الإمام الصادق (عليه السلام) وبناء النخبة الصالحة

الإمام الصادق (عليه السلام) وبناء النخبة الصالحة

المقدمة:

إنَّ صناعة الإنسان الواعي تمثِّل الهدف الأساس للإسلام ومشروعه المستدام، ففي كلِّ عصر من العصور تظهر نخبة واعية تقوم علىٰ العلم والأخلاق، وتحمل علىٰ عاتقها مسؤولية نشر الثقافة والقيم في المجتمع.

وقد أصَّل القرآن الكريم لهذه الحقيقة بقوله تعالىٰ: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَىٰ الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: 104).

فالقرآن الكريم يدعو إلىٰ وجود جماعة متميِّزة من الناس، عبَّر عنها بـ(الأُمَّة)، تقوم بدور رسالي قائم علىٰ أركان ثلاثة:

الدعوة إلىٰ الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.

كما عبَّر عن هذه النخبة بمصطلح (البقية) في قوله تعالىٰ: ﴿فَلَوْ لا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرضِ﴾ (هود: 116).

وهؤلاء هم النخبة الواعية التي تسعىٰ إلىٰ إصلاح المجتمع ومواجهة الفساد.

التمهيد:

إنَّ المتتبِّع لسيرة الأنبياء (عليهم السلام) والأئمة (عليهم السلام) يلحظ بوضوح اهتمامهم الكبير ببناء الجماعة الصالحة، وإعداد نخبة واعية تحمل الرسالة، وقد عُبِّر عنهم في النصوص بعناوين متعدِّدة مثل: (الحواريين، والأصحاب، والجماعة الصالحة، وأُمَّة الخير، والمقربين).

ويتجلَّىٰ هذا المنهج بشكل واضح في سيرة الإمام الصادق (عليه السلام)، حيث قام بإعداد نخبة متميِّزة من أصحابه، أمثال: محمد بن مسلم، وهشام بن الحكم، ومؤمن الطاق، وأبي بصير وغيرهم.

وقد حضر مجلسه الشريف آلاف من طلاب العلم من مختلف المذاهب، فكان منبره مركز إشعاع علمي وهداية عامة للأُمَّة الإسلامية، وهو ما يمثِّل الجانب العام من مدرسته (عليه السلام).

أمَّا الجانب الخاص، فقد أولىٰ الإمام (عليه السلام) عناية خاصة ببعض أصحابه، فقرَّبهم وربَّاهم علىٰ علومه وعلوم آبائه (عليهم السلام)، وأعدَّهم ليكونوا نخبة فاعلة في المجتمع.

محاور بناء النخبة عند الإمام الصادق (عليه السلام):

أوَّلاً: الحث علىٰ التفقُّه في الدين:

شدَّد الإمام (عليه السلام) علىٰ ضرورة التفقُّه في الدين، واعتبره أساس تكوين النخبة الواعية، حيث قال: «لو أُتيتُ بشاب من شباب الشيعة لا يتفقَّه لأدَّبته»(1).

فالنخبة الصالحة هي أول من يبادر إلىٰ طلب العلم والتفقه، لتكون قادرة علىٰ حمل الرسالة بوعي وبصيرة.

ثانياً: الحث علىٰ التقية ومداراة الناس:

لأنَّ النخبة تعيش بين مختلف التيارات وتواجه تحدِّيات متعدِّدة، فقد أوصىٰ الإمام (عليه السلام) بمداراة الناس وتحمل الأذىٰ، فقال:

«وعليكم بمجاملة أهل الباطل، تحملوا الضيم منهم، وإياكم ومماطلتهم، دينوا فيما بينكم وبينهم إذا أنتم جالستموهم وخالطتموهم ونازعتموهم الكلام، فإنَّه لابدَّ لكم من مجالستهم ومخالطتهم ومنازعتهم بالتقية التي أمركم الله بها، فإذا ابتليتم بذلك منهم فإنَّهم سيؤذونكم ويعرفون في وجوهكم المنكر، ولولا أنَّ الله يدفعهم عنكم لسطوا بكم، وما في صدورهم من العداوة والبغضاء أكثر مما يبدون لكم(2).

وهذا يدل علىٰ ضرورة الجمع بين الثبات علىٰ المبدأ والحكمة في التعامل مع الآخرين.

