الامتحان الحقيقي للخطاب الديني

الامتحان الحقيقي للخطاب الديني

مقدمة:

من أهم موارد الامتحان الحقيقي للخطاب الديني، البحث في قضية: الخطاب الديني بين العمق العلمي والاستجابة الاجتماعية – السامع الحقيقي -.

أين الخلل؟ ماهي وظيفة الخطاب؟

قبل الإجابة لابدَّ من بيان وتعريف لمفهوم المسؤولية.

المسؤولية: تعني الهداية دون التضليل، والتأثير دون التزييف، ولها أنواع ثلاثة:

النوع الأول: المسؤولية المعرفية (التضليل والتسطيح).

النوع الثاني: المسؤولية الأخلاقية (الإثارة الرخيصة وتوظيف الدين).

النوع الثالث: المسؤولية الاجتماعية، وتعني: تعزيز الثقة بالدين، وتصحيح المفاهيم، وبناء الوعي، وتحصين المجتمع من الشبهات بتعزيز الإصلاح(1).

الإجابة:

ليست الأزمة في كون الخطاب الديني غير عميق، بل غير مُدرِك لوظيفته. كما في أزمة العقيدة كمثال، وفق ثلاثة ركائز أساسية وهي:

1 – الدين، نجده كمنظومة عقائدية متماسكة.

2 – المجتمع، ونجده حي في استعداده.

3 – الخطاب بكونه الوسيط بين الدين والمجتمع، من العلم إلىٰ الوعي، ومن الفهم إلىٰ الفعل، بمعنىٰ العلم والإحساس والالتزام والهوية.

معيار الخطاب هو الصمود المعرفي والأخلاقي والتاريخي أمام التحديات التالية:

1 – العقل النقدي.

2 – التحولات الاجتماعية.

3 – إشكالات الواقع المعقد.

4 – سوء التوظيف السياسي أو الهوية.

تحديد محل النزاع: الدين بما هو منظومة حق، العلم الديني بما هو جهد بشري، الخطاب الديني بما هو ممارسة اجتماعية ليس مرآة صافية، بل هو ترجمة وكل ترجمة قابلة للخطأ.

ماهية الخطاب الديني:

ليس نقل المعلومات ولا تكرار النصوص، بل هو عملية تحويل معرفي حضوري وجداني فطري عقلائي، من قضايا علمية حصولية إلىٰ معانٍ قابلة للتشكيك في الوعي العام، ويكون المعنىٰ التشكيكي في الوعي العام علىٰ مستويات:

1 – علىٰ مستوىٰ المعلومة بلحاظ وفرتها.

2 – علىٰ مستوىٰ الفهم بلحاظ التفاوت.

3 – علىٰ مستوىٰ الأثر بلحاظ الفقر الشديد.

صور الخلل في الخطاب الديني:

الصورة الأولىٰ: خلط العمق العلمي بالتعقيد، بمعنىٰ غموض الطريق مما يرهق السامع دون أن يبني وعيه.

الصورة الثانية: لا ينقل نتائج الفهم، بل ينقل أدوات البحث، فالأدوات في العقل الأصولي ليست خطاباً جماهيرياً، فلذا يظل نخبوياً معزولاً.

الصورة الثالثة: إلغاء المقام الاجتماعي للنص، والجمود علىٰ النص دون فقه الواقع، عزل الدين عن واقعه أو يُنزل النص قسراً علىٰ واقع مثالي ينتج نفوراً.

الصورة الرابعة: قد يكون الدليل صحيح السند والدلالة، لكن قد يكون الخطأ مقامياً في الاستعمال للدليل.

ويمكن أن يرد سؤال بلحاظ الصورة الرابعة: لماذا تفشل بعض الخطابات، رغم سلامة مادتها؟

الجواب: توجد عدَّة أسباب للفشل:

1 – فقدان الوعي من المتلقي.

2 – غياب البُعد المقاصدي العملي.

3 – تحول الخطاب من البناء إلىٰ الدفاع.

وللخطاب الدفاعي مخاطر تكمن في:

أ – شعور السامع بأنَّ الدين في أزمة.

ب – يفقد رونق الفهم والاتِّزان.

توصيات:

أوَّلاً: ضرورة أن يكون الخطاب الديني معايير لا شعارات، من خلال:

1 – استبدال ماذا نقول، إلىٰ لماذا نقول هذا الآن.

2 – ضبط النبرة، بحيث تكون لا تبريرية ولا هجومية، بل تفسيرية عقلائية.

