الإمام علي (عليه السلام) في الصحاح الستة

المقدمة:

عندما تتصفَّح كتب التاريخ والحديث وتستعرض أسماء الرجال الذين صنعوا ملامح الإسلام الأول، من البديهي أن يتوقَّف البصر – والعقل معاً – عند شخصية تشغل مساحة واسعة من الإسلام: علي بن أبي طالب (عليه السلام).

فهو القرشي الهاشمي الذي نشأ في أحضان ابن عمِّه رسول الله (صلىٰ الله عليه وآله)، وفتح عينيه علىٰ نور الرسالة قبل أن تستوي، فكان أوَّل من آمن من الفتيان، وأوَّل من حمل السيف دفاعاً عن الإسلام، وأوَّل من نطق بالولاء حين نادىٰ النبي (صلىٰ الله عليه وآله): «مَن يؤازرني علىٰ هذا الأمر»؟

ليس ما نريده هنا هو أن ندرس عاطفياً أو مذهبياً، بل نذهب – بوعي علمي – نحو الكتب المعتبر عند أهل السُنَّة: الصحاح الستة، تلك الكتب التي أطلق عليها جمهور المسلمين أنَّها (أصح الكتب بعد القرآن الكريم)، لدراسة رواياتها سرداً وتحليلاً، فنبحث: كيف ذكرت هذه المصادر السنية صورة الإمام علي (عليه السلام)؟ وكيف ذكرت مواقفه فضائله؟

أهداف هذا البحث:

ذكر بعض النصوص الحديثية المتعلقة بالإمام علي (عليه السلام) من الصحاح الستة.

دراسة شخصية الإمام علي (عليه السلام) كما رسمتها هذه المصادر، خارج إطار الجدل المذهبي.

أسباب اختيار الموضوع:

ندرة الدراسات التي تقرأ الإمام علي (عليه السلام) من داخل الصحاح الستة قراءة شاملة.

الحاجة إلىٰ خطاب يوحِّد الرؤية بدلاً من أن يعمِّق الخلاف.

إبراز المشتركات التي تجمع الأُمَّة حول شخصية علي (عليه السلام).

الفصل الأوَّل: شخصية الإمام علي (عليه السلام) ومكانته في الإسلام:

كلَّما نقلب ونقرأ السيرة النبوية بعين الباحث، لا بوصفها سرداً تاريخياً جامداً، بل كمسار تَكوُّنٍ لرجال شاركوا في صناعة هوية الإسلام الأولىٰ، فإنَّ شخصية الإمام علي (عليه السلام) تبرز لا بوصفها شخصية جانبية في المشهد، بل كعنصر أساسي وتأسيسي في بناء الإسلام الأولي.

 النشأة في بيت النبوة:

لم يعرف ولم يذكر التاريخ الإسلامي شخصية اقتربت من النبي محمد (صلىٰ الله عليه وآله) في التكوين الروحي والفكري وكل شيء مثل علي بن أبي طالب (عليه السلام).

كما تعرف أيُّها القارئ، نشأ علي بن أبي طالب (عليه السلام) في دار النبي (صلّىٰ الله عليه وآله)، وتربّىٰ علىٰ يديه، بل كان النبي (صلىٰ الله عليه وآله) – كما تذكره الروايات – يأخذه في حجره ويطعمه من طعامه، حتَّىٰ قال علي (عليه السلام)، واصفاً تلك المرحلة:

«ولقد كنت أتبعه اتِّباع الفصيل أثر أُمِّه»(1).

السبق إلىٰ الإسلام(2):

أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، عَنْ خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَمْزَةَ، مَوْلَىٰ الْأَنْصَارِ، قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ، يَقُولُ: أَوَّلُ مَنْ صَلَّىٰ مَعَ رَسُولِ اللهِ (صلّىٰ الله عليه وآله)، وَقَالَ: فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ عَلِيٌّ.