ثالثاً: الحث علىٰ نشر العلم:

لم يكن العلم غاية في ذاته، بل وسيلة لنشر الهداية، ولذلك كان الإمام الصادق (عليه السلام) يؤكِّد علىٰ ضرورة أن يتحوَّل العلم إلىٰ رسالة، من خلال تعليم الناس وإرشادهم ونشر معالم الدين في المجتمع.

رابعاً: الحث علىٰ الحوار والمحاججة:

تميَّز أصحاب الإمام (عليه السلام) بالحوار العلمي الراقي مع مختلف الاتِّجاهات، وقد أعدَّ الإمام لكلِّ مجال رجاله، فمنهم:

  • هشام بن الحكم في العقائد.
  • حمران بن أعين في القرآن.
  • أبان بن تغلب في الفقه.

وقد قال (عليه السلام) لأبان بن تغلب: «اجلس في مسجد المدينة وأفتِ الناس، فإنِّي أحب أن أرىٰ في شيعتي مثلك(3).

كما تبرز المناظرات التي جرت بين أصحاب الإمام (عليه السلام) ومخالفيهم نموذجاً حياً لعمق هذه المدرسة العلمية، حيث كان الإمام يقدِّم تلامذته بثقة واعتزاز.

ومن ذلك ما رُوي عن مناظرة أصحاب الإمام مع رجل من أهل الشام:

عن هشام بن سالم، قال: كنَّا عند أبي عبد الله (عليه السلام) جماعة من أصحابه، فورد رجل من أهل الشام فاستأذن فأذن له، فلمَّا دخل سلَّم فأمره أبو عبد الله (عليه السلام) بالجلوس، ثم قال له: «ما حاجتك أيُّها الرجل»؟ قال: بلغني أنَّك عالم بكلِّ ما تُسأل عنه، فصرت إليك لأناظرك، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): «فيما ذا»؟ قال: في القرآن وقطعه وإسكانه وخفضه ونصبه ورفعه، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): «يا حمران، دونك الرجل»، فقال الرجل: إنَّما أريدك أنت لا حمران، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): «إنْ غلبت حمران فقد غلبتني»، فأقبل الشامي يسأل حمران حتَّىٰ ضجر ومل وعرض وحمران يجيبه، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): «كيف رأيت يا شامي»؟! قال: رأيته حاذقاً، ما سألته عن شيء إلَّا أجابني فيه، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): «يا حمران، سل الشامي»، فما تركه يكشر فقال الشامي: أرأيت يا أبا عبد الله أناظرك في العربية، فالتفت أبو عبد الله (عليه السلام) فقال: «يا أبان بن تغلب، ناظره»، فناظره، فما ترك الشامي يكشر، قال: أريد أن أناظرك في الفقه، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): «يا زرارة، ناظره»، فما ترك الشامي يكشر، قال: أريد أن أناظرك في الكلام، فقال: «يا مؤمن الطاق، ناظره»، فناظره، فسجل الكلام بينهما، ثم تكلَّم مؤمن الطاق بكلامه فغلبه به، فقال: أريد أن أناظرك في الاستطاعة، فقال للطيار: «كلِّمه فيها»، قال: فكلَّمه، فما ترك يكشر، فقال أريد أناظرك في التوحيد، فقال لهشام بن سالم: «كلِّمه»، فسجل الكلام بينهما ثم خصمه هشام، فقال: أريد أن أتكلَّم في الإمامة، فقال لهشام بن الحكم: «كلِّمه يا أبا الحكم»، فكلَّمه ما تركه يرتم ولا يحلي ولا يمر، قال: فبقي يضحك أبو عبد الله (عليه السلام) حتَّىٰ بدت نواجده، فقال الشامي: كأنَّك أردت أن تخبرني أنَّ في شيعتك مثل هؤلاء الرجال؟ قال: «هو ذلك»(4).

خامساً: الحثّ علىٰ التحلِّي بالأخلاق الفاضلة:

لم يقتصر بناءُ النخبة عند الإمام الصادق (عليه السلام) علىٰ الجانب العلمي فحسب، بل أكَّد بشكلٍ واضح علىٰ البُعد الأخلاقي والارتباطي والاجتماعي، ليكون أتباعه قدوةً حيَّة في سلوكهم وتعاملهم، ومصداقاً عملياً للقيم التي يحملونها.

فقد عمل الإمام (عليه السلام) علىٰ ترسيخ حالة الإيمان والتقوىٰ والأخلاق في نفوس شيعته، ولم يكن ذلك مجرَّد توجيه نظري، بل دعمه بكمٍّ هائل من الروايات التي تناولت مختلف أبعاد العلاقة: مع الله تعالىٰ، ومع النبي (صلىٰ الله عليه وآله)، ومع أهل بيته (عليهم السلام)، فضلاً عن تنظيم العلاقات الاجتماعية علىٰ أساس المودة والتراحم والتكافل.

