية الشرعية، فقال: «أيُّها الناس إنَّكم إن تتَّقوا الله وتعرفوا الحق لأهله يكن أرضىٰ لله عنكم، ونحن أهل بيت محمد (صلَّىٰ الله عليه وآله) أولىٰ بولاية هذا الأمر عليكم من هؤلاء المدَّعين ما ليس لهم، والسائرين فيكم بالجور والعدوان، فإن أبيتم إلَّا الكراهة لنا، والجهل بحقِّنا، وكان رأيكم الآن غير ما أتتني به، كتبكم، وقدمت به عليَّ رسلكم انصرفت عنكم…»(23).
وحين حاول بعض أهل الكوفة أن يثنوا الإمام الحسين (عليه السلام) عن موقفه، مقترحين عليه أن ينزل علىٰ حكم يزيد، متوهِّمين أنَّ في ذلك حفظًا لحياته وسلامته، أجابهم الإمام بكلمة خالدة سُطِّرت بمداد العزة والكرامة، فقال (عليه السلام): «لا والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أقرُّ لكم إقرار العبيد»، ثم نادىٰ: «يا عباد الله إنِّي عذت بربّي وربِّكم أن ترجمون، وأعوذ بربّي وربّكم من كل متكبِّر لا يؤمن بيوم الحساب»(24)، هذا الموقف الجليل يُبيِّن أنَّ التزام الواجب الشرعي والكرامة الدينية فوق كل اعتبار، وأنَّ التنازل عنه، وخروج عن روح التوحيد والعبودية الصادقة لله تعالىٰ.
لقد كانت كلمات الإمام الحسين (عليه السلام) ووقوفه الثابت، تعبيرًا عمليًا عن فهم دقيق للفقه الرسالي الذي لا يسمح بالتنازل عن الحق، ولا يقرّ بالذلّ تحت سلطان الطغاة، ولم يكن الإمام يرىٰ النجاة في المداهنة، بل في الصمود علىٰ طريق التكليف، وإن كلَّف ذلك الروح والدم.
وفي مجرىٰ خطاباته الأخرىٰ التي وجَّهها إلىٰ خصومه، ظلَّ الإمام (عليه السلام) يُجاهر بالحق، ويدعوهم إلىٰ التوبة، ويأمر بالمعروف وينهىٰ عن المنكر، ويكشف فساد الحكم الأموي ويُحذِّر من عواقبه، حتَّىٰ في أصعب لحظات المواجهة، فقد فقال له الحسين (عليه السلام): «ويلك يا ابن سعد، أما تتَّقي الله الذي إليه معادك؟ أتقاتلني وأنا ابن من علمت؟ ذر هؤلاء القوم وكن معي، فإنَّه أقرب لك إلىٰ الله تعالىٰ»، فقال عمر بن سعد: أخاف أن يهدم داري، فقال الحسين (عليه السلام): «أنا أبنيها لك»، فقال: أخاف أن تؤخذ ضيعتي، فقال الحسين (عليه السلام): «أنا أخلف عليك خيرًا منها من مالي بالحجاز»، فقال: لي عيال وأخاف عليهم، ثم سكت ولم يجبه إلىٰ شيء…(25).
وفي مقابل هذا التردُّد والانصياع لسلطة الطغيان، تأثَّر الحر الرياحي بكلمات الإمام الحسين (عليه السلام)، وكان من القلَّة الذين نفذ نور الهدىٰ إلىٰ قلوبهم، فتاب علىٰ يد الإمام، وانقلب من قائد في جيش يزيد إلىٰ شهيد بين يدي ابن رسول الله، مقاتلًا تحت رايته، ومقدّمًا توبته بدمه.
هكذا جسَّدت كربلاء مشهدًا حيًّا للتمييز بين من باع دينه بدنيا غيره، ومن آثر النجاة في الآخرة ولو علىٰ حساب الدنيا، وكان الإمام الحسين (عليه السلام) هو المعيار الذي يُوزن به الناس، والخطّ الفقهي والروحي الذي يُفصل به بين الحق والباطل.
وبهذا الشكل، تجلَّت كربلاء كمدرسة حقيقية في الإيمان العملي، إذ لم يقتصر التمسُّك بالحلال والحرام علىٰ أقوال أو شعارات، بل كان واقعًا ملموسًا في الأفعال والقرارات، مُفعماً بيقين صادق وشجاعة لا تعرف التراجع، فكان الإمام الحسين (عليه السلام) وأصحابه يؤدُّون فرائضهم وسط القتال بكل خشوع وتركيز، مؤكِّدين أنَّ الشهادة في سبيل الله هي أسمىٰ درجات الالتزام الديني، وأنَّ حدود الله لا تُهدَر ولا تُهان مهما كانت الظروف.
