معرفة الزهراء (صلوات الله عليها)

الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّىٰ الله علىٰ خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين.

سيكون الكلام في:

أوَّلاً: تمهيد.

ثانياً: المحور الأوَّل: مناهج ثمانية، في معرفة الزهراء (صلوات الله عليها).

ثالثاً: المحور الثاني: قراءة الزهراء (صلوات الله عليها) قراءة أبمستمولوجية، أنطولوجيا، أنثروبولوجية.

رابعاً: المحور الثالث: إشكالات، حول قراءة الزهراء (صلوات الله عليها) وردّها.

خامساً: خاتمة.

تمهيد:

نقل الشيخ الطوسي في كتاب الأماني، بسند معتبر إلىٰ إسحاق بن عمار، وأبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: وهي الصديقة الكبرىٰ، وعلىٰ معرفتها دارت القرون الأولىٰ(1).

الرواية من جانب السند، لا شبهة في سندها من خلال الرواة، نعم في السند أبي الفضل العباس بن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، فإنَّه لم يرد فيه توثيق، إلَّا أنَّ مما يهون الأمر عند المراجعة لجميع رواياته، أو معظمها، لم أجد فيها ما هو مضطرب، أو مناف لأصول المذهب(2).

فمقام الصديقة (صلوات الله عليها) وإن كنَّا لا ندرك كنهه، لكنَّه مرتبة معنوية، ومقام إلهي، يمنحه الله (عزَّ وجلَّ) لبعض الأصفياء من عباده، فهو كالنبوة والإمامة، وهو يستبطن ملكة العصمة، سيما بعد وصفها بالكبرىٰ.

مراحل الفهم العميق:

للفهم العميق عدَّة مراحل:

المرحلة الأولىٰ: العلم والعقل العملي والعقل النظري.

المرحلة الثانية: الإحساس والقلب.

المرحلة الثالثة: السلوك الجوانحي والجوارحي.

المرحلة الرابعة: المعنىٰ والغاية.

وفق هذه المراحل الأربعة، ومن خلال مناهج ثمانية في قراءة السيدة الصديقة (صلوات الله عليها) يمكن تحقيق الهدف المنشود من البحث، وهو تقديم خارطة معرفية متكاملة، لا قراءة أحادية للسيدة الصديقة الكبرىٰ (صلوات الله عليها).

المحور الأوَّل: المناهج الثمانية لمعرفة الصديقة الكبرىٰ (صلوات الله عليها).

المنهج الأوَّل: منهج الظاهراتية (الفينومينولوجيا)(3).

من خلال هذا المنهج يمكن معرفة كيفية ظهور الصديقة الكبرىٰ (صلوات الله عليها) في الوعي الديني، ويكون من خلال التأكيد علىٰ تجلي قيم: النقاء، والطُهر، والرأفة.

الحضور الكوني وفائدته:

عندما نطرح السؤال التالي: لماذا يشعر الناس بالقرب العاطفي والروحي منها (صلوات الله عليها)، حتَّىٰ يكون كوجود يتجاوز التاريخ إلىٰ التجربة الدينية الحية؟

الجواب: يكون الجواب من خلال هذا المنهج، فهو يدرس كيفية شعور الفرد بالقرب الروحي أو الرهبة أو الجلال، عندما يتوجه نحو الزهراء (صلوات الله عليها).

المنهج الثاني: منهج الهرمنيوطيقا للنص الديني(4):

يعني الفهم لطبقات المعنىٰ في النصوص الدينية للسيدة الزهراء (صلوات الله عليها)، وما ذُكر في حقها.

مثلاً: رمزية خطبة فدك، بوصفها بياناً للعدالة والحقوق، ومن له حق تفسير القرآن الكريم.

فائدة هذا المنهج:

تكمن الفائدة في فهم السيدة الزهراء (صلوات الله عليها) بما لها من خطاب يتجدَّد في كل عصر، لا يقرأ كحدث تاريخ.

