هل تبعدنا مواقع التواصل الاجتماعي عن اللّه تعالى

المقدمة:

في هذا الزمن الذي نحن فيه تغزو الشاشات كلَّ جانب من جوانب الحياة، وكلَّ ركن من أركان حياتنا، أصبحنا نستيقظ علىٰ أصوات منبّهات الهواتف الذكية، ونقضي نهارنا وليلنا نتقلّب بين تطبيقٍ وآخر، ثم نختتم يومنا بنظرةٍ أخيرة إلىٰ شاشة الهاتف أو الحاسوب.

وبين هذه اللحظات المتسارعة، قلّما نستحضر أن لنا روحًا تحتاج إلىٰ خلوةٍ مع الله سبحانه وتعالىٰ، وقلبًا يفتقر إلىٰ طمأنينةٍ لا تُوجَد في تطبيقٍ ولا في مقطعٍ مقتطع.

وقد نبَّه القرآن الكريم إلىٰ خطورة الانشغال عن ذكر الله، فقال:

﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ (المنافقون: 9).

كيف إذا كان المال والولد قد يُلهيان، فكيف بوسائل التواصل التي تملأ ساعات حياتنا دون وعي، وتصرفنا عن صلاتنا وخشوعنا وتأملنا؟

وسائل التواصل الاجتماعي، التي تُعدّ جزءًا من مظاهر هذا العصر الرقمي، هي منصات إلكترونية تتيح للناس التفاعل، وتبادل المعلومات، والصور، ومقاطع الفيديو، والتعليق علىٰ الأحداث، وغيرها من هذه الأمور؛ ومن أشهرها: (فيسبوك، إنستغرام، تيك توك، واتساب، ويوتيوب).

هي أدوات في ظاهرها للتواصل، لكنها في كثير من الأوقات قد تصبح وسائل انشغال، وإلهاء.

الإنسان وهو يسير في طريق الحياة يحمل معه عالمًا كاملًا كبيرًا، يمكنه أن يتّصل بأي شيء، ويشغلهُ عن كلّ ما هو جوهري.

فالسؤال هنا ولابدّ أن نطرحه هو:

هل ما تزال علاقتنا صادقةً مع الله سبحانه وتعالىٰ؟ أم أن وسائل التواصل الاجتماعي أخذت منا الخشوع والتقرّب إلىٰ الله؟ وأبعدتنا عنه؟

قال الإمام علي (عليه السلام):

«من شغل نفسه بما لا يجب، ضيّع من أمره ما يجب»(1).

وهذا بالضبط ما نعيشه اليوم، حين تأخذنا الأجهزة والشاشات إلىٰ انشغالات ثانوية تُبعدنا عن صلاتنا، تأملنا، وخلواتنا مع الله.

وقد جاءت إشارات عديدة في كلام أهل البيت (عليهم السلام) منها ما جاء علىٰ لسان أمير المؤمنين (عليه السلام) إلىٰ مثل هذه الغفلة بقوله:

«من اشتغل بغير المهمّ ضيّع الأهمّ»(2).

وهذا تمامًا ما نعيشه اليوم، حين تأخذنا الأجهزة والشاشات إلىٰ انشغالات ثانوية تُبعدنا عن صلاتنا، تأملنا، وخلواتنا مع الله.

إنَّ مثل هذه التساؤلات تفرض نفسها علينا، لا كي ندين وسائل التواصل الاجتماعي، ولكن لنستفيق قبل أن تكون وسائل التواصل الاجتماعي أكثر حضورًا في أيامنا من ذِكر الله سبحانه وتعالىٰ.

ليست غايتنا من هذا الكلام هو إظهار أخطاء وسائل التواصل الاجتماعي أن ندعو لمقاطعتها، بل أن نستخدمها في الطريق الصحيح، فهي كما لها جانب مظلم لها جانب يُنير لنا الطريق والقلب ويقربنا من الله سبحانه وتعالىٰ.