وفي النهاية، تبقىٰ نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء أنموذجًا خالدًا يُجسّد عمق الفقه وعظمة الأخلاق في أبهىٰ صورها، ويُعلي من شأن الإيمان العملي الذي لا يكتفي بالمعرفة النظرية للحلال والحرام، بل يُترجم تلك المعرفة إلىٰ التزام حيّ وتطبيق واعٍ في أحلك ميادين الحياة، حتَّىٰ وإن استلزم ذلك بذل النفس والمال في سبيل إحقاق الحق وإقامة العدل، ولقد علَّمنا الحسين (عليه السلام) أنَّ الدين ليس شعارًا يُرفع، بل هو موقف يُتَّخذ، وأنَّ الكرامة لا تُشترىٰ، بل تُنتزع بثبات المبدأ وصبر الصادقين.
المحور السابع: البعد الوجداني:
في كربلاء، لم تكن المشاعر مجرَّد انفعالات عابرة، بل كان الوجدان مشدودًا إلىٰ الله، وكانت العاطفة المطهّرة ترتقي بالحزن من حالة الانكسار إلىٰ مقام العبادة، ومن الألم إلىٰ مقام الرضا والتسليم، فإنَّ البعد الوجداني في النهضة الحسينية لم يكن منفصلًا عن جوهر العقيدة، ولا عن أحكام الفقه، بل كان مرآةً للولاية، وتجليًا من تجلِّيات العشق الإلهي، ظهر في الحبّ، وتجسّد في الدمعة، تلك التي لا تزال تسقي جذور الرسالة حتَّىٰ يومنا هذا.
لقد قدَّم الإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء أعظم صور الرحمة والعاطفة النورانية، حتَّىٰ في اللحظات الحرجة، حين حمل طفله الرضيع عبد الله (عليه السلام)، ورفعه نحو القوم قائلًا: «إن لم ترحموني فارحموا هذا الطفل»(26).
فلمّا سقط الطفل شهيدًا، حمله الإمام بيدٍ دامية، وقلبٍ متَّصل بالسماء، أخذ يناجي ربه قائلاً: «هوَّن ما نزل بي أنَّه بعين الله تعالىٰ»(27).
ولا نرىٰ دمعة من الإمام الحسين (عليه السلام) فحسب، بل نرىٰ إيمانًا يجعل من كلِّ فقدٍ شهادة، ومن كلِّ ألمٍ تسليمًا، ومن كلِّ دمعةٍ عهدًا لا يموت.
وقد بلغ البُعد الوجداني ذروته حين خاطب الإمام الحسين (عليه السلام) أخته العقيلة زينب (عليها السلام)، لمَّا علمَتْ بقرب شهادته، فهدّأ روعها بكلمات تهزّ القلب وتثبت الوجدان، قائلًا: «يا أختاه! اتَّقي الله وتعزّي بعزاء الله، واعلمي أنَّ أهل الأرض يموتون وأهل السماء لا يبقون، وأنَّ كل شيء هالك إلَّا وجه الله الذي خلق الخلق بقدرته»(28).
خطاب يُطهِّر العاطفة من الجزع، ويرفعها إلىٰ مقام الرضا، فيحوِّل الحزن إلىٰ وعي، والدمعة إلىٰ شرف، والألم إلىٰ خلود.
وهكذا كانت العقيلة زينب (عليها السلام) خيرَ من جسَّد هذا البُعد الوجداني، لا بالبكاء وحده، بل بالصبر، والألم، والثبات في الموقف، وحين وقفت علىٰ جسد الحسين (عليه السلام) المقطَّع بسطت يديها تحت بدنه المقدَّس ورفعته نحو السماء، وقالت: «إلهي تقبَّل منَّا هذا القربان»(29).
وحين وقفت أمام طاغية الكوفة ابن زياد، وسألها متشفّيًا مستفزًا: كيف رأيتِ صنع الله بأخيك وأهل بيتك؟ ردَّت بكلمة خالدة هزَّت بها عرش الظلم، وقالت بثبات الولاية وعظمة البصيرة: «ما رأيتُ إلَّا جميلًا، هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلىٰ مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاجَّ وتخاصَم، فانظر لمن الفلج يومئذٍ، ثكلتك أُمّك يا ابن مرجانة»(30).
فأيُّ قلبٍ هذا الذي يرىٰ الجمال في الذبح؟ وأيُّ عينٍ هذه التي تزرع الرجاء وسط الرماد؟ إنَّها العاطفة المؤمنة، والدمعة العارفة، التي لا تسقط جزعًا، بل ترسم طريقًا.
فإنْ كان الفقه يُعلّم الإنسانَ ما يجب أن يفعل، فإنَّ البُعدَ الوجدانيّ يُعلِّمه كيف يفعل، وبأيّ قلبٍ يُقبل علىٰ الله، ولذا، لم يكن الحزنُ الحسيني يومًا تجريدًا للإنسانية، بل كان مدرسةً روحيةً تُعلِّمنا كيف يكون الحزنُ في الله لونًا من ألوان العبادة.