3 – تحويل القيم إلىٰ أسئلة، وإلَّا تبقىٰ شعارات.

موقع المتكلم المتخصص:

1 – ليس مثقفاً عاماً، ولا خطيباً تعبوياً، بل حامل لمنهج.

2 – إبقاء العمق في الخلفية.

3 – إظهار الثمرة لا الجذر.

موقع السامع الثقافي:

1 – لا يبحث عن حكم شرعي.

2 – لا يبحث عن وعظ.

3 – يبحث عن معنىٰ لوجود ظمأ داخلي، وإلَّا أنسحب بهدوء مع احترام المتكلم.

نتيجة فهم وظيفة الخطاب:

1 – حفظ صلة المجتمع.

2 – فاعلية الدين.

أمثلة لتوضيح ما تقدَّم من حديث:

المثال الأوَّل: خطاب صحيح علمياً، بلا أثر أجماعي (سطحي)، بمعنىٰ صحة الدليل لا تساوي تمامية الوظيفة.

كما لو كانت محاضرة عقدية محكمة في الإمامة أو المعاد أو الغيب، وبأدلة دقيقة، لكن الحضور يخرج دون تحول ذهني.

1 – صحة المادة.

2 – ضبط المنهج.

3 – لكن الخطاب إثباتي، دون التفسير الوجودي.

النتيجة: عدم الأثر والتأثير في تحول ذهن السامع.

المثال الثاني: خطاب حماسي يُنتج تفاعلاً لحظياً، من دون بناء ووعي.

فالأثر قوي، لكنه قصير. بينما يكون الفهم ضعيفاً، الخلل يكون في استبدال الوعي بالانفعال، والتحليل بالتعبئة.

المثال الثالث: نقل الأدوات الحوزوية إلىٰ غير مقامها، لغة تخصصية أمام جمهور ثقافي عام، كما لو تكلَّم في حجية الظهور أو باب التعارض والتراجيح من أدوات استنباط الحكم الشرعي، دون الحديث وفق أدوات بناء الوعي العام.

النتيجة: شعور السامع بأنَّ الدين معقد بطبيعته.

المثال الرابع: خطاب دفاعي بشكل دائم، من كثرة الردود والتفنيد والنقض.

فإنَّ الدفاع المتواصل يوحي بالأزمة ويُربك الثقة قبل أن يُعالج الشبهة.

إذ الدين مفسر للحياة، لكن الخطاب جعله في موقع المتهم، ليس كل سؤال يحتاج إلىٰ جواب، بل بعضها إعادة إطار.

المثال الخامس: غياب السؤال المركزي.

تقديم معلومات بلا ربط بسؤال أساسي واضح.

المثال السادس: التبسيط المخل من حذف القيود، وتغيير المعنىٰ وأبعاده، وتغير الحقيقة.

آفات الخطاب الديني:

1 – آفة التقديس غير المنضبط، من قبيل التقديس لأشخاص، أو لقراءات، أو لسياقات تاريخية، وما شابه.

2 – آفة الشعبوية، من كون الخطاب سهل عاطفي تعبوي سطحي، بالتالي لا يصنع حضارة ولا وعياً.

3 – آفة الخلط بين الدين والهوية الصراعية، يظهر كون الدين وقود نزاع، لا طابع الهداية.

4 – الهروب من الأسئلة، والإكثار من الجمودية والتقليد، إذ لا يكون الصمت في المقام حكمة.

5 – آفة اختزال الدين في طقوس وأحكام جزئية، فينتج فقدان البُعد المعرفي والمنهجي والفكري.

توصيات لإعادة ترميم الخطاب الديني:

لكي يكون الخطاب ينتج وعياً لا انفعالاً، ويبني معايير لا يحرك مشاعر، وينتج فكراً عميقاً لا تكثر بالإجابة، لابد من ملاحظة التوصيات التالية:

1 – إعادة مركزية الوعي، ضبط فبناء فامتثال ففهم.

2 – التفرق المنهجي بين: (الدين والتدين – النص والفهم – المقدس والتاريخي – الثابت والمتغير).

3 – شجاعة المراجعة، فالمراجعة ليست هدماً، بل حفظاً للدين من التأكل.

استعادة البُعد الأخلاقي.

الحمد لله ربِّ العالمين وصلَّىٰ الله علىٰ خير خلقه محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين.

 

 

 

الهوامش:


(1) ذكر النوع الأوَّل والثاني بالنحو السلبي، بينما النوع الثالث بنحو الإيجاب، ومنه يتَّضح تعريف المسؤولية.

Edit Template
Scroll to Top