الحذر من وهم الوصول (المتمرجعين أنموذجاً)

الحذر من وهم الوصول

ظاهرة الوصول إلىٰ المقامات العالية والسامية، لم تكن وليدة الصدفة وإنَّما ظاهرة قديمة قدم زمن الغيبة الكبرىٰ للإمام (عجَّل الله فرجه)، فقد تصدَّىٰ الكثير ممن يدعي العلم والمعارف الإسلامية الشرعية إلىٰ هذه المقامات السامية، والتي تعرف اليوم بمقام المرجعية المبارك وهو من أقدس المناصب الشرعية في الفكر الإمامي.

ومعناها: هي رجوع المسلمين إليها في المسائل الشرعية افتاءً وحكماً وقضاءً(1)، والتي يعبر عنه برجوع الناس في أي شأن من شؤون الحياة، وذلك لكونها ضرورة من ضروريات الحياة برجوع من كان جاهلاً بالأحكام الشرعية إلىٰ من كان عالماً بها، بعد قيام البرهان والدليل علىٰ قدرته في استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها، إمَّا بإجازة كاشفة عن اجتهاده، أو بقول أهل الخبرة والاختصاص، فحذر الوصول إلىٰ هذه المقامات السامية من قبل المتمرجعين في غاية الأهمية.

ومعنىٰ المتمرجعين: وهم كل من ادَّعىٰ العلم والمعارف الشرعية بقدرته علىٰ استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، من دون إقامة الدليل والحجة علىٰ إثبات ذلك، وهو أمر في غاية الخطورة والأهمية في تضليل المسلمين في تقمص منصب شرعي وصفة لم تكن لهم، وإنَّما كانت للمرجعيات الدينية التي ذكرها أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، وأنَّ المشكلة تكمن في الالتباس الناتج من ادِّعاءات غير المؤهلين للمرجعية وتأثير ذلك علىٰ استقرار المجتمع من الناحية الفقهية والعقائدية.

ويدلنا علىٰ ذلك قول الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه):

«وأمَّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلىٰ رواة حديثنا فإنَّهم حجتي عليكم وأنا حجة الله»(2).

فقد تقمَّصوا مقعداً لم يكن لهم نصيبٌ فيه، وهم يعلمون ذلك ولم يكن لهم القدرة علىٰ الإفتاء والحكم والقضاء، والتقمُّص في مقام المرجعية إشارة واضحة إلىٰ لبس قميص ليس لهم، ويدلنا علىٰ ذلك قول أمير المؤمنين (عليه السلام): «أما والله لقد تقمَّصها فلان وإنَّه ليعلم أنَّ محلِّي منها محلّ القطب من الرحىٰ»(3).

بعض عوامل الردع:

العامل الأول: التحذير من الادِّعاء:

من لم يكن أهلاً لهذه الدعوة في نيل الاجتهاد والمرجعية، فكل من ادَّعىٰ أمراً وجب عليه إثباته بالدليل القاطع وإقامة البرهان الناصح.

العامل الثاني: شهادة أهل الخبرة:

فهم قول الفصل بالرد علىٰ كل من ادَّعىٰ ذلك لعلمهم ومعرفتهم وورعهم وعدالتهم، فقولهم مسموع وأمرهم مطاع في تحديد الاجتهاد والمرجعية والأعلمية، لا عبرة بالعدد زيادة أو أقل عن ذلك لأنَّه من دواعي الغرور النفسي، فيتوهم أنَّه بلغ مرتبة علمية رغم تنوع الحضور للطلبة العرب والأجانب.

العامل الثالث: الآثار العلمية:

فعلىٰ كل من تصدَّىٰ للاجتهاد والمرجعية عليه أن يثبت نفسه بعدَّة ثوابت تقويمية من قبيل وجود الآثار الدالة علىٰ التفقُّه والاجتهاد – استنباطاً واستدلالاً – أو عن طريف أبحاثه في درسه الخارج، وهذا يظهر جلياً واضحاً في درس البحث الخارج وفي بعض المؤلفات حيث يتم اقتباس المادة العلمية من عددٍ من المصادر والمراجع لعلمائنا الأقدمين، فلا عبرة باقتباس من آثار الآخرين، ونسبها إلىٰ نفسه ومن جهده واستنباطه، وهذا هو الاقتباس المرفوض في العرف العلمي، لكونه خلافاً للأمانة العلمية.

تتجلىٰ أهمية البحث في ثلاث أبعاد رئيسية:

الأهمية الفقهية:

1 – لبيان دور المرجعيات الدينية في العالم الإسلامي، وما لها من تأثير فعال علىٰ الصعيد الديني والسياسي والاجتماعي، وما لها من أهمية الحفاظ علىٰ الهوية الإسلامية.

2 – بيان زيف وادِّعاء كلّ من تصدَّىٰ للاجتهاد والمرجعية في الأوساط العلمية، وهو ليس أهلاً لها بشهادة أهل الخبرة والاختصاص أو عدم إجازة الفقهاء له، أو من خلال تقييم بحثه الخارج.

الأهمية الاجتماعية: فالمتمرجع ظاهرة دخيلة علىٰ المجتمع، فبها يشق عصىٰ المسلمين ويفرق شملهم، بزيف ادِّعاء كل من لم يملك أدوات العلم والمعارف بالقول: أنا مجتهد وأنا مرجع بتضليل الحقائق عنهم، وهذا ما يوجب انحرافهم عن جادة الحقيقة والصواب باتِّباعهم خطوات الشيطان.

الأهمية الأخلاقية: انحراف المتمرجعين هو انحراف لاتِّباعهم عن المجتمع، فإنَّهم كاذبون بقولهم وفعلهم، كما وأنَّهم غير أمناء في التصدِّي لأمور المسلمين فلا يمكن الاعتماد عليهم، لكونهم فاقدين كل شيء وفاقد الشيء لا يعطيه.

الأهمية العقائدية: أمراً في غاية الخطورة والأهمية، فإنَّ فساد عقيدة المتمرجع يعني فساد عقيدة أتباعه ومقلديه، وذلك لجهلهم بالعقائد الصحيحة الحقة، فيكون تصرفه لا يتوافق مع قواعد وقوانين المؤسسة الدينية من خلال اتِّباع البدع والضلال والهوىٰ الناتج عن الجهل في أمور الدين واتِّباع الظن وعدم اليقين.

سبب كتابة البحث:

الأوَّل: إيضاح وشرح الفقرات العلمية التي تضمنها المقال العلمي في الرد علىٰ المتمرجعين في عدم إثبات دعوىٰ الاجتهاد والمرجعية، ضمن الضوابط الشرعية.

الثاني: بيان الفوارق الحقيقية والمؤهَّلات العلمية بين المرجعيات الحقيقية الذين هم الامتداد الطبيعي لنواب الإمام، وبين المتمرجعين الذين يعيثون في الأرض فساداً.

الثالث: كشف الحقائق عن أعين المجتمع الإسلامي، بكشف وكذب وتزوير ادِّعائهم فهم فتنة في الأرض، لما لهم تأثير فعال في إفساد عقول كل من اتَّبعهم وتأثَّر بهم ووافق علىٰ ما هم عليه من الانحراف الفقهي والعقائدي والأخلاقي، والمبحث متضمِّن خمسة فصول، وكما يلي:

الفصل الأوَّل: التأصيل العلمي والاستعمال الدلالي.

الفصل الثاني: الدوافع والمبررات وانعكاساتها علىٰ المجتمع.

الفصل الثالث: ضابطة الصناعة الفقهية لمفهوم المتمرجع.

الفصل الرابع: المرجعية الدينية الامتداد الطبيعي للإمامة.

الفصل الخامس: إيضاح فقرات الحذر من ادِّعاء الوصول.

الفصل الأوَّل: التأصيل العلمي والاستعمالات الدلالية:

لمفهوم المرجعية الدينية وللمتمرجعين، وبيان استعمالاتها الدلالية، وما تشير إليه هذه المفردة العلمية، والفصل مرتب علىٰ عدَّة أمور، وكما يلي:

الأمر الأوَّل: المرجعية الدينية:

والمرجع لغة: رجع يرجع رجوعاً ورجعاناً ومرجعه، انصرف في التنزيل: ﴿إِنَّ إِلىٰ رَبِّكَ الرُّجْعىٰ﴾ (العلق: 8) أي الرجوع، والمرجع مصدر علىٰ فعلىٰ، وفيه ﴿إِلَىٰ اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً﴾ (المائدة: 48) أي رجوعكم حكاه سيبويه فيما جاء من المصادر التي من فعل يفعل علىٰ مفعل بالكسر(4).

رجع يرجع رجوعاً ومرجعاً كمنزل ومرجعه، تشاذان، لأنَّ المصادر من فعل يفعل إنَّما تكون بالفتح، ورجعىٰ ورجعاناً بضمهما: انصرف، والشيء عن الشيء وإليه رجعاً ومرجعاً كمقعد ومنزل: صرفه ورده كأرجعه وكلامي فيه إفادة والعلف في الدابة: نجع وجاءني رجعىٰ رسالتي كبشرىٰ أي مرجوعها ويؤمن بالرجعة: أي بالرجوع إلىٰ الدنيا بعد الموت(5).

وفي الاصطلاح: هو كل من تصدَّىٰ للإفتاء والحكم والقضاء، ورجعت إليه الناس، في شؤون حياتهم الدينية والعامة، وسمي مرجعاً ويقلد من قبل المسلمين فيسمَّىٰ مقلَّداً بفتح اللام ويشترط فيه الشروط المعروفة من العقل والبلوغ والحياة والذكورة وطهارة المولد، ونحو ذلك(6).

ومعنىٰ المرجعية:

لغة: مشتقة من الجذر، (ر ج ع ) تأكيد أصل كبير مطرد يدل علىٰ العود وتكرار الأمر، تقول رجع رجوعاً إذا عاد، والمرجع الرجوع والمرجع الأصل، والمرجع أسفل الكتف، والمرجع ما يرجع إليه في علم أو أدب أو كتاب(7).

وفي الاصطلاح: مفهوم مشكك يختص بالفكر والفقه الإمامي الشيعي وإليه ترجع الناس في تدبير شؤون حياتهم، ولفظ المرجعية الدينية بنظر فقهائنا منتزع من قول الإمام (عجَّل الله فرجه) في التوقيع الشريف (لفظ ارجعوا)(8): «وأمَّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها»، وهذا الرجوع في طبيعته يحمل في طيَّات تفسيره جانبان، التنظيمي لشؤون الأُمَّة الإسلامية والأخرىٰ العقائدي، فهي الامتداد الحقيقي للإمامة الحقة والتي يكون مقتضاها الامتداد للنبوة(9).

والدينية: صفة أو نعت مؤنث مشتقة من الدين والصفة تكون لاحقة للأسماء التي تتعلَّق بالدين، لذا تكون مرتبطة بها فتتبع الموصوف في التعريف والتنكير، فمن هنا تكون صفة لاحقة للمرجع أو للمرجعية.

فالمرجعية: الشجرة الكبيرة المباركة المثمرة أصلها ثابت وفرعها في السماء، يتكأ المكلف علىٰ ساقها، ويأكل من ثمرها ويستضل بظلها بغية الأمان عن الوقوع في المخالفة، فهم مشروع السماء الإلهي وهم حماة الدين والمرابطون في الثغور(10).

فعلىٰ ضوء ما تقدَّم يكون المراد من مفهوم المرجعية الدينية في نظر وفكر المدرسة الإمامية: هي السلطة العليا التي يرجع إليها أتباع أهل البيت (عليهم السلام) لتنظيم شؤون حياتهم الاجتماعية والفكرية والشرعية، ويكون علىٰ رأس السلم الهرمي المرجع الجامع لشروط الإفتاء والقضاء والحكم، والذي يرجع إليه المسلمين(11).

لذا قال الإمام (عليه السلام): «من كان من شيعتنا عالماً بشريعتنا، وأخرج ضعفاء شيعتنا من ظلمة جهلهم إلىٰ نور العلم الذي حبوناه [به] جاء يوم القيامة وعلىٰ رأسه تاج من نور يضيء لأهل جميع تلك العرصات، و[عليه] حلة لا يقوم لأقل سلك منها الدنيا بحذافيرها»(12).

وقال (عليه السلام): «[علماء] شيعتنا مرابطون في الثغر الذي يلي إبليس وعفاريته، يمنعونهم عن الخروج علىٰ ضعفاء شيعتنا، وعن أن يتسلَّط عليهم إبليس وشيعته النواصب.

ألا فمن انتصب لذلك من شيعتنا كان أفضل ممن جاهد الروم والترك والخزر ألف ألف مرة، لأنَّه يدفع عن أديان محبينا، وذلك يدفع عن أبدانهم»(13).

وقصد الإمام (عليه السلام) المرابطون في الثغور، الثغور الفكرية والثقافية للأُمَّة إذا تعرَّضت لكيد الأعداء ولم يستطع من يدافع ويذود عنها فإنَّها سوف تخسر كذلك عسكرياً وسياسياً.

المورد الثاني: المتمرجعون:

لغة: يرجع إلىٰ الجذر رجع ويعني العودة والارتجاع والرد، وقد يأتي بمعنىٰ الرجوع، اسم مفعول بمعنىٰ الرجوع أعيد سواده، كما يشير الارتجاع إلىٰ طلب الرد والعودة للأمر(14).