واليوم، بعد أكثر من ألف عام، لا تزال هذه الدمعة حيّة، وهذا النداء متجدِّدًا، لأنَّ البُعد الوجداني في كربلاء لم ينتهِ بانتهاء المعركة، بل بقي نابضًا في وجدان الأُمَّة، يُنير الضمير، ويؤنس الوحشة، ويهدينا من زمن الغفلة إلىٰ نور الوعي، ومن فتور الإيمان إلىٰ وهج العشق، ومن أراد أن يبكي، فليبكِ كربلاء كما رُوي عن الإمام الرضا (عليه السلام) قال: «فعلىٰ مثل الحسين فليبك الباكون، فإنَّ البكاء عليه يحط الذنوب العظام»(31).
فإنَّ كربلاء ليست مجرَّد مأساة، بل هي رسالة لا تموت، وحزنٌ، وعهدٌ، ووجدانٌ خالد، يجعل من الإمام الحسين (عليه السلام) قبلةً للعاطفة المؤمنة، ومدرسةً للقلوب الباحثة عن الله في ظلال الحب والشهادة.
هكذا هي كربلاء، ليست أرضًا من تراب وسفك دماء فحسب، بل ساحة علوٍّ روحي، ووجدان نقي، ومدرسة إنسانية خالدة يتربّىٰ فيها القلب علىٰ النقاء، والعين علىٰ البكاء لله، والروح علىٰ الفداء في سبيل المبدأ.
هكذا هي كربلاء، تبقىٰ رسالتها نابضة في زمننا، تصحِّح المسار، وتوقظ الغافل، وتُلهب وجدان الأُمَّة كلَّما خمد فيه وهج القيم، لتقول إنَّ الحسين لا يُنسىٰ، وأنَّ الدم الذي سال لله لا يُمحىٰ، وأنَّ البكاء علىٰ الحسين (عليه السلام) كما قال الأئمة (عليهم السلام): بابٌ من أبواب الجنة، فسلامٌ علىٰ الحسين، وعلىٰ قلوبٍ ما وهنت في محبَّته، وعلىٰ دموعٍ لا تزال تقيم العزاء، وعلىٰ أُمَّةٍ تحيا بدمه وتهتدي بندائه.
المحور الثامن: البُعد الثقافي والموروث العاشورائي:
في ذاكرة الشعوب، قلَّما تتحوَّل المآسي إلىٰ حضارة، أو تنقلب الدمعة إلىٰ وعي، غير أنَّ نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) أفرزت بُعدًا ثقافيًا فريدًا، امتزج فيه الحزن بالبصيرة، والولاء بالهوية، حتَّىٰ غدت كربلاء، عبر الأجيال، ثقافةً عاشورائية حيّة، تنبض في المجالس، والزيارات، والشعائر، لتُعيد للأُمَّة في كل عام إيمانها بالله، وتُجدِّد العهد مع الحقّ من خلال ذكر الحسين (عليه السلام).
وهكذا، لم تكن هذه الثقافة طقوسًا جامدة، بل مشروعًا روحيًا وتربويًا عميقًا، تمتدّ جذوره من النبوّة، وتُزهِر في ضمير الأُمَّة مبادئ العدل، والحرية، والكرامة، حتَّىٰ صار الحسين (عليه السلام) رمزًا خالدًا لهويّة الإيمان، وشعلةً لا تنطفئ في دروب الهدىٰ.
تجلَّت هذه الثقافة الحيّة في المجالس الحسينية، والزيارات، والمآتم، والمواكب، واللطميات، والمراثي، وسائر مظاهر الإحياء، التي باتت تمثِّل صلة الأُمَّة بقيمها، وشعلةً للوعي لا تنطفئ، وقد خصَّ أئمة أهل البيت (عليهم السلام) هذه المجالس بعنايةٍ استثنائية، لما لها من دورٍ كبير في حفظ الدين، وبقاء الولاية، وترسيخ مفاهيم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فروي عن الإمام الصادق (عليه السلام)، حين سُئل عن المجالس التي يُذكر فيها أمر أهل البيت (عليهم السلام)، قال: لبكر بن محمد الأزدي: «تجلسون وتتحدثون»؟ قال: نعم، جعلت فداك، قال (عليه السلام): «إنَّ تلك المجالس أحبها، فأحيوا أمرنا»(32)، وهذا الحبّ الربّاني لتلك المجالس، ليس لمجرَّد اجتماع الناس علىٰ البكاء، بل لما تحمله من مضامين إصلاحية وتربوية تهذّب النفوس وتقرّبها من الله.
بل قرن الإمام الصادق (عليه السلام) البكاء علىٰ الحسين بالمغفرة، فقال: «من ذَكرنا أو ذُكرنا عنده فخرج من عينه دمع مثل جناح بعوضة، غفر الله له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر»(33).