يهدف هذا البحث إلىٰ دراسة تأثير وسائل التواصل الاجتماعي علىٰ علاقة الإنسان بالله سبحانه، وكيفية التعامل معها بشكل يحافظ علىٰ الخشوع والتقرُّب إلىٰ الله سبحانه وتعالىٰ.

وسائل التواصل الاجتماعي سلاح ذو حدَّين:

المشكلة ليست في وسائل التواصل الاجتماعي بحدِّ ذاتها، ولا في أي وسيلةٍ من وسائل التكنولوجيا الحديثة، فهذه الأمور – في أساسها – نعمةٌ من نِعَم الله سبحانه وتعالىٰ، وأداة يمكنها أن تستخدم في موارد الخير أو في موارد الشر، في البناء أو في الهدم.

وهذا ما يُعبّر عنه القرآن الكريم بمنهج التمييز بين الوسائل والمقاصد، إذ يقول تعالىٰ:

﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ﴾ (الملك: 23)، تشير هذه الآية إلىٰ أنَّ الله وهبنا السمع والبصر والقلب، وهي نعم عظيمة يجب أن نشكرها باستخدامها فيما يرضي الله، وليس في اللهو والعبث، فالسمع والبصر أدوات للتمييز بين الخير والشر، وينبغي أن نستخدمها في طاعة الله، لا في الترفيه المفرط الذي يبعدنا عن ذكره.

ويمكنك القول هنا: إنَّ وسائل التواصل الاجتماعي امتداد للسمع والبصر؛ لأنَّه يمكننا من خلال وسائل التواصل الاجتماعي أن نرىٰ ونسمع من هو حولنا كما نرىٰ في العين، الأذن، فيمكن للإنسان أن يستخدم السمع، والبصر بالخير أو بالشر، لذلك أنَّ وسائل التواصل الاجتماعي في منزلة السمع والبصر.

وقد ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «الدُّنْيَا دَارُ مَمَرٍّ لا دَارُ مَقَرّ، وَالنَّاسُ فِيهَا رَجُلَانِ: رَجُلٌ بَاعَ نَفْسَهُ فَأَوْبَقَهَا، وَرَجُلٌ ابْتَاعَ نَفْسَهُ فَأَعْتَقَهَا»(3).

فهل نحن اليوم من خلال هذه الأدوات – الشاشات – نبيع أنفسنا للهوىٰ، أم نبتاعها بالانضباط.

ولعلَّ أخطر ما في التكنولوجيا اليوم هو أنَّها تُلبِس الغفلة ثوبَ (الترفيه)، وتُزيِّن من التساهل باسم (المتابعة)، حتَّىٰ يكون وقتنا عبارة عن سيلٍ هادرٍ من ما تعرضه الشاشات، دون هدفٍ أو وعي.

وقد نُهي الإنسان عن أن يكون عبثيًا في حياته، كما ذكره الله سبحانه وتعالىٰ: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً﴾ (المؤمنون: 115).

فيجب أن تكون حياة الإنسان المؤمن من دون عبثٍ دائمٍ يُفرّغ قلبه، ويشتِّت هدفه، ويُميت وَعْيَه.

هل نحاسَب على ضياع الوقت وهدره؟

في زماننا الحاضر تمرّ علينا الدقائق من غير أن نشعر بها، نُمسك الهاتف لخمس دقائق فنفاجأ بمرور ساعات، هنا ينطلق السؤال: هل يحاسبنا الله علىٰ هذه الساعات؟

كما تعلم أنَّ أثمن ما نملكه في عالمنا هذا هو الوقت، وقد أكَّده القرآن الكريم بعبارات صريحه: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَىٰ اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (التوبة: 105)، فالله سبحانه وتعالىٰ حاشاه أن يخلقنا عبثًا، وكل وقتٍ يُسأل عنه العبد، حتَّىٰ أنَّه صرَّح بذلك وقال سبحانه وتعالىٰ: ﴿لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها﴾ (الكهف: 49)، وقد ذكر مفاد هذا عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في حديثٍ: «لا تزولُ قدمُ عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّىٰ يُسألَ عن أربع: عن عمره فيما أفناه…»(4).