كما يفهم من سياق مادة رجع من يطلب المرجعية، أو من يرجع إليه في الأمر أو هو الشخص الذي يعود إليه الناس لطلب الفتوىٰ أو العلم أو الحكم، والمتمرجع يشير إلىٰ اتِّخاذ المرجع أو الرجوع إليه يرتبط بالرأي أو التحكيم، ومتمرجع بكسر الجيم كاسم الفاعل من متمرجع خماسي بمعنىٰ المتردد إلَّا أنَّها ليست صيغة مبالغة، ومتمرجع بفتح الجيم صيغة مبالغة من الرجوع(15).

وقد تكون لفظة المتمرجع عامية دارجة في الأوساط العلمية تطلق علىٰ كل متعلم أو المتظاهر في العلم.

وفي الاصطلاح: لهم عدَّة مسميات من عدَّة تعاريف تنطبق عليهم من قبيل؛ نواب الشيطان، ووعاظ السلاطين، المردة المتطرفون، الفقهاء الرسميون، المتقمصون للباطل، وإلىٰ غير ذلك، وأفضل من عرفهم بهذه المواصفات، وهم لفيف من غوغائي الناس، بين مؤلف فاشل، وصحفي خامل، ورجل دين بلا مسمىٰ، وثرثار مهذار همّه التنظيم في البيان وليِّ اللسان، فهؤلاء المؤلفون من بلي لجم الإسلام وليس لهم ذمة ولا وجدان، غير صادقين في الأحاديث وليسوا موثقين فيما يسطرون، أضاليل وأباطيل لا أوَّل لها ولا آخر، تحركهم الأجهزة العالمية ويدفعهم حب الظهور وتملأ غرائزهم بالمال الحرام والسحت المعلوم باعوا الآخرة واشتروا الدنيا في أعلام مضادة للمسيرة العلمية وقداسة المراجع العظام فهم لا يبرحون يكذبون ولكن لم يصدقهم أحد(16).

المورد الثالث: الاستعمالات الدلالية:

كلمة المرجع لها استعمالات كثيرة وفي شتىٰ المجالات، إلَّا أنَّها أكثر رواجاً عند أهل الاختصاص، فيما يلي:

الاستعمال الأوَّل: في اللغة:

وتستعمل في موردين؛ المرجع والمصدر، وهو الموضوع أو المكان الذي إليه شيء من الأشياء، أو الذي يريد إليه الأمر من الأمور، من قبيل الكتاب حيث يعد مرجعاً ومصدراً للقراءة والاطلاع أو البحث العلمي، وبه يتم الحصول علىٰ المعلومة منه، كأُمَّهات الكتب والموسوعات والقواميس(17).

الاستعمال الثاني: في السياسة:

وغالباً ما يعبر عنه بالسلطة العليا لكل نظام سياسي قائم علىٰ أساس ألعدل والمساواة بين الناس، كالدستور والسلطات الثلاث القضائية والتشريعية والتنفيذية، والتي من خلالها يتم اتِّخاذ القرارات والتوصيات والتشريعات ورسم سياسة الدولة الداخلية والخارجية، وكذا فيما ترجع لها الأحزاب والمؤسسات والهيئات والمنظمات في تنظيم نهج عملها وإبراز برنامجها السياسي(18).

الاستعمال الثالث: في الدين:

نعني به الأساس والمصدر التشريعي المعتمد في استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها، كتاب الله وسُنَّة نبيِّه والعقل والإجماع عند الإمامية والقياس والاستحسانات والمصالح المرسلة وأقوال فقهائهم عند غيرنا(19).

الاستعمال الرابع: في العرف العام:

وهي منظومة أخلاقية متكاملة ترجع إليها الناس كالقبائل والعشائر والأفراد في المجتمع، وهي العادات المتوارثة والتقاليد والأعراف وسيرة العقلاء في المجتمع، وقد تسالم عليها المجتمع في تنظيم العلاقات بين الأفراد وحل المشاكل والخصومات وقضاء الحوائج بعد فقد وغياب الدستور والقانون والسلطة، فتكون المرجعية العرفية حاكمة لحل المشاكل والخصومات وإصلاح ذات البين، وهم الوجهاء والأُمراء والمشايخ ورجالات الدين وغيرهم.

الاستعمال الخامس: في العلوم والمعارف:

والمعبر عنها بمراجع البحوث ومصادرها التي يستعملها الباحث والكتاب والمؤلف وغيرهم، فهم يعتمدون ويرجعون في أبحاثهم عن أُمَّهات المصادر والمراجع والموسوعات والقواميس العلمية والأدبية والتاريخية والسياسية والإسلامية(20).

الاستعمال السادس: في القرآن الكريم:

استعمال القرآن الكريم الفعل (رجع) بأكثر من مئة وأربعة مرة بسياقات مختلفة، كلها تفيد العودة والرجوع إلىٰ الله تعالىٰ، وكذلك في عودة الإنسان المذنب بعد توبته وكذلك في عود المطر من قبيل الاشتقاقات (رجع، رجعوا، يرجعون، ترجعون، ارجع، ارجعوا، يرجع) وكذلك في الأفعال والأسماء من قبيل (مرجعكم، مرجعهم، والرجع، الرجعىٰ)(21).

الفصل الثاني: الدوافع والمبررات وانعكاساتها علىٰ المجتمع:

والفصل مرتب علىٰ موردين لسهولة العرض، وكما يلي:

المورد الأوَّل: الدوافع والمبررات للمتمرجع:

معنىٰ الدوافع والمبررات: وهي الأسباب التي تدفع الإنسان للقيام ببعض السلوكيات النفسية لإشباع حاجاته ورغباته، فتحرك الإنسان وتوجهه للحصول علىٰ أهدافه وغاياته، فمن هنا لابد من معرفة هذه المبررات وإيضاحها ودراستها لمعرفة الأسباب الحقيقية وراء ادِّعاء المتمرجعين لهذه المناصب الإلهية التي نصبها الله ورسوله إلىٰ الفقهاء العدول الجامعين لشروط الإفتاء، وهي من أهم المناصب الإلهية وليست منصباً وضعياً(22)، ومن أهم هذه المبررات والدوافع، ما يلي:

الدافع الأوَّل: الظهور والشهرة:

ويدفعهم حب الظهور وتملأ غرائزهم بالمال الحرام والسحت المعلوم، باعوا الآخرة واشتروا الدنيا في إعلام مضاد للمسيرة العلمية وقداسة المراجع العظام… وهؤلاء الأقزام ممن تزيا بهيئة رجال الدين بين مخبئين بعمامة فارهة ومتطاير يحبه فضفاضة متوفر بحزام عريض ومتحلق بخواتم زبرجد وعقيق… في بريق يخطف الأبصار ليلعب بالعقول البائسة الساذجة(23).

قال الذهبي: (فربما أعجبته نفسه وأحب الظهور فيعاقب… فكم رجل نطق بالحق وأمر بالمعروف، فسلَّط الله من يؤذيه لسوء قصده وحبه للرئاسة الدينية، فهذا داء خفي سار في نفوس الفقهاء…)(24).

الدافع الثاني: تقمص المنصب الإلهي:

بما أنَّ الفقهاء العدول المتصدين لمنصب المرجعية الدينية هم الامتداد الطبيعي لخط الإمامة، لضرورة كونهم نواب الإمام (عجَّل الله فرجه) في زمن الغيبة الكبرىٰ، فأصبح لزاماً علىٰ كل أتباع أئمة أهل البيت (عليهم السلام) الرجوع إليهم لكونهم منصَّبين من عند الإمام (عجَّل الله فرجه) وبنصوص روائية تسالم عليها الفقهاء، فأصبحوا يعرفون بنواب الإمام، وأن نيابتهم حقة لكونهم ممن تتوفر فيهم القدرة والقابلية علىٰ الاستنباط والاستدلال في الفقه والأصول والرجال والحديث والتفسير، لذا أصبح لهم شأناً عظيماً من قبل الإمام (عجَّل الله فرجه) ومن قبل المسلمين حتىٰ عرف بأنَّه من أهم سلسلة المناصب الإلهية بعد النبوة والإمامة، فحسداً وحقداً تبوء مقعداً ليس لهم فيه ناقة ولا جمل، لا علماً ولا معرفةً ولا قدرةً علىٰ الاستنباط أو الاستدلال، فهم ممن ضلوا أنفسهم وأضلوا غيرهم بادِّعائهم المرجعية ابتغاءً للشهرة والجاه ونيل المناصب الإلهية بالكذب والنصب والاحتيال وتسفيه العقول، وقد خالفوا كلام المعصوم (عجَّل الله فرجه) بقوله: «ارجعوا إلىٰ من عرف أحكامنا»، فأين هم من المعرفة لحلال الله وحرامه.

عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «من أفتىٰ الناس بغير علم لعنته ملائكة الأرض وملائكة السماء»(25).

ويدلنا علىٰ تقمُّص المتمرجع منصباً ليس له قول إمامنا (عليه السلام):

«أما والله لقد تقمَّصها فلان وإنَّه ليعلم أنَّ محلِّي منها محلّ القطب من الرحىٰ ينحدر عني السيل»(26).

وهذا هو حال مراجعنا العظام في هذا الزمن قد غصبت حقوقهم الشرعية، وجلس في مجالسهم وتزيَّنوا بزيِّهم، يتصدَّىٰ كلّ من لم يكن أهلاً للإفتاء والقضاء والحكم، لذا عرفوا بنواب الشيطان وفقهاء السلطة ووعاظ السلاطين(27).

قال الإمام الرضا (عليه السلام):

«… وأن لا يجعلوا للشيطان علىٰ أنفسهم سبيلاً وأمرهم بالصدق في الحديث وأداء الأمانة، فإنِّي آليت علىٰ نفسي أنَّه من فعل ذلك وأسخط ولياً من أوليائي، دعوت الله ليعذِّبه في الدنيا أشد العذاب وكان في الآخرة من الخاسرين»(28).

الدافع الثالث: المصالح الشخصية:

والذي يعبَّر عنه بحب الأنا أو الذات من قبيل الجاه والرفعة والسمو في المجتمع والمنافع المعنوية التي تجعل المتمرجع عزيزاً في نفسه مؤثراً في غيره، فتراهم يقدمون مصالحهم ومنافعهم الشخصية علىٰ مصالح ومنافع الآخرين، فتقديم المرجع الحقيقي لمصالح الأُمَّة الإسلامية علىٰ مصالحه الشخصية عند حصول التضاد والتزاحم في غاية الأهمية.

وحب النفس والأنا من الأخلاق المذمومة في مذهب أهل البيت (عليهم السلام) لكونه من أتباع الهوىٰ وهو من حب الدنيا الفانية الزائلة.

ولأنَّ الأُمَّة الإسلامية التي ربَّاها رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) هي الأُسوة، فقد تميَّزت بكرم الخلق وحسن المعاملة والتخلُّص التام من عنصرية الجاهلية والأنانية المفرطة والكبرياء والتعالي(29)، ولقد عاقت الأنانية المجتمع العربي في الجاهلية وجاء الإسلام ليخلصنا منها بالمؤاخاة والإيثار، لنصل إلىٰ مرحلة القوة والاتِّحاد(30).

قال الإمام الصادق (عليه السلام): «حب الدنيا رأس كل خطيئة».

وحب الدنيا اتِّباع الهوىٰ والبحث عن الملذات والنساء وحبّ الرياسة والتصدي للمناصب.

قال رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله): «ألا أنَّ أخوف ما أخاف عليكم خلتان، اتِّباع الهوىٰ وطول الأمل، أمَّا اتِّباع الهوىٰ فيصد عن الحق…»(31).

الدافع الرابع: المنافع – المادية:

وما أعظم ذنب من أكل الناس بعلمه وعمله من دون شيء يقدمه لأتباعه، إلَّا أن يستأكل بالناس أموالهم من الحقوق الشرعية، كالخمس والزكاة والهدايا والعطاء والصدقات، فقد ورد في روايات أهل البيت (عليهم السلام) النهي في هذا الأكل السحت، قال الإمام الصادق (عليه السلام): «كل شيء غلّ من الإمام فهو سحت، وأكل مال اليتيم سحت، والسحت أنواع كثيرة، منها: ما أصيب من أعمال الولاة الظلمة ومنها أجور القضاة وأجور الفواجر»(32).

لأنَّ المتمرجع لا يمكن أن يكون نائباً للإمام بالضوابط الشرعية، وإنَّما يمكن أن يكون نائباً لصاحبه الشيطان فيأكل الأموال بغش الناس وخداعهم وأخذ حقوقهم، ولم يكن يوماً من أتباع مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، فالمتمرجع يعتقد أنَّ وجود الفقهاء العدول وهم المرجعيات الرشيدة، يأخذون الأموال ويكنزونها لهم عن طريق وكلائهم ومعتمديهم، فتراه لاهثاً وراء حطام الدنيا وزخرفها، ولم يكن همّه الدين ونشر علوم محمد وآل محمد (صلَّىٰ الله عليه وآله)، وإنَّما اقتصر همّه وفكره كيف يستأكل بالناس عن طريق تضليلهم وهو تضليل للحقائق، ولذا نكتفي بأقوال الأئمة (عليهم السلام).