بل وعد بأنَّ حضور المجالس لا يُبقي القلب ميتًا، روي عن الإمام الرضا (عليه السلام) قال: «… ومن جلس مجلساً يحيىٰ فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب»(34)، وهذا ليس مجازًا بل حقيقة تربوية عميقة، فكم من عاصٍ تاب، وكم من غافلٍ انتبه، وكم من حائر اهتدىٰ، في ظلّ هذه المجالس المباركة.
ويكفي في بيان منزلتها ما روي عن الإمام الرضا (عليه السلام) قال: «فعلىٰ مثل الحسين فليبكِ الباكون، فإنَّ البكاء عليه يحط الذنوب العظام»(35)، وهذا يكشف أنَّ المجالس ليست مجرَّد مظاهر وجدانية، بل هي شعائر إيمانية تؤدَّىٰ بنيّة القربة، وهي امتداد لرسالة كربلاء في بُعدها الإصلاحي، فكما قال الإمام الحسين (عليه السلام): «وأنِّي لم أخرج أشراً ولا بطرًا ولا مفسدًا ولا ظالماً، وإنَّما خرجت لطلب الإصلاح في أُمَّة جدِّي (صلَّىٰ الله عليه وآله) أريد أن آمر بالمعروف وأنهىٰ عن المنكر»(36)، فإنَّ كل دمعة صادقة، وكل نداء في مجلس، وكل لطمٍ يعبِّر عن ولاء واعٍ، هو امتداد لهذا الإصلاح، وهو بيعة متجدّدة لله علىٰ طريق الحسين.
لكن، وكما أنَّ لهذه المجالس قداسةً، فإنَّها تحتاج إلىٰ تنزيهٍ وحماية من كلِّ ما يخرج بها عن غايتها، فليست المجالس ساحة لهو، ولا مظهرًا للتكلُّف، بل موطن ذكرٍ وبصيرة، ولذا ينبغي الحذر من إدخال الألحان، والموسيقىٰ، والكلمات المحرّفة، والتصرفات المخالفة للشرع، التي تُفسد روح المجلس، وتُخالف مقاصده، قال تعالىٰ: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ (الأنفال: 25).
فإنَّ من تعظيم الشعائر أن نُقيمها بوعي، وأن نحفظها من الانحراف، وأن نُقدِّمها للناس بوصفها مجالس إصلاح لا إثارة، ومجالس تربية لا هوىٰ.
وهكذا، فإنَّ الموروث العاشورائي ليس مجرَّد ماضٍ يُتلىٰ، بل هو مدرسة ثقافية وإيمانية تُربّي الأجيال علىٰ حبِّ الله ورفض الباطل، وتُبقي نور كربلاء مشتعلاً في ضمائر الأحرار، فطوبىٰ لمن أحيا أمر الحسين (عليه السلام) عن بصيرة، وبكىٰ عليه بوعي، وجعل من كل موسم عاشورائي منبرًا لنهضة جديدة في قلبه ومجتمعه.
وسلامٌ علىٰ الحسين، وعلىٰ المجالس التي تُذكّر به، وعلىٰ القلوب التي لا تزال تنبض باسمه، وتنهل من دمعه، وتثبت علىٰ عهده، حتَّىٰ تلقىٰ الله وهي موقنة بولايته، متبرّئة من أعدائه، ثابتة علىٰ خطّه، في كلّ آن وزمان.
المحور التاسع: البُعد العالمي والإنساني في نهضة الإمام الحسين (عليه السلام):
حين نتمعَّن في كربلاء، لا بوصفها واقعةً تاريخيّةً فحسب، بل كحدثٍ حضاريٍّ أخلاقيّ، تنكشف أمامنا معانٍ تتجاوز حدود الانتماء الديني والطائفي، وتلامس الضمير الإنساني في أعمق مستوياته، فكانت نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) صرخةً حُرّةً في وجه الطغيان، لم تستهدف طائفةً بعينها، ولم تنغلق في حدود مذهبية أو جغرافية، بل انفتحت علىٰ الإنسان حيثما كان، وعلىٰ كلّ من اختنق بصمت الذلّ، أو تألَّم لرؤية الظلم دون أن يُنكره.
فلم يكن الحسين (عليه السلام) طالبَ حكمٍ، ولا طامعًا في سلطة، بل خرج يحمل مشروع إصلاح، يهزّ وجدان الأُمَّة، ويوقظ القلوب من سبات الخضوع، ويعيد للإسلام روحه التي كادت أن تندثر تحت سيف المستبدّين، وقد لخَّص غايته بكلمات خالدة، قال فيها: «وأنِّي لم أخرج أشرًا ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنِّما خرجت لطلب الإصلاح في أُمَّة جدِّي (صلَّىٰ الله عليه وآله) أريد أن آمر بالمعروف وأنهىٰ عن المنكر»(37)، ولم يكن هذا الإعلان موجّهًا لفئةٍ دون أخرىٰ، بل هو بيان إنساني مفتوح، يصلح أن يُحمل في كل مظلومية، وأن يُتلىٰ في كلِّ ساحات النضال، لأنَّه يُعبر عن حقِّ الفطرة، ويرتبط بمشروع العدالة الكونية الذي جاء به الأنبياء جميعًا.