قيل عن هذا الحديث في كتاب صحيح وضعيف للأبي جعفر الطبري (إسناده صحيح وقد أخرجه الترمذي (٥ / ح٣٧٣٥) من طريق شيخ الطبري، أي محمد بن المثنىٰ، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح)(3).

جاء في مسند أحمد: (حدَّثنا وكيع، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي حمزة مولىٰ الأنصار، عن زيد بن أرقم، قال: أوَّل من أسلم مع رسول الله (صلّىٰ الله عليه (وآله) وسلم) علي (رضي الله عنه))(4).

هذه الرواية تعكس أنَّ إيمان علي (عليه السلام) لم يكن استجابة متأخِّرة بعد ظهور قوة الإسلام، بل كان إيماناً فتيّاً منذ بداية الدعوة، وهو ما يعطي لقراره بعداً أخلاقياً وروحياً عميقاً.

شخصية متعدِّدة الأبعاد(5):

أَخْبَرَنَا هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ قُثَمَ، إِنَّهُ قِيلَ لَهُ: مَا لِعَلِيٍّ وَرِثَ رَسُولَ اللهِ (صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ [وآله] وَسَلَّمَ) دُونَ جَدِّكَ وَهُوَ عَمُّهُ؟ قَالَ: (إِنَّ عَلِياً كَانَ أَوَّلَنَا بِهِ لُحُوقاً، وَأَشَدَّنَا بِهِ لُصُوقاً).

الإمام علي (عليه السلام) لم يكن بطلاً عسكرياً فقط، ولم يكن عالماً فقيهاً فقط، بل هو حالة مركّبة تجمع بين:

العمق الروحي – كما يظهر من أدعيته وكلماته.

الحضور العسكري – في بدر وأُحد والأحزاب وخيبر.

الوعي السياسي – في إدارة الدولة لاحقاً.

المرجعية العلمية – باعتراف كبار الصحابة والفقهاء.

حتَّىٰ قال الخليفة الثاني عمر بن الخطاب:

(حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ، قال: حدثنا عُبَيْدُ اللهِ الْقَوَارِيرِيُّ، قَالَ: حدَّثنا مُؤَمَّلٌ، قال: حدَّثنا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ يَحْيَىٰ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، قَالَ: كَانَ عُمَرُ يَتَعَوَّذُ بِاللهِ مِنْ مُعْضِلَةٍ لَيْسَ لَهَا أَبُو حَسَنٍ)(6).

وهذا التصريح الصادر من شخصية مثل عمر، يكشف أنَّ علياً لم يكن مجرَّد مقاتل، بل مرجعية عقلية وتشريعية لا يستغنىٰ عنها.

الفصل الثاني: الإمام علي (عليه السلام) في الغزوات والمواقف التاريخية:

مشاركته في بدر(7):

حَدَّثَنَا يَحْيَىٰ بْنُ حَكِيمٍ، وَحَفْصُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا وَكِيعٌ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ الرُّمَّانِيِّ – قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: هُوَ يَحْيَىٰ بْنُ الْأَسْوَدِ – عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ يُقْسِمُ: (لَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي هَؤُلَاءِ الرَّهْطِ السِّتَّةِ يَوْمَ بَدْر ﴿هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ(8) إِلَىٰ قَوْلِهِ: ﴿الْحَرِيقِ(9)، فِي حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَعُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ، وَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ اخْتَصَمُوا فِي الْحُجَجِ يَوْمَ بَدْرٍ).

يظهر النص أنَّ علياً كان حاضراً في الصفوف الأولىٰ، وشاهداً علىٰ وقائع المعركة، مؤكِّداً دوره المباشر في الدفاع عن الإسلام منذ بداياته.