عن سليم بن قيس، قال سمعت أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: «قال رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله): منهومان لا يشبعان: منهوم في الدنيا لا يشبع منها، ومنهوم في العلم لا يشبع منه، فمن اقتصر من الدنيا علىٰ ما أحل الله له سلم، ومن تناولها من غير حلِّها هلك، إلَّا أن يتوب أو يراجع، ومن أخذ العلم من أهله وعمل به نجا، ومن أراد به الدنيا فهي حظه»(33).

وعن الصادق (عليه السلام): «إذا أراد أن يستجاب له، فليطيب كسبه، وليخرج من مظالم الناس وأنَّ الله لا يرفع إليه دعاء عبد وفي بطنه حرام أو عنده مظلمة لأحد من خلقه»(34).

وهو قول الله (عزَّ وجلَّ) في قوله: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ﴾ (البقرة: 188).

المروي عن زين العابدين (عليه السلام): «وإيَّاك أن تستأكل بنا فيزيدك الله فقراً»(35).

الاستيكال بهم هو أن يجعلوا إظهار موالاتهم ونشر علومهم وأخبارهم وسيلة لتحصيل الرزق وجلب المنافع فينتج خلاف مطلوبهم ويصير سبباً لفقرهم(36).

المورد الثاني: انعكاسه علىٰ المجتمع:

ويمكن إجمالها بثلاثة أفراد، وكما يلي:

الفرد الأوَّل: في الفقه:

واحد: المتمرجع ظالم: والظالم من ظلم نفسه وظلم الآخرين بظلمه لكونه جائراً مخالفاً للحق وللعدالة بتعديه علىٰ حقوق الآخرين، وما أعظم تعديته بانتحاله الصفة الإلهية التي نصبها المعصوم إلىٰ الفقهاء العدول وهم حماة الدين وسوره الأمين، فقد تجاوز المتمرجع الحدود الشرعية مستبيحاً حق من حقوق الفقهاء العدول وهم نواب الإمام المرجعية الدينية المقدسة، لغرض اتِّباع رغباته ونيل مطالبه وتسفيه عقول الآخرين، بدعائه العلم وهو لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً فيكون مشمولاً بقوله تعالىٰ: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَىٰ الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ (هود: 113).

وهذا نهي صريح لا يحتاج إلىٰ تأويل في الاعتماد علىٰ الظالم والإدهان إليه والميل والتودُّد له والتقرب منه ومعاونته فيما يفعله، وهم الذين وقع منهم الظلم، وقد نهت الآية عن مساندة من وقع منه الظلم(37).

قال الزمخشري: (والنهي متناول الانحطاط في هواهم، والانقطاع إليهم، ومصاحبتهم ومجالستهم وزيارتهم ومداهنتهم والرضا بأعمالهم والتشبُّه بهم والتزيُّن بزيِّهم، ومدّ العين إلىٰ زهرتهم وذكرهم بما فيه تعظيم لهم والتأمُّل في قوله تعالىٰ: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَىٰ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، فإنَّ الركون هو الميل اليسير…)(38).

اثنان: الإفتاء من دون علم:

قال الإمام الصادق (عليه السلام): «ليس أولئك بمستأكلين، إنَّما المستأكل بعلمه: الذي يفتي بغير علم ولا هدىٰ من الله (عزَّ وجلَّ)؛ ليطلب به الحقوق طمعاً في حطام الدنيا»(39).

فالإفتاء من غير علم ولا بيِّنة يعد ضرباً من ضروب الكذب علىٰ الله ورسوله (صلَّىٰ الله عليه وآله)، وهو من كبائر الذنوب وأكبر المفاسد التي تهدم الدين وتذهب بصاحبها إلىٰ الضلال، وذلك لأنَّه يقول علىٰ الله ورسوله بما لم يقل به فهو حرام شرعاً وعقلاً، فيكون بمرتبة الشرك لقوله تعالىٰ: ﴿قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَىٰ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: 33).

قال الإمام الباقر (عليه السلام): «من أفتىٰ الناس بغير علم ولا هدىٰ لعنته ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ولحقه وزر من عمل بفتياه»(40).

الفرد الثاني: في العقائد:

قلنا في ما مضىٰ أنَّ المتمرجع أو المرجعية الفاسدة هو المبتدع في دين الله تعالىٰ أصولاً وفروعاً، وله من الآثار السلبية الشيء الكثير علىٰ أتباعه ومقلديه، بل الأكثر علىٰ الآخرين، وقد لاحظنا في وسائل التواصل الاجتماعي كيف لهذه المرجعيات المزيفة من تأثير فعالاً في محاضراتهم وتوجيهاتهم وأجوبتهم علىٰ المسائل الشرعية وغيرها علىٰ المجتمع ولا سيما في السذج من الناس الجهلة، لذا نرىٰ تأثير بعض المرجعيات الفاسدة من قبيل الصرخي واليماني وغيرهم علىٰ أتباعهم وعلىٰ الحركات المهدوية، فهم يهدمون الدين ويفرقوا شتات المسلمين، همّهم إغواء الناس وتزيُّن الضلال وتنوير الشبهات، وإكثار الإشكالات، وقلب الحقائق ونشر الفتن بين الناس، وخلق النعرات الطائفية بين الفِرَق والمذاهب والأديان، مما يؤدِّي إلىٰ زعزعة الاستقرار الاجتماعي والسياسي، فلا يأمن منه ولا يأتمن به وقد ورد في الروايات أنَّ نواب الإمام هم حفظة الدين وسوره المبين وهم الإدلاء علىٰ الله ورسوله وحصون الإسلام والعين الساهرة للأنام، رواة الحديث العارفين بأحكام الله حرامه وحلاله.

قال الإمام الكاظم (عليه السلام): «إذا مات المؤمن… ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها شيء، لأنَّ المؤمنين الفقهاء حصون الإسلام كحصن سور المدينة لها»(41).

فهم المتصدون للأفكار المنحرفة الضالة ضد الإسلام والمسلمين، لذا قال الإمام حصون الإسلام والمسلمين، في فكرهم وعلمهم ودفاعهم عن الإسلام، بخلاف من كان فاسداً ضالاً منحرفاً يضلون الناس لجهلهم مدعين العلم والمعارف يفتون الناس لا عن علم، فهم المدلسون في الدين ويعرفون بوعاظ السلاطين.

الفرد الثالث: في الأخلاق:

من الانعكاسات المترتبة علىٰ قضية المتمرجعين، هي الانعكاسات الأخلاقية في سلوك وتصرفات المتأثرين بها، حتَّىٰ أصبحت ظاهرة شائعة في المجتمع، وهذا يكون بسبب تأثير المتمرجع سلباً وإيجاباً، والسبب في ذلك من خلال تأثير وسائل التواصل الاجتماعي أو الإعلام المعادي الفاسد الفاقد الشرعية الأخلاقية المهنية، حيث يعتني بنشر الأفكار والأقوال المسومة للمتمرجعين متناسين شرف المهنة وقدسيتها في نقل الحقائق، حتَّىٰ أصبحت الدوافع والأسباب مادية وسياسية وأخرىٰ دينية للترويج لها، وبث الفرقة في صفوف أتباع أهل البيت (عليهم السلام) وتمزيق شملهم وارتكاب الحماقات بالبدع والتحريف وإدخال ما في الدين في الدين، كلّها تكون تحت طائلة الفساد الأخلاقي، وهذا بطبيعة الحال يؤدِّي إلىٰ حصول الهرج والمرج وقد تبتلىٰ بوقوع فوضىٰ عارمة، قد تكون الضحية فيها المؤسسة الدينية وعلىٰ رأسها المرجعية الدينية التي تأمر بالمعروف وتنهىٰ عن المنكر، فمن هنا تكون انعكاسات المتمرجعين علىٰ الجانب الأخلاقي بشكل كبير وفعال، لذا حذر رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) وأئمة أهل البيت (عليهم السلام) في ذلك قال رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله): «يوشكُ أنْ يَأْتِيَ علىٰ الناسِ زمانٌ، لا يَبْقَىٰ منَ الإسلامِ إلَّا اسمُهُ، ولا يبْقَىٰ من القرآنِ إلَّا رسمُهُ، مساجدُهم عامِرَةٌ؛ وهيَ خرابٌ من الهُدَىٰ، علماؤُهم شرُّ مَنْ تحتَ أديمِ السماءِ، من عندِهم تخرجُ الفتنةُ، وفيهم تعودُ»(42).

قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «يُصبِحُ الرَّجُلُ مُؤمِنًا ويُمسي كافرًا يبيعُ فيها أقوامٌ أخَلاقَهم بعَرَضٍ مِن الدُّنيا قليلٍ، المتمسك يومئذ بدينه كالقابض علىٰ الجمر»(43).

وقال (عليه السلام): «يأتي زمان علىٰ أُمَّتي يفتخرون بذنوبهم»(44).

والمتمرجعين تراهم غالباً يتفاخرون بذنوبهم وشاهد الحال أنَّهم ينكرون ظلامة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، ويقللون من أهمية القضية الحسينية، وكذلك يكون نهج عملهم مخالفة الفقهاء العدول والدخول معهم بالخلاف والاختلاف.

أجاب مكتب السيد السيستاني عن استفتاء حول من يدَّعي السفارة والمرجعية وغيرها بالقول:

(… فكم من صاحب هوىٰ مبتدع تلبس بلباس أهل العلم والدين ونسب نفسه إليه، مستغلاً طيبة نفوس الناس وحسن ظنهم بأهل العلم وشدة تعلقهم بأهل البيت (عليهم السلام) وانتظارهم لأمرهم، فاستعمال بذلك فريقاً من الناس وصلة به إلىٰ بعض الغايات الباطلة، ثم انكشف زيف دعواه وقد هلك وأهلك الكثيرين…)(45).

وهذه كلها بسبب سقوطهم الأخلاقي الذي تربوا عليه من خلال الأخذ بأقوال وأفعال من تأثروا به وهم المتمرجعين كما لا ننسىٰ ولا نتغافل عن الدور السلبي الذي يلقيه الإعلام المعادي لخط المرجعية الدينية بدوافع سياسية واجتماعية واقتصادية معززين أقوالهم وأفعالهم بالافتراءات والمبالغات والدس الصريح بغية تشويه لوجه الناصع للمرجعية لزعزعة الثقة بالمرجعية(46).

الفصل الثالث: ضابطة الصناعة الفقهية لمفهوم المتمرجع:

ضابطة الصناعة الفقهية علىٰ مفهوم معين يمكن انطباقه علىٰ مصاديق كثيرة، لاسيما في أبواب الفقه فهو قضية كلية سواء كانت فقهية او غيرها تنطبق علىٰ مصاديقها الخارجية انطباق الكلي علىٰ فروعه أو أجزائه، ومورد بحثنا المبارك من هذا القبيل فيما أنَّ عنوان المتمرجع متقمص لمنصب المرجعية الدينية زوراً وبهتاناً ونصباً واحتيالاً، فالصناعة الفقهية تقتضي إطلاق عدد من المفاهيم والمصاديق الخارجية عليه، وهي مصاديق كثيرة فيمكن إيضاح بعض منها لغرض كشف زيف ادِّعائهم، وكما يلي:

المفهوم الأوَّل: المفسدون في الأرض:

والفساد مصطلح يطلق ويراد به خروج الشيء عن حدِّ الاعتدال وقد عرفه أنَّه يقع قبال الاصطلاح، وكثيراً ما يستعمل في الأنفس والأبدان وغالباً ما يكون في الأرض، وإن ظهر في البحر أيضاً إلَّا أنَّ أشهر مصاديقه في الأرض(47)، والذي يهمنا في الفساد الفوضىٰ التي يمارسها الإنسان العابث في القيم والمبادئ وعدم مراعاة الدين الحنيف، فكل فساد يحدثه الإنسان هو معصية وكفر وظلم للنفس وللآخرين، مما يؤدِّي إلىٰ تفريق الناس عن الدين الحنيف وعدم الإيمان به، وهذا ناتج من الحقد والحسد والكبر والغرور عند المتمرجعين، الفاسدون في الأرض هم ممن أحدثوا تغييراً واستباحوا منصباً وتقمصوا أمراً ليس لهم، هذا عرف الفساد في اللغة: (وأفسد غيره: زين لهم الفساد والضلال حتىٰ فسد)(48).

ولعلَّ أهم أنواع فساد المتمرجعين هو الفساد العقائدي والذي يقصد به فساد المنهج المتبع من قبل المتمرجع الذي يدَّعي الإصلاح والتغيير بما يراه صحيحاً متجاهلاً ما أمرت به السماء في كتاب الله وسُنَّة نبيِّه.

عن بعض أهل العلم:

(ووجدت أنَّ الله سبحانه وتعالىٰ جعل فساد العقيدة أساساً لكلِّ فساد)(49).