ولم تكن آثار هذه النهضة محصورة في كربلاء، فقد تجاوز صداها الزمان والمكان، ووصلت إلىٰ أعماق الوجدان الإنساني، حتَّىٰ أثَّرت في ضمائر من لم يتَّبعوا الإسلام، وألهبت قلوب الأحرار في مختلف العصور، وقد شهد التاريخ بذلك، ففي الكوفة، حين مرَّ موكب السبايا علىٰ وجوه من شاركوا في الفاجعة، تعالت أصوات البكاء، فنطقت العقيلة زينب (عليها السلام) بكلمات تقرّع بها أولئك الذين خذلوا الحقّ، فقالت: «أتبكون وتنتحبون، أي والله فابكوا كثيراً واضحكوا قليلاً، فلقد ذهبتم بعارها وشنارها ولن ترحضوها بغسل بعدها أبداً، وأنَّىٰ ترحضون قتل سليل خاتم النبوة ومعدن الرسالة وسيد شباب أهل الجنة، وملاذ حيرتكم، ومفزع نازلتكم، ومنار حجَّتكم، ومدرة سنَّتكم، ألا ساء ما تزرون، وبُعداً لكم وسحقاً…»(38), فلم يكن خطابها بكاءً، بل فضحًا لضميرٍ ملوَّث، وتنبيهًا لأُمَّة تفرّط بالقيم ثم تذرف دموعًا متأخِّرة، فإنَّ كربلاء لم تكن مأساة آل محمد فحسب، بل محنة إنسانية، وخطاب مسؤولية لكلِّ من يشهد الظلم ويسكت.
وقد عبَّر الإمام زين العابدين (عليه السلام) عن منطق الانتصار الحقيقي حين سُئل: من الغالب؟
فقال له الإمام علي بن الحسين: «إذا أردت أن تعلم من غلب، ودخل وقت الصلاة، فأذِّن ثم أقم»(39)، فالغلبة ليست لمن حمل السيف، بل لمن أبقىٰ صوته نقيًّا في التاريخ، ولمن ظلَّ الحقّ حيًّا بسببه، يُذكر في صلوات العارفين.
فلا عاشوراء حدثٌ انتهىٰ، ولا كربلاء رقعة جغرافية فقط، بل هما معيار أخلاقي يتكرَّر كلَّما وُجد ظلم وعدوان، وكلَّما وُجد حسينٌ يقف في وجه يزيد، ولأنَّ الحسين (عليه السلام) كان ضميرًا حرًّا نابضًا بالحق، فقد تجاوزت قضيته حدود الزمان والمكان، وارتبطت بها حركات التحرُّر والعدالة في العالم، وقد نُقِل عن الزعيم الهندي غاندي، محرِّر الهند، قوله: (تعلّمتُ من الحسين كيف أكون مظلومًا فأنتصر).
كما نُقِل عن الفيلسوف الإنجليزي (توماس كارلايل) قوله: (أسمىٰ درسٍ نتعلَّمه من مأساة كربلاء، هو أنَّ الحسين وأنصاره كان لهم إيمانٌ راسخٌ بالله، وقد أثبتوا بعملهم أنَّ التفوُّق العددي لا قيمة له حين تكون المواجهة بين الحقّ والباطل).
وحتَّىٰ في خطاب الحسين (عليه السلام) نفسه، نجد الرسالة موجهة للضمير الإنساني، حين قال: «إنْ لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون يوم المعاد فكونوا في أمر دنياكم أحراراً»(40)، فإنَّه يطالبهم بشيء لا يُشترط له إيمان ولا مذهب، بل يكفي أن يكون الإنسان حرًّا، كي يقف ضد الباطل، إنَّها الصرخة التي تسري في عروق كلِّ من ظلم، أو رأىٰ الظلم، أو خاف أن يخذل الحقّ.
وفي كلمته (عليه السلام) لبني هاشم، قال: «من لحق بي استشهد ومن لم يلحق بي لم يدرك الفتح»(41)، فالفتح هنا ليس فتح مدينة، بل فتح وعي، وانتصار قيم، وخلودٌ أبديّ لقضيةٍ لله.
وهكذا، غدت كربلاء رمزًا إنسانيًّا خالدًا، تنطق بلغة العدالة والحرية والكرامة، وتدعونا لأن نكون مع الحسين (عليه السلام) حيثما كان موقفه، وضدَّ يزيد حيثما تمثّل ظلمه، فالسلام علىٰ الحسين، الذي لم يخصّ رسالته بطائفة، بل جعلها نداءً خالدًا لكلّ من أراد أن يكون إنسانًا حرًّا، ومؤمنًا بالحقّ، ومحباً لله سبحانه وتعالىٰ.
