تقاعس الكثيرون عن نصرة الله تبارك وتعالىٰ ودينه لسبب وآخر، علىٰ الرغم من جهود الأنبياء الكبيرة والمضنية التي حاولوا بها دعوة الناس إلىٰ الله تعالىٰ، ولكن البشرية امتنعت وابتعدت عن الله ونصرته، كما قال الله تعالىٰ علىٰ لسان نبيه نوح (عليه السلام): ﴿وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً﴾ (نوح: ٧).
ولكن تقاعس الكثرة لم يكن له تأثير يذكر في حسم النتيجة النهائية وهي تحقُّق النصر الإلهي، فإنَّ المتتبِّع للقرآن الكريم والسُنن الإلهية والرسالات السماوية والتاريخ البشري يرىٰ بوضوح أنَّ الأهداف والمصالح الإلهية العظيمة تحقَّقت علىٰ يد نوعية خاصة من البشر لا يوصفون بالكثرة، بل هم في كثير من الأحيان قلَّة يشكِّلون أفراداً وآحاداً لا يتجاوز عددهم أصابع اليد، ولكن أحدهم كان أُمَّة كالذي كان عليه نبي الله ابراهيم (عليه السلام) كما وصفه المولىٰ تبارك وتعالىٰ، حيث قال: ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (النحل: ١٢٠).
ومن هنا طرحت عدَّة أسئلة في شأن هؤلاء القلة في العدد منها:
لماذا المولىٰ تبارك وتعالىٰ يجري النصر علىٰ يد هؤلاء القلة؟
لماذا كانت السُنن الإلهية تنتصر لهؤلاء القلة؟
ما هي مميزات هؤلاء القلة حتَّىٰ ينتصر لهم المولىٰ تبارك وتعالىٰ؟
ما هو تكليف المسلم إزاء هؤلاء القلة؟
لماذا تتهاوىٰ القوىٰ العظمىٰ وتفشل في نهاية الصراع أمام هؤلاء القلَّة علىٰ الرغم من كثرة عددها وعدتها؟
إلىٰ غيرها من الأسئلة الأخرىٰ.
إنَّنا عندما نتأمَّل في القرآن الكريم وسيرة وتاريخ هذه القلَّة المجاهدة ومواصفاتها منذ نشوئها إلىٰ اليوم، سنقف علىٰ مجموعة نتائج وتقييمات مهمة ودقيقة قد يجيب بعضها عن الأسئلة السابقة ويفسر لنا إيمان هؤلاء القلَّة وصبرهم اللامحدود وتفانيهم العالي في سبيل قضيتهم وكيفية انتصار المولىٰ تبارك وتعالىٰ لهم.
ومن هذه النتائج والتقييمات:
١ – إنَّ هؤلاء القلَّة أولياء خاصِّين اختارهم المولىٰ تبارك وتعالىٰ واصطفاهم حيث قال في كتابه العزيز: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلهِ وَسَلامٌ عَلىٰ عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفىٰ اللهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (النمل: ٥٩).
وقال سبحانه في اختيار نبيه موسىٰ (عليه السلام): ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحىٰ﴾ (طه: ١٣).
وقال سبحانه: ﴿وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً قالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: ٢٤٧).
إضافة إلىٰ اصطفائهم فإنَّ هناك جعلاً إلهياً لهم كما قال تعالىٰ: ﴿وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ٣٠).
وقال تعالىٰ: ﴿يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوىٰ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ﴾ (ص: ٢٦).
وقال تعالىٰ: ﴿وَإِذِ ابْتَلىٰ إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: ١٢٤).
٢ – إنَّ هؤلاء الصفوة تبدأ سلسلتهم من نبي الله آدم (عليه السلام) إلىٰ رسول الله محمد (صلَّىٰ الله عليه وآله) قال تعالىٰ: ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفىٰ آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَىٰ الْعالَمِينَ﴾ (آل عمران: ٣٣).
وقال تعالىٰ: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا إِذا تُتْلىٰ عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا﴾ (مريم: ٥٨).
وقال في حق رسول الله محمد (صلَّىٰ الله عليه وآله): ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (سبأ: ٢٨).