لذا صنف البعض المتمرجعين بقوله المرجعيات الفاسدة والبعض الآخر بمرجعيات السلطة(50)، وذلك لفساد عقيدتهم وأخلاقهم فانطباق مفهوم المفسدون في الأرض علىٰ المتمرجعين انطباق حقيقي لما تراه من الظلم الذي لحقه بنفسه بتقمص للشخصية الإلهية وهم النواب العدول الذي نصبهم الإمام (عجَّل الله فرجه)، وظلمٌ للآخرين باتباعه وهم يعلمون أنَّه من الظالمين، ويدلنا علىٰ ذلك قوله تعالىٰ: ﴿وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (النحل: 118).

وهم المخالفين لشرعة والمتعدين لحدوده بأنَّهم ظالمين لأنفسهم(51)، ومن أكثر من المتمرجعين ظلماً وعدواناً لأنفسهم وأتباعهم في الدنيا، فمن فسد عقله باتِّباع الشهوات وصب الدنيا وزخرفها فقد فسد دينه بارتكاب المحاذير والمحرمات فهو مفسد في الأرض فيكون داخلاً تحت طائلة القانون الإلهي لقوله تعالىٰ: ﴿وَإِذا تَوَلَّىٰ سَعىٰ فِي الْأَرضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ﴾ (البقرة: 205).

أي هو أعوج المقال سيء الفعال فذلك قوله وهذا فعله: كلامه كذب واعتقاده فاسد وأفعاله قبيحة(52).

والوجه الثاني في تفسير الفساد: أنَّه كان بعد الانصراف من حضرة النبي (صلَّىٰ الله عليه وآله) يشتغل بإدخال الشبه في قلوب المسلمين وباستخراج الحيل في تقوية الكفر وهذا المعنىٰ يسمىٰ فساداً، وإنَّما سمي هذا المعنىٰ فساداً في الأرض لأنَّه يوقع الاختلاف بين الناس ويفرق كلمتهم ويؤدِّي إلىٰ أن يتبرَّأ بعضهم من بعض فتنقطع الأحكام ويسفك الدماء(53).

فالحمد لله الذي كشف زيف ادِّعاء المتمرجع وكشفت كتب التفاسير صفاتهم بالقول والفعل، والعقل والنقل فهم المفسدون في الأرض بهذه النصوص الشرعية والمواصفات والصفات اللغوية والاصطلاحية.

المفهوم الثاني: المحارب:

قال تعالىٰ: ﴿الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرضِ فَساداً﴾ (المائدة: 33).

من الجرائم المنظمة في العصر الحديث ولاسيما في وقتنا الحاضر جريمة الغزو الثقافي، والذي يعد نوعاً من أنواع الإرهاب فيدخل تحت طائلة الإفساد في الأرض.

والمفسدون في الأرض من أهم مصاديقهم المعادون لله ولرسوله، وكذلك المعادون للدين الحنيف بتحريف أصول الدين وفروعها، وإدخال الشبهات علىٰ العقائد والاعتقاد وإيهام الناس بعدم قدرة المتدينين الرد علىٰ هذه الشبهات، وحل هذه المعضلات والذي يمكن ملاحظته أنَّ المفسدين في الأرض لا يمكن لهم محاربة الله تعالىٰ، وإنَّما تكون هذه المعادات لخلق الله تعالىٰ الذي كرمهم وفضلهم علىٰ العالمين، وشرع لهم القوانين الشرعية في مكافحة المفسدون في الأرض عن طريق رشدهم وتعليمهم وهدايتهم للدين، واتِّباعهم الحق وآية الحرابة تكون مصداقاً لنوع من أنواع الإرهاب الفكري وهم المتمرجعين في المجتمع الإسلامي، وبكل أمانة يمكن أن نطلق عليهم المفسدون في الأرض، لما يبثون من سموم في العقيدة والاعتقاد تحت عناوين واهمة واهية للنيل من الدين الحنيف والعترة الطاهرة ومن الثوابت المقدسة المتمثلة بالمرجعيات الدينية والنيل منها بتضليل الحقائق، وتزييف الأفكار، وبث السموم، وتجميد العقول وتسفيهها عن طريق التآمر الداخلي، فيكون النيل من هذه المؤسسة الدينية هو النيل من مراجعها ومجتهديها وفضلائها وعلمائها، متَّخذين من وسائل التواصل الاجتماعي وبعض ضعاف النفوس والعقول المصدر الرئيسي لبث أفكارهم ومعتقداتهم وانحرافاتهم فهم المصداق الأوفر حظاً في انطباقه علىٰ كونهم محاربون لله ولرسوله والأئمة وللإسلام والمسلمين، لذا فإنَّهم يتبنون أفكاراً منحرفة وعقائد فاسدة، مما يؤدِّي إلىٰ التمسك بالآراء والمعتقدات التي تتَّسم بالانحراف وتمزيق شمل الأُمَّة الإسلامية ومحاربة مصادر الفكر الإسلامي وعلمائها، وظاهرة المتمرجعين اليوم من أهم وأخطر الظواهر العلمية الفكرية، والتي تعتبر دخيلة علىٰ مجتمعنا الحوزوي للفكر الإمامي الشيعي، نعم لم تكن وليدة اليوم والصدفة ولكنها في هذه الأيام أخذت منحىٰ آخر لمحاربة الثوابت الإسلامية والاعتقادات الحقة والمناهج العلمية القائمة منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام هجري، فتراهم يفتون بلا علم ولا دراية وقد نهىٰ الله ورسوله (صلَّىٰ الله عليه وآله) بأنَّ تبيُّن الأحكام الشرعية من دون علم حرام ويعد من كبائر الذنوب لأنَّه يعد كذباً وافتراء علىٰ الله ورسوله لقوله تعالىٰ: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَىٰ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: 33).

كما وأنَّه يعد طاعة للشيطان من القول علىٰ الله من دون علم ويدلنا علىٰ أنَّ المتمرجعين هم الذين يفتون بلا علم ولا دراية ما كان همّهم إلىٰ زخرف هذه الدنيا الزائلة حتىٰ يبتغون المال والجاه والسلطة، فهم المشككين بأموال الإمام لقوله (عليه السلام): «… إنَّما المشاكل بعلمه الذي يفتي بغير علم ولا هدىٰ من الله (عزَّ وجلَّ) ليبطل به الحقوق طمعاً في حطام الدنيا»(54).

وقال (عليه السلام): «… أجرؤكم بالفتيا أجرؤكم علىٰ الله (عزَّ وجلَّ) ولا يعلم المفتي أنَّه هو الذي يدخل بين الله تعالىٰ وبين عباده وهو الحاجز بين الجنة والنار»(55).

فلا يوجد أجرء من المتمرجعين علىٰ الله ورسوله فيكون تحت طائلة المحاربون لله ولرسوله وهم المفسدون في الأرض.

المفهوم الثالث: أهل البدع والضلالة:

تعريفهم: هم كل من خالف كتاب الله الكريم وسُنَّة نبيِّه الأمين، وأحدث في الدين كل بدعة في القول والفعل، فإنَّ كل بدعة ضلالة، فهم أهل الأهواء والأقوال، فقد أحدثوا في الإسلام والدين مثلبة(56)، بعد رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) هم الخوارج والمعتزلة والمرجئة والنواصب وغيرهم، وعندنا كالواقفية والأفطحية وغيرهم، وفي زماننا هذا هم المتمرجعين أهل الضلالة والبدع والأهواء.

قال الشاطبي: (إنَّ لفظ أهل الأهواء وعبارة أهل البدع، إنَّما تطلق حقيقة علىٰ الذين ابتدعوها وقدَّموا فيها شريعة الهوىٰ بالاستنباط ولنصرها والاستدلال علىٰ صحَّتها في زعمهم…)(57).

والمروي عن رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) قال: «إذا رأيتم أهل الريب والبدع من بعدي فأظهروا البراءة منهم، وأكثروا من سبهم، والقول فيهم، والوقيعة، وباهتوهم كيلا يطمعوا في الفساد في الإسلام، ويحذرهم»(58).

قلنا في بداية الفصل: إنَّ ضابطة الصناعة الفقهية تقتضي أن يكون مفهوم المتمرجع وأحد مصاديقه أن يكون من أهل الضلال والبدع والريبة، فهو عنوان تام لانطباق عليه دون أدنىٰ شك لكونه محدث في دين الله وسُنَّة نبيِّه (صلَّىٰ الله عليه وآله)، وقد عرَّفهم الأعظم الأنصاري بقوله: (والمراد منه المشككون الذين يشككون في الدين وإخراج ما في الدين عن الدين… والبدع هو إدخال ما ليس من الدين في الدين وإخراج ما في الدين عن الدين…)(59).

وإلىٰ هذا التعريف مال السيد محسن الأمين بقوله: (والبدعة إدخال ما ليس من الدين في الدين كإباحة محرم أو تحريم مباح أو إيجاب ما ليس بواجب أو ندبه، أو نحو ذلك كانت في القرون الثلاثة أو بعدها، وتخصيصها بما بعد القرون الثلاثة لا وجه له…)(60).

والذي يمكن ملاحظته أنَّ المعنىٰ اللغوي والاصطلاحي منطبق مع تفسير عدداً من آيات القرآن الكريم في مفهوم البدعة، فهي إشارة إلىٰ التغيير في دين الله تعالىٰ، وقد نصَّت عليه العديد من الأحاديث والروايات المباركة.

والمتمرجع يعلم أنَّ ما أدخله في الدين أو الشرع الشريف ليس من الدين، ولكن يفعله بأنَّه أمر به الشارع(61)، حتَّىٰ يضل الآخرين بفعله، فيقال: إنَّ المتمرجع قد أحدث أمراً وفعل، فعلاً يخالف ما جاء به غيره من أقوال وأفعال كإباحة بعض المحرمات وتحريم بعض المباحات، ولهم في ذلك مثالب كما في تطليق النساء ذات الأزواج بصورة غير شرعية واستعمال الأموال بطرق غير المشروعة أو مشاركة التجار برزقهم وعقد الصفقات المشبوهة بأسماء مكاتبهم، أو المضاربة بأموال الإمام (عجَّل الله فرجه) التي تجبىٰ لهم عن طريق وكلائهم، مع مكاتب الصيرفة والشركات، وكذلك الإفتاء من دون علماً ولا بيِّنة في العمل بما يسمَّىٰ بالعملة الرقمية وغيرها، وجباية الأموال واستقطاعها من رواتب الشرطة والحمايات والموظفين والعاملين لديهم، فهم يأكلون المال بالباطل لقوله: (لا يحل مال امرئ مسلم إلَّا بطيب نفسه منه)(62).

الفصل الرابع: المرجعية الدينية الامتداد الطبيعي للإمامة:

لعلَّ من أهم الأسباب التي جعلت القدسية للمرجعيات الدينية، ضرورة كونها الامتداد الطبيعي إلىٰ الإمامة الحقة ونقصد بها إمامة الاثني عشر معصوماً، وكذا أنَّها الامتداد الطبيعي إلىٰ مفهوم النبوة، لذا أصبح علينا بيان هذا الامتداد وفق المعطيات والمباني العقائدية والاعتقادية، ثم أنَّ المرجعية وإن كان لها الموقع التنظيمي ولكنها من ناحية أخرىٰ لها بعد عقائدي وهو أن المرجعية تمثل نيابة وامتداد للإمامة التي هي امتداد للنبوة، وتعبر عن مسؤولياتها، ولذا جاءت هذه المقولة المعروفة وهي أنَّ العلماء العدول امتداد لحركة الأنبياء، لضرورة كونهم ورثة الأنبياء، امتداد لحركة الأنبياء(63).

والفصل مرتَّب علىٰ موردين، وكما يلي:

المورد الأوَّل: إيضاح مفهوم الإمامة:

زعامة ورئاسة عامة في أمور الدنيا والدين، أو قل خلافة رسول الله في الدين، وضرورة من ضروريات الإسلام بالأدلة الشرعية، ونتيجة لذلك وجب اتِّباعها من كافة المسلمين، فلا يتم الإيمان إلَّا لمن اعتقد بها أصلاً من أصول الدين دون فروعها، كما وأنَّها تعد لطف من ألطاف الله تعالىٰ علىٰ المسلمين، وهي استمرار لوظائف النبوة حتَّىٰ يُمكن رجوع المسلمين لها لغرض إرشادهم وتوجيههم إلىٰ طريق الحق وهدايتهم إلىٰ كل فعل خير، وتعليمهم الأحكام الشرعية وغيرها ويدلنا علىٰ ذلك قوله تعالىٰ: ﴿إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ (الرعد: 7).

قال العضد الإيجي: (هي خلافة الرسول في إقامة الدين يجب اتِّباعه علىٰ كافة الأئمة)(64).

وعقيدتنا في الإمامة: أنَّها أصل من أصول الدين الخمسة وليست فرعاً من فروعها(65)، وذلك لعدم كونها بخصوص الزعامة الاجتماعية والسياسية، فتكون فرعاً من فروع الدين الحنيف كبقية الواجبات الأخرىٰ من الصلاة والصوم والخمس والزكاة، وهذا القول هو المنسوب إلىٰ فقهاء المذاهب الإسلامية علىٰ أنَّ الإمامة فرعاً من فروع الإسلام وليست أصلاً من أصولها(66).

ويدلنا علىٰ ذلك قوله تعالىٰ: ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ﴾ (المائدة: 67).

