عند مشاهدة التقدُّم الحضاري في بلدان العالم غربياً كان أو شرقياً، نذعن في أنفسنا، أنَّ هيبة الإنسان تكمن في إحاطته بمدارك الحياة، ووضع الحلول المناسبة لمواجهة التحديات المعاصرة، وفي عصر السرعة والتقنيات الحديثة يبرز لنا تطوراً جديداً، يحاكي العقل البشري، بل يصارعه في إيجاد الفرص والنتائج الدقيقة لكلِّ معضلة، ومسألة عويصة واجهت الإنسان، فظهر الحدث الأبرز من بين عمق التكنلوجيا المتطوِّرة، ليفرض قوته ومبهراً الجميع، متحدياََ في ذلك كل العقول، ألا وهو (الذكاء الاصطناعي).
ورغم الإمكانات الهائلة لهذه الأداة، نقف أمام سؤال جوهري:
ما حدود هذه التقنية؟ وما هي مسؤولية الإنسان تجاهها؟
فلم يعد السؤال في هذا الزمن: ماذا يستطيع الإنسان أن يصنع؟ بل أصبح: إلىٰ أيِّ مدىٰ يمكن له أن يصل في علمه وحداثته؟
فبين قدرة متواصلة في العلوم، ومسؤولية لا تتغيَّر في جوهرها، يقف الإنسان اليوم أمام واحدة من أكثر أدواته تعقيداً وتأثيراً (الذكاء الاصطناعي) فهو أداة لا تفكِّر بذاتها، لكنَّها تعيد تشكيل الفكر البشري، فلا تملك أداة مستقلة، لكنَّها تؤثِّر في القرار والاختيار والمصير.
التطوُّر نعمة أم نقمة؟
إنَّ الذكاء الاصطناعي لا يدخل حياة الإنسان من باب الترف التقني كالهواتف الذكية، أو الشاشات المتطوِّرة، أو السيارات الحديثة، بل يدخل من بوابة التمكين، تمكين المعرفة، والسرعة، والتحليل، والسيطرة علىٰ تفاصيل لم تكن متاحة من قبل.
إلَّا أنَّ هذا التمكين والسيطرة كلَّما ازدات اتِّساعاً، ازدادت معه الحاجة إلىٰ ضابط أخلاقي وفقهي، حتَّىٰ يحدِّد وجهته واستعماله، لأنَّ كلّ قوة إذا انفصلت عن القيم وابتعدت عن الدين تحوَّلت من نعمة منقذة إلىٰ نقمة مهلكة.
فلا شكَّ ولا ريب أنَّ التقنيات الحديثة قد فتحت أبواباً ونوافذاً كثيرة في مختلف مجالات الحياة، وقد خدمت الكثير من الناس.
ولكن، الاقتصار في الحداثة علىٰ الجانب المادي مما يوجب البُعد عن أهم ما يفتح آفاقاً عديدة وجديدة علىٰ البشر، ألا وهو الجانب الروحي المتعلِّق بالتقرب من الخالق (عزَّ وجلَّ) وحقيقة التقرُّب لا تكون إلَّا بما يرضي الله تعالىٰ، بالعمل والورع ومحاسن الأخلاق، وقد أشار سبحانه لهذا الجانب بقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (التغابن: 16).
فمن منظور إيماني، أنَّ العقل وما ينتجه من تطوُّر في العلوم هو نعمة من نعم الله تعالىٰ.
وكذلك كلّ ما يساعد الإنسان في بناء النفس وتعمير الأرض ومواجهة تحديات الحياة.
ولذلك فإنَّ استخدام الذكاء الاصطناعي في تطوير الذات وحماية الآخرين، ووضع الخطط، ورسم البيانات الحسابية والهندسية، وتنوُّع الزراعة، وتسهيل حركة الملاحة، والطيران، والمرور، وغيرها الكثير، كلّ ذلك صور من تسخير نِعَم الله تعالىٰ.
فالذكاء الاصطناعي: هو باب ووجه من وجوه النِعَم الإلهية التي فتحها الله تعالىٰ لعباده ليعمروا الأرض والنفس ويستثمروا قدراتهم، ويواجهوا تحدِّيات الحياة بوسائل نافعة.