فلاحظ أنَّ أوَّل ما يُسأل عنه الإنسان هو العمر، قبل الأعمال والأموال، لأنَّ الوقت فيه تتحقق كل الأعمال، فهل يحق لنا أن نضيّع وقتنا في أمور لا تنفع؟

ومن هنا نريد القول: إنَّ المشكلة اليوم أنَّ أدوات العصر لا تسرق الوقت فحسب، بل تسرق معه الانتباه والتركيز، فتفرّغ العقل من القصد، والقلب من النية، والروح من الخشوع.

كيف نحمي إيماننا وسكينتنا وسط هذا الانشغال؟

في زمن كثرت فيه الصور والمقاطع، وتنافست فيه التطبيقات علىٰ جرِّ الإنسان إليها، التي تَغِيبُ أوقات التأمُّل، وفرص الخُشوع، ويذهب معه ما تبقّىٰ من سكينةِ القلب، الآن يجب أن نسأل أنفسنا: هل نُحسن التعامل مع هذا السيل، أم نغرق فيه؟

يتألف الجواب من خطوات جميلة:

* أن نجعل وقت لله تعالى لا يشغلنا عنه شيء آخر: اجعل لنفسك وقتًا ثابتًا لا تنشغل به في الهواتف الذكية أو الحاسوب أو أي شيء من موارد وسائل التواصل الاجتماعي، أي انفرد به مع الله سبحانه وتعالىٰ، حتَّىٰ لو كانت دقائق معدودة، لكن يلزمها أن تكون صادقة وثابتة، وهذا ما قد جاء به القرآن الكريم: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلىٰ صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ (المؤمنون: 9) فالالتزام بأوقات العبادة، وسط جميع هذه الانشغالات، هي دليل وعلامة علىٰ الإيمان.

* اختيار ما يمكنه أن يغذي القلب: ففي عالم مليء بالخير والشر ومفتوح، أنت أول من يتحمَّل مسؤولية الاختيار، هل تتابع ما يُقربك إلىٰ الله؟ أو تسمح بما يبعدك منه؟

وقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): «مَن أصغىٰ إلىٰ ناطق فقد عبده، فإن كان الناطقُ عن الله فقد عبد الله، وإن كان الناطقُ عن الشيطان فقد عبد الشيطان»(5).

* تنظيم استخدام وليس الترك: ليس من الواجب ترك وسائل التواصل الاجتماعي ، بل يجب عليك أن تُحسن إدارتها، فوسائل التواصل الاجتماعي التي تلهيك يمكنها أن تذكرك، متىٰ ما أحسنت الاستخدام.

هل يمكن أن تخدم التكنولوجيا ديننا؟

يمكننا من خلالها أن ندعو إلىٰ الله عبر منشور أو مقطع قصير، أو أي مورد من موارد وسائل التواصل الاجتماعي، هذا ما حثَّ عليه القرآن الكريم في قوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعا إِلَىٰ اللهِ وَعَمِلَ صالِحاً﴾ (فصّلت: 33).

الخاتمة:

وسائل التواصل الاجتماعي ليست عدوًّا، ولكنها امتحانٌ يومي.

قد تكون وسيلةَ غفلة… أو طريقةَ لليقظة.

والقرار عندك.

احمِ قلبك، نظِّم وقتك، وقرِّب هاتفك من الله، لا من الغفلة.

﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرىٰ﴾ (الأعلىٰ: 9).

الهوامش:


(1) عيون الحكم والمواعظ: ص456.

(2) غرر الحكم، رقم: 8633.

(3) نهج البلاغة: الحكمة 133.

(4) الكافي: ج2، ص453.

(5) الكافي: ج6، ص434.

Edit Template
Scroll to Top