فإنَّ الآية بعد كونها نازلة في الإمامة والولاية عند أواخر حياة الرسول (صلَّىٰ الله عليه وآله) دلَّت علىٰ أنَّها أصل من أصول الدين، إذ الإمامة علىٰ ما تدل عليه الآية المباركة أمر لو لن يكن كان كأن لم يكن شيء من الرسالة والنبوة، فهذه تنادي بأعلىٰ صوت أنَّ الإمامة من الأجزاء الرئيسية الحياتية للرسالة والنبوة فكيف لا تكون من أصول الدين وأساسه(67).

قال السيد الخرازي: (وأيضاً يمكن الاستدلال بقوله تعالىٰ في سورة المائدة التي تكون آخر سورة نزلت علىٰ النبي (صلَّىٰ الله عليه وآله): ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً﴾ (المائدة: 3).

فإنَّ الآية كما نصَّت عليه الروايات نزلت في الإمامة والولاية لعلي (عليه السلام)، ويؤيِّد عدم صلاحية شيء عند نزولها لهذا التأكيد، فالآية جعلت الإمامة مكملة للدين ومتممة للنعمة، فما يكون من مكملات الدين ومتمماته كيف لا يكون من أصول الدين وأساسه)(68).

قالت فاطمة الزهراء (عليها السلام): «وطاعتنا نظام للملة، وإمامتنا أماناً من الفرقة»(69).

ومسك الختام بالتعريف:

قول الشيخ الصدوق: (إنَّ الإمامة خلافة الله (عزَّ وجلَّ) وخلافة الرسول (صلَّىٰ الله عليه وآله) ومقام أمير المؤمنين (عليه السلام) وميراث الحسن والحسين (عليهما السلام)، أنَّ الإمامة زمام الدين ونظام المسلمين وصلاح الدنيا وعز المؤمنين…)(70).

وظيفة الإمامة والإمام:

وظائف الإمامة: هي وظائف النبوة لكونها الامتداد الطبيعي لها باستثناء قضية الوحي التي تكون مختصة بالنبوة، لضرورة كون الإمام خليفة رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) بالنصوص القرآنية، كما وأنَّه يكون معصوماً ومعيناً هذه هي عقيدتنا في الإمام منصباً إلهياً، وليس للآخرين الدخل فيه.

وأهم وظائفه:

الوظيفة الأولىٰ: حفظ الدين:

من الانحراف والتحريف والبدع والأهواء والضلال، وصيانته حمايته، لذا تقع هذه المسؤولية علىٰ عاتق الإمام دون غيره، وهي أهم هذه الوظائف لا سيما بعد انحراف الأُمَّة عن طريق الحق واغتصاب حق من حقوق الآخرين، ويدلنا علىٰ ذلك حرق بعضهم أكثر من خمسمائة من الأحاديث النبوية الشريفة لطمس الدين والقضاء علىٰ آثار النبوة(71).

الوظيفة الثانية: المحافظة علىٰ التراث:

والإرث الإسلامي، الذي خلفه رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) إلىٰ الأُمَّة الإسلامية، كتاب الله الكريم، وسُنَّة نبيِّه الصادق الأمين، من الانحراف والتزوير، فيكون الإمام حافظاً للقرآن ومفسره وحامياً للسُنَّة الشريفة وموضِّحها ومبيِّنها، لذا قيل: إنَّ الإمام هو المرجع الأعلىٰ علىٰ حفظ التراث من الضياع أو الدس والتزوير، قال تعالىٰ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ (الحجر: 9).

الوظيفة الثالثة: إيضاح الأحكام:

الشرعية وغيرها من العبادات والمعاملات وكل ما يتعلَّق بشؤون المسلمين في حياتهم ومماتهم فهو المرجعية العليا وصمام الأمان وموضح الأحكام وحجة الله علىٰ خلقه، ولا يقتصر الأمر علىٰ الأحكام الشرعية، بل هو القيادة العليا في الشؤون السياسية والاجتماعية، كما كان لرسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله)، فمن هنا المسؤول الأوحد علىٰ إدارة شؤون المسلمين، فتراه مطبقاً للأحكام والحدود، مقيم العدل أمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، حامياً وحارساً للثغور، فهو القدوة الحسنة والأُسوة.

فلسفة وجود الإمام: يرىٰ جل فقهاء الإمامية والعلماء، فلسفة وجود منصب الإمامة والإمام هو لقيادة الدولة الإسلامية من الناحية السياسية والاجتماعية، وتطبيق حدود الله وشرعه، والحفاظ علىٰ الإرث الإسلامي كتاب الله وسُنَّة نبيه (صلَّىٰ الله عليه وآله) وحماية الدين، وإرشاد المسلمين وهدايتهم بنشر التعاليم وإيضاحها وتبيانها، وهذا لا يكون إلَّا بوجود إمام معصوم منصب من قبل الله تعالىٰ(72).

المورد الثاني: الامتداد الطبيعي للإمامة:

المرجعية الدينية في زمن غيبة إمامنا وقائدنا ومنقذنا صاحب العصر والزمان (عجَّل الله فرجه) فيكون الامتداد الوظيفي الطبيعي لإدارة شؤون الإسلام والمسلمين، في بيان مسائل الحلال والحرام فيكون المراد من الامتداد لا بمعنىٰ الامتداد لمقام الإمامة والعصمة المنصوص عليها، وإنَّما يكون الامتداد لكونه نائباً معيناً عن الإمام (عجَّل الله فرجه) بنصوص الروايات المباركة، فهو المبين للأحكام في الإفتاء والقضاء والحكم وتطبيق الأحكام وإقامة الحدود وغيرها، فيكون لها أبعاد تنظيمية وعقائدية وقيادية في إدارة شؤون الأُمَّة الإسلامية(73)، فلا يمكن أن يفهم من المرجعية إلَّا مفهوم من رجوع الناس لها في شؤون دينهم ودنياهم، فلا إمامة ولا عصمة وإنَّما نيابة عنه (عجَّل الله فرجه).

وجه امتداد المرجعية إلىٰ الإمامة:

الوجه الأوَّل: الوظيفة:

من خلال مفهوم النيابة العامة التي منحها الإمام (عجَّل الله فرجه) في قيادة الأُمَّة ورعاية شؤونها والنظر في مصالحا وتطبيق أحكامها وفصل خطابها وإقامة الحدود وحماية الثغور، فما كان للإمام المعصوم من الوظائف كان لنوابه العدول المنصبِّين لقوله (عجَّل الله فرجه) حيث قال الإمام العسكري (عليه السلام): «فأمَّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلِّدوه»(74).

وعن الإمام (عجَّل الله فرجه): «وأمَّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلىٰ رواة حديثنا، فإنَّهم حجَّتي عليكم وأنا حجة الله عليهم»(75).

نعم اختلفت هذه النيابة بحسب مباني الفقهاء العدول مطلقة فيكون مال للمعصوم من الوظائف للمرجعية(76)، ومنهم من يرىٰ نيابة الفقهاء العدول مقيدة في الإفتاء والقضاء والحكم وأمور الحسبة(77)، قال الشيخ الأعظم الأنصاري: (وعلىٰ كل تقدير فقد ظهر مما ذكرنا أنَّ ما دلَّت عليه هذه الأدلة هو ثبوت الولاية للفقيه في الأمور التي يكون مشروعية إيجادها في الخارج مفروغاً عنه، بحيث لو فرض عدم الفقيه كان علىٰ الناس القيام بها كفاية).

الوجه الثاني: ورثة الأنبياء:

وننطلق في إيضاح هذا الوجه من قول رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله): «العلماء ورثة الأنبياء»(78).

والمقصود العلماء يرثون العلم والمعارف الحقة، فمن العلماء من أخذ حقِّه واستحقاقه فقد فاز بحظ وافر، ومن تخلف فلا حظَّ له في العلم.

قال السيد الخوئي: (فالرواية ناظرة أنَّ شأن الأنبياء ليس أن يجمعوا درهماً ولا ديناراً وليس همّهم وحرصهم إلىٰ ذلك جمع الأموال، بل حرصهم أن يتركوا الأحاديث – العلم – وحرصوا (عليهم السلام) بذلك… ولكن ورثوا الأحاديث ومن أخذ منها فإنَّما أخذ بحظٍّ وافر…)(79).

ولم يكن الأنبياء ورثوا العلم والأحاديث وحده، بل الأكثر من ذلك أنَّهم ورثوا الزهد والتقوىٰ وسائر الكمالات(80)، وهو ميراث علمي معنوي تبليغي رسالي لتعليم المسلمين أصول دينهم وفروعه.

الوجه الثالث: حفظة الدين:

قال تعالىٰ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ (الحجر: 9).

وحفظ الدين من حفظ القرآن الكريم، ولكن الأهم من ذلك أن يحفظ في عقولهم علماً وفي قلوبهم ورعاً، ويترجم في أعمالهم مسلكاً ومنهاجاً فلا يمكن من حفظ هذا الدين إلَّا من قبل العلماء الذين يعتبرونهم الفقهاء هم الذين دلَّت عليهم جملة من النصوص الروائية من قبيل:

(العلماء أمناء الرسل والفقهاء حصون الإسلام)(81).

فلولا وجود العلماء – المرجعيات – نواب الإمام (عجَّل الله فرجه) لانمحىٰ الإسلام فأولئك هم خبراء الإسلام ولقد صانوا الإسلام حتَّىٰ الآن ويجب أن يبقوا ليبقىٰ الإسلام مصوناً(82).

قال السيد الخميني: (أولئك العلماء هم مظهر الإسلام، إنَّهم مبيِّنوا القرآن أنهم مظهر النبي الأكرم)(83).

ويكفيهم محاربة البدع والفتن والتصدِّي للأفكار المنحرفة الهدامة كمدعي السفارة والمهدوية والمتمرجعين، علماء السوء والمنكر المتسلطين علىٰ رقاب الآخرين المتصرفين بالنصوص علىٰ أهوائهم وغاياتهم بتحريف النصوص وتأويلها من دون علم.

الوجه الرابع: إيضاح الأحكام:

ذكر الشيخ الصغير عبارة لطيفة في مقام المرجعية السامي وقد عبر عنها بـ(المرجع الرسالي)(84).

وهي إشارة واضحة إلىٰ أنَّ العلماء الفقهاء ومراجع الدين مبلغين وموضحين ما جاءت به رسالة الإسلام السمحاء من الأحكام الشرعية في العبادات والمعاملات والقضاء والأحكام وغيرها، لذا أصبحوا رجالات الدين هم المبلغين لأحكام الله تعالىٰ بدأ من الرسالة المحمدية حتَّىٰ ظهور قائمنا وإمامنا، والمرجع من رجعه الله رياسة المسلمين ورجعت إليه الناس لأخذ معالم دينهم، فهم كالنجوم يهتدىٰ بهم يرشدون الناس لدين الحق هم الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.

لذا قال الإمام (عليه السلام): «لأنَّ المؤمنين الفقهاء حصون الإسلام كحصن سور المدينة لها»(85).

لضرورة كونهم المدافعين عن أصول الدين وفروعها وعن العقيدة، وهذا الحديث يكشف عن ذلك فهم المكلفون بإيضاح الشرع وأحكامه لكونهم خلفاء الإمام علىٰ ما قاله علي (عليه السلام) عن رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله): «اللَّهم ارحم خلفائي»، فسئل: يا رسول الله ومن خلفاؤك؟ قال: «الذين يأتون من بعدي يروون حديثي وسُنَّتي يعلمونها الناس من بعدي»(86).

قال الإمام الحسين (عليه السلام): «مجاري الأمور والأحكام علىٰ أيدي العلماء»(87).

الوجه الخامس: المحافظة علىٰ التراث:

ونقصد بالتراث الإسلامي المصدرين الأساسيين في التشريع الإسلامي، وهما كتاب الله العزيز والسُنَّة النبوية المطهرة، ولم نقف عند هذين الإرثين، بل هنالك الروايات المروية عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، والحفاظ علىٰ الموسوعات الفقهية والتفسيرية والحديثية والعقائدية والعقدية والتاريخية، فإنَّها إرثاً إسلامياً وجب الاحتفاظ بها والمحافظة عليها، وهناك من الإرث العلمي الشيء الكثير كالمخطوطات النادرة لنهج البلاغة وللصحيفة السجادية، والحفاظ علىٰ هذا الإرث الإسلامي من قبيل العلماء يعد نوعاً من أنواع الجهاد النظري الذي لا يضاهيه جهاداً غيره لما لهذه المواريث من أهمية في نفوس المسلمين كافة، ومكتبة السيد المرعشي النجفي في قم المقدسة بين يديك حيث جمع فيها من التراث المحمدي أكثر من واحد وثلاثون ألفاً من المخطوطات حتَّىٰ عدَّت اليوم من النفائس العلمية(88).