كما جاء في أحد شروحات الحديث لأهل السنة (وإنَّما قلنا ذلك، لأنَّ قوله: ﴿إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ قبل قوله: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾، فليست داخلة في الآياتِ المقصودة هنا؛ أي: نزلت في الفريقين من المسلمين والمشركين؛ أي: نزلت (في حمزة بن عبد المطلب) عم رسول الله (صلىٰ الله عليه (وآله) وسلم) ورضيعه، (وعلي بن أبي طالب وعبيدة بن الحارث) بن المطلب، وهؤلاء الثلاثة هم الفريق المؤمنون، والثلاثة الباقية مشركون (و) هم (عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة) بن عبد شمس، (والوليد بن عتبة) بن ربيعة المذكور (اختصموا في الحجج) جمع حجة؛ أي: اختلفوا في حجة دينهم؛ حجة التوحيد وحجة الشرك، فتبارزوا (يوم بدر))(10).

موقفه في أُحد(11):

حَدَّثَنَا بِذَلِكَ مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: مَا سَمِعْتُ النَّبِيَّ (صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ [وآله] وَسَلَّمَ) يُفَدِّي أَحَداً بِأَبَوَيْهِ إِلَّا لِسَعْدٍ، فَإِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ يَوْمَ أُحُدٍ: (ارْمِ سَعْدُ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي).

يشير الحديث إلىٰ ثبات علي (عليه السلام) وأنَّه كان حاضراً في أُحد وحتَّىٰ أنَّه قد روىٰ عن رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله).

دوره في غزوة الأحزاب (الخندق)(12):

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّىٰ: حَدَّثَنَا الْأَنْصَارِيُّ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: حَدَّثَنَا عَبِيدَةُ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِب (رضي الله عنه) قَالَ: «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ (صلىٰ الله عليه وآله) يَوْمَ الْخَنْدَقِ، فَقَالَ: مَلَأَ اللهُ قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ نَاراً كَمَا شَغَلُونَا عَنْ صَلَاةِ الْوُسْطَىٰ، حَتَّىٰ غَابَتِ الشَّمْسُ، وَهْيَ صَلَاةُ الْعَصْرِ».

وقد ذكر أيضاً بعض علماء أهل السُنَّة دور الإمام علي (عليه السلام) منهم النيسابوري في كتابه المستدرك علىٰ الصحيحين:

(… وَقُتِلَ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ عَمْرِو بْنِ عَبْدٍ وُدٍّ قَتَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مُبَارَزَةً…)(13).

وقال أيضاً فيه: (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ)(14).

لذلك تبيِّن الأخبار أنَّ علي بن أبي طالب (عليه السلام) كان المقاتل الأوَّل في هذه المعركة كما في الأخرىٰ.

فتح خيبر(15):

حدَّثنا قُتيبةُ، قال: حدَّثنا حاتمُ بن إسماعيلَ، عن بُكَيرِ بن مِسْمارٍ، عن عامرِ بن سَعْدِ بن أبي وقَّاصٍ عن أبيه، قال: أمَرَ مُعاويةُ بن أبي سُفيانَ سَعداً، فقال: ما يَمنعُكَ أن تَسُبَّ أبا تُرابٍ؟ قال: أمَّا ما ذَكَرتُ ثلاثاً قالَهُنَّ رسولُ الله (صلىٰ الله عليه وآله)، فَلن أسُبَّه، لأن تَكُونَ لي واحدةٌ مِنهُنَّ أحَبُّ إليَّ من حُمْرِ النَّعمِ.

سمعتُ رسولَ الله (صلىٰ الله عليه وآله) يقولُ لِعليٍّ وخَلَّفه في بَعضِ مَغازيه، فقال له عَليٌّ: «يا رسولَ الله تُخَلِّفُني معَ النِّساءِ والصِّبيانِ»؟ فقال له رسولُ الله (صلىٰ الله عليه وآله): «أما تَرضىٰ أن تَكُونَ مِنِّي بِمَنزلةِ هارُونَ من موسىٰ إلَّا أنَّه لا نُبوَّةَ بَعدي».