وتنتهي هذه السلسة بالأئمة الطاهرين (عليهم السلام) بدءً من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) إلىٰ الإمام الحجة (عليه السلام) الذين نصَّ عليهم حديث الثقلين المجمع عليه والوارد عن رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) حيث قال: «إنِّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي».
وكذلك يدخل مع هؤلاء الصفوة الأصحاب والأتباع الذين آمنوا وساروا علىٰ خط الأنبياء والأئمة (عليهم السلام).
٣ – إنَّهم يمثِّلون قمَّة الخلق وأصله والنمط العالي والرفيع في الأرض والميزان لكلِّ خلق وقيمة وجدت في البشر، قال تعالىٰ مخاطباً نبيه الأعظم محمد (صلَّىٰ الله عليه وآله): ﴿وَإِنَّكَ لَعَلىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: ٤).
جعلهم الله سبحانه الأُسوة والمثل الأعلىٰ قال تعالىٰ: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (الأحزاب: ٢١).
وقال تعالىٰ: ﴿قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ (الممتحنة: ٤).
وقد أعطىٰ الإمام الحسين (عليه السلام) سمات عالية ورفيعة لأصحابه وأهل بيته وهم القلَّة في العدد في طف كربلاء تعبر عن عظمتهم وإيمانهم ورقيِّهم في الدفاع عن المبادئ والقيم، حيث قال (عليه السلام): «أمَّا بعد: فإنِّي لا أعلم أصحاباً أوفىٰ ولا خيراً من أصحابي، ولا أهل بيت أبرّ ولا أوصل من أهل بيتي، فجزاكم الله عنِّي خيراً»(1).
وربَّما لأنَّ هؤلاء القلَّة يشكِّلون الميزان والقيمة والأُسوة في كلِّ شيء، كان النصر الإلهي يجري علىٰ أيديهم وينزله الله عليهم، هذا من جهة ومن جهة أخرىٰ فإنَّ عدم نصرهم تترتَّب عليه آثار سلبية كبيرة، ولذا دعا رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) يوم بدر فقال: «اللَّهم إنَّك إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد بعد»(2).
فجاء النصر الإلهي عقيب ذلك قال تعالىٰ: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (آل عمران: ١٢٣).
وكذلك في معركة الخندق حيث ذكر قطب الدين الراوندي: (أنَّ الحصار لما اشتد علىٰ المسلمين في حرب الخندق، ورأىٰ رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) منهم الضجر لما كان فيه من الضر، صعد علىٰ مسجد الفتح فصلَّىٰ ركعتين، ثمَّ قال: «اللَّهم إن تهلك هذه العصابة لم تُعبَد بعدها في الأرض»(3).
٤ – لقد خصَّهم الله تعالىٰ بصفات ومؤهِّلات تمكِّنهم من القيام بواجباتهم علىٰ أكمل وجه، فمثلاً قال سبحانه وتعالىٰ لنبيِّه موسىٰ (عليه السلام): ﴿قالَ يا مُوسىٰ إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَىٰ النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ * وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ﴾ (الأعراف: ١٤٤-١٤٥).
وقال سبحانه: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلىٰ مُوسىٰ أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ * فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الأعراف: ١١٧-١١٨).
وقال تعالىٰ في شأن نبيِّه داود (عليه السلام): ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْأَشْراقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ * وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ﴾ (ص: ١٨-٢٠).
وقال سبحانه في قصة الخضر (عليه السلام): ﴿فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً﴾ (الكهف: ٦٥).
٥ – ضمَّت هذه المجموعة البشرية الخاصة في حركتها نماذج رفيعة من الجنسين ذكوراً وإناثاً علىٰ حدٍّ سواء، فقد شاركت المرأة وكان دورها كبيراً وفاعلاً ومؤثِّراً في كلِّ الأزمان والمراحل التي مرَّت بها البشرية، ومن هذه النساء السيدة والدة نبي الله موسىٰ (عليه السلام) حيث ذكرها الله تبارك وتعالىٰ في كتابه المجيد فقال: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلىٰ أُمِّ مُوسىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (القصص: ٧).
ومنهن السيدة مريم (عليها السلام) قال تعالىٰ عنها: ﴿وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلىٰ نِساءِ الْعالَمِينَ﴾ (آل عمران: ٤٢).
ومنهن السيد فاطمة (عليها السلام) بنت رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) التي شاركت أباها رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) في دعوته إلىٰ دين الله سبحانه قال تعالىٰ: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَىٰ الْكاذِبِينَ﴾ (آل عمران: ٦١).
حيث ذكر المفسِّرون أنَّ المقصود من قوله تعالىٰ: ﴿وَنِساءَنا﴾ هي السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، ومنهن السيدة زينب بنت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) التي شاركت أخاها الإمام الحسين (عليه السلام) في كلِّ مفصل من مفاصل معركة الطف الأليمة في كربلاء وحملت مشعل الثورة بعد استشهاد أخيها الإمام الحسين (عليه السلام).
٦ – تعرَّضت هذه المجموعة الخاصة إلىٰ شتَّىٰ أنواع الابتلاءات والمحن أفراداً وجماعات، فنتج عن ذلك خبرة كبيرة في كيفية التعامل مع هكذا ظروف قاسية وترتّب علىٰ ذلك أنَّها أعطت تضحيات جسيمة وكبيرة في سبيل قضيتها ولم تتنازل أبداً، بل خرجت منتصرة في نهاية المطاف، وقد تعدَّدت الابتلاءات التي مرَّت بها هذه الصفوة الخاصة، فتارة يكون الابتلاء بالظروف المحيطة بهم والتي تلقي بظلالها عليها، كما قال تعالىٰ: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: ١٥٥).
وتارة يتَّهمون في شخصياتهم قال تعالىٰ: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ﴾ (ص: ٤).
وقال تعالىٰ عن نوح (عليه السلام): ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ﴾ (هود: ٣٨).
وقال سبحانه وتعالىٰ مخاطباً الرسول الأعظم محمد (صلَّىٰ الله عليه وآله): ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ﴾ (الأنعام: ١٠).
وقال تعالىٰ: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (المؤمنون: ٤٤).
إلىٰ غير ذلك.
٧ – إنَّ هؤلاء الصفوة كانت لهم جهود وتضحيات في كلِّ الميادين الرسالية والعلمية والفكرية والاقتصادية والسياسية، ولم تقتصر علىٰ جانب واحد فهم مشاريع إلهية لخدمة البشرية، وبكلِّ السبل قال تعالىٰ في قصة ذي الكفل (عليه السلام): ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً * إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً﴾ (الكهف: ٨٣-٨٤).
وقال تعالىٰ متَمِّما قصة ذي الكفل (عليه السلام): ﴿حَتَّىٰ إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً * قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلىٰ أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا * قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً﴾ (الكهف: ٩٣-٩٥).
وفي قصة عيسىٰ (عليه السلام): ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتىٰ بِإِذْنِي﴾ (المائدة: ١١٠).
وهكذا كان أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ولازالوا يحملون نهج الأنبياء والأوصياء في هداية البشرية بعد رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) وفي كلِّ الميادين، فقد ورد عن الإمام أبي جعفر (عليه السلام) في قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ [الرعد: 7]، قال: «رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) المنذر، وفي كل زمان منَّا هادياً يهديهم إلىٰ ما جاء به نبي الله ثم الهداة من بعد عليٍّ ثم الأوصياء واحداً بعد واحد»(4).
٨ – إنَّ من الأمور التي أثرت في وحدة الهدف وحصول النتائج الإيجابية وعدم ضياع الجهود المبذولة في سبيل الانتصار عند هؤلاء القلَّة أنَّهم لا يتلقّون التعليمات والخطط إلَّا من جهة واحدة، وهي المولىٰ تبارك وتعالىٰ الحكيم العالم والقادر، فلا يسيرون إلَّا وفق التكاليف والخطط التي رسمت لهم من قبل الله تعالىٰ ولا يخالفونها قيد شعرة، كما قال سبحانه موجِّهاً كلامه إلىٰ رسول الله محمد (صلَّىٰ الله عليه وآله) حيث قال: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ * لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ (الحاقة: ٤٤-٤٦).
وقال تعالىٰ: ﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحىٰ﴾ (النجم: ٣-٤).
وقال تعالىٰ: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ (يس: ١٣-١٤).
وهكذا كان أئمة أهل البيت (عليهم السلام) يعملون بوصية وبكتاب من رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله)، فعن سليم بن قيس، قال: (شهدت وصية أمير المؤمنين (عليه السلام) حين أوصىٰ إلىٰ ابنه الحسن (عليه السلام) وأشهد علىٰ وصيته الحسين (عليه السلام) ومحمداً وجميع ولده ورؤساء شيعته وأهل بيته، ثم دفع إليه الكتاب والسلاح، وقال لابنه الحسن (عليه السلام): يا بني أمرني رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) أن أوصي إليك وأن أدفع إليك كتبي وسلاحي كما أوصىٰ إليَّ رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) ودفع إليَّ كتبه وسلاحه، وأمرني أن آمرك إذا حضرك الموت أن تدفعها إلىٰ أخيك الحسين (عليه السلام)، ثم أقبل علىٰ ابنه الحسين (عليه السلام) فقال وأمرك رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) أن تدفعها إلىٰ ابنك هذا، ثم أخذ بيد علي بن الحسين (عليه السلام) ثم قال لعلي بن الحسين وأمرك رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) أن تدفعها إلىٰ ابنك محمد بن علي واقرأه من رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) ومني السلام)(5).
٩ – إنَّ هؤلاء بعضهم يكمل حركة البعض الآخر علىٰ اختلاف حركاتهم، فتارة تكون شاملة لكلِّ البشر وتارة تكون خاصة، ولكن الجميع يعمل لغاية وهدف واحدة وهو هداية الخلق، قال تعالىٰ: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ (الأعراف: ١٨١).
وقال سبحانه: ﴿وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ﴾ (الأنبياء: ٧٣).
١٠ – إنَّ المتأمِّل في القرآن الكريم والتاريخ البشري يرىٰ بوضوح تام أنَّ النصر الإلهي لا يحتاج إلىٰ عدد كبير من البشر للظفر به، بل تكفي للوصول إليه ثلَّة صالحة مضحية ومؤمنة بمشروعها وبالنتائج التي ستحصل عليها في نهاية الصراع كما قال تعالىٰ: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللهِ كَما قالَ عِيسَىٰ ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَىٰ اللهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلىٰ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ﴾ (الصف: ١٤).
وقال تعالىٰ: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: ٢٤٩).
وهكذا انتصر الإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء مع أصحابه وأهل بيته الذين ربَّما يصل عددهم إلىٰ المئة أو أكثر بقليل حيث وقفوا أمام جيش بلغ تعداده ثلاثين ألفاً وزلزلوا عرش بني أمية وأسقطوه في نهاية المطاف في ملحمة عظيمة تدعىٰ طف كربلاء، قال (عليه السلام) في خطبته يوم عاشوراء مبيِّناً إصراره في المضي بثورته العظيمة رغم قلَّة العدد وخذلان الناصر: «ألا وإنَّ الدعي بن الدعي قدْ ركز بين اثنتين، بين السلَّة والذلَّة، وهيهات منَّا الذلّة، يأبىٰ الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون، وحُجور طابت وحجور طهرت، وأُنوف حمية، ونفوس أبيَّة، من أن تؤثر طاعة اللئام علىٰ مصارع الكرام، ألا وإنِّي زاحف بهذه الأُسرة علىٰ قلَّة العدد وخذلة الناصر»(6).
١١ – إنَّ الله سبحانه وتعالىٰ في نهاية المطاف هو الذي ينتصر لأوليائه مهما طال الزمن وعظمت المصائب وقلَّ الناصر، وسوف ينتشر العدل والمبادئ والأُسس الإلهية وتنبسط علىٰ مساحة الكون، قال تعالىٰ: ﴿كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (المجادلة: ٢١).
وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ﴾ (الصافات: ١٧١-١٧٣).
وقال تعالىٰ: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَىٰ اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (آل عمران: ١٦٠).
وقال تعالىٰ: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُوا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَىٰ اللهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ﴾ (التوبة: ٣٢).
وقال سبحانه: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ (النور: ٥٥).
وتختلف طُرق النصر وأساليبه الإلهية، ففي قصة نبي الله موسىٰ (عليه السلام) يحدِّثنا القرآن كيف انتصر المولىٰ تبارك وتعالىٰ لنبيِّه (عليه السلام) حيث قال: ﴿فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قالَ كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ * فَأَوْحَيْنا إِلىٰ مُوسىٰ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ * وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْأَخَرِينَ * وَأَنْجَيْنا مُوسىٰ وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْأَخَرِينَ﴾ (الشعراء: ٦١-٦٦).
وقال تعالىٰ في نصرة نبيِّه محمد (صلَّىٰ الله عليه وآله): ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَىٰ الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ﴾ (الأنفال: ١٢).
وقال تعالىٰ في بيان طُرق النصر الإلهي المتعدِّدة: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (العنكبوت: ٤٠).
١٢ – قد تتعرَّض حركة هؤلاء وفعالياتهم إلىٰ الخفوت قليلاً والسكون ولكنها لا تموت ولا تقف، بل تحيا وتتحرَّك بشكل مستمر وإن كان هناك بطء في بعض الأحيان، قال تعالىٰ: ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلىٰ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللهُ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (المائدة: ١٩).
١٣ – إنَّ جهاد هذه الفئة القليلة ضدَّ الظلم والجور مستمر ولا ينتهي أبداً، قال تعالىٰ لنبيِّه (صلَّىٰ الله عليه وآله): ﴿وَلَنْ تَرْضىٰ عَنْكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصارىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (البقرة: ١٢٠).
وقال تعالىٰ: ﴿وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا﴾ (البقرة: ٢١٧).
وقال تعالىٰ: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا﴾ (إبراهيم: ١٣).
١٤ – إنَّ الله تبارك وتعالىٰ حفظ المشروع الإسلامي الأصيل عند هؤلاء وختم الله حفظ دينه عند أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وأبناءه الأئمة الطاهرين (عليهم السلام)، وذلك عندما نزل جبرائيل في يوم غدير خم علىٰ رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) بتنصيب الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) خليفة لرسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله)، قال تعالىٰ: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (المائدة: ٣).
فإنَّما يئس الذين كفروا من الدين وذلك عندما نصب علي (عليه السلام) وصيًّا لرسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) حيث أصبح (عليه السلام) قائماً علىٰ الدين وحافظاً له، وعنده النسخة الأصلية للإسلام بعد رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله).
١٥ – إنَّ التوكُّل علىٰ الله سبحانه كان من أبرز أسباب انتصار هؤلاء الصفوة لأنَّهم علىٰ علم تام بأنَّ التوكُّل علىٰ الله سبب للفوز بكلِّ شيء، قال الله تعالىٰ: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَىٰ اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾ (الطلاق: ٣).
وكذلك فإنَّ النصر لا يأتي إلَّا منه سبحانه قال تعالىٰ: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَىٰ اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (آل عمران: ١٦٠).
وقال سبحانه في قصة نبيه نوح (عليه السلام): ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللهِ فَعَلَىٰ اللهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ﴾ (يونس: ٧١).
وقال الإمام الحسين (عليه السلام) في يوم عاشوراء: «… إنِّي توكَّلت علىٰ الله ربِّي وربّكم، ما من دابة إلَّا هو آخذٌ بناصيتها، إنَّ ربِّي علىٰ صراطٍ مستقيم…» (7).
١٦ – إنَّ الله تعالىٰ يدَّخر هؤلاء الصفوة لوقت لا يعلمه إلَّا هو ولأسباب مجهولة عندنا وقد دلَّت الأخبار أنَّ من هؤلاء القادة المدَّخرين لتحقيق النصر الإلهي الكبير والتام والنهائي وبسط العدل علىٰ الأرض الإمام الحجة بن الحسن (عليه السلام) آخر أئمة أهل البيت (عليهم السلام) كما ورد عن رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) حيث قال: «… والذي بعثني بالحقِّ نبيًّا لو لم يبق من الدنيا إلَّا يوم واحد لطوَّل الله ذلك اليوم حتَّىٰ يخرج فيه ولدي المهدي فينزل روح الله عيسىٰ بن مريم فيصلِّي خلفه وتشرق الأرض بنوره ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب»(8).
