التوظيف المقدّس

التوظيف المقدّس

المقدمة:

مرَّ في تأريخ البشرية العديد من الحكام، بعضهم كان طاغية زمانه، وبعضهم بقي طغيانه لأجيال مع ذهابه، وبعضهم كان مهووساً، وبعضهم كان متجبراً، وبعضهم ادَّعىٰ الألوهية، وبعضهم أسَّس أيديولوجيات تتماشىٰ مع رغباته، سواء كان ذلك بمباشرتهم ذلك أو كان من خلال مؤسسات أو شخوص جنَّدوا أنفسهم من أجل خدمة السلطان رغبةً بالجاه والجوائز، وغيرهم الكثير الذين لو اطَّلعت علىٰ سيرهم.

والسؤال المهم: لماذا لا تكتفي السلطة الغاشمة بالقوة المادية (الجيش والمال) وتنزع دائماً نحو احتكار القدسية؟ وبعبارة أخرىٰ ستقول ماذا يريدون هؤلاء، هل يحتاجون إلىٰ مثل هكذا أمور مع تسلمهم الحكم؟ وهل هناك غير الحكم سلطة يحتاجها الإنسان ليمارس ما يشاء؟

إذاً لجوء الحكام لرموز الدين والنسب ليس تديناً، بل هو صناعة حصانة معنوية لمواجهة الرفض الشعبي.

ولبيان ذلك نذكر امثلة حية من خلال محاور:

المحور الأوَّل: (قرآن صدَّام) وفطرة الممانعة الشعبية:

ومن هؤلاء الطاغية صدام حسين الذي حكم العراق لحقبة تاريخية مهمة، فقد مارس كل ما كان يتميَّز به من سبقه من الرؤساء والحكام والملوك، ولكنه لم يدعِ الربوبية ولا أعلم ماذا كان بقي إلَّا ذلك فهل سيقول أنا ربّكم الأعلىٰ أو لا؟

قبل أيام كنا نستمع القرآن الكريم أنا وجاري، فقال: أنقل لك هذه الطرفة، كانت خالتي – رحمها الله – إذا شغلوا القرآن في الإذاعة صباحاً لا تسمعه وتقول: هذا قرآن صدَّام! وتسمعه في مسجلها الخاص عبر كاسيتات لديها، مع أنَّ القرآن الذي كان يُقرأ في الإذاعة نفسه الذي كانت تسمعه في المسجل ونفس القارئ، لكنها كانت تصر علىٰ رأيها وأنَّ هذا قرآن صدَّام!

بالتأكيد أنَّ هذه الحِجية لم تكن تقصد أنَّ صدَّام هو الذي كتب القرآن أو ألَّفه أو جمعه أو وزَّعه، بل كانت تقصد أنَّ هذا القرآن الذي يُشغل في الإذاعة هو القرآن الذي يريد صدَّام إسماعنا إيَّاه، فالقارئ هو الذي يختاره، والآيات هو الذي يختارها، والوقت هو الذي يختاره.

هذه طبيعة متجذرة عند هؤلاء وغيرهم، فهو لا تكفيه السلطة الوضعية التي يمارسها بل يريد أيضاً صفات أخرىٰ تكسوه القدسية والبطولة مثل يد الله، سيف الله، خادم الحرمين، بطل العرب، حامي البوابة الشرقية، ومشجر النسب الذي يربطه برسول الله ليرأب به نسبه المجهول، هذه الدوافع ليست جديدة بل كل من كان مثله سيفعل ذلك وأزيد لو أتيحت له الفرصة وسنح له المجال.

إنَّ التفسير النفسي للممانعة العقلية؛ وكيف يفرز الوجدان الشعبي قوىٰ دفاعية ضد الأشياء المؤدلجة التي تهدِّد وجوده الفكري والثقافي تبيِّن لنا سبب موقف الحجية.

أنا متأكد أنَّ هذه الحِجية لم تدرس ولم تطَّلع علىٰ أنَّ العقل أوتوماتيكيا الذي يمارس عملية الممانعة والمقاومة علىٰ الأشياء التي يتوجس منها ولا يتقبلها, بل يفرز قدرات دفاعية ضدها كما يتصرف البدن مع الجسم الغريب الذي يهاجمه, كذلك العقل عندما يواجه المخاوف الوجودية التي أدركها، فهذه الحِجية عندما رفضت سماع قرآن صدَّام كانت تعلم أنَّ هذا القرآن مؤدلج وليس لله، بل هو سلاح يهدِّد وجودها لا البدني بل الفكري والثقافي, وهذا شيء فطري قبل أن يكون فلسفي أو علمي يحتاج إلىٰ دراسات مطولة, فالفطرة السليمة التي تتمتع بها دفعتها لعدم سماع هذا القرآن الذي تعلم أنَّه لغايات سياسية.