الوجه السادس: الامتداد العقائدي:

أمَّا انقياد الشعب لهذه المرجعية فليس شأناً جديداً، وإنَّما هو موروث عقائدي لا يجد عنه منهج أهل البيت بديلاً… فالمبدأ العام قائم علىٰ قيادة الأئمة الاثني عشر هم النواب الأربعة السفراء عن الحجة (عجَّل الله فرجه)، ثم العلماء الذين يحللون حلال محمد ويحرمون حرام محمد (صلَّىٰ الله عليه وآله) وهم مراجع الأُمَّة ونواب الأئمة… وإرجاع الأئمة إلىٰ العلماء في مثل هذا الحديث الشريف إنَّما هو تأسيس لمبدأ المرجعية، فرجع الناس إليهم لا عن كلالة، وإنَّما هو تراث أصيل(89)، ثم إنَّ المرجعية وإن كان لها الموقع التنظيمي ولكنها من ناحية أخرىٰ لها بعد عقائدي وهو أنَّ المرجعية تمثل نيابة للإمامة التي هي امتداد للنبوة(90).

الفصل الخامس: إيضاح فقرات الحذر التام من ادِّعاء الوصول:

وهذا الفصل مبني علىٰ موردين لسهولة عرض الفصل، وكما يلي:

المورد الأوَّل: إيضاح فقرات البيان:

قال السيد محمد رضا (دام ظله): (الحذر التام من ادِّعاء الوصول إلىٰ المراتب السامية، ولاسيما الاجتهاد والفقاهة من دون توفر شواهد وافية علىٰ ذلك بشهادة أهل الخبرة من المتَّصفين بالورع والدقة في شهادتهم، التي تكون بطبيعة الحال مستندة إلىٰ الاطِّلاع علىٰ الآثار العلمية للشخص، كالكتب الاستدلالية والمقالات العلمية والدروس العالية ونحوها، مما هو من إنتاج فكرة وجهده لا مقتبساً من أفكار وكتابات الآخرين، وبذلك يعرف أنَّه لا ينبغي أن يغتر المرء بحضور عدد ولو غير قليل من الطلاب مجلس درس، وإن كان منهم بعض الأذكياء فيتوهَّم أنَّه بلغ رتبة عالية من العلم)(91)، ويمكن إيضاح قول الفقيه بعدَّة فقرات، وكما يلي:

الفقرة الأولىٰ: حذر الوصول من المقامات السامية:

والحذر: كلمة تطلق ويراد بها الإنذار والتحذير من أمرٍ سوف يقع، فلابدَّ من الالتفات إليه وتجنبه، وهي مجموعة بيانات أو إرشادات أو توجيهات أو توصيات من أهل العلم والمعارف، أو من قبل أهل الاختصاص لتجنُّب الوقوع في التهلكة أو المعصية، فلابدَّ من الالتزام بها والاستعداد والتهيؤ لها خشية المفاجأة من موارد التحذير(92)، لقوله تعالىٰ: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ (النساء: 102)، أي راقبوا العدو كي لا يستغفلكم والحذر ما يتَّقىٰ به من عدو(93)، والحذر من الأعداء الحريصين غاية الحرص علىٰ الإيقاع بالمسلمين والميل عليهم وعلىٰ أمتعتهم(94)، فما هو المراد من قول السيد الفقيه بهذا التحذير؟ الذي يفهم من التحذير في هذه الفقرة عدَّة أمور، وكما يلي:

الأوَّل: الادِّعاء:

والمراد من الادِّعاء هو الأخبار والأعلام من قبل المدَّعي علىٰ حق له عند الآخرين، إلَّا أنَّها تحتاج إلىٰ إثبات ذلك في إقامة الدليل والبرهان علىٰ مدَّعاه(95)، فمن هنا لابد أن نفهم التحذير علىٰ دعوىٰ المدَّعي للمتمرجع بإقامة الحجة والبرهان والدليل علىٰ إثبات اجتهاده فضلاً عن مرجعيته بقول أهل الخبرة والاختصاص بالإجازة الكاشفة عن ذلك، إلَّا أنَّهم لا يستطيعون إثبات ذلك وما دون ذلك خرط القتاد، إثبات الدعوىٰ علىٰ المدَّعي من خلال البيِّنة(96)، البيِّنة تقوم بالشهود إذا كانوا عدولاً، والعدول من كان معروفاً بالدين والورع عن محارم الله (عزَّ وجلَّ)، ولا تقبل شهادة الفاسق ولا ذي الضغن المتهم ولا الظنين(97).

فأين المتمرجع من شهادة شاهدين عدلين، فإن كانوا أنفسهم فسقة متَّهمين، فشهودهم مثلهم، فلا تقبل شهادتهم وإن توفَّروا.

الثاني: المقامات السامية:

من أقدس وأشرف مقامات الأسماء والمسمَّيات في الفكر الإمامي بعد مقام أسماء الله وصفاته هي مقام النبوة المتشرفة بنبوة محمد بن عبد الله (صلَّىٰ الله عليه وآله)، ومن بعدها في القداسة مقام الإمامة المتشرفة بإمامة أئمة أهل الحق (عليهم السلام)، وتأتي تباعاً مقام المرجعية السامي والذي يتشرَّف بوجود المرجعيات الدينية وهم نواب الإمام (عجَّل الله فرجه)، الذين ترجع إليهم عوام الناس لضرورة كونهم الامتداد الطبيعي للإمامة والنبوة(98)، وهذا مما لا خلاف فيه في ثقافة وفكر أتباع أهل البيت (عليهم السلام) وما يخص بحثنا المبارك والذي يتناغم مع قول السيد الفقيه بالمراتب السامية، فيمكن أن نبحثها بعدد من المقامات السامية لإيضاح بعض فقرات التحذير، وكما يلي:

المقام السامي الأوَّل: الاجتهاد:

لغة: علىٰ وزن افتعال مأخوذ من الجهد بضم الجيم وفتحها بمعنىٰ الطاقة، والجهد بالضم لغة أهل الحجاز بالفتح لغيرهم، وهو مصدر من جهد في الأمر جهداً، واجتهد في الأمر بذل وسعه وطاقته في طلبه ليبلغ مجهوده ويصل إلىٰ نهايته، الجهد هو الطاقة والجهد هو المشقة(99).

وفي الاصطلاح: الاجتهاد ملكه يقتدر بها علىٰ استنباط الأحكام الشرعية عن أدلتها التفصيلية بالفعل، فمن كان له ملكه الاجتهاد وقد استنبط مقداراً معتنىٰ به من الأحكام بحيث يصدق عليه أنَّه العارف بالحلال والحرام عن مقتضىٰ الأدلة، فهو مجتهد يجوز له الفتوىٰ والحكم بين الناس(100).

وأكثر التعاريف عند أصولي الإمامية هو القدرة الفعلية علىٰ استنباط الأحكام والوظائف الشرعية من أدلتها المعتبرة(101)، فكل من كان قادراً علىٰ الاستنباط الأحكام كان له حق الإفتاء والقضاء ولحكم في جميع المسائل الشرعية، وهو ما نصَّت عليه الكثير من الروايات الشريفة من قبيل:

رواية أبي خديجة الظاهرة في الحكم والقضاء المروية عن إمامنا الصادق (عليه السلام): «اجعلوا بينكم حكماً رجلاً عرف حلالنا وحرامنا فإنِّي قد جعلته عليكم قاضياً»(102).

والتوقيع الشريف من الناحية المقدسة: «أمَّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلىٰ رواة حديثنا فإنَّهم حجَّتي عليكم وأنا حجَّة الله»(103).

فمن هنا تكمن قدسية المجتهد العالم بحلال الله وحرامه الذي نصبه الله ورسوله (صلَّىٰ الله عليه وآله) علىٰ لسان المعصوم (عجَّل الله فرجه)، حتَّىٰ أصبح حجة علىٰ المكلفين بدوام الرجوع إليه والأخذ منه، لأنَّه عارف بالأحكام الشرعية، حتَّىٰ ورد المدح بهم لضرورة كونهم خلفاء المعصوم بقوله: «اللَّهم ارحم خلفائي» ثلاثاً، قيل: يا رسول الله ومن خلفاؤك؟ قال: «الذين يأتون بعدي يروون حديثي وسُنَّتي»(104).

فقدسية منصب الاجتهاد تأتي من قدسية الأحاديث والروايات الدالة عليهم، فهم الخلفاء من بعده والأدلاء عليه، وحملة علمه وحصون الأُمَّة وحملة التكاليف الإلهية، ويدلنا علىٰ ذلك قول بعض المحققين: (فالاجتهاد أهم موضوع في سلسلة التاريخ في الفقه الإسلامي من زمن الحضور إلىٰ زمن عصر الغيبة وإلىٰ زماننا هذا، وحملة العلم الاجتهادي في الفقه الإسلامي، هم حملة التكاليف الإلهي للبشر إلىٰ أقطار العالم، وقد نفروا وانتشروا ما تحملوا من العلوم والمعارف شتَّىٰ فنون الدين والفقه الإسلامي حسب اجتهادهم ودراساتهم في المدارس الإلهية العلمية وقابليتهم العقلية والاستعدادية)(105).

المقام السامي الثاني: المرجعية الدينية:

والمرجعية مشتقة من الجذر (رجع) وهو يدل علىٰ العود وتكرار الأمر وهو ما يرجع إليه في علم أو أدب أو كتاب(106).

قال الشيخ المظفر: (وعقيدتنا في المجتهد الجامع للشرائط: إنَّه نائب للإمام (عليه السلام) في حال غيبته، وهو الحاكم والرئيس المطلق، وله ما للإمام في الفضل في القضايا والحكومة بين الناس، والراد عليه راد علىٰ الإمام، والراد علىٰ الإمام راد علىٰ الله تعالىٰ، وهو علىٰ حدِّ الشرك بالله، كما جاء في الحديث عن صادق آل البيت (عليهم السلام)(107)، لقد أمرنا إمامنا المهدي (عجَّل الله فرجه) في غيبته الرجوع إلىٰ الفقهاء العدول لكونهم حجته علىٰ شيعته وهو حجة الله علىٰ خلقه ولا يجوز الرجوع لغيرهم من المتمرجعين فاقدي شروط الإفتاء والقضاء والحكم ويدلنا علىٰ ذلك قوله (عليه السلام): «أمَّا ما سألت عنه أرشدك الله وثبتك… وأمَّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلىٰ رواة حديثنا»(108).

والفقهاء العدول هم المراجع الدين أو ما يعرفون بنواب الإمام في غيبته، لم تكن وظيفتهم الإفتاء والحكم والقضاء وإنَّما لهم الولاية العامة، بل الأمر الأكثر من ذلك، كفصل الخصومات وإقامة الحدود والتعزيرات، وكل ما يتعلَّق بشؤون حياتهم العامة والخاصة، فمن هنا أصبح تقليدهم واجباً شرعياً، وذلك لحاجة الناس إلىٰ من يرجعون إليه بحسب الضوابط الشرعية في معرفة الأحكام من العبادات والمعاملات، وفي مفهوم المرجعية الدينية في الفقه الإمامي اتِّجاهان في تحديد نوع المرجعية من قبيل، ما يلي:

الأوَّل: أنَّ المرجعية الدينية خبيرة بالأحكام الشرعية فلها حق الإفتاء والقضاء والحكم والأمور الحسبية فقط، والتي تعرف في ولاية الفقيه المقيدة والذي قال بها جل علمائنا المعاصرين كالسيد الخوئي والشيخ التبريزي والسيد السيستاني وغيرهم(109).

الثاني: أنَّ المرجعية الدينية هي السلطة الدينية العليا التي يكون من حقها الإفتاء والقضاء والحكم والحسبة، ولها حق السياسة والقيادة، فتكون ولايتهم عامة مطلقة كما هو رأي السيد الخميني والسيد الخامنئي(110)، في مبتنياتهم الفقهية في الحكومة الإسلامية.

قدسية المرجعية: يرىٰ جل فقهاء الإمامية أنَّ المرجعية الدينية هي الامتداد الطبيعي(111) للإمامة والنبوة، فمن هنا تكون قدسيتها لارتباطها الروحي والوظيفي بأئمة آل البيت (عليهم السلام) لأنَّهم يأخذون علومهم من المصادر الشرعية وهم أُمناء الدين والحجة علىٰ العالمين، وتقديس المعصوم من تقديس آثاره، ومن آثاره العظيمة هي المرجعية الدينية صمام الأمان لكلِّ عصر ومصر، وكذلك لكون فقهائنا وعلمائنا من وقع عليهم وظيفة الحفاظ علىٰ الشريعة الغراء من التحريف والتزوير والتضليل، فهم كالنجوم يحتذىٰ بهم في الليلة الظلماء ويستنير بنورهم، ومن بين أسباب الاهتمام بالمرجعية كونهم الأتقياء والأُمناء الأوصياء حماة الدين السائرين علىٰ نهج أئمة الحق بهم نهتدي وبأقوالهم وأفعالهم نقتدي.

الفقرة الثانية: الطرق العلمية لإثبات الاجتهاد والفقاهة:

وقد تطرَّق سماحة السيد (أعزَّه الله) إلىٰ ثلاثة من الطرق العلمية علىٰ إثبات الاجتهاد والفقاهة ضمن الضوابط الشرعية حيث يمكن الاستفادة من بعض فقرات المقال، وكما يلي:

الطريق الأوَّل: شهادة أهل الخبرة:

قال السيد السيستاني: (ويثبت الاجتهاد والأعلمية أيضاً بالعلم وبالاطمئنان بالشرط المتقدم، وبشهادة عادلين من أهل الخبرة، بل يثبت بشهادة من يثق به من أهل الخبرة وإن كان واحداً، ولكن يعتبر في شهادة أهل الخبرة أن لا يعارضها شهادة مثلها بالخلاف)(112).