وفي المقابل، يذكِّرنا الشارع المقدَّس بأنَّ كلّ نعمة يمكن أن تتحوَّل إلىٰ نقمة إذا أسيء استخدامها، وبالتالي تُسلب من أصحابها، فلابدَّ من شكر الله تعالىٰ علىٰ أنعمه (عزَّ وجلَّ) ليبارك الله فيها، كما قال تعالىٰ: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ (إبراهيم: ٧).
وكذلك إمامنا الرضا (عليه السلام) قد حذَّر من سوء استخدام النعمة، يقول (عليه السلام): «… أحسنوا جِوار النِعَم، فإنَّها وحشية ما نأت عن قوم فعادت إليهم»(1).
وما أنعم الله تعالىٰ علىٰ الإنسان من نعمة أفضل من نعمة العلم.
والسؤال: كيف يستثمر هذا العلم وبأيِّ طريقة؟
هنا تأتي أهمية القيم الإنسانية التي تمثِّل الجدار الحامي للتقنية.
فالذكاء الاصطناعي قد يستغل في التضليل وانتهاك الخصوصية، وصناعة الفتن، وتوجيه الرأي العام نحو الباطل، ودعم الظلم بوسائل رقمية دقيقة.
وإلىٰ هذا أشار الإمام علي (عليه السلام) عندما سُئل: كم بين الحق والباطل؟
فقال (عليه السلام): «أيُّها الناس، من عرف من أخيه وثيقة دين وسداد طريق فلا يسمعن فيه أقاويل الرجال، أما إنَّه قد يرمي الرامي وتخطئ السهام ويحيل الكلام، وباطل ذلك يبور والله سميع وشهيد، أما إنَّه ليس بين الحق والباطل إلَّا أربع أصابع»، فسئل (عليه السلام) عن معنىٰ قوله هذا، فجمع أصابعه ووضعها بين أذنه وعينه ثم قال: «الباطل أن تقول: سمعت، والحق أن تقول: رأيت»(2).
والمؤمن كيِّس فَطِن، يجب أن يراعي فيما يسمع وما يقول حتَّىٰ لا يقع في محذور شرعي يوجب سخط الله تعالىٰ.
المعيار الشرعي في التعامل مع هذه التقنيات:
ومن جهةٍ فقهية يُطرح هذا السؤال: هل الذكاء الاصطناعي هو من الآلات المشتركة، أو هو مختص باستخدام معيَّن؟
في بادئ الأمر أنَّ أغلب الموضوعات إنَّما يحدِّدها المكلَّف نفسه، وعند ملاحظة الواقع الخارجي، نجد أنَّ: هذه الأداة هي من الأدوات المشتركة فبعض يستخدمها بالحرام، وآخرون يستخدمونها بالحلال، حاله كحال شاشة التلفاز أو الهاتف أو غيرها من الأدوات والآلات المشتركة، وقد أفتىٰ فقهاؤنا (حفظهم الله تعالىٰ) بجواز استعمال الآلات المشتركة، وهذا نص الاستفتاء الوارد في موقع المجيب الذي يدل علىٰ جواز استعمال الذكاء الاصطناعي في ضمن ضوابط شرعية:
السؤال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أريد معرفة رأي سماحتكم حول موضوع أنَّه هناك نظرية تقول إنَّ الذكاء الاصطناعي قد يؤدِّي إلىٰ انقراض البشر في المستقبل، ما رأيكم في هذه النظرية، وهل هناك روايات تكلَّمت عن ذلك؟
وشكراً لكم.
الجواب: عليكم السلام ورحمة الله وبركاته..
النظرية التي تشير إلىٰ أنَّ الذكاء الاصطناعي قد يؤدِّي إلىٰ انقراض البشر في المستقبل هي موضوع يثير الكثير من النقاش والجدل في الأوساط العلمية والتكنولوجية، من منظور إسلامي، يجب أن نتذكَّر أنَّ الله سبحانه وتعالىٰ هو الخالق والمدبِّر لكلِّ شيء، وأنَّه قد أعطىٰ الإنسان العقل والقدرة علىٰ التفكير والابتكار، ومع ذلك، يجب أن نكون حذرين في كيفية استخدام هذه القدرات.
من المهم أن نستخدم الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا بشكل يتماشىٰ مع القيم والأخلاق الإسلامية، وأن نحرص علىٰ أن تكون هذه التقنيات في خدمة الإنسانية وليس ضدها، يجب أن نعمل علىٰ وضع ضوابط وأُطر أخلاقية لاستخدام الذكاء الاصطناعي، بحيث تضمن عدم تجاوز الحدود التي قد تؤدِّي إلىٰ الإضرار بالبشرية.