وسَمِعته يَقولُ يَومَ خَيبرَ: «لأُعطينَّ الرَّايةَ رجُلاً يُحِبُّ الله ورسوله ويُحبُّه اللهُ ورَسوله» قال: فتطاوَلْنا لها، فقال: «ادعُوا لي عليّاً»، فأتاه وَبه رَمَدٌ، فبصقَ في عَينه، فدفعَ الرايةَ إليه، ففَتحَ اللهُ عليه.

وأُنزلَت هذه الآية: ﴿فَقُلْ تَعَالوْا نَدْعُ أبْنَاءَنَا وَأبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ(16) دعَا رَسولُ الله (صلىٰ الله عليه وآله) عَليّاً وفاطمةَ وحَسناً وحُسَيناً، فقال: «اللَّهُمَّ هؤُلاءِ أهلي».

في كتاب السندي حاشية علىٰ سنن الترمذي ذكر: قَالَ أبُوْ عِيْسَىٰ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ. موقفه في الهجرة(17).

وجاء في كتاب مسند أحمد: (إسناده قوي علىٰ شرط مسلم، رجاله ثقات رجال الشيخين غير بكير بن مسمار، فمن رجال مسلم، وهو صدوق…)(18).

لقد ذكر موقف الإمام علي (عليه السلام) من هجرة الرسول (صلىٰ الله عليه وآله) في كتب أهل السُنَّة في غير الصحاح:

(حدَّثنا أبو بكر أحمد بن إسحاق، حدَّثنا زياد بن الخليل التُّستَري، حدَّثنا كَثير بن يحيىٰ، حدَّثنا أبو عَوانة، عن أبي بَلْجٍ، عن عمرو بن مَيمون، عن ابن عبّاس، قال: شَرَىٰ عليٌّ نفسَه ولبس ثوبَ النبي (صلَّىٰ الله عليه وآله)، ثمَّ نام مكانَه، وكان المشركون يَرمُون رسولَ الله (صلَّىٰ الله عليه وآله)، وقد كان رسولُ الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) ألبَسَه بُرْدَه…، هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وقد رواه أبو داود الطَّيَالسيُّ وغيرُه عن أبي عَوانة، بزيادةِ ألفاظٍ)(19).

يظهر من هذا الحديث التضحية وإخلاص الكامل من علي بن أبي طالب (عليه السلام) للنبي (صلىٰ الله عليه وآله).

الفصل الثالث: فضائل الإمام علي (عليه السلام) في الصحاح الستة:

حديث سبب تسمية أبا تراب(20):

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ يَعْنِي ابْنَ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: (اسْتُعْمِلَ عَلَىٰ المَدِينَةِ رَجُلٌ مِنْ آلِ مَرْوَانَ، قَالَ: فَدَعَا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ فَأَمَرَهُ أَنْ يَشْتِمَ عَلِيّاً، قَالَ: فَأَبَىٰ سَهْلٌ، فَقَالَ لَهُ: أَمَّا إِذْ أَبَيْتَ فَقُلْ لَعَنَ اللهُ أَبَا التُّرَابِ! فَقَالَ سَهْلٌ: مَا كَانَ لِعَلِيٍّ اسْمٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَبِي التُّرَابِ، وَإِنْ كَانَ لَيَفْرَحُ إِذَا دُعِيَ بِهَا. فَقَالَ لَهُ: أَخْبِرْنَا عَنْ قِصَّتِهِ لِمَ سُمِّيَ أَبَا تُرَابٍ؟ قَالَ: جَاءَ رَسُولُ اللهِ (صلَّىٰ الله عليه وآله) بَيْتَ فَاطِمَةَ فَلَمْ يَجِدْ عَلِيّاً فِي الْبَيْتِ، فَقَالَ: أَيْنَ ابْنُ عَمِّكِ؟ فَقَالَتْ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ شَيْءٌ، فَغَاضَبَنِي فَخَرَجَ فَلَمْ يَقِلْ عِنْدِي! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ (صلىٰ الله عليه وآله) لِإِنْسَانٍ: انْظُرْ أَيْنَ هُوَ؟ فَجَاءَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هُوَ فِي المَسْجِدِ رَاقِدٌ. فَجَاءَهُ رَسُولُ اللهِ (صلىٰ الله عليه وآله) وَهُوَ مُضْطَجِعٌ قَدْ سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ شِقِّهِ فَأَصَابَهُ تُرَابٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ (صلىٰ الله عليه وآله) يَمْسَحُهُ عَنْهُ وَيَقُولُ: قُمْ أَبَا التُّرَابِ، قُمْ أَبَا التُّرَابِ).