قال السيد الخوئي: (ويثبت اجتهاده وأعلميته أيضاً بالعلم وبالشياع المفيد للاطمئنان وبالبيِّنة وبخبر الثقة في وجه، ويعتبر في البيِّنة وفي خبر الثقة هنا أن يكون المخبر من أهل الخبرة)(113).

وهذا هو الرد المناسب علىٰ مدَّعي التمرجع في إثبات الاجتهاد والمرجعية، فأين هم من هذه السياقات العلمية المتَّبعة في الأوساط العلمية؟

– فلا إقرار لهم من قبيل أهل الخبرة.

– ولا من البيِّنة في شهادة شاهدين عدلين.

– وليس لهم نصيباً من الشياع، فالشياع علىٰ خلاف مدَّعاهم.

الطريق الثاني: الآثار العلمية:

فيكون المراد من الآثار العلمية التي تثبت استنباط واستدلال مدَّعي الاجتهاد والمرجعية، من خلال الكتب والمؤلفات والدروس والمقالات العلمية التي ألَّفها وألقاها علىٰ مسامع الطلبة، مما يعد نتاجاً فكرياً علمياً علىٰ الاجتهاد والمرجعية، وهذا يحتاج إلىٰ بيان رأي من قبل المختصين من أهل الخبرة لتقيم وضعه العلمي من الناحية الاستدلالية الاستنباطية، فكل من ادَّعىٰ الاجتهاد والمرجعية عليه إثبات ذلك؛ من خلال نتاجه العلمي وقدرته وقابليته في استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة التفصيلية.

الطريق الثالث: التدريس (البحث الخارج):

العرف الحوزوي يقتضي كلّ من ادَّعىٰ الاجتهاد والمرجعية لابدَّ أن يكون مباحثاً لدرس الخارج في الفقه والأصول، علىٰ ما هو متَّبع في المؤسسة العلمية، فلا يمكن أن يكون مباحثاً للخارج ما لم يكن مجتهداً، فالدرس الخارج أمارة وعلامة علىٰ قدرة المجتهد والمرجع علىٰ أهليَّته للتدريس، فأراد الأستاذ بيان عدم قدرة المدَّعي للاجتهاد علىٰ الاستنباط والاستدلال فقهاً وأصولاً، والذي يمكن ملاحظته أن درس البحث الخارج هو أعلىٰ مرحلة علمية في الأوساط العلمية، وبه تتم إيضاح المطالب العالية ومناقشتها والإشكال عليها وإقامة الدليل والبرهان علىٰ الأقوال والآراء المقابلة للأقوال الأخرىٰ، حتَّىٰ يتمكَّن المرجع من بيان قوله وقدرته علىٰ إقامة الدليل والبرهان علىٰ مدَّعاه.

الفقرة الثالثة: عدم اقتباس آراء الآخرين:

وهو المستفاد من قول السيد الأستاذ، أن كان للمتمرجع قدرة وقابلية علىٰ الاستنباط والاستدلال، فلابدَّ أن يكون من نتاجه الفكري وقابليته العلمية وقدرته العالية وإمكانياته الكبيرة علىٰ شرح المطالب العالية وإيضاحها، إلَّا أنَّ الحال خلاف ذلك فهو غير قادر علىٰ الاستدلال والاستنباط في المطالب العالية، فيكون أغلب أقواله وآرائه مقتبسة ومسروقة من العلماء الذين يدونون أبحاثهم علىٰ شكل تقريرات وكل من المتمرجعين ومدَّعين الاجتهاد أصبحوا وبشكل علني متطفلين علىٰ آراء الفقهاء وأقوالهم، فمن هنا حذَّر الأستاذ بهذه التحذيرات التي يراها علامة فارقة للنيل من المتمرجعين ومدَّعين الاجتهاد وإن كان طلاب بحثه أو درسه بأعداد كثيرة أو أقل من ذلك ولعدد من طلبة العلوم الأجانب، فهذا لا يعني أنَّه قد بلغ مرتبة العلم والاجتهاد هذا الذي يفهم من كلمات السيد الأستاذ.

ويقصدون بالاقتباس، هو أن ينقل الكلام من المصادر والمراجع العلمية، أمَّا نصاً باقتباس الكلام حرفياً دون زيادة أو نقيصة، أو عن طريق سلخ المعنىٰ من الألفاظ بطريقة إعادة صياغتها مرة أخرىٰ، بطريقة أكثر حرفية.

المورد الثاني: أهمية المقال وغاياته:

في ختام البحث المبارك لابدَّ أن ننوِّه عن أهمية هذا البحث في كيفية التصدِّي من قبل أهل العلم إلىٰ هذه الظاهرة الخطرة، والتي من شأنها أن تجد الويلات علىٰ المسلمين عامة وعلىٰ التشيع خاصة، وذلك للأبعاد والنتائج التي تتعلَّق بها، من قبيل البعد الفقهي، وظاهره الإفتاء بلا علم، والحكم بلا معرفة، والقضاء بما لم ينزل الله به من سلطان، ومن الأبعاد الأخرىٰ الانحطاط الأخلاقي الذي يرافق المتمرجع من الكذب والنفاق والغيبة وجرح الآخرين تحت عناوين ومسميات رجالية (الجرح والتعديل) وهي حقائق واهنة هدفها تضليل الحقائق وتسقيط المرجعيات وتشويه سمعة المرجعيات والمؤسسة الدينية بكلِّ مسمَّياتها، ومن أبعادها إدخال الشبهات والإشكالات العقائدية والاعتقادية علىٰ الله ورسوله والرسالة والوحي، وكذا الحال علىٰ الإمام والإمامة، وهذا يجرنا بهذه الإشكالات حتَّىٰ يصل الدور إلىٰ مقام المرجعية الدينية ونواب الإمام، سوف أقف علىٰ أعتاب أهمية المقال الذي أدلىٰ به الأستاذ والغاية لإيضاح بعض الحقائق بشكل إجمالي، بما يلي:

الأوَّل: أهمية المقال:

الأهمية الأولىٰ: التحذير:

تحذير المجتمع الإسلامي وإنذارهم بالعواقب الوخيمة المترتبة علىٰ قبول ما يسمَّىٰ بالمتمرجع شكلاً ومضموناً في الأوساط العلمية، لأنَّها ظاهرة خطيرة الهدف منها النيل من المؤسسة الحوزوية ومراجعها العظام وهم نواب الإمام بالكذب والبهتان والأضاليل وتزييف الحقائق.

الأهمية الثانية: كشف ادِّعاء المتمرجعين:

ببيان علمهم ومعرفتهم بالمنهج العلمي المتبع في تحديد عناوين الاجتهاد والمرجعية ضمن الضوابط العلمية المعهودة والمعروفة، من شهادة أهل الخبرة والاختصاص، أو من الشياع الناشئ في الأوساط العلمية، أو بالإجازة الكاشفة من المراجع علىٰ اجتهاده ومرجعيته، وهذا بدوره يؤدي إلىٰ كشف كذب وادِّعاء المتمرجع علىٰ ذلك.

الأهمية الثالثة: الرد علىٰ المتمرجعين:

بأسلوب علمي وأخلاقي قائم علىٰ أساس إقامة الحجة والبرهان علىٰ انحراف أفكارهم الفقهية والعقائدية والعقدية، بإضلال المسلمين وحرفهم عن جادة الصواب بإدخال الشبهات والإشكالات لبيان ضعف أهل العلم بعدم الرد علىٰ انحراف عقولهم وزندقة أفكارهم المسمومة الهدامة التي تعمل علىٰ زعزعة الإيمان في قلوب المسلمين الموالين لأئمة أهل الحق بانحراف عقائدهم واعتقادهم، وقد انبرىٰ عدد من الفقهاء للرد علىٰ هذه الظاهرة، وعلىٰ رأسهم السيد الأستاذ، وكذلك خطباء المنبر الحسيني في محاربة هذه الظاهرة الشيطانية.

الأهمية الرابعة: بيان النتائج:

المترتبة علىٰ ادِّعاء المتمرجع وهي كثيرة من قبيل هدم الدين بزعزعة أفكار المسلمين السذج بإدخال الشبهات والأفكار المنحرفة عقدياً وعقائدياً، زرع الانحراف الفكري من خلال الطعن بالمؤسسة الدينية المتمثلة بمقام المرجعية السامية، بإظهار عدم قدرتها بالرد علىٰ الشبهات الفقهية والعقائدية بتشويش وتشويه الحقائق باتِّباع أساليب الكذب والافتراء.

الأهمية الخامسة: معالجة الظاهرة:

وقد تبنَّته المرجعية الدينية الرشيدة وباقي المرجعيات للتصدِّي لهذه الظاهرة الانحرافية بمعالجة الظواهر السلبية الدخيلة علىٰ المؤسسة الدينية كالحركات المهدوية والصرخية وأصحاب القضية والمتمرجعين عبر نشر الوعي الفكري بين المسلمين بإقامة الندوات والمؤتمرات العلمية والمحاضرات الإرشادية والتوعوية من خلال منابر الجمعة ومنابر الخدمة الحسينية وعبر وسائل التواصل الاجتماعي أو عن طريق الوكلاء والمعتمدين، والتي من شأنها الحد من انتشار هذه الظاهرة وكشف زيف الادِّعاء بإرجاع المغرر بهم إلىٰ جادة الصواب واتِّباع الحق، وتحصين الفكر الشيعي لعموم المسلمين باتِّباع المرجعيات الصالحة العاملة في المجتمع، واقتفاء أثرهم الفكري والعلمي والأخلاقي لضرورة كونهم الأدلاء علىٰ الله ورسوله والأئمة (عليهم السلام) وهم حصون الإسلام وأمناء الرحمن، كما وأنَّ المرجعيات الدينية واجهت هذه الظاهرة عن طريق الرد علىٰ أسئلة واستفسارات المقلدين، بإصدار الفتاوىٰ والبيانات بالإضافة إلىٰ الإرشاد والتوجيه الديني في كل محفل من محافل المسلمين.

الثاني: الغاية من المقال:

واحد: الوقوف علىٰ الأسباب الحقيقية والدوافع التي جعلت من المتمرجعين أن تتصدَّىٰ وتتبوأ وتتقمص منصباً شرعياً إلهياً، ليس لها فيه من الحق شيء بنص القرآن الكريم وسُنَّة نبيِّه (صلَّىٰ الله عليه وآله).

اثنان: الوقوف علىٰ هذه الظاهرة الخطيرة في المؤسسة العلمية، وبيان أبعادها المستقبلية علىٰ أرض الواقع، وكذلك معرفة الجهات التي تقف خلفها.

ثلاثة: كشف ادِّعاء كل من يحاول العبث بمقدار الإسلام والمسلمين، بنشر الأفكار الهدامة الضالة وتمزيق صف الأُمَّة الإسلامية ومحاربة قادتها الشرعيين، وهم الفقهاء العدول.

أربعة: الالتفاف حول المرجعية الصالحة ومعرفة دورها وما تؤدِّيه علىٰ أرض الواقع، ويصح أن نطلق مصطلح مرجعية ميدان، تأخذ بيدها الكريمتين المسلمين إلىٰ بر الأمان، في محاربة الإرهاب الفكري وهم المفسدون في الأرض، بزعزعة الأمن والاستقرار الاجتماعي بتمزيق الصف الإسلامي وشق عصا المسلمين باتِّباع وإشباع رغباتهم المادية والمعنوية.

النتائج:

ويمكن إجمالها بما يلي:

الأولىٰ: المرجعية شجرة مباركة:

مثمرة أصلها ثابت من الإمامة والنبوة وفرعها علماء الدين، خلفاء الإمام ونوابه يستضل بها كل مكلف من أتباع أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، بغية الأمان عن الوقوع في المحذور والمخالفة الشرعية، فهي مشروع السماء الإلهي، وهم حماة الدين وحصون الإسلام.

الثانية: مفهوم منتزع:

المرجعية الدينية مفهوم في الفكر والفقه الإمامي الشيعي الاثني عشري، وإليه ترجع الناس في تدبير شؤون حياتهم، وهو مفهوم منتزع من قول الإمام (عجَّل الله فرجه) في التوقيع الشريف (لفظ ارجعوا): «وأمَّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها»، وهذا الرجوع في طبيعته يحمل جنبتان: الأولىٰ تنظيم شؤون الأُمَّة والآخر عقائدي لضرورة كونها الامتداد الطبيعي للإمامة والنبوة.

الثالثة: المتمرجعين:

فئة باغية ضالة خارجة علىٰ الإمام (عجَّل الله فرجه) بتنصيب نفسها بمنصب لم ينصبها فيها أحداً، فهم غصبة لحق خلافة الإمام (عليه السلام)، بتقمصهم منصب ذات قدسية وذات أبعاد ولائية، وهم نواب الإمام (عليه السلام)، والمتمرجع هو كل من ادَّعىٰ الاجتهاد والمرجعية من دون الضوابط الشرعية الحوزوية المتعارف عليها في هذه المؤسسة.