المحور العاشر: البُعد المهدوي في نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) (الامتداد الرسالي):
إذا أردنا أن نقرأ نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) في أفقها الواسع، فلا يصحّ أن نَحصرها في بُعدها التاريخي أو في ساحات كربلاء المحدودة، بل لا بدّ من التأمُّل فيها بوصفها امتدادًا رساليًّا غيبيًّا يرتبط بمستقبل الأُمَّة، ويبلغ ذروته في مشروع الظهور الإلهي للإمام المهدي المنتظر (عجَّل الله تعالىٰ فرجه الشريف).
لقد كانت كربلاء مرحلة تأسيسية في مشروع الخلاص الإلهي، مهَّد فيها الإمام الحسين (عليه السلام) بدمه الزكي طريقًا للعدل الإلهي، وحفر بصرخته الخالدة خطًّا يصل إلىٰ آخر الزمان، حيث يظهر حفيده الإمام المهدي (عجَّل الله تعالىٰ فرجه) ليُكمل المسيرة، ويأخذ بثأر المظلوم، ويملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما مُلئت ظلمًا وجورًا.
وفي الروايات المأثورة عن أهل البيت (عليهم السلام)، تظهر بوضوح هذه الصلة العميقة بين الطفّ والفرج، وبين دم الشهادة وراية المهدي، ففي زيارة الناحية المقدسة، المنسوبة للإمام المهدي (عجَّل الله تعالىٰ فرجه)، نقرأ خطابًا شجيًّا موجّهًا إلىٰ جدّه الحسين (عليه السلام)، يقول فيه: «فلئن أخَّرتني الدهور، وعاقني عن نصرك المقدور، ولم أكن لمن حاربك محارباً، ولمن نصب لك العداوة مناصباً، فلأندبنَّك صباحاً ومساءً، ولأبكينَّ عليك بدل الدموع دماً»(42).
إنَّ بكاء المنتظر ليس بكاء العاجز، بل بكاء الإنسان الذي يحمل همّ الرسالة، ويئنّ من المظلومية، وينتظر ساعة النهوض لملئ الأرض عدلًا، وهكذا نفهم أنَّ انتظار الفرج ليس موقفًا ساكنًا، بل هو امتداد عملي لخطّ الحسين (عليه السلام)، ويتجسَّد في المجالس، والبكاء، والعمل، والتهيئة النفسية والاجتماعية لاستقبال القائم.
وقد عبَّرت الروايات عن هذا الارتباط بين الظهور والثأر الحسيني بألفاظٍ متعدّدة، منها ما ورد عن أبي عبد الله (عليه السلام): «ينادىٰ باسم القائم (عليه السلام) في ليلة ثلاث وعشرين، ويقوم في يوم عاشوراء، وهو اليوم الذي قتل فيه الحسين بن علي (عليهما السلام)، لكأنِّي به في يوم السبت العاشر من المحرَّم قائماً بين الركن والمقام، جبرئيل (عليه السلام) علىٰ (يده اليمنىٰ) ينادي: البيعة لله، فتصير إليه شيعته من أطراف الأرض تطوىٰ لهم طيًّا حتَّىٰ يبايعوه، فيملأ الله به الأرض عدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً»(43).
وفي حديثٍ آخر روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «لما كان من أمر الحسين بن علي ما كان، ضجَّت الملائكة إلىٰ الله (تعالىٰ) وقالت: يا رب، يُفعل هذا بالحسين صفيّك وابن نبيّك؟! قال: فأقام الله لهم ظل القائم (عليه السلام)، وقال: بهذا أنتقم له من ظالميه»(44).
وهذه العبارات كلَّها تؤكِّد أنَّ الظهور المقدّس ليس مجرَّد تحوُّل سياسي، بل هو تتويج للمظلومية الحسينية، وهو الجواب الإلهي علىٰ نداء: هل من ناصرٍ ينصرنا؟ وهو إعلان الانتصار الموعود لذلك الدم الزكي الذي سفك ظلماً.
وفي حديث عن زين العابدين عن أبيه الإمام الحسين (عليهما السلام):
«يا ولدي يا علي، والله لا يسكن دمي حتَّىٰ يبعث الله المهدي فيقتل علىٰ دمي من المنافقين الكفرة الفسقة سبعين ألفاً»(45).
فالحسين (عليه السلام) ليس مجرَّد شهيد، بل هو راية القائم، وصوته، وشعاره، ورمزه، ومن أراد أن يكون من أنصار الإمام الحجة (عجَّل الله تعالىٰ فرجه)، فليكن حسينيًّا في الفكر، والعقيدة، والموقف، والولاء، والبصيرة، فإنَّ كل هذه العناوين تُعبَّد الطريق نحو الظهور.
ومن هنا ندرك أنَّ البُعد المهدوي في كربلاء ليس هامشيًّا، بل هو جوهر استمرارها وسرّ بقائها، روحها النابضة، فالحسين رسم بدمه الخريطة، والمهدي (عجَّل الله تعالىٰ فرجه) يسير عليها نحو تحقيق وعد الله: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَىٰ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ﴾ (القصص: 5).