المنهج الثالث: منهج الأنثروبولوجيا(5) (الرمزية) كنموذج ثقافي في المجتمع، ورمز اجتماعي:

يرد السؤال التالي: كيف تصبح الزهراء (صلوات الله عليها) رمزاً لتكوين الهوية؟

وكيف تُلهم المجتمعات في بناء صورة المرأة النموذجية؟

تكون الإجابة من خلال هذا المنهج، فهو يبيِّن من خلال دراسته لماذا يقدم الناس احتفالات حول شخصية السيدة الزهراء (صلوات الله عليها) وكيف تصبح جزاءً من الهوية الاجتماعية والثقافية.

المنهج الرابع: المنهج الأخلاقي القيمي:

يوضِّح هذا المنهج أنَّ السيدة الزهراء (صلوات الله عليها) هي مصدر لمنظومة أخلاقية متكاملة (إنسان كامل القيم)، فيتجلَّىٰ: الزهد والعبادة والعدالة ونصرة الحق والصبر والكرامة.

تكمن فائدة هذا المنهج في تحويل سيرة الصديقة الكبرىٰ (صلوات الله عليها) إلىٰ مرجع أخلاقي تربوي، يصلح للتطبيق الفردي والاجتماعي.

المنهج الخامس: منهج الأنطلوجيا(6):

من خلال هذا المنهج يتم البحث في مفهوم النورانية، كنمط وجود يسبق الولادة الدنيوية.

وأنَّ صفاتها هي صفات وجودية، لا سلوك فقط، فدورها الكوني في السببية الروحية (الشفاعة)، ويبحث دورها في العوالم (البرزخ وما بعده).

تكمن فائدة هذا المنهج في معرفة موقع الصديقة الكبرىٰ (صلوات الله عليها) في الميتافيزيقا الإسلامية.

المنهج السادس: منهج الأبستمولوجيا(7):

يبحث في هذا المنهج كيفية معرفة الزهراء (صلوات الله عليها) وما هي مصادر معرفتها.

تكمن فائدة هذا المنهج في التمييز بين المعرفة الموثوقة، والمعرفة الأسطورية.

المنهج السابع: المنهج الجمالي:

تذوق جمال شخصيتها (جمال روحي أخلاقي) وجمال مواقفها وخطابها.

تكمن فائدة هذا المنهج في تنمية الحس الوجداني تجاهها.

المنهج الثامن: المنهج العرفاني الحضوري:

الزهراء (صلوات الله عليها) تدرك بالكشف والذوق، وإمكان شهود حقيقتها من خلال السلوك الروحي، وفنائها في الذات الإلهية، وفهمها بأنَّها وجه من وجوه الحقيقة الإلهية في الإنسان، ومثال الحقيقة المحمدية (صلَّىٰ الله عليه وآله).

المحور الثاني: وفيه عدَّة قراءات:

القراءة الأولىٰ: قراءة السيدة الصديقة قراءة تفصيلية وفق منهج الأبستمولوجيا:

والمعرفة الأبستمولوجية، تكون في موردين:

المورد الأوَّل: قد تكون معرفة تاريخية، وقد تكون معرفة نصية، وقد تكون معرفة عقلية في إطار علم الكلام، وقد تكون معرفة أنطلوجية.

المورد الثاني: الهدف من المعرفة الأبستمولوجية، هم كيفية المعرفة، ومصادرها، ودرجة المعرفة، وأنماطها.

الكلام في المورد الأوَّل يكون في المعارف التاريخية، والنصية، والعقائدية.

أوَّلاً: المعرفة التاريخية، تكون بمراجعة كتب السيرة والمغازي والأخبار التاريخية.

مع ملاحظة مشكلة رئيسية في المعرفة التاريخية، تكون في ثلاثة مستويات:

المستوىٰ الأوَّل: في تباين المصادر.

المستوىٰ الثاني: في صعوبة الفصل بين الحديث التاريخي، والتأويل الديني اللاحق.