الرابعة: ضابطة الصناعة:

الفقهية تقتضي أنَّ كل من تقمص منصب المرجعية زوراً وبهتاناً ونصباً واحتيالاً، فيمكن إطلاق لفظ المفسدون في الأرض عليهم، لانطباقه عليه وكذلك إطلاق لفظ المحارب عليه، لكونهم رادون علىٰ الإمام وعلىٰ رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله)، وذلك لكونهم منحرفين للدين فروعاً وأصولاً، وكذلك فإنَّهم أهل البدع والضلالة بكونهم مخالفين لكتاب الله وسُنَّة نبيِّه، فهم المبتدعين في دين الله كل بدعة في القول والفعل، وكل بدعة ضلالة وهي من وساوس الشيطان.

الخامسة: ما يفهم من كلام الفقيه:

حذر الوصول إلىٰ المقامات السامية من قبيل الاجتهاد والمرجعية، والتصدِّي من دون وجود الضوابط الشرعية، كقول أهل الخبرة والاختصاص وشهادتهم، فالحذر من كل هؤلاء المتمرجعين، بالتوجيهات والتوصيات والإرشادات، وفضح ادِّعائهم وكشف زيفهم وتضليلهم الحقيقية، بإثبات عدم قدرتهم علىٰ الاستنباط والاستدلال علىٰ ما هو معروف في الأوساط الحوزوية، وبيان حقيقة اقتباسهم وتطفلهم علىٰ جهود الفقهاء بسرقة جهودهم الشرعية.

السادس: أهمية وغاية المبحث:

الحذر وكشف الادِّعاء والرد العلمي علىٰ كل المتمرجعين بالطرق العلمية المتَّبعة في الأوساط الحوزوية وبيان النتائج المرجوة من هذا التحذير، فلابدَّ من معالجة هذه الظاهرة والتعرُّض لها، والغاية من المبحث الوقوف علىٰ الأسباب الحقة والدوافع التي جعلت المتمرجعين التصدي لهذه الظاهرة، والوقوف عليها بشكل جدِّي.

 

 

 

الهوامش:


(1) انظر: منهاج الصالحين، صادق الروحاني، 118.

(2) انظر: الاحتجاج، الطبرسي، 2 / 283.

(3) انظر: مهج البلاغة، الشريف الرضي، 2 / 18، الخطبة الشقشقية.

(4) انظر: لسان العرب، ابن منظور، 6/ 108.

(5) انظر: القاموس المحيط، الفيروز آبادي،3 / 28.

(6) انظر: العروة الوثقىٰ، اليزدي، 1 / 10. انظر: شيخ المرجعية المعاصرة الإمام السيستاني، ص15، انظر: المرجعية الدينية باقر الحكيم، ص222. انظر: حوزات النجف الأشرف، هادي الحكيم، ص176.

(7) انظر: معجم مقاييس اللغة، ابن فار. انظر: المعجم الوسيط، مجموعة باحثين، مادة رجع.

(8) انظر: وسائل الشيعة، الحر العاملي، 27 / 140.

(9) انظر: المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف، الصغير، ص9. انظر: المرجعية الدينية، باقر الحكيم، ص22. انظر: حوزات النجف الأشرف، هادي الحكيم، ص176. انظر: الإمام السيستاني شيخ المرجعية، بحر العلوم، ص15.

(10) انظر: دور المرجعية، رزاق الغراوي، ص40-50. انظر: المرجعية الدينية مشروع السماء، ضياء الخباز، ص11.

(11) انظر: آفاق حضارية للنظرية السياسية، بحر العلوم، ص90. انظر: المرجعية الدينية، نجوىٰ صالح، ص47.

(12) انظر: الاحتجاج، الطبرسي، 1 / 17. انظر: الفصول المهمة في أصول الأئمة، 1 / 603.

(13) المصدران نفسهما.

(14) انظر: لسان العرب، ابن منظور، 6 / 108.

(15) انظر: نت الموقع عرب كت، معنىٰ مرجع. https:// www. Arabdict.com. انظر: الموقع مقال، الشيخ أحمد طعمة، المتمرجعين، https://wwwmangaa.com

(16) المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف، محمد حسين الصغير، ص97 – 101.

(17) انظر: منهاج البحث العلمي، مجموعة باحثين، 1 / 25. انظر: البحث العلمي مناهجه، الدليمي، ص18. انظر: البحث العلمي – أُسسه، العليان، ص25.

(18) انظر: الحكومة الإسلامية، الخميني، ص86. انظر: الحكومة الإسلامية، كاظم المحمداوي، ص67.

(19) انظر: أصول الفقه، المظفر، 1 – 2/ 41 – 97. انظر: الفقه الإسلامي وأدلته، وهبة الزحيلي، 10 / 6137.

(20) شبكة النت/ الموقع مبتعث، المراجع في البحث العلمي. https://www mobi3atn com

(21) شبكة النت/ الموقع المعاني، الآيات التي وردت فيها كلمة مرجعهم ومشتقاتها. https://wwwalmaany com

(22) انظر: مشروع السماء في زمن الغيبة، الخباز، ص127.

(23) انظر: المرجعية الدينية العليا، محمد حسين الصغير، ص99-102.

(24) سيرة أعلام النبلاء، الذهبي، 7 / 393.

(25) وسائل الشيعة، الحر العاملي، 27 / 29.

(26) نهج البلاغة، الخطبة الثالثة، الشقشقية، 1 / 30.

(27) انظر: حوزة النجف، هادي الحكيم، ص179. انظر: المرجعية الدينية، الصغير، 95-103.

(28) الاختصاص، المفيد، ص 247.

(29) بتصرف: السيرة النبوية والدعوة، غلوش، ص197.

(30) بتصرف: المفصل في التاريخ، جواد علي، 1 / 283.

(31) الكافي، الكليني، 8 / 58.

(32) وسائل الشيعة، الحر العاملي، 17 / 94. انظر: بحار الأنوار، المجلسي، 74 / 54.

(33) وسائل الشيعة، الحر العاملي، 17 / 94. انظر: بحار الأنوار، المجلسي، 74 / 54.

(34) الخصال، الصدوق، ص224.

(35) انظر: مستدرك سفينة البحار، النمازي، 1 / 163.

(36) سفينة البحار، النمازي، 1 / 163.

(37) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة، 7 / 3764.

(38) الكشاف، الزمخشري، 3 / 199.

(39) انظر: معاني الأخبار، الصدوق، ص103. انظر: مشكاة الأنوار، الطبرسي، 1 / 127.

(40) الكافي، الكليني، 1 / 38.

(41) الاحتجاج، الطبرسي، 1 /8.

(42) شعب الإيمان، البيهقي، 3 / 317.

(43) انظر: الأمالي، المفيد ص484. انظر: مكارم الأخلاق، الطبرسي، ص45.

(44) المصدر نفسه.

(45) الموقع الرسمي لمكتب المرجع السيستاني، مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه). https://wwwsitaniorg

(46) بتصرف: المرجعية الدينية، الصغير، ص107.

(47) انظر مفردات الراغب ص636، انظر الفساد والمفسدون، العلواني ص5، انظر: المفسدون في الأرض س ناجي ص5.

(48) مفردات الراغب الأصفهاني ص636.

(49) المفسدون في الأرض، العلواني ص21.

(50) انظر المرجعية الدينية محمد حسين الصغير، ص97-103.

(51) انظر: التفسير الكبير، 20 / 106. انظر: تفسير البغوي، 5 / 3.

(52) تفسير ابن كثير 1 / 216.

(53) تفسير الفخر الرازي 5/ 171.

(54) انظر معاني الأخبار، الصدوق، انظر بحار الأنوار 2/ 117.

(55) انظر بحار الأنوار 2/ 120.

(56) انظر أصول الحكم علىٰ المبتدع، أحمد عبد العزيز 1/ 56، انظر كشف الارتياب، محسن الأمين ص143.

(57) الاعتصام، الشاطبي، 1/ 213.

(58) انظر بحار الأنوار، المجلسي، 74/ 202 .

(59) كتاب المكاسب، الأعظم الأنصاري، 4/ 50.

(60) كشف الارتياب، محسن الأمين ص143.

(61) انظر: الفوائد، الاشتياني: ص80.

(62) انظر: وسائل الشيعة، الحر العاملي، 29/ 24، انظر القواعد الفقهية، مكارم الشيرازي 2/ 327.

(63) انظر: المرجعية الدينية، محمد باقر الحكيم، ص22.

(64) المواقف، العضد الإيجي، ص395.

(65) انظر: امامت ورهبري، مرتضىٰ مطهري، ص50. انظر: دلائل الصدق، المظفر، 2 / 40-42.

(66) انظر: الملل والنحل، الشهرستاني، 1 / 33. انظر: شرح المقاصد، التفتزاني، 5 / 232.

(67) انظر: الإمامية من أصول الدين، محسن الخرازي، 25 / 15. انظر: دلائل الصدق، المظفر، 2 / 40.

(68) الإمامة من أصول الدين، الخرازي، 2 / 15-19.

(69) انظر: بلاغات النساء، الشريف الرضي، ص33. انظر: دلائل الإمامة، الصدوق، 109.

(70) الأمالي، الصدوق، 1 / 775.

(71) انظر: طبقات الكبرىٰ، ابن سعد، 1 / 157. انظر: تاريخ دمشق، ابن عساكر، 2 / 603. انظر: النص والاجتهاد، شرف الدين الموسوي، 1 / 142.

(72) انظر: الالهيات، السبحاني، ص4 / 10-12. انظر: نهج البلاغة، الخطبة 252. انظر: المغني، القاضي عبد الجبار، 1 / 39.

(73) انظر: المرجعية الدينية، محمد باقر الحكيم، ص22.

(74) انظر: وسائل الشيعة، الحر العاملي، 27 / 131. انظر: الاحتجاج، الطبرسي، 2 / 263.

(75) انظر: كمال الدين وإتمام النعمة، الصدوق، ص485.

(76) انظر: الحكومة الإسلامية، الخميني، ص75. انظر/ الحكومة الإسلامية، كاظم المحمداوي، ص67. انظر: نظرية الحكم في الإسلام، محسن الأراكي، ص42.

(77) انظر: ولاية الفقيه عند الشيخ الأنصاري والخوئي، هادي معرفت، العدد 17 ص8 – 10.

(78) انظر: الكافي، الكليني، 1 / 34. انظر: بصائر الدرجات، الصفار، 1 / 10.

(79) مصباح الفقاهة، الخوئي، 3 / 288.

(80) بتصرف: الاجتهاد والتقليد، الخميني، ص33.

(81) انظر: ميزان الحكمة، الري شهري، ص403.

(82) انظر: قوانين الأصول، القمي، ص92.

(83) صحيفة النور، الخميني، 4 / 93.

(84) المرجعية الدينية، الصغير، ص2.

(85) انظر: الكافي، الكليني، 1 / 38.

(86) المصدر نفسه.

(87) تحف العقول، القاضي، ص169.

(88) انظر: الموقع بقية الله، جهاد العلماء في حفظ التراث. https://www baaiatollah net

(89) انظر: المرجعية الدينية العليا، الصغير، 96.

(90) انظر: المرجعية الدينية، محمد باقر الحكيم، ص22.

(91) توجيهات السيد محمد رضا السيستاني – بشأن المتمرجعين.

(92) انظر لسان العرب، ابن منظور، 4/ 65.

(93) انظر تفسير البغوي 2/ 280.

(94) انظر تفسير السعدي 1/ 198.

(95) انظر الفقه الإسلامي، الزحيلي، 8/ 5981، انظر: تكملة المنهاج، الخوئي، 10 / 124.

(96) مباني تكملة المنهاج، الخوئي 10/ 124.

(97) المقنعة، المفيد، ص 124.

(98) انظر: المرجعية الدينية، الصغير، 96. انظر: المرجعية الدينية، محمد باقر الحكيم، ص22.

(99) انظر لسان العرب، 3/ 122، انظر المصباح المنير، الفيومي 1/ 112، انظر القاموس المحيط، الفيروز آبادي، ص351.

(100) انظر الاجتهاد والتقليد، ضياء الدين النجفي: ص25.

(101) انظر معالم الأصول: ص327، انظر كفاية الأصول: ص463، انظر الفوائد الحائرية، ص505.

(102) وسائل الشيعة، الحر العاملي، 27 ص 139. انظر: مرآة العقول، المجلسي.

(103) المصدر نفسه 27/ 140. انظر: الكافي، الكليني، 2 / 76.

(104) المصدر نفسه، 27/ 139.

(105) الاجتهاد والتقليد، المحقق ضياء الدين النجفي، ص15/ 16.

(106) انظر معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، 1 / 2 – 3.

(107) عقائد الإمامية، المظفر، ص46.

(108) وسائل الشيعة، الحر العاملي، 27 / 262.

(109) انظر كتاب الاجتهاد والتقليد ص419. انظر الخونساري، منية الطالب، 2/ 232.

(110) انظر الاجتهاد والتقليد، الخميني، ص53، انظر أجوبة الاستفتاءات، الخميني، 15/ 92.

(111) انظر المرجعية الدينية، الصغير، ص9. انظر المرجعية الدينية، باقر الحكيم، ص22.

(112) منهاج الصالحين، السيد السيستاني، 1/ 10.

(113) منهاج الصالحين، السيد الخوئي، 1/ 11.

Edit Template
Scroll to Top