وقد ورد في روايات عديدة أنَّ القائم (عليه السلام) يرفع شعار يا لثارات الحسين ويخرج من مكة يوم العاشر، ليبدأ عهدًا جديدًا من الإنصاف الإلهي، وهكذا، فإنَّ كربلاء بما حملته من ظلمٍ وفداء، هي التمهيد الواقعي للظهور، والنقطة التي تبدأ منها مسيرة الثأر الإلهي، وتجلي العدالة الإلهية، وقيام الحق، وإطفاء الظلم الذي امتد طويلًا.
وفي زيارة عاشوراء: «اللَّهم ارزقني شفاعة الحسين (عليه السلام) يوم الورود، وثبِّت لي قدم صدق عندك مع الحسين وأصحاب الحسين الذين بذلوا مهجهم دون الحسين (عليه السلام)»(46).
فمن يسلك طريق الحسين (عليه السلام)، فهو في حقيقته من جنود المهدي، من الممهّدين، ببيعة الدم والشهادة.
وإن كان لم يدرك كربلاء الإمام الحسين، فها هي كربلاء الإمام المهدي لا تزال مفتوحة؛ فليكن هناك حامِلًا همّ الإصلاح، رافضًا للظلم، مبايعًا لله بالدم، والفكر، والوعي، والانتظار العامل.
فالسلام علىٰ الحسين، والسلام علىٰ الحجة المنتظر من وُلد الحسين (عليهم السلام).
اللَّهُمَّ عجِّل لوليِّكَ الفَرَج، وسهِّل مخرَجَه، واجعلنا من أنصاره والمُستشهَدين بين يديه، بحقِّ محمّدٍ وآلِ محمّدٍ، صلواتُكَ وسلامُكَ عليهم أجمعين.
الخاتمة:
إنَّ الحديث عن نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) ليس ترفًا فكريًّا، ولا مجرَّد استذكار لمأساة عابرة، بل هو ولوجٌ إلىٰ أعماق مشروعٍ إلهيّ، تشكَّلت ملامحه في طفّ كربلاء، وامتدّت جذوره إلىٰ كلِّ مفصلٍ من مفاصل الحياة، فمن البُعد العقدي، حيث يتجلّىٰ التوحيد في أوضح صوره، إلىٰ البُعد الجهادي، حيث امتزج الدم بالإيمان، ومن الرسالة الإعلامية التي فجّرتها العقيلة زينب، إلىٰ الامتداد الوجودي في كيان الأُمَّة، كانت كربلاء نهجًا يعيد تعريف الإنسان، والدين، والتاريخ.
لقد حاولنا في هذه المحاور أن نستعرض أبعاد هذه النهضة الخالدة، لا بوصفها واقعة ماضية، بل كمنهجٍ متجدِّد، يتناول العقيدة، والسياسة، والأخلاق، والتربية، والثقافة، والإعلام، والفقه، والمهدوية، وقد لمسنا في كلِّ بُعدٍ من هذه الأبعاد روحًا واحدةً تنبض: روح الحسين، الذي نادىٰ بالإصلاح، وواجه الطغيان، واستنهض الضمائر، ومضىٰ إلىٰ الله بثباتٍ لم يعرف له التاريخ مثيلًا.
لكن السؤال الجوهري الذي لا بدّ أن نطرحه علىٰ أنفسنا:
هل نحن حسينيّون في سلوكنا، كما نحن حسينيّون في دموعنا؟
هل نُحيي نهضته بأخلاقنا، كما نُحييها بمآتمنا؟
وهل ننتظر المهديَّ المنتظر (عليه السلام)، انتظارًا عاملاً نقيًّا، أم هو مجرّد شوقٍ لا يَصدُقهُ واقع؟
وإنَّ الإجابة الصادقة لا تكون بالكلمات، بل بالفعل، وبالصدق مع الله، وبالعمل بالنهج الذي خطّه الحسين بدمه، وورثه القائم من ولده، ويمكن أن نكون من أهل هذا الخطّ، إذا طبَّقنا الدين كما أراد الله: فالتزمنا بما فرض، وتركنا ما حرَّم، وأقمنا العدل في بيوتنا ومجتمعاتنا، ونصرنا الحقّ ولو علىٰ أنفسنا، ووفينا بحقّ محمد وآل محمد (صلوات الله عليهم) في أقوالنا وأعمالنا، وفي سرِّنا وعلانيّتنا.
فالحسين (عليه السلام) ليس عبرةً فقط، بل عِبرة ومسؤولية، ونهضته لا تسكن في الكتب، بل تنبض في القلوب والعقول والأفعال، ومن لم يُدرك كربلاء جسدًا، فليُدركها روحًا وموقفًا، فإنَّ كربلاء المهدي لا تزال تنتظر أنصارًا صادقين، وقلوبًا نقية، ومجتمعًا ممهدًا للعدل الإلهي.