المحور الثاني: التناظر التاريخي هارون الرشيد والبحث عن الحصانة:

من أجل تحليل حادثة وقوف الرشيد أمام قبر الرسول ݕ ومناداته بـ(يا بن العم) أمام الأعيان والقادة، فإنَّ التاريخ يحدِّثنا عن قصة لهارون الرشيد العباسي عندما ذهب إلىٰ الحج فمرَّ بالمدينة وكان عندهُ أعيان بني هاشم، والمهاجرين، والأنصار، وقادة الجيش، وبعض الوجهاء حين أخذ بيد الإمام الكاظم ݠ وقال: (لنقم لزيارة قبر الرسول ݕ، وحين وقف علىٰ قبر الرسول ݕ قال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا بن العم) [كامل الزيارات].

والوجهاء، والقادة، وكل من كان حاضراً.

لو سألنا أنفسنا، هل يحتاج هارون الرشيد – ذلك الخليفة المتجبر الذي كان يقول للغيم: أينما تمطر فلي خراجك – إلىٰ هذا الفعل وبيان مدىٰ قربه من الرسول؟

وهل هناك من كان يخفىٰ عليه – خصوصاً الحضور – نسبته للرسول؟

نعم كان يحتاج ذلك، أو علىٰ الأقل ليذّكر من كان معهُ بالقرابة والصلة التي تجمعهُ معهُ، بل ذلك من الضروريات عنده ليحظىٰ بالحصانة التي اكتسبها بقربه من الرسول، كما فعل صدَّام عندما كتب القرآن بدمه.

من هنا نجد وحدة الهدف من خلال الربط بين (نسب الرشيد) و(قرآن صدَّام) (الذي كتبه بدمه) كونهما وسيلة واحدة لغاية واحدة: وهي إعطاء الشرعية المقدسة، فالشبه الذي بين الحادثتين ليس مادي أو شخصي، بل هو ذو أبعاد معنوية، فهارون ليس صدَّام وكذا العكس، لكن الدافع كان واحداً، أحدهم سيَّر القرآن والآخر استغل النسب الشريف، ليستمدا الشرعية لسلطته الغاصبة وشرعنت فتك القوىٰ والمال بالمستضعفين.

المحور الثالث: التحول الأيديولوجي (من العلمانية إلىٰ الحملة الإيمانية):

وهنا نسأل كيف تحول حزب البعث من العلمانية القومية إلىٰ (الحملة الإيمانية) وتعليم القرآن وما الغاية من ذلك؟

بعد سنين طويلة من ترويج العلمانية وعلىٰ أنَّ حزب البعث حزب علماني قومي، لجأ صدَّام للتديُّن وقاد حملة سمَّاها (الحملة الإيمانية) وكتب القرآن بدمه، وفتح المعاهد لتحفيظ وتعليم القرآن، وزرع الألوف من رجال الأمن بزي رجال الدين، لنكتشف أنَّ الحِجية كانت علىٰ دراية بما تقول، وأنَّه فعلاً كان قرآن صدَّام، ودين صدَّام الجديد، والحملة حملة صدَّام.

كانت رسالة واضحة أنَّ الحكَّام لا يقدمون شيء إلَّا لمصلحتهم، فصار صدَّام كاتب القرآن، وهذا أوَّل لقب يحوزه حاكم منذ الخليفة الأوَّل وصولاً إليه.

لكن المهم من ذلك كلّه، لماذا يتَّخذ الطغاة مثل هكذا أساليب ملتوية للمحافظة علىٰ مناصبهم، وكيف أنَّ هذا الأسلوب موجود في أذهانهم جميعاً؟

لو وضعناهم تحت المجهر وحلَّلنا شخصياتهم لظهرت عندنا نتيجة واحدة مع أنَّهم اختلفوا في الطريقة والاستخدام ولم تكن شخوصهم واحدة، إلَّا أنَّ ذلك راسخ في وجدانهم ووجدان كل من سيأتي من بعدهم متبعاً أثرهم في ذلك من تسخير كل ما يمكن تسخيره لدعم سلطانهم وتعضيده من أجل البقاء مدة أطول في كرسيه.

النتائج المستخلصة:

1 – إنَّ السلطة واحتكار المقدَّس تلجأ اليها الأنظمة الغاشمة لتوظيف الدين ليس تديناً، بل لصناعة حصانة معنوية وشرعية مفقودة تتجاوز حدود القوة المادية.

2 – إنَّ الممانعة الفطرية والوعي الشعبي تمكنه من كشف التوظيف السياسي للدين، والتمييز بين النص المقدس وبين استخدامه كأداة أيديولوجية لتهديد وجوده الفكري.

3 – إنَّ تبدُّل خطاب السلطة (من العلمانية إلىٰ الحملة الإيمانية) يثبت أنَّ الحكام لا يقدمون علىٰ مثل هذه الخطوات إلَّا لضمان استمرارهم في الحكم وتعضيد سلطانهم.

Edit Template
Scroll to Top