لا توجد روايات دينية مباشرة تتحدَّث عن الذكاء الاصطناعي، ولكن يمكننا الاستفادة من المبادئ العامة في الإسلام التي تدعو إلىٰ الحكمة والتوازن في استخدام الموارد والقدرات التي وهبنا الله إيَّاها، علينا أن نكون واعين للمسؤولية التي نحملها في استخدام التكنولوجيا وأن نعمل علىٰ تعزيز الخير والعدالة في المجتمع.
نسأل الله أن يوفِّقنا جميعاً لاستخدام العلم والتكنولوجيا فيما يرضيه ويخدم الإنسانية.
التنبه لثلاثة مبادئ أساسية:
من أجل أن نتعامل بدقة ومهنية مع هذا الاختراع الجديد لابدَّ من الأخذ بعين الاعتبار هذه الأُسس:
١ – حفظ كرامة الإنسان: فلا يجوز أن تستخدم الأنظمة الذكية في إذلال البشر أو التجسُّس عليهم أو التلاعب بعقولهم، ولقد نهانا الله تعالىٰ عن ذلك بقوله: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ (الإسراء: ٧٠).
أو قوله تعالىٰ: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ (الحجرات: ١٢).
٢ – تحمُّل المسؤولية: فالآلة مهما بلغت من التطوُّر والحداثة تبقىٰ أداة، والمسؤولية في استخدامها تقع علىٰ عاتق الإنسان وحده.
ولذا يقول تعالىٰ: ﴿مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (فصلت: ٤٦).
وقال رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله): «كلُّ نعيم مسؤول عنه يوم القيامة إلَّا ما كان في سبيل الله تعالىٰ»(3).
٣ – تحقيق المصلحة ودرء المفسدة: وهو ميزان الشريعة في كلِّ جديد يطرأ علىٰ حياة الناس، فما كان في المصلحة العامة ولا يتعارض مع أوامر الله تعالىٰ، فلا شكَّ في جوازه، وما كان يتعارض مع أوامره (عزَّ وجلَّ) فهو حرام، وإن كان الظاهر منه المصلحة.
التطوُّر بين الخوف والرجاء:
لا ينبغي للمؤمن أن يخاف من التطوُّر العلمي، ولا أن ينجرف وراءه بلا بصيرة، بل يكون موقفه موقف المتَّزن البصير، ينظر إلىٰ التقنية كنعمة أهداها وساقها الله (عزَّ وجلَّ) إليه، ويتعامل معها بعقل المسؤول، ويتسلَّح بالقيم الدينية التي تهذب السلوك وتحمي المجتمع.
يقول الله (عزَّ وجلَّ) في محكم كتابه العزيز: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (الأنفال: ٢٩).
فتقوىٰ الله (عزَّ وجلَّ) هي التي تحدِّد إيمان الفرد في تعامله مع الغير، وتعطيه الضابطة الشرعية والأخلاقية في تعاملاته مع نفسه والمجتمع.
فأعظم ما يحتاجه عصر الذكاء الاصطناعي هو ذكاء الإيمان: وهو ذلك النور الذي يجعل الإنسان أقرب إلىٰ الحق، وأقدر علىٰ التميُّز بين الخير والشر.
فالتقنيات تتطوَّر، لكن القيمة العليا تبقىٰ في الإنسان نفسه، وفي القلوب التي تعرف حدودها أمام الله تعالىٰ.
خاتمة:
الذكاء الاصطناعي فرصة عظيمة للارتقاء بالإنسان نحو سدِّ ما يمكن سدّه في المجالات العلمية والمعرفة الخفية.
ولكنه في الوقت نفسه اختبار لأخلاق الإنسان، فإذا أحسن استخدامه بما يرضي الله تعالىٰ صار باباً للخير، وإن أُطلق بلا ضابط أو قيود كان سبباً للضرر والفتنة والابتعاد عن الله تعالىٰ.
وبين هذا وذاك، يبقىٰ الإيمان والتقوىٰ هما القائدان الحقيقيان في عالم تتغيَّر فيه الأدوات، لكن تبقىٰ القيم ثابتة لا تتبدل.
الهوامش:
(1) بحار الأنوار: ج٧٨، ص٣٥٢، ح٤١.
(2) نهج البلاغة: ج2، ص24.
(3) بحار الأنوار: ج٧، ص٢٧٠.