حديث المنزلة(21):

حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا يَحْيَىٰ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ الْحَكَمِ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ (صلىٰ الله عليه وآله) خَرَجَ إِلَىٰ تَبُوكَ، وَاسْتَخْلَفَ عَلِيّاً، فَقَالَ: «أَتُخَلِّفُنِي فِي الصِّبْيَانِ وَالنِّسَاءِ»؟ قَالَ: «أَلَا تَرْضَىٰ أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَىٰ؟ إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ نَبِيٌّ بَعْدِي».

جاء في أحد الحواشي علىٰ سنن الترمذي عن هذا الحديث في كتاب السندي، قَالَ أبُوْ عِيْسَىٰ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ)(22).

يبيِّن لنا هذا الحديث القرب الروحي والعلمي لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) من النبي(صلىٰ الله عليه وآله)، وما يشغل من موقع مميَّز بين الصحابة.

الحديث عن منزلته عند الله(23):

حدَّثنا سُفيانُ بن وَكيعٍ، قال: حدَّثنا عُبَيدُ اللهِ بن موسىٰ، عن عيسىٰ بن عُمرَ، عن السُّدِّيِّ عن أنَسِ بن مالكٍ، قال: كانَ عندَ النبيِّ (صلىٰ الله عليه وآله) طَيرٌ، فقال: «اللهُمَّ آتني بأحَبَّ خَلقكَ إليكَ يأكُلُ مَعي هذا الطَّيرَ»، فجاءَ عَليٌّ فأكلَ مَعه».

جاء في هذا الحديث عن جلال الدين السيوطي نقلاً عن الحافظ صَلاح الدين العلائي: (ليسَ بموضوع، بل له طرق كثيرة غالبهَا وَاهٍ، ومنهَا مَا فيه ضعف قريب، وربَّما يقوي بعض منهَا بمثله إلىٰ أن ينتهي إلىٰ درجة الحسن)(24).

يُظهر الحديث عليّاً (عليه السلام) ذات منزلة عالية لوصفه أحبُّ الخلق عند الله سبحانه وتعالىٰ، وقدوة من الصحابة.

الحديث عن العلم(25):

حدَّثنا إسماعيلُ بن موسىٰ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عُمرَ ابن الرُّوميِّ، قال: حدَّثنا شَرِيكٌ، عن سَلمةَ بن كُهَيلٍ، عن سُوَيدِ بن غَفَلةَ، عن الصُّنابحيِّ عن عليٍّ، قال: قال رسولُ الله (صلىٰ الله عليه وآله): «أنا دَارُ الحِكمةِ، وعليٌّ بابُها».

يُصوِّر لنا هذا الحديث أنَّ علي بن أبي طالب (عليه السلام) مرجع علمي رصين، وقدوة في الفقه والحديث، معترف به من الصحاب، وقد ذكره ابن المغازلي في كتابه مناقب علي، وذكره أيضاً أحمد بن حنبل في كتابه فضائل الصحابة.

الفصل الرابع: النصوص الدالة علىٰ ولايته وإمامته:

حديث الغدير(26):

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ، أَخْبَرَنِي حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ (صلىٰ الله عليه وآله) فِي حَجَّتِهِ الَّتِي حَجَّ، فَنَزَلَ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ، فَأَمَرَ الصَّلَاةَ جَامِعَةً، فَأَخَذَ بِيَدِ عَلِيٍّ، فَقَالَ: «أَلَسْتُ أَوْلَىٰ بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ»؟ قَالُوا: بَلَىٰ، قَال: «أَلَسْتُ أَوْلَىٰ بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ»؟ قَالُوا: بَلَىٰ، قَالَ: «فَهَذَا وَلِيُّ مَنْ أَنَا مَوْلَاهُ، اللَّهُمَّ! وَالِ مَنْ وَالَاهُ، وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ».

هذا من الأحاديث المشهورة، ويشير هذا الحديث إلىٰ مقام علي بن أبي طالب (عليه السلام) الخاص، بعد النبي (صلىٰ الله عليه وآله) ويدلِّل علىٰ مكانته الرفيعة عند الصحابة، وهو دليل صريح علىٰ ولاية علي (عليه السلام).

حديث المباهلة(27):

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ: (وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ) قَالَا: حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، وَهُوَ ابن إسماعيل، عن بكير بن مسمار، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عن أَبِيهِ، … وَلمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ(28) دَعَا رَسُولُ اللهِ (صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ (وآله) وَسَلَّمَ) عَلِيّاً وَفَاطِمَةَ وَحَسَناً وَحُسَيْناً فَقَالَ: «اللَّهم هؤلاء أهلي».

ما يظهر من هذا الحديث أنَّ مكانته ضمن الأُسرة النبوية المختارة، والاعتراف بالفضيلة الدينية والعلمية له.

حديث الكساء(29):

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ – وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ – قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، عَنْ زَكَرِيَّاءَ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ شَيْبَةَ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ قَالَتْ: قَالَتْ عَائِشَةُ: خَرَجَ النَّبِيُّ (صلىٰ الله عليه وآله) غَدَاةً وَعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَحَّلٌ مِنْ شَعرٍ أَسْوَدَ، فَجَاءَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فَأَدْخَلَهُ، ثُمَّ جَاءَ الْحُسَيْنُ فَدَخَلَ مَعَهُ، ثُمَّ جَاءَتْ فَاطِمَةُ فَأَدْخَلَهَا، ثُمَّ جَاءَ عَلِيٌّ فَأَدْخَلَهُ، ثُمَّ قَالَ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾.

يعكس هذا الحديث احترام النبي (صلىٰ الله عليه وآله) لعلي وأهل بيته (عليهم السلام) ويبيِّن التفاضل الروحي والاجتماعي لهم، وقد عدَّ بعض أهل العلم حديث المباهلة من فضائل أهل البيت، قال الزمخشري: (وفيه دليل لا شيء أقوىٰ منه علىٰ فضل أصحاب الكساء)(30).

الفصل الخامس: الإمام علي (عليه السلام) مرجعاً في العلم والفقه:

دور علي (عليه السلام) في الفقه:

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ، قال: حدَّثنا عُبَيْدُ اللهِ الْقَوَارِيرِيُّ، قال: حدَّثنا مُؤَمَّلٌ، قال: حدَّثنا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ يَحْيَىٰ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، قَالَ: كَانَ عُمَرُ يَتَعَوَّذُ بِاللهِ مِنْ مُعْضِلَةٍ لَيْسَ لَهَا أَبُو حَسَنٍ(31).

يبيِّن النص اعتماد الصحابة علىٰ علي بن أبي طالب (عليه السلام) كمرجع فقهي.

