كله صوج المرجعية:
استأجرنا سيارة أجرة (تكسي) – لكن لسوء الحظ كان السائق عصبي المزاج فض الخلق كثير الثرثرة والهراء -، اصطدمت السيارة لإهماله في مطب صناعي وبدل أن يعتذر عن إهماله وتعريض حياتنا للخطر نتيجة هذيانه تلفظ بكلمات نابية من ضمنها (كله صوج المرجعية) – مع أنِّي عرفتُ قصده من ألف ولام العهد كما أطلقتها في الأوَّل وقيَّدتها في الثاني أعلىٰ العنوان – لكني سألته أي مرجعية تقصد – للتوكيد -؟
أجابني: المرجعية الدينية، هل يوجد شخص لا يعرفها؟!
عاودت سؤاله، وبماذا أضرتك لتعود عليها بكل هذا الكلام؟
عاود نفس الجواب: كله صوج المرجعية، بعدها عرفت أنَّ الحديث معه عقيم، وهذه ليست المرة الأولىٰ التي أصادف فيها مثله ولو سألتَه ما دور المرجعية؟
لعاد عليك بنفس الجواب…
ينقسم الدين الإسلامي إلىٰ طوائف، السُنَّة وهم الطائفة الكبرىٰ، ويأتي بعدهم الشيعة هم أقل لكنها مهمة من حيث دورها ومواقفها.
عانت الشيعة من الظلم والتعسف والاستبداد منذ نشوؤها إلىٰ يومنا هذا، وكل هذه العوامل جعلت منها أكبر جبهة معارضة غير رسمية للجهات الحاكمة – وعلىٰ الرغم من قيامهم وبذلهم جهود فعلية وتكبد الخسائر الجسدية لتحدِّي أي حكومة أو سياسية منحرفة – إلَّا أنَّهم لم يمنحوا أي اهتمامٍ للمشاركة في الحكم، أو إقامة حكومة (ثيوقراطية).
وهي لا تدين ولا تعترف ولا توالي غير الإمام المعصوم المنحصر في اثني عشر إمام من نسل عليٍّ وفاطمةَ (عليهما السلام).
ولأنَّها تعتقد بوجوب شغل هذا المنصب والتحكُّم بأموال ودماء وأعراض الطائفة بتنصيب إلهي وإلَّا لما اقتصر الآمر علىٰ أحدٍ.
أمَّا نظرتها وموقفها تجاه الحكومات المتعاقبة التي مرَّت عليها تعتبر وجودها وجود وضعي لا مفر منه إلَّا أنَّه ليس مورد تكليف عليهم، وإن الزموا بتطبيق القوانين.
ومع غيبة الإمام المعصوم – وهو الإمام الثاني عشر (عجَّل الله فرجه) في القرن التاسع الميلادي الثالث هجريّ – امتثلت الطائفة لتنصيب من ينوب عن الإمام لا بديلاً عنه، لما وردهم من نصوص وسيأتي بيان ذلك.
بدأت بعد الغيبة الصغرىٰ للإمام (عجَّل الله فرجه) مرحلة السفراء الأربعة، وتسمَّىٰ بالنيابة الخاصة، ثم من بعدها مرحلة الغيبة الكبرىٰ التي بها تبدأ النيابة العامة.
أمَّا مصدر تشريع وجوب هكذا أمر تكليفي فهو من توقيع الإمام الغائب: «وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلىٰ رواة حديثنا، فإنَّهم حجّتي عليكم، وأنا حجّة الله عليهم»(1)، ومورد إجماع الطائفة ودليل عقلي…
ومن أبرز مراكز قوة هذه الطائفة التفافهم حول مراجعهم، ولا يقتصر دور المرجعية علىٰ التشريع والإشراف والإرشاد، بل تدبير أمور الطائفة وإيصالها إلىٰ برِّ الأمان وفق دينامية خاص، ومن هذه الأمثلة ثورة التنباك، وثورة العشرين، ومن عصرنا الحالي فتوىٰ الجهاد الكفائي وكافة مستحدثات العصر.
أمَّا مواردها المالية فهي موارد ذاتية من الطائفة حيثُ يستخرج من الحقوق الشرعية، وتدار مراكزها ومؤسَّساتها وشؤونها التعليمية (وهي المسمَّاة بالحوزة العلمية) من سهم الإمام وهو الخمس الذي شُرع كقوة استقلالية للطائفة وسدّاً لحاجاتها علىٰ جميع الأصعدة، فهي لا تتلقىٰ أي نوع دعم من الحكومات أو المصادر الغير معروفة أو المشبوهة.
