أحكام الأعجمي العبادية المشروطة بالتلفُّظ
دراسة تحليلية استدلالية في الفقه الجعفري
حيدر هاشم المالكي
المقدّمة:
يُعدُّ الفقه الجعفري، المستند إلىٰ تعاليم ومبادئ النبي الأكرم (صلَّىٰ الله عليه وآله) وأئمة أهل البيت (عليهم السلام) أحد المدارس الفقهية الرئيسية التي أثَّرت بعمق في الفكر الإسلامي وشكَّلت منطلقات هامة لتوجيهات الشريعة الإسلامية.
يقدِّم هذا البحث استعراضاً معمّقاً للمسائل الفقهية المتعلّقة بالأعجمي، مع تحليل دقيق لآراء فقهاء هذه المدرسة حول هذه المسائل، لم نستوعب كل الأحكام الشرعية العبادية بل تناولنا هنا بعض التطبيقات الفقهية.
فنسلِّط الضوء علىٰ الأبعاد الشرعية والفقهية المتعلّقة بإسلام الأعجمي، وأحكام التلبية في الحج والعمرة، وتلاوة القرآن الكريم، واستخدام اللغة الأعجمية في المساجد، وذلك من خلال منهجية تحليلية مقارِنة تعتمد علىٰ المصادر الأصلية للفقه الجعفري وآراء كبار الفقهاء.
تركنا باقي الأحكام المشروطة بالتلفُّظ إلىٰ دراسات أُخرىٰ كمباحث الصلاة ومقدماتها.
إنَّ أهمية هذا البحث تنبع من الحاجة إلىٰ فهم أعمق وأشمل للمسائل الفقهية المتعلّقة بالأعجمي في الفقه الجعفري، وذلك لتوفير إسهام علمي رصين في الأدبيات الفقهية.
ولإبراز حقيقة جامعية الدين الإسلامي الحنيف المتمثّلة في الفرقة الناجية؛ في تناوله لمختلف حالات المكلَّف.
ثم إنَّ هذه المقالة تتضمَّن خمسة مباحث، وهي:
المبحث الأوَّل: مباحث تمهيدية في المفاهيم التصورية للأحكام العبادية المختصة بالأعجمي.
المبحث الثاني: بيان كيفية إسلام الكافر الأعجمي.
المبحث الثالث: بيان أحكام التلبية في الحج والعمرة للأعجمي.
المبحث الرابع: بيان أحكام تلاوة القرآن الكريم للأعجمي.
المبحث الخامس: بيان حكم رطانة الأعجمي في المساجد.
في الختام: لعلَّنا وفّقنا في دراسة جامعة لهذا الموضوع مع تشعُّب مفاصلها وانتشار أبحاثها في مختلف الأبواب الفقهية.
المبحث الأوَّل: مباحث تمهيدية في المفاهيم التصورية للأحكام العبادية المختصَّة بالأعجمي:
درجت البحوث العلمية علىٰ تقديم المعاني اللغوية والاصطلاحية للمفردات الواقعة في عنوان البحث، وجرياً علىٰ هذه الطريقة الحسنة التي تُعطي بصيرةً في الشروع بالبحث، وتُثري القارئ معرفةً بالمراد من المفردات المهمّة، وتعطي تحديداً للمفاهيم التصورية لما نريد أن نبحث في هذه المقالة، لذا نشرع بتعريف المفردات لغةً واصطلاحاً علىٰ شكل مطالب، وهي:
المطلب الأوَّل: بيان المقصود من الأحكام العبادية:
إنَّ لفظ الأحكام جمع حكم، وهو في أصل اللغة بمعنىٰ المنع، كما قال ابن منظور في لسان العرب: (العرب تقول: حكمت وأحكمت وحكمت بمعنىٰ منعت ورددت، ومن هذا قيل للحاكم بين الناس حاكم، لأنَّه يمنع الظالم من الظلم)(1)، والراغب في المفردات: (حَكَمَ أصله: منع منعاً لإصلاح)(2)، والخليل في العين: (أحكم فلان عنِّي كذا، أي: منعه)(3)، والجوهري في الصحاح: (وحكمت الرجل تحكيماً، إذا منعته مما أراد)(4). وقد جاء في لغة العرب بمعانٍ أخرىٰ أيضاً، كالأمر والقضاء والقانون والقرار(5)، ومن هنا ظهر أنَّ الحكم لغةً هو المنع.
أمَّا الحكم في اصطلاح الفقه قد عُرِّف في كلمات الفقهاء والأصوليين بمعانٍ عديدةٍ، نذكر منها:
الأوَّل: خطاب الشرع المتعلّق بأفعال المكلّفين، كما عن الشهيد الأوَّل حيث قال في قواعده: (الحكم خطاب الشرع المتعلق بأفعال المكلّفين بالاقتضاء أو التخيير. وزاد بعضهم أو الوضع)(6).
ونظيره ما جاء في كلمات الفاضل المقداد؛ حيث قال: (الحكم خطاب الشرع المتعلّق بأفعال المكلَّفين بالاقتضاء أو التخيُّر أو الوضع)(7).
وقد أشكل السيد الشهيد محمد باقر الصدر علىٰ هذا التعريف بأنَّ الخطاب ليس بحكم، بل هو دالٌّ علىٰ الحكم وكاشفٌ عنه(8).
الثاني: ما عن الشهيد الصدر من أنَّ الحكم الشرعي هو التشريع الصادر من الله تعالىٰ لتنظيم حياة الإنسان، سواءٌ كان متعلّقاً بأفعاله، كالأحكام التكليفية، أو بذاته، أو بأشياء أخرىٰ داخلة في شؤون حياته، كالزوجية والملكية، حيث قال: (الحكم الشرعي هو: التشريع الصادر من الله تعالىٰ لتنظيم حياة الإنسان. والخطابات الشرعية في الكتاب والسنة مبرزة للحكم وكاشفة عنه، وليست هي الحكم الشرعي نفسه)(9).
ويمكن المناقشة فيه: