القدوة بوصلتنا في طريق الحياة

إنَّ في حياة كلّ إنسان هناك قدوة يسير علىٰ نهجها، لكن ليس كل من يُعجبنا يصلح أن يكون مثالاً نحتذي به.

فبعد ولادة الإنسان بفترة، ومع بداية مرحلة الإدراك لديه، يبدأ يرىٰ أنَّ والديه هما القدوة الأمثل له، وسبب هذا الاقتداء هو حبُّه لهما.

لكن بعدها بفترة وجيزة، ومع بداية مرحلة البلوغ، تتغيَّر القدوة بالنسبة له، فيبدأ يبتعد عن أهله ويتَّجه ليتَّخذ قدوة أخرىٰ يحذو حذوها.

ولكن كيف يمكن أن يوفَّق الإنسان في اختيار قدوته؟ هل الاختيار يكون علىٰ أساس الحب؟ أم علىٰ الموهبة التي لديه ويرىٰ من هو في قمة هذه الموهبة؟ أم علىٰ أساس العمل الجاد؟ أم علىٰ التضحية؟ أم علىٰ أساس الدين؟

ولأجل هذا، هناك بعض النقاط التي يمكن علىٰ وفقها اختيار القدوة الأمثل لدىٰ الإنسان الطموح في اختيار القدوة.

أوَّلاً: تعريف القدوة وأهميتها:

القدوة لغةً: (هي الأُسوة، ويقال: ائتسِ به، أي اقتدِ به وكن مثله، وفلانٌ يأتسي بفلان أي يرضىٰ لنفسه ما رضيه ويقتدي به، وكان في مثل حاله)(1).

واصطلاحاً: هو الشخص الذي يُتَّخذ مثالاً يُتَّبع في الخير أو الشر، أو في مجال معين من مجالات الحياة.

ولها أهمية كبيرة في حياة الإنسان، فهي في الغالب تحدِّد مستقبله، ويبني حياته علىٰ وفقها.

فلو كانت القدوة جيدة وصالحة، كانت حياته في الغالب جيدة، والعكس تماماً.

لذلك علينا، وبحذر شديد، اختيار القدوة الجيدة.

ثانياً: معايير اختيار القدوة:

يجب أن تكون القدوة شخصاً صادقاً، أميناً، ومؤمناً، حتَّىٰ نتقرَّب به إلىٰ الله تعالىٰ.

وأن يجسد أروع معاني الإنسانية والقيم الإيجابية من عدل، وتواضع، وسماحة، وغيرها الكثير من الصفات المحمودة.

وأن يكون ناجحاً في المجال الذي يختص به؛ فلو كان مختصاً في مجال الأدب والشعر يجب أن يكون في القمة، وإن كان مختصاً في مجال العلم فيجب أن يكون علىٰ رأس الهرم، وليس العلم فقط مختص بالطب، بل في شتَّىٰ أنواع العلوم.

أمَّا إن كان مختصاً في مجال الدين، فيجب أن يكون فعله مطابقاً لقوله لا مخالفاً له.

كذلك، يجب أن تكون القدوة مجاهدة في مبادئها، لا تستسلم للظروف القاهرة.

ثالثاً: أمثلة ونماذج للقدوة:

نبدأ بأهم صفة يمكن أن نتَّخذها قدوة في مجال الدين، إذ يجب علينا أوَّلاً أن نؤسِّس لآخرتنا قبل دنيانا.

وأفضل قدوة لذلك هو رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله)، فقد حثَّنا الله تعالىٰ علىٰ اختيار القدوة وضرب لنا مثالاً لذلك، حيث قال في كتابه العزيز: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً﴾ (الأحزاب: ٢١).

كذلك يتَّضح الاقتداء بالنبي من كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبة القاصعة حيث قال: «ولقد علمتم موضعي من رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) بالقرابة القريبة والمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره وأنا وليد، يضمَّني إلىٰ صدره ويكنفني في فراشه، ويمسّني جَسده، ويشمّني عرفه، وكان يمضغ الشيء ثمّ يلقمنيه… وقد كنت أتبعّه اتِّباع الفصيل أثر أُمِّه، يرفع لي في كلِّ يوم من أخلاقه علماً، ويأمرني بالاقتداء به)(2).

كما ورد الأمر بالاقتداء بأهل بيت النبي (صلَّىٰ الله عليه وآله) ومن ذلك قوله: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ يُونُسَ عَنْ سَعْدِ بْنِ طَرِيفٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلَّىٰ الله عليه وآله): مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَحْيَا حَيَاتِي وَيَمُوتَ مَمَاتِي وَيَدْخُلَ الْجَنَّةَ الَّتِي وَعَدَنِي رَبِّي جَنَّةَ عَدْنٍ مَنْزِلِي قَضِيبٌ مِنْ قُضْبَانِهِ غَرَسَهُ رَبِّي بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: كُنْ فَكَانَ فَلْيَتَوَلَّ عَلِيّاً مِنْ بَعْدِي وَالْأَوْصِيَاءَ مِنْ ذُرِّيَّتِي أَعْطَاهُمُ اللهُ فَهْمِي وَعِلْمِي وَايْمُ اللَّهِ لَيَقْتُلُنَّ ابْنِي لَا أَنَالَهُمُ اللهُ شَفَاعَتِي»(3).

لذلك يجب أن نتَّخذه هو وأهل بيته (عليهم السلام) قدوة لنا في الشجاعة، والزهد، والصبر، والعبادة، وغيرها من الصفات، فهم القدوة الأمثل في كل شيء.

وخير مثال لنا لكي نقتدي به في العبادة والصبر عليها هو أمير المؤمنين (عليه السلام) فهو النموذج الأمثل حيث قال في خطبة طويلة: «إلهي ما عبدتك خوفاً من عقابك ولا طمعاً في ثوابك، ولكن وجدتك أهل للعبادة فعبدتك»(4) فهو لا يعبد الله عبادة التجار حيث يتاجر من أجل مصلحة ولا عبادة العبد الخائف من عقاب المعصية، بل يعبد الله لأنَّه وجده أهل للعبادة وهو يمثل أرقىٰ مراتب المعرفة الألوهية.

وهناك قدوة نسائية يمكن للنساء سواء كنَّ عازبات أم أُمَّهات أن يقتدين بها؛ فهي الأمثل والأكمل وكل الصفات الجيدة تتمثَّل بها.

هي الأولىٰ بين النساء العالمين في الدنيا والآخرة.

هي سيدة نساء العالمين وتمثل روح المحبة لأبنائها، وخير دليل علىٰ ذلك رواية في علل الشرائع للشيخ الصدوق، عن الحسين بن علي، عن أخيه الحسن بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) قال: «رأيت أُمِّي فاطمة (عليها السلام) قامت في محرابها ليلة جمعتها فلم تزل راكعة ساجدة حتَّىٰ اتَّضح عمود الصبح وسمعتها تدعو للمؤمنين والمؤمنات وتسميهم وتكثر الدعاء لهم ولا تدعو لنفسها بشيء، فقلت لها: يا أُمَّاه لم لا تدعون لنفسك كما تدعون لغيرك؟ فقالت: يا بني: الجار ثم الدار»(5)، فهذه الرواية تكشف جانباً مهماً – بغض النظر عن الدعوىٰ في السر إلىٰ الغير والإيثار علىٰ النفس – من اهتمام الزهراء (عليها السلام) بتربية أطفالها بالقيم العليا؛ إذ كان الإمام الحسن (عليه السلام) صغيراً حين شاهد أُمّه تُقدِّم الدعاء للناس علىٰ نفسها، فتعلم منها معنىٰ الإيثار، والرحمة، والاهتمام بالآخرين، فالاهتمام بالأطفال لا يكون بالماديات فقط، بل بغرس المبادئ في نفوسهم من خلال القدوة العملية.

وتمثِّل الزوجة المطيعة لبعلها، وتمثِّل الفتاة البارّة بأبيها فهي تلقب بـ(أُمّ أبيها).

وهي التي مثَّلت القيادة في مجال الثورة، وقادت ثورة ضد الظلم والطغيان، وكانت أوَّل مصداق من مصاديق الخروج علىٰ الحاكم الجائر، وبقيت علىٰ مبادئها حتَّىٰ آخر نفس من حياتها، فأفنت عمرها في سبيل الدفاع عن قضيتها، وذهب شهيدة محتسبة.

عند التكلُّم عنها فهي واضحة كوضوح الشمس في رابعة النهار هي فاطمة الزهراء (عليها السلام)، كذلك يمكن الاقتداء بوالدتها السيدة خديجة (عليها السلام)، فهي كانت تمثِّل الزوجة المطيعة لزوجها في أحلك الظروف وأي زوج وأي ظروف التي عاصرتها سيدة خديجة حيث كان زوجها أشرف الخلق وأكملهم وهي كانت التاجرة الغنية، كل هذا قبل البعثة لكن بعد بعثة الرسول صرفت كل مالها في سبيل الله وساندت رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) في أصعب أوقاته ووقفت معه في أكثر وقت يحتاج فيه إلىٰ الوقوف بجانبه، وفي رواية طويلة في المناقب (قالت أُمّ سلمة: فلما ذكرنا (خديجة) بكىٰ رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) ثم قال: «خديجة، وأين مثل خديجة، صدَّقتني حين كذَّبني الناس وآزرتني علىٰ دين الله وأعانتني عليه بمالها، إنَّ الله (عزَّ وجلَّ) أمرني أن أبشر خديجة ببيت في الجنة من قصب الزمرد، لا صخب فيه ولا نصب»(6) فإنَّ رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) لم ينسَ سيد خديجة ولا مواقفها المشرفة فهي في أعلىٰ هرم الزوجة المطيعة.

وأمَّا ابنتها السيدة زينب فأقف متحيِّراً عن الكلام عنها فيعجز اللسان عن التعبير بسبب مواقفها مع أخيها الحسين (عليه السلام)، فلولاها لم تكن لتكتمل ثورة الحسين (عليه السلام)، فالثورة يمكن القول إنَّها علىٰ قسمين؛ القسم الأوَّل الاستشهاد والثاني هو السبي وظروفه وكيف صنعت زينب (عليها السلام) وهناك شواهد كثيرة لمواقفه أكثر واحد لكم، وروىٰ بعض المتتبّعين عن الإمام زين العابدين (عليه السلام) أنَّه قال: «إنَّ عمّتي زينب كانت تؤدّي صلواتها من قيام، الفرائض والنوافل عند سير القوم بنا من الكوفة إلىٰ الشام، وفي بعض المنازل كانت تصلّي من جلوس.

فسألتها عن سبب ذلك؟

فقالت: أُصلِّي من جلوس لشدّة الجوع والضعف منذ ثلاث ليال، لأنَّها كانت تقسِّم ما يصيبها من الطعام علىٰ الأطفال، لأنَّ القوم كانوا يدفعون لكلِّ واحد منّا رغيفاً واحداً من الخبز في اليوم والليلة»(7).

وهذه الرواية فيها دلالتان علىٰ المقام يمكن لأيِّ شخص أن يقتدي بزينب (عليها السلام)؛ أوَّلاً: تعلم الإيثار علىٰ النفس حيث قدَّمت الأطفال علىٰ نفسها وقدَّمت لهم طعامها.

وثانياً: هي لم تترك صلاة النوافل بأيِّ حال فضلاً عن الواجبات، وهذه جنبة مهمة لكل شخص يترك العبادة لأيِّ سبب ويبحث عن الأعذار حتَّىٰ لو كانت تافهة لكي يترك الصلاة.

وهناك السيدة مريم العذراء، وآسيا بنت مزاحم (عليهن سلام الله).

وأمَّا من أراد قدوة تتمثَّل في الثورة وانتصار الحق علىٰ الباطل والخروج في وجه الطغاة، فلن يجد أفضل من الحسين بن علي (عليهما السلام)؛ فقد بذل الغالي والنفيس في سبيل إعلاء كلمة الحق، وقول كلمة لا إله إلَّا الله محمد رسول الله.

فقد أعزَّ ما يملك من أولادٍ وإخوة وبني عمومة، وفوق كلّ هذا سُبيت نساؤه، لكن في المقابل نرىٰ الآن – بعد أكثر من ألف سنة – أنَّ ذكره يتجدَّد كل يوم وترتفع منزلته عند البعيد قبل القريب، وأصبح رمزاً عالمياً ومنارة ترشد التائهين في البحث عن الحرية.

كذلك هناك قدوات يومية مثل المعلّم، أو الصديق الصالح، أو الأخ وغيرهم الكثير.

الخاتمة:

إنَّ اختيار القدوة ليس مجرَّد إعجابٍ بشخصٍ ما، بل هو قرار يوجه مسار حياتنا.

فلنجعل من قدوتنا مناراً يهدينا إلىٰ الخير، وإذا اهتدينا وفق القدوة ربما نكون أفضل منهم، وبالتالي نصبح نحن قدوةً لأبنائنا والجيل الجديد.

لذلك علينا أن نعمل بما يفوق وسعنا، لأنَّ في هذا الزمان لا يكفي العمل وفق الوسع فقط، بل علينا أن نتخطىٰ حدودنا في كلِّ مرَّة نصل فيها إلىٰ أقصىٰ ما لدينا.

وإذا سرنا علىٰ وفق هذه القاعدة، فلن يكون هناك حدٌّ لوسعنا وطاقتنا، ولن يستطيع أحد أن يقلِّل من همَّتنا وسعينا.

 

 

 

الهوامش:


(1) لسان العرب: ج١٤، ص٣٥.

(2) الفصول المهمة في معرفة الأُمَّة: ج١، ص١٨٢.

(3) بصائر الدرجات في فضائل آل محمد (صلَّىٰ الله عليهم): ج1، 48 / 22 باب في الأئمة ع و ما قال فيهم رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) بأنَّ الله أعطاهم فهمي وعلمي: ص48.

(4) بحار الأنوار: ج٤١، ص١٤.

(5) علل الشرائع: ج١، ص١٨٢.

(6) المناقب: ص٣٥٠.

(7) العوالم السيدة الزهراء: ج٢، ص٩٥٤.

Edit Template
Scroll to Top