وفي حديث آخر:

أخبرنا أحمد بن محمد بن عبد الوهاب، حدَّثنا الحسين بن محمد بن الحسين العدل العلوي، حدَّثنا محمد بن محمود، حدَّثنا إبراهيم بن مهدي الأبلي، حدَّثنا إبراهيم بن سليمان بن رشيد، حدَّثنا زيد بن عطية، حدَّثنا أبان بن فيروز عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله (صلَّىٰ الله عليه (وآله) وسلم): «من أراد أن ينظر إلىٰ علم آدم، وفقه نوح، فلينظر إلىٰ علي بن أبي طالب»(32).

نتائج البحث:

أثبتت دراسة نصوص الصحاح الستة أنَّ الإمام علي (عليه السلام) شخصية محورية في التاريخ الإسلامي: شجاع، عالم، زاهد، عادل.

توضِّح النصوص أنَّ مكانته معترف بها من الصحابة جميعاً، وليست محدودة بطائفة.

يظهر من التحليل أنَّ قراءة الصحاح الستة تقدِّم صورة متكاملة وشاملة لشخصيته، تجمع بين الجانب العسكري، الروحي، والفقهي.

توصي الدراسة بمزيد من هذه الدراسات التي تكون بين المصادر السنية والشيعية لتقريب وجهات النظر.

 

 

 

الهوامش:


(1) نهج البلاغة: 1/402.

(2) أحمد بن شعيب النسائي – كتاب سنن النسائي، 7/306 رقم الحديث (8081).

(3) صحيح وضعيف (تاريخ الطبري): 2/20.

(4) مسند أحمد: 32/32 الحديث 19281.

(5) أحمد بن شعيب النسائي- كتاب سنن النسائي، 7/447 رقم الحديث (8440).

(6) فضائل الصحابة، 2/647 الحديث 1100.

(7) ابن ماجه القزويني – كتاب سنن ابن ماجه، 2/946 رقم الحديث 2835.

(8) الحج: ١٩.

(9) الحج: 22.

(10) مرشد ذوي الحجا والحاجة إلىٰ سنن ابن ماجه: 16/375.

(11) محمد بن عيسىٰ الترمذي – كتاب سنن الترمذي، 5/650 رقم الحديث 3755.

(12) البخاري – كتاب صحيح البخاري، 8/84 رقم الحديث 6396.

(13)المستدرك علىٰ الصحيحين: 3/33 رقم الحديث4326.

(14) نفس المصدر: 5/415.

(15) محمد بن عيسىٰ الترمذي – كتاب سنن الترمذي، 6/295-296 رقم الحديث 4058.

(16) آل عمران: ٦١.

(17) حاشية السندي علىٰ سنن الترمذي: 3/693.

(18) مسند أحمد: 3/160.

(19) مستدرك علىٰ الصحيحين، 5/231 رقم الحديث 4309.

(20) مسلم بن الحجاج النيسابوري – كتاب صحيح مسلم، 7/123 رقم الحديث 38.

(21) محمد بن إسماعيل البخاري – كتاب صحيح البخاري 4/1602، رقم الحديث 4154.

(22) حاشية السندي علىٰ سنن الترمذي: 3/693.

(23) محمد بن عيسىٰ النسائي – كتاب سنن الترمذي 6/293، رقم الحديث 4055.

(24) قوت المغتذي علىٰ جامع الترمذي: 2/1004.

(25) محمد بن عيسىٰ النسائي – كتاب سنن الترمذي: 6/294، رقم الحديث 4057.

(26) محمد ابن ماجه القزويني – كتاب سنن ابن ماجه: 74، رقم الحديث 116.

(27) مسلم بن الحجاج النيسابوري – كتاب صحيح مسلم 4/1871رقم الحديث 32.

(28) آل عمران: ٦١.

(29) مسلم بن الحجاج النيسابوري – كتاب صحيح مسلم، 7/130 رقم الحديث 61.

(30) الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل: 1/370.

(31) فضائل الصحابة (أحمد بن حنبل): 2/647.

(32) مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب: 281.

Edit Template
Scroll to Top