ومن تلك الروايات ما ورد عن البرقي، عن أبيه، عن المفضل قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام):
«إنَّما شيعة جعفر من عفَّ بطنه وفرجه، واشتدَّ جهاده، وعمل لخالقه، ورجا ثوابه، وخاف عقابه، فإذا رأيت أولئك فأولئك شيعة جعفر»(5).

وعن الأزدي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال لفضيل: «تجلسون وتُحدِّثون»؟ قال: نعم جعلت فداك، قال: «إنَّ تلك المجالس أُحبُّها، فأحيوا أمرنا يا فضيل، فرحم الله من أحيا أمرنا»(6).

وعن شعيب العقرقوفي قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول لأصحابه: «اتقوا الله وكونوا إخوةً بررة، متحابين في الله، متواصلين متراحمين، تزاوروا وتلاقوا وتذاكروا أمرنا وأحيُوه»(7).

وهكذا يتَّضح أنَّ مشروع الإمام (عليه السلام) في بناء النخبة لم يكن مقتصراً علىٰ صناعة العقول، بل امتدّ ليشمل تزكية النفوس، وبناء العلاقات، وصياغة مجتمعٍ قائم علىٰ التقوىٰ والمحبَّة، ليكون ذلك النموذج المثالي القادر علىٰ التأثير والإصلاح في المجتمع.

وبذلك أراد الإمام أن يكون الشيعي ذا علاقة قوية ودائمة مع خالقه ومع نبيه واهل بيته (عليهم السلام جميعاً)، بل زرع في نفوسهم حالة الدعاء عند تقلب القلوب في آخر الزمان، كما ورد عن ابن سنان قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «ستصيبكم شبهة فتبقون بلا علم يُرىٰ ولا إمام هدىٰ، لا ينجو منها إلَّا من دعا بدعاء الغريق…»(8).

كما أوصىٰ (عليه السلام) بحفظ اللِّسان، والإكثار من ذكر الله، واجتناب القول الباطل، لما لذلك من أثر بالغ في بناء شخصية المؤمن الصالحة، حيث قال: «فاتقوا الله وكفّوا ألسنتكم إلَّا من خير…»(9).

وقال (عليه السلام): «كونوا لنا زيناً ولا تكونوا علينا شيناً»(10).

سادساً: التحلِّي بقضاء حوائج الناس:

لقد رسَّخ الإمام الصادق (عليه السلام) ثقافة قضاء الحوائج بين المؤمنين وبذلك يصبح مجتمعاً متماسكاً تسوده الأخوة والمحبَّة ولو تتبَّعنا الروايات في هذا المجال لوجدناها كثيرة.

كما ورد في وصيته (عليه السلام) لابن جندب: «يا ابن جندب، الماشي في حاجة أخيه كالساعي بين الصفا والمروة، وقاضي حاجته كالمتشحط بدمه في سبيل الله يوم بدر وأحد، وما عذَّب الله أُمَّة إلَّا عند استهانتهم بحقوق فقراء إخوانهم»(11).

الخاتمة:

اتَّضح مما تقدَّم أعلاه أنَّ الإمام الصادق (عليه السلام)، ومنذ بداية إمامته، حرص كل الحرص علىٰ إيجاد نخبة واعية وجماعة صالحة في المجتمع تقوم بعمل ريادي مميَّز، كما أنَّه (عليه السلام) أراد من كل شيعي أن يكون كذلك.

فالمؤمن الشيعي الحقيقي متلبِّس بالإيمان الثابت، والعلم، والأخلاق، وهذه هي حقيقة مشروع أهل البيت (عليهم السلام).

 

 

 

الهوامش:


(1) المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج1، ص214.

(2) الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج1، ص408.

(3) الحر العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة، ج30، ص291.

(4) المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج47، ص407-408.

(5) الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج2، ص333.

(6) المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج71، ص351.

(7) الحر العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة، ج12، ص22.

(8) المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج92، ص326.

(9) الحر العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة، ج12، ص196.

(10) الفتال النيسابوري، محمد بن أحمد، روضة الواعظين، ج2، ص44.

(11) المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج75، ص281.

Edit Template
Scroll to Top