ولا يكون المرجع فيها إلَّا بعد إجازته بالاجتهاد ومعرفة صلاح أمره، ومن أهم مقدماته إحاطته بأمور زمانه ومكانه…
بعد هذه المقدمة التي ذكرناها نأتي لبيان دور المرجعية ونطرح عدَّة أسأله علىٰ ذلك:
هل هي مسؤولة عن تبليط الشوارع مثلاً أو يجب عليها تلبية طلبات المستمعين وماذا يريد هذا وما يشتهي ذاك كما هو مزاج صاحب التكسي؟
نحن لم نرَ ماذا قدم المراجع السباقين لكننا عشنا في عصر المرجعية فيه فعالة، وهذا الأمر هون علينا كثيراً من المشاق، فمثلاً المرجعية المعاصرة المتمثلة بـ(السيد السيستاني (دام ظله)) لم ينحصر دورها علىٰ أبناء الطائفة فقط، بل أصبحت مرجعية أوطان، ولم تولِ أيّ اهتمام لأغلبية الطائفة ولا ممثليهم في مجلس الحكم، بل صرَّح في أكثر من مناسبة علىٰ وجوب قيام دولة (مدنية) لا يراعىٰ فيها غير مصالح أبناء البلد دون تهميش طائفة علىٰ حساب أخرىٰ، مراعي السيادة الشعبية لأبناء البلد الواحد، فيما كانت فتاواه المصدر المحفز لإرساء أُسس الديموقراطية.
وصرَّحت في أكثر الخطابات علىٰ وجوب التوقُّف عن استغلال العراقيين ومحاولة زجِّهم في دهاليز سياسية من شأنها تأييد مصالح أخرىٰ، ويجب أن يكون الدستور وفق شروط أبناء البلد وأن يكونوا هم الواضعين.
ولم يدعُ إلىٰ إنشاء دولة إسلامية ثيوقراطية مع وجود غالبية لها من الطائفتين، بل كل ما دعىٰ إليه عدم طمس الهوية الثقافية الدينية لأيِّ مكوِّن من شأنه ممارسة طقوسه الخاصة، ولم يكتف بتوجيه المجتمع المسلم، بل كانت خطاباته لضمان العقد الاجتماعي المتراص لمحاولة إبقاء عملية تسيير الاتِّجاه الذي من شأنه حماية الوحدة الوطنية بمنظور كلِّي وتنمية البلاد علىٰ أُسس متينة والحفاظ علىٰ حياده واستقلالية الشعب دون مراعاة المسميات والمصالح الخاصة، ونأت المرجعية من ربط هدف المؤسسة الدينية (الحوزة العلمية) أو خلطها بأغراض أخرىٰ، وبهذه الموارد والنشاطات والمساهمات المحدودة استطاعت المرجعية وبطريقة فريدة أن تبدد وبنحو مباشر ما كان مرسومًا لهذا البلد، من تهميش وتضييع ومسخ لهويته الوطنية.
بعد هذا البيان الموجز نعود لسائق الأجرة هذا وغيره، لو أجلسته علىٰ بساط الريح – ولكثرة إهماله وخطأ اختياره – لعاد مرارًا وقال: (كله صوج المرجعية) ولو سألته هل أنت مقلد؟
هل دفعت الحق الشرعي؟
هل دافعت عن البلد عندما استوجب الأمر؟
لأجابك دون تردد، أنَّك لا تفهم.
نعم لا نفهم وتركنا الفهم لك، أرشدنا، لقال وما أدراني.
فتعود معه لنقطة الانطلاق.
مشكلة البعض أنَّه متىٰ وفَّرت له راتب شهري استغنىٰ عن الخدمات من تبليط وكهرباء وماء، هو لا يعلم أن ليس دور المرجعية تبليط الشوارع ومع هذا أنشأت المستشفيات والمراكز الصحية ومؤسسات رعاية الأيتام بهذه الحقوق الشرعية، لكنه هل يجرؤ ويسأل الحكومة ما وظيفتها؟
المضحك في الموضوع أنَّ بعض السذَّج ممن لا يفهم ولا يعي ولا يقرأ يزعمون أنَّها أداة بيد الإنكليز وهم يسكنون بلدانهم ومن يتَّهمون يسكن الأزقة ويقاسي ما يقاسيه الشعب فمن العميل منهما؟
وسأترك لك الإجابة عن سؤال مقدَّر وجوابه في حشو الكلام، لماذا يهاجم هذا السائق وغيره هذه المؤسسة؟
الهوامش:
(1) الاحتجاج للشيخ الطبرسي: ص283، ج2.