وسلامٌ علىٰ الحسين، وعلىٰ أولاد الحسين، وعلىٰ أصحاب الحسين، وعلىٰ من سلك دربهم صدقًا، وتهيّأ لنصرة القائم من آل محمد، بدمه، ووعيه، وبصيرته، وبكائه.
أسأل الله أن يجمعنا بالحسين (عليه السلام) في الدنيا علىٰ دربه، وفي الآخرة في جواره، مع محمد وآله الطاهرين، وأن يختم لنا بخير، إنَّه أرحم الراحمين.
والحمد لله ربِّ العالمين.
(1) بحار الأنوار – العلامة المجلسي: ج٤٤، ص٣٨٤.
(2) بحار الأنوار – العلامة المجلسي: ج٤٤، ص٣٣١.
(3) الكافي – الشيخ الكليني: ج١، ص٣٢٨.
(4) مصباح الزائر – السيد ابن طاووس: ص٣٤٩.
(5) بحار الأنوار – العلامة المجلسي: ج٤٥، ص١٣٧.
(6) تحف العقول عن آل الرسول – ابن شعبة الحراني: ص٦٩.
(7) تاريخ الطبري – محمد بن جرير الطبري: ج٤، ص٢٦٦.
(8) أعيان الشيعة – السيد محسن الأمين: ج١، ص٥٩٣.
(9) مدينة المعاجز – السيد هاشم البحراني: ج٤، ص٢٢٨.
(10) انظر الإرشاد – الشيخ المفيد: ج٢، ص٩٢.
(11) مصباح المتهجد – الشيخ الطوسي: ص٧٩٦.
(12) اللهوف في قتلىٰ الطفوف – السيد ابن طاووس: ص٦٤.
(13) تذكرة الخواص – سبط ابن الجوزي: ص٢٢٧.
(14) بحار الأنوار – العلامة المجلسي: ج٤٥، ص١١٨.
(15) مقتل الحسين (عليه السلام) – أبو مخنف الأزدي: ص١٩٣.
(16) مقتل الحسين – أبو مخنف الأزدي: ص١٢١.
(17) مقتل الحسين – أبو مخنف الأزدي: ص١٢٤.
(18) بحار الأنوار – العلامة المجلسي: ج٤٥، ص١١٨.
(19) بحار الأنوار – العلامة المجلسي: ج٤٥، ص١٣٧.
(20) بحار الأنوار – العلامة المجلسي: ج٤٥، ص١٦٣.
(21) انظر مقتل الحسين – أبو مخنف الأزدي: ص١٥٦-١٦٢.
(22) بحار الأنوار – العلامة المجلسي: ج٤٤، ص٣٣١.
(23) إعلام الورىٰ بأعلام الهدىٰ – الشيخ الطبرسي: ج١، ص٤٤٨.
(24) بحار الأنوار – العلامة المجلسي: ج٤٥، ص٩.
(25) بحار الأنوار – العلامة المجلسي: ج٤٤، ص٣٩٠.
(26) تذكرة الخواص – سبط ابن الجوزي: ص٢٢٧.
(27) حياة الإمام الحسين (عليه السلام) – الشيخ باقر شريف القرشي: ج٣، ص٢٧٦.
(28) الإرشاد – الشيخ المفيد: ج٢، ص٩٤.
(29) مقتل الحسين- عبد الرزاق المقرم: ص٣٢٢.
(30) بحار الأنوار – العلامة المجلسي: ج٤٥، ص١١٨.
(31) وسائل الشيعة (آل البيت) – الحر العاملي: ج١٤، ص٥٠٤.
(32) الأمالي – الشيخ المفيد: ص٣٢.
(33) تفسير القمي – علي بن إبراهيم القمي: ج٢، ص٢٩٢.
(34) الأمالي – الشيخ الصدوق: ص١٣١.
(35) وسائل الشيعة (آل البيت) – الحر العاملي: ج١٤، ص٥٠٤.
(36) بحار الأنوار، ج٤٤، العلامة المجلسي، ص٣٣١.
(37) بحار الأنوار – العلامة المجلسي: ج٤٤، ص٣٣١.
(38) اللهوف في قتلىٰ الطفوف – السيد ابن طاووس: ص٨٧.
(39) الأمالي – الشيخ الطوسي: ص٧٠٧.
(40) مقتل الحسين (عليه السلام) – أبو مخنف الأزدي: ص٢٠٤.
(41) كامل الزيارات – جعفر بن محمد بن قولويه: ص١٥٧.
(42) المزار – محمد بن جعفر المشهدي: ص٥٠١.
(43) الإرشاد – الشيخ المفيد: ج٢، ص٣٧٩.
(44) الأمالي – الشيخ الطوسي: ص٤٤٨.
(45) بحار الأنوار – العلامة المجلسي: ج٤٥، ص٣٠١.
(46) البلد الأمين والدرع الحصين – الشيخ إبراهيم الكفعمي: ص٢٧٩.