مقدمة:
لقد أفرزت لنا واقعة الطف شخصية تميزت بالجمال المحمدي والشجاعة العلوية والإباء الحسيني بحيث نظمت فيه قصائد عديدة في مدحه وذكر صفاته وأنَّه أشبه الناس بالنبي الأكرم (صلَّىٰ الله عليه وآله).
وتراه في خلق وطيب خلائق * * * وبلغ نطق كالنبي محمدِ
جمع الصفات الغر وهي ترثه * * * من كل غطريف وسهم أصيدِ
وقال آخر:
لم تر عينٌ نظرت مثله * * * من متحف يمشي ومن ناعل
إلىٰ غيرها من القصائد التي قيلت في مدح علي الأكبر الذي شابه جدّه رسول الله (صلىٰ الله عليه وآله) بجميع صفاته مع أنَّ أغلب أهل البيت كانوا يشبهونه، لكن ببعض الصفات لا جميعها.
لذا سأتعرض لهذه الشخصية العظيمة بشيء من الإيجاز من خلال ما يلي:
النقطة الأولىٰ: التعريف بشخصيته.
النقطة الثانية: ما هي صفات علي الأكبر؟
النقطة الثالثة: وما قيل في حقه؟
النقطة الأولىٰ: التعريف بشخصيته:
هو علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ولد في الحادي عشر من شعبان سنة ثلاث وثلاثين للهجرة، حيث كان عمره يوم الطف سبع وعشرون سنة، لقِّب بالأكبر ويكنىٰ بأبي الحسن، وقد ذكر المؤرخون علىٰ أنَّه أكبر من الإمام زين العابدين، وهذا باعتراف من الإمام (عليه السلام) في المحاورة التي جرت بينه وبين عبيد الله بن زياد (لعنه الله) حين قال له ابن زياد: أليس قتل الله علياً؟ فقال الإمام: «كان لي أخ أكبر منِّي يسمَّىٰ علياً فقتلتموه»، فقال ابن زياد: بل الله قتله، قال الإمام: «الله يتوفىٰ الأنفس حين موتها»(1).
لكن ذهب بعض علماء الإمامية بأنَّه أصغر من الإمام زين العابدين (عليه السلام)، وهذا ليس بثابت علىٰ قول(2).
وأمَّا والدة علي الأكبر:
فهي ليلىٰ بنت أبي مرة بن عروة بن مسعود الثقفي، وأُمّها ميمونة بنت أبي سفيان، وقد اختلف المؤرخون في وجودها في كربلاء:
يقول الشيخ عباس القمي: (لم أظفر بشيء يدل علىٰ مجيء ليلىٰ إلىٰ كربلاء)(3).
ويقول العلامة مرتضىٰ المطهري: (هناك نموذج آخر للتحريف في وقائع عاشوراء وهو القصة التي أصبحت معروفة جداً في القراءات الحسينية والمآتم وهي قضية ليلىٰ أُم علي الأكبر، هذه القضية لا يوجد في الحقيقة دليل تاريخي واحد يؤكد وقوعها، نعم فأُم علي الأكبر موجودة في التاريخ واسمها ليلىٰ بالفعل، ولكن ليس هناك مؤرخ واحد يشير إلىٰ حضورها لمعركة كربلاء، ومع ذلك فما أكثر المآتم التي تقرأ لنا قصة احتضان ليلىٰ لابنها علي الأكبر في ساحة الوغىٰ والمشهد العاطفي والخيالي المؤلم)(4).
ولكن يخالف هذا الرأي بعضٌ، حيث يعتقدون بأنَّ عدم ذكر التاريخ ليلىٰ ﻻ يدل علىٰ نفي حضورها(5).
زواجه وأولاده:
ذكرت الروايات أنَّه كان متزوجاً وله أولاد، واستدلوا علىٰ ذلك بما ورد:
أولاً: في الزيارة المروية عن أبي حمزة الثمالي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنَّه قال له «ضع خدك علىٰ القبر وقل صلَّىٰ الله عليك يا أبا الحسن»(6).