فقد ادَّخره الله سبحانه لوقت لا يعلمه إلَّا هو، كما ورد عن الإمام الرضا (عليه السلام) حيث قال: «حدَّثني أبي عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) أنَّ النبي (صلَّىٰ الله عليه وآله) قيل له: يا رسول الله متىٰ يخرج القائم من ذريتك؟ قال: مثله مثل الساعة لا يجليها لوقتها إلَّا هو»(9).
فقد أراده الله تعالىٰ كي يظهر به دينه علىٰ الدين كلّه، فعن أبي بصير عن الإمام أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) أنَّه قال في قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَىٰ الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف: 9؛ التوبة: 33]، فقال: «والله ما نزل تأويلها بعد، ولا ينزل تأويلها حتَّىٰ يخرج القائم (عليه السلام) فإذا خرج القائم (عليه السلام) لم يبق كافر بالله العظيم ولا مشرك بالإمام إلَّا كره خروجه…»(10).
وهو الذي يرث الأرض مع أصحابه كما ورد ذلك عن الإمام أبي جعفر (عليه السلام) في تفسير قوله تعالىٰ: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (الأنبياء: ١٠٥).
قال (عليه السلام): «هم أصحاب المهدي (عليه السلام) في آخر الزمان»(11).
وبعد كل ما مر لا ينبغي للمؤمن أن يشكِّك في تحقُّق نصر الله تبارك وتعالىٰ علىٰ يد هؤلاء القلَّة الأولياء من الأنبياء والمرسلين والأئمة الطاهرين وأصحابهم وأتباعهم مهما كان عددهم ومهما طال الزمن وعظمت المصائب والمحن وقلَّ الناصر وازداد الظلم والظلمة تكبراً وجبروتاً، لأنَّ النصر كتبه الله تعالىٰ في النهاية للمؤمنين قال سبحانه: ﴿وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الروم: ٤٧).
إنَّ هذه القلَّة جعلها المولىٰ تبارك وتعالىٰ واصطفاها لينتصر بها ولها، لأنَّها تمثِّل القيم والمبادئ الإسلامية والإنسانية الحقة وبسبب ما تمتلك من صفات وأدوات كان النصر حليفها دائماً.
وليس علىٰ المؤمن إلَّا التمسُّك بهذه القلَّة والصبر علىٰ المحن والشدائد والثبات علىٰ العقيدة والمبدأ والاستعداد والانتظار لفرجه تعالىٰ، قال سبحانه: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: ٢٠٠).
وقال تعالىٰ: ﴿وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ (هود: ١٢٢).
وقال سبحانه: ﴿قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ (الأنعام: ١٥٨).
ولابدَّ من الاستمرار في هذا النهج إلىٰ أن يأذن الله تبارك وتعالىٰ في نصره علىٰ يدِ وليِّه الأعظم الإمام الحجة بن الحسن (عليه السلام)، قال سبحانه: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ﴾ (الروم: ٤-٥).
والحمد لله ربِّ العالمين
الهوامش:
(1) الإرشاد – الشيخ المفيد: ج٢، ص٩١.
(2) مناقب آل أبي طالب – ابن شهر آشوب: ج١، ص١٦٣.
(3) الخرائج والجرائح – قطب الدين الراوندي: ج١، ص١٥٦.
(4) بصائر الدرجات – الصفار: ٤٩.
(5) الكافي – الكليني: ج١، ٢٩٧-٢٩٨.
(6) اللهوف في قتلى الطفوف – ابن طاووس: ٥٩.
(7) العوالم الإمام الحسين – عبد الله البحراني: ج١، ص٢٥٣.
(8) كمال الدين – الصدوق: ٢٨٠.
(9) كفاية الأثر – الخزاز القمي: ٢٧٧.
(10) كمال الدين – الصدوق: ٦٧٠.
(11) تفسير مجمع البيان – الطبرسي: ج٧، ص ١١٩-١٢٠.