المستوىٰ الثالث: المحدودية بحدود المادة السردية.

ثانياً: المعرفة النصية، نعني بها القرآن والحديث (السُنَّة)، ومنها الإجماع والسيرة والشهرة.

مع ملاحظة المشكلة الرئيسية في المعرفة النصية، وتكون في مستويين:

المستوىٰ الأوَّل: علىٰ مستوىٰ القرآن الكريم، فالفهم للقرآن يتأثَّر في مناهج التفسير، كما في آية المباهلة، وآية التطهير، وآية الكوثر.

المستوىٰ الثاني: علىٰ مستوىٰ الحديث (السُنَّة) تكمن في البُعد الصدوري، والبُعد الدلالي، والسياق، والقرائن.

ثالثاً: المعرفة العقائدية، وهي معرفة عقلية تحليلة برهانية، منتزعة من المحكمات، وتحليل أفعال النبي (صلَّىٰ الله عليه وآله) تجاهها، وهكذا المناهج المتقدِّمة، لأجل استيعابها كجوهر، ووجودها بمراحلها، وصفاتها، وسيرتها، وخطبها، وآثارها، وفاعليتها، وأُسوتها.

القراءة الثانية: قراءة السيدة الصديقة وفق المنهج الأنطولوجي:

ومفاد البحث الأنطولوجي، أنَّ السيدة فاطمة الزهراء (صلوات الله عليها) لا كشخص عادي، بل كينونة وارتباط وجودي بالمطلق، والخصائص القادمة خصائص وجودية.

الأولىٰ: فاطمة (صلوات الله عليها) نموذج الإنسان الكامل، ومنه يتَّضح كونها:

1 – مظهر الفيض المحمدي.

2 – مرتبة وجودية تتجلَّىٰ فيها صفات الرحمة.

3 – شخصية تجمع بين النبوة بالمعنىٰ الباطني، والولاية.

4 – واسطة بين السماء والأرض.

5 – تمثّل إرادة الله (عزَّ وجلَّ) في المجال الإنساني – خليفة -.

الثانية: فاطمة النورية.

التجليات النورية للسيدة الصديقة (صلوات الله عليها) تظهر في: الحق والعقل الأوَّل.

منها يتَّضح التجلِّي لها من خلال الحقيقة المحمدية (صلَّىٰ الله عليه وآله):

1 – خلق فاطمة من نور رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله)(8).

2 – واسطة في الفيض الرباني في سلسلة العقول والنفوس.

القراءة الثالثة: قراءة السيدة الصديقة وفق المنهج الأنثروبولوجي:

وتعني: المعرفة الرمزية الاجتماعية للزهراء (صلوات الله عليها).

في مرجع قيمي، وليس قدوة فقط، أي التمثل الجمعي حول شخصيتها:

1 – رمزاً للطهارة.

2 – رمزاً للعدالة الاجتماعية.

3 – رمزاً للمظلومية.

4 – رمزاً للأمومة الروحية.

5 – رمزاً للهوية الأصيلة.

6 – رمزاً للقداسة.

7 – رمزاً للاستقامة.

فهي رمز قيمي (المخيال الجمعي).

معطيات المعرفة الرمزية:

القداسة: أي النقاء المطلق، والطهارة الوجودية، والنموذج المثالي للمرأة القدوة.

المظلومية: تعني هوية المقاومة، ورمز للوقوف مع الحق.

الهوية الاجتماعية: تعني كونها مرجع للقيم في الأُسرة والحجاب والعفة والموقف السياسي والكرامة الإنسانية، وحضورها الوجداني فوق الزمان والمكان.

بكلمة: المعرفة الرمزية الاجتماعية للزهراء (صلوات الله عليها) هي مجموع الصور والقيم والأدوات التي حملتها شخصيتها عبر التاريخ، وأثرت في الوعي الجمعي، حتَّىٰ تحوَّلت إلىٰ رمز قيمي أخلاقي اجتماعي، فوق الزمان.