لم تكن زوجته معروفة علىٰ وجه التحديد إلَّا أنَّ بعض الروايات تشير إلىٰ وجود زوجة له لكنها لا تذكر لها اسم.
وثانياً: ورد في الزيارة عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنَّه قال في زيارته: «صلىٰ الله عليك وعلىٰ عترتك وأهل بيتك وآبائك وأبنائك»(7).
وهذا يدلّ علىٰ أنَّ له زوجة حتّىٰ صار له أبناء وعترة(8).
النقطة الثانية: صفات علي الأكبر:
اتَّصف علي الأكبر بعدَّة صفات كان قد اتَّصف بها جدّه رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله)، فقد كان جده حاملاً للصفات الحميدة متحلياً بالملكات الفاضلة، فقال (صلَّىٰ الله عليه وآله): «إنَّما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، وهنا نحن نريد أن نذكر بعض تلك الصفات لتكون لنا درساً في تهذيب نفوسنا:
الصفة الأولىٰ: الحلم:
فكان علي كجدة النبي الأكرم (صلَّىٰ الله عليه وآله) حيث كان عند تعرضه للأذىٰ يتَّصف بالحلم والصبر ولين الجانب يعرف عند المقدرة وقد قال: «اللَّهم اهدِ قومي فإنَّهم لا يعلمون»(9).
وفي يوم الفتح لما تمكَّن من قريش، جمعهم وقال: «ما تظنون إنِّي فاعل بكم»؟ قالوا: (خيراً، أخٍ كريم وابن أخ كريم)، ومنها: أنَّ هذا القول قاله النبي (صلَّىٰ الله عليه وآله) في يوم فتح مكة(10).
وعلي الأكبر هو ربيب ذلك البيت الطاهر، فحقيق عليه أن يتَّصف بهذه الصفات.
الصفة الثانية: التواضع:
فقد كان رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) أكثر الناس تواضعاً فإنَّه إذا دخل إلىٰ مكان يجلس من حيث يدخل ويجلس علىٰ الأرض ويأكل عليها، ويقول: «إنَّما أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس…»(11)، هكذا كان علي الأكبر في تواضعه يجسد جده رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام) وعمه الحسن في حلمه وتواضعه.
الصفة الثالثة: الكرم:
فقد ذكر أمير المؤمنين علي (عليه السلام) أنَّه كان النبي (صلَّىٰ الله عليه وآله) أجود الناس كفاً وأكرمهم عشيرة وأصدقهم لهجة، وأوفاهم ذمة، وألينهم عريكة، من رآه هابه، ومن خالطه بدون معرفة أحبه، وما سئل عن شيء إلَّا أعطاه, فقد أعطىٰ رجلاً غنماً سد ما بين جبلين وأعطىٰ سفانة بنت حاتم الطائي ما لم يعطه لأحد، واستأذنت رسول الله (صلىٰ الله عليه وآله) بالدعاء له فأذن لها، فقالت: (أصاب الله ببرك مواقعه، ولا جعل الله لك إلىٰ لئيم حاجة، ولا سلب نعمة عن كريم قوم إلَّا جعلك سبباً في ردها)(12).
وقد كان علي الأكبر (عليه السلام) يعرف بالكرم والجود، وقد مدح أبو الفرج الأصفهاني بقوله:
لم ترىٰ عين نظرت مثله * * * من متحف يمشي ومن ناعلِ
يغلي بنيئ اللحم حتّىٰ إذا * * * أنضج لم يغلق علىٰ الآكلِ
كان إذا شربت له ناره * * * أوردها بالشرف القابلِ
كيما يراها بائس مرملٌ * * * أو فرد حي ليس بالآهلِ(13)
الصفة الرابعة: الشجاعة:
فقد كان جده رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) أشد الناس بأساً وأمضاهم عزيمة حتّىٰ قَالَ أميرُ المؤمنينَ (عليه السلام) يَصِفُ شَجَاعَةَ النَّبيِّ الأكرمِ (صلَّىٰ الله عليه وآله): «كُنَّا إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ اتَّقَيْنَا بِرَسُولِ اللهِ (صلَّىٰ الله عليه وآله)، فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَّا أَقْرَبَ إِلَىٰ الْعَدُوِّ مِنْهُ»(14).
ومن هنا فقد اتَّصف علي الأكبر بالشجاعة الفائقة، وقد أبلىٰ يوم عاشوراء بلاءً حسناً، ذكر الشاعر تلك الشجاعة بقوله:
في بأس حمزة في شجاعة حيدر * * * بإبىٰ الحسين وفي مهابة أحمدٍ(15)
فلذلك كان الأعداء ينهزمون بين يديه إذا شدَّ عليهم، يمثل بذلك نموذجاً للشجاعة والإقدام، ولم يتردد في القتال حتّىٰ آخر لحظة في حياته.
الصفة الخامسة: شبهه برسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله):
كان علي الأكبر شبيهاً برسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) خَلقاً وخُلقاً ومنطقاً، ويشهد علىٰ ذلك مقاله الإمام الحسين (عليه السلام) في حقه: «اللَّهم اشهد علىٰ هؤلاء القوم فقد برز إليهم أشبه الناس خلقاً وخُلقاً ومنطقاً برسولك، وكنا إذا اشتقنا لنبيك نظرنا إليه»(16).
النقطة الثالثة: ما قيل في حقه:
إنَّ علي الأكبر فرع من الدوحة النبوية وغصناً من أغصانها، وأنَّ الفضائل والفواضل بأسرها موروثة له من سلفه الطاهر الهاشمي.
ويشهد علىٰ ذلك ما قاله عدوه معاوية في حقه أنَّ علي الأكبر هو جدير بالخلافة، وقابل الزعامة الدينية، قال ذلك في حشد من أصحابه من أهل الشام وغيرهم: من أحق بهذا الأمر؟ (أي الخلافة)، قالوا له: أنت، فقال معاوية: لا، بل أولىٰ الناس بهذا الأمر هو علي بن الحسين بن علي جده رسول الله وفيه شجاعة بني هاشم وسخاء بني أمية وزهو ثقيف)(17)، هذه الكلمة الصادرة من معاوية لهي دليل علىٰ أنَّه كان معروفاً عند أهل الشام بأنَّه جامع القداسة الإلهية ومحاسن الأخلاق.
وقد قال الإمام الحسين (عليه السلام) بحق ولده علي الأكبر: «جزاك الله من ولد خير ما جزىٰ ولداً عن والده»(18)، ثم أنَّ علي الأكبر (عليه السلام) ذلك الفتىٰ الشجاع الصنديد الذي قابل كلام أبيه الحسين (عليه السلام) بهذه المقولة: «ألسنا علىٰ الحق؟ فلا نبالي»(19)، فيتبيَّن من ذلك مدىٰ استعداده للتضحية والآثار بنفسه، فهو لا يبالي إنْ وقع علىٰ الموت أم وقع الموت عليه، فلا مداهنة في الحق لأنَّه شبل حيدر الكرار (عليه السلام)، وقد أبلىٰ بلاءً عظيماً قدم فيه أروع صور البطولة في واقعة الطف، فقتل مائة وعشرون من أبطالهم(20)، ثم قُتل شهيداً بضربات القوم وقطعوه إرباً إرباً.
الخاتمة:
عند مراجعة كتب السير والتاريخ نجد أنَّ شخصية علي الأكبر (عليه السلام) تُجسّد لنا ذلك الشخص المتكامل كيف لا، وقد نشأ في بيت النبوة وتربىٰ في كنف الإمامة فصقلت شخصيته وبرزت علىٰ الساحة حتّىٰ يقتدىٰ به، إنَّ علي الأكبر (عليه السلام) لم يُخلَق عظيمًا فحسب، بل اختار أن يكون عظيمًا؛ فبلغ المقام بخلقه، وأثبت الجدارة بشجاعته، وصعد إلىٰ قمّة المجد بتضحيته ووفائه لأبيه الإمام الحسين (عليه السلام)، فصار رايةً خالدة للولاء والتضحية والفداء وهي النور التي تنير الطريق للأجيال القادمة ليحتذىٰ بها، وتسير علىٰ طريق الهدىٰ والصلاح، نسأل الله (عزَّ وجلَّ) أن يجعلنا من السائرين علىٰ خطاهم والمتخلقين بأخلاقهم والمهتدين بهداهم والمتمسكين بهم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين وأفضل الصلاة وأتم التسليم علىٰ محمد وآله الطاهرين.
(1) الطبري في المنتخب من الذيل ملحق: بجزء ١٢، ص٨٩؛ وابن كثير في البداية: ج٩، ص١٠٣.
(2) الشيخ المفيد – الإرشاد: ج٢، ص١١٤؛ الشيخ الطوسي – رجال: ص٧٦.
(3) أجوبة المسائل الدينية – الدورة الثالثة: صفر ١٣٧٨، ص٥٨؛ نفس المهموم في مصيبة الحسين المظلوم – الشيخ عباس القمي: ص١٦٧؛ وحضور ليلىٰ واقعة الطف: ورد في مجلة.
(4) للشيخ حمد صادق محمد الكرباسي – معجم أنصار الحسين – النساء: ج٣، ص١٥٦، نسخة محفوظة ١٣ مارس ٢٠٢٠ علىٰ موقع واي باك مشينن.
(5) جعفر مرتضىٰ العاملي، المؤرخون، وليلىٰ في كربلاء، من موقع المركز الإشعاع الإسلامي. نسخة محفوظة ١٤ أبريل ٢٠٢٠ علىٰ موقع واي باك مشين.
(6) كامل الزيارات لابن قولويه القمي: ص٢٤٠، ب٧٩.
(7) كامل الزيارات لابن قولويه: ص٤١٦.
(8) انظر كتاب علي الأكبر للسيد عبد الرزاق المقرم: ص٣٠٨، ط٤ مطبعة الآداب في النجف سنة ١٣٩٢هـ/ كامل الزيارات ص٤١٦ / ٤٢٠.
(9) حلية الأبرار: (٣٠٥)، الصحيح من سيرة النبي الأعظم ݕ ٣: ٢٥٠.
(10) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ٢١: ١١٩.
(11) بحار الأنوار العلامة المجلسي: ج٦٣، ص٣٨٩، وج١٦، ص٢٦٢.
(12) الدر المنثور في طبقات ربات الخدور: ج١، ص٢٤٤.
(13) مقاتل الطالبين لأبي الفرج الأصفهاني: ص٥٣.
(14) نهج البلاغة: ص٥٢٠.
(15) أدب الطف أو شعراء الحسين (عليه السلام): ج٩، ص٢٢٧-٢٢٨، للشاعر المرحوم الشيخ عبد الحسين ابن الشيخ إبراهيم ابن الشيخ صادق العاملي ت١٣٦١هـ.
(16) السيد ابن طاووس في اللهوف في قتلىٰ الطفوف: ص٦٣.
(17) الأصفهاني، أبو الفرج علي بن الحسين (المتوفىٰ ٣٥٦هـ)، مقاتل الطالبيين: ج١، ص٢٢.
(18) النيسابوري، أبو علي محمد بن الفتال (الشهيد ٥٠٨هـ)، روضة الواعظين، ص١٨٠، تحقيق: السيد محمد مهدي السيد حسن الخرسان، ناشر: منشورات الرضي – قم.
(19) المصدر نفسه.
(20) الخوارزمي، أبو المؤيد الموفق بن أحمد المكي مقتل الحسين: ج٢، ص٣٥.