المحور الثالث: إشكالات أبستمولوجيا حول معرفة الزهراء (صلوات الله عليها):

الإشكال الأوَّل: إشكالية موثوقية الموروث الروائي، من خلال العناصر التالية.

1 – اختلاف الروايات بين الشيعة، وأبناء العامة.

2 – وجود فجوة زمنية بين الحدث والتدوين.

3 – توظيف الأحداث سياسياً، في الصراعات التاريخية.

4 – السرديات المختلفة.

رد الإشكال: وجود منهج متكامل من ست خطوات، يفي في رد الإشكال.

1 – تحليل المصدر، نوع النقل ودرجة أصالته.

2 – تحليل السند.

3 – فحص السياق التاريخي والسياسي.

4 – تحليل المضمون عبر العقل والقيم.

5 – مقارنة الرواية مع شبكة الروايات.

6 – تحديد درجة الحقيقة النابعة من كل المعطيات.

الإشكال الثاني: إشكالية التقديس مقابل التاريخ.

التقديس يؤثِّر علىٰ إنتاج المعرفة، فيصعب الفصل بين ما هو تاريخي، وما هو هاجس إيماني (معرفة إيمانية) فالتاريخ معرفة تجريبية وثاقية، والإيمان معرفة معنوية وجودية.

رد الإشكال: من خلال بيان الفرق بين التاريخ والإيمان.

التاريخ: يُقرأ بأدوات منها، النقد الوثائقي، ومنها مقارنة النصوص، ومنها فحص السياق.

الإيمان: يساوي الفهم القيمي، والتأويل الروحي، والدلالة الغائية.

إذن المعرفة التاريخية تخبرنا كيف وقع الحدث، والمعرفة الإيمانية تخبرنا لماذا هو مهم.

فلكلِّ معرفة أدواتها، فلا تداخل، فيرد الإشكال.

الإشكال الثالث: إشكالية تعدُّد القراءات في خطبها، والتأويل بالانتماء المذهبي.

فتكون قراءة النصوص لأغراض جدلية، لا تأويلاً موضوعياً، وعليه يصعب التمييز بين القراءة المعرفية، وبين التوظيف الأيدلوجي في النصوص الدينية.

رد الإشكال: غاية القراءة المعرفية الفهم، لا الدفاع والتبرير.

من خلال التركيز علىٰ المعنىٰ والمنطق والأدلة والسياق، وتقبل النتائج حتَّىٰ ولو خالفت هوىٰ القارئ، سيما التوظيف الأيدلوجي، أي تأويل كل شيء لصالح الفكرة المسبقة، والتعامل مع النصوص كمواد دعائية، إذ توجد معايير ثمانية للتميز بين القراءة المعرفية، والأيدلوجية.

المعيار الأوَّل: اختلاف السؤال.

في القراءة المعرفية يكون عن الحقيقة ما هي.

بينما في القراءة الأيدلوجية يكون كيف نثبت ما نريد.

المعيار الثاني: التعامل مع النتيجة.

القراءة المعرفية تفرض احتمال الظن والوهم.

بينما القراءة الأيدلوجية فلا تقبل إلَّا جواباً واحداً.

المعيار الثالث: كيفية التعامل مع الأدلة.

القراءة المعرفية: تجمع الأدلة، وتناقشها، وتقارن بينها.

بينما القراءة الأيدلوجية: تقطع، وتخفي، وتضخم.

المعيار الرابع: السياق.

القراءة المعرفية تفسير النص ضمن سياقه الفكري.

بينما القراءة الأيدلوجية تخلع النص من سياقه، لتلاعب أجندتها.

المعيار الخامس: المسافة.

القراءة المعرفية تحافظ علىٰ مسافة نقدية.

بينما القراءة الأيدلوجية تقوم بتذويب المسافة، وتحويل القراءة إلىٰ ولاء.

المعيار السادس: منطق الحكم.

القراءة المعرفية تقيم النتائج، وتقدم تفسيراً علمياً.

بينما القراءة الأيدلوجية تقيم النتائج علىٰ أساس القطع والتخويف.

المعيار السابع: تعدد القراءات.

القراءة المعرفية ترىٰ تعددية التأويل أمر طبيعي.

بينما القراءة الأيدلوجية لا تعترف إلَّا بتأويل واحد.

المعيار الثامن: اللغة.

القراءة المعرفية لغة تحليلة هادفة وصفية.

بينما القراءة الأيدلوجية لغة تعبئة وشحن وانفعال، لإطلاق أحكام معينة.

الخلاصة:

القراءة المعرفية: تصوب العقل، وتبني الإنسان.

القراءة الأيدلوجية: ترضي الجماعة، وتبني الاصطفاف.

الإشكال الرابع: صراع السلطة، يقدم معرفة غير وصفية، بل متحيزة، والتاريخ المبكر كُتب في الغالب من قبل رواة متحيزين للسلطة.

رد الإشكال: السيدة الزهراء (صلوات الله عليها) وقفت ضد السلطة.

الإشكال الخامس: الزهراء (صلوات الله عليها) رمزاً أخلاقياً، والمعرفة حول الرموز تكون محملة بالقيم، فلا فصل بين السرد التربوي، والسرد التاريخي، فالقيم تلون المعرفة.

رد الإشكال: العلاقة بين القيم والمعرفة، ليست تلويناً بل تكملة، فالمعرفة لا تأتي مجرَّدة، بل مصحوبة بقيم تُسهم في توجيه الفهم، لا تشويهه.

الإشكال السادس: تنسب للزهراء (صلوات الله عليها) معارف غيبية، وهي معرفة حدسية، غير قابلة للتحقيق.

فالإشكال ليس في الغيب، بل في قابلية التحقُّق، وبعض المعارف غير قابلة للتحقق بشكل مباشر، كالتجربة الروحية، والكرامات، والغيبيات.

والمعارف الحدسية لها شرعية معرفية، فالحدس ليس معرفة باطلة، بل معرفة من نمط مختلف.

رد الإشكال: خلاصة المعرفة الغيبية للسيدة الزهراء (صلوات الله عليها) ليست ادِّعاءً فردياً، بل مبنية داخل منظومة عقدية من مبدأ العصمة، ومبدأ النورانية، ومبدأ الوظيفة الروحية.

الإشكال السابع: هل العصمة خاصية وجودية، أم تكليفية؟

إن كانت العصمة صفة وجودية، فكيف يحفظ العدل الإلهي في البشر؟

وإن كانت صفة اكتسابية ناتجة عن مجاهدة النفس، فكيف تُمن العصمة المطلقة؟

رد الإشكال: العصمة شدَّة في الوجود العقلي النوراني، تنتج صفاء الإدراك، بحيث لا توهم النفس نقصاً، فلا منافاة بين العصمة والاختيار، لأنَّ المعصوم يملك الإدراك.

فعصمة السيدة الزهراء (صلوات الله عليها) علمية معرفية، ترىٰ الحقائق بنور صافٍ، وعصمة عملية إرادية، وإرادتها لا تتعلَّق إلَّا بالحسن، وعصمة توفيقية وأنَّ الله يفيض عليها من اللطف.

الإشكال الثامن: هل فاطمة (صلوات الله عليها) كائن ميتافيزيقي غير بشري نوري، أم هي وجود بشري، فالنورانية مجاز عن الطهارة والصفاء.

رد الإشكال: الوجود النوراني: هو قابلية روحية فائقة، داخل إطار البشرية لا خروجاً منها.

الإشكال التاسع: الروايات تشير إلىٰ معرفة السيدة الصديقة (صلوات الله عليها) بالحقائق، كما في مصحف فاطمة، فهو استقلال غيبي، أي علم ذاتي بالغيب، والحال أنَّ العلم الذاتي بالغيب مختص بالله (عزَّ وجلَّ).

رد الإشكال: أنَّ ما عند المعصوم هو العلم اللدني، والذي يُفهم كفيض وجودي، من الله (عزَّ وجلَّ)، يفتح للنفس باب الإدراك، لا كما تصوَّر صاحب الإشكال بأنَّه علم ذاتي بالغيب.

الإشكال العاشر: الولاية التكوينية للزهراء (صلوات الله عليها) بمعنىٰ مكانة وجودية تتصل بسنخ الوجود النبوي، فهل يمكن لبشري أن تكون له قدرة التأثير الكوني؟

رد الإشكال: ليست الولاية التكوينية هي مقام فاعلي مستقل، حتَّىٰ يرد الإشكال.

إنَّما الولاية التكوينية هي مقام قابلي، وعليه تكون من الفيض الإلهي لمن له القابلية لها.

الإشكال الحادي عشر: الاعتقاد بأنَّ الزهراء (صلوات الله عليها) جزء من الحقيقة المحمدية (صلَّىٰ الله عليه وآله)، وهذا يتعارض مع فرديتها البشرية، فكيف يدمج وجودها بوجود النبي (صلَّىٰ الله عليه وآله)؟

رد الإشكال: بوجود فرق بين الحقيقة والتعين.

الحقيقة المحمدية (صلَّىٰ الله عليه وآله) هي أصل النور.

التعينات كفاطمة (صلوات الله عليها) هي تفريعات نورية ضمن عالم الإمكان، فهي وجود تكويني مستقل، ولكن لها ارتباط كارتباط الأشعة بالشمس.

الإشكال الثاني عشر: ما هو الميزان الأنطولوجي للتفاضل، حتَّىٰ تكون هي أفضل الخلق(9).

الجواب: التفاضل بحسب شدَّة الوجود لدىٰ الإنسان الكامل، والأقرب إلىٰ الخير المطلق.

الإشكال الثالث عشر: كيف تكون الزهراء (صلوات الله عليها) معصومة، وهي تعيش في بيئة معقدة.

الجواب: النفس القدسية تجعل التأثير صادراً منها، لا واقعاً عليها.

الإشكال الرابع عشر: أن تحويل الزهراء (صلوات الله عليها) إلىٰ رمز، أمر مبالغ فيه، أدَّىٰ إلىٰ تضخيم شخصيتها وإضفاء لأبعاد أسطورية عليها، وتجاوز الحقائق التاريخية.

رد الإشكال: الرمزية ليست تضخيماً، بل انعكاس لمعطىٰ واقعي، وقد أثرت في بيت النبوة، وبناء المجتمع، والوعي الأخلاقي.

الإشكال الخامس عشر: الرمزية تُستخدم لأغراض سياسية، لتبرير صراعات مذهبية.

رد الإشكال: نعم الرمزية عبر التاريخ استخدمت في السياسة، كما في رمزية السيد المسيح (عليه السلام)، لكن هذا الاستخدام لم يبطل قيمة الرمز نفسه.

الإشكال السادس عشر: القداسة تمنع النقد التاريخي، وتغلق باب الدراسة العلمية.

رد الإشكال: لا يوجد مانع من دراسة حياة السيدة الزهراء (صلوات الله عليها) مع الإيمان بقدسيتها.

الإشكال السابع عشر: تقديم الزهراء (صلوات الله عليها) كرمز للكمال يصنع معايير غير واقعية، ويجعل النساء يشعرن بالضغط، ويُرسخ صورة مثالية غير قابلة للتحقق.

رد الإشكال: الزهراء (صلوات الله عليها) نموذجاً متعالياً واقعياً، ينفع في التحفيز، ويقدم اتجاهاً، لا نسخة مطابقة.

الإشكال الثامن عشر: الزهراء (صلوات الله عليها) إنسانة، فلماذا تُنزع عنها الأبعاد البشرية، فتحول من مرأة إلىٰ أسطورة.

رد الإشكال: الإنسانية نوعان.

الإنسانية الطبيعية.

الإنسانية المتعالية، وهذا لا يعني عدم البشرية، بل بشر بلغ كمالاً فيندر وجوده.

الخاتمة:

لتبقىٰ السيدة الزهراء (صلوات الله عليها) أُسوة فاعلة ومؤثِّرة دائماً، لابدَّ لنا من العمل وفق عدَّة نقاط:

1 – نعرفها معرفة عميقة، من خلال جوهرها، وقيمتها، لا نقتصر علىٰ السرد فقط.

2 – نفهم رسالتها، في ضوء واقعنا، لا في عزلة التاريخ.

3 – تحويل سيرتها إلىٰ سلوك، يوحي ويكون حضورها في القيم.

4 – نصنع بها وعياً جديداً.

5 – حضور الذكر الذي يوافق القلب، وحضور الحب، والمعرفة والاقتداء.

6 – لابد من قراءة السيدة الزهراء (صلوات الله عليها) تاريخياً، وفلسفياً، والاستعانة بالنص والتجربة والعقل والجمال والروح.

7 – إعمال فكرة تحويل معرفتها إلىٰ أخلاق ووعي وتشكيل هوية.

 

 

 

الهوامش:


(1) كتاب الأمالي، للشيخ الطوسي (أعلىٰ الله مقامه): ص668.

(2) وهذا يكشف عن ضبط الرجل، في النقل وتحرزه عن الكذب.

(3) الظاهراتية: مدرسة فلسفية ومنهجية، تركز علىٰ دراسة الوعي الإنساني والتجارب الذاتية، كما تعاش بشكل مباشر.

تسعىٰ إلىٰ وصف الظواهر كما تظهر في الوعي، وتحاول تفسيرها بلغة تعكس منطقها الداخلي.

ظهرت كرد فعل علىٰ المدارس الوضعية التي تؤمن بوجود حقائق موضوعية مستقلة عن الوعي.

(4) وتسمَّىٰ بعلم التأويل، هي نظرية ومنهج لفهم وتفسير النصوص، وعند تطبيقها علىٰ النص الديني تحول النقاش من مجرَّد شرح ظاهري إلىٰ استكشاف المعاني الكامنة.

ملاحظة: يوجد معنيان للهرمنيوطيقا:

المعنىٰ الإيجابي، ويعني تعدُّد لطبقات المعنىٰ، وهذا ما نقصده ونريده، وينسجم مع ما نتبناه في المنهج التفسيري، لمحورية النص لا القارئ، فيكون منضبطاً.

المعنىٰ السلبي، ويعني تعدُّد المعنىٰ، وهذا ما لا نرتضيه، للزومه محذور الفوضوية نتيجة محورية القارئ، لا النص، وتأثير الزمان والمكان والبيئة.

(5) يُعبر عنها بعلم الإنسان: هي دراسة شاملة للبشر، تركِّز علىٰ أصلهم وتطوُّرهم وسلوكهم وثقافاتهم عبر الزمان والمكان، وتجمع بين العلوم الاجتماعية والبيولوجية الإنسانية لفهم التجربة الإنسانية بتعقيداتها.

(6) هي منهج أساسي في الفلسفة، يدرس طبيعة الوجود والكيان.

(7) فرع من الفلسفة يدرس طبيعة المعرفة، ومصادرها، وكيفية تبرير المعتقدات الصادقة.

(8) بل ورد من الأخبار بما يصرِّح بأنَّها خلقت من نور الله (عزَّ وجلَّ)، انظر: بحار الأنوار للمجلسي: ج43، ص4؛ ومعاني الأخبار – للشيخ الصدوق: ص396-397؛ وعلل الشرائع للشيخ الصدوق: ج1، ص180.

(9) باستثناء رسول الله وأمير المؤمنين (صلوات الله عليهما وآلهما).

Edit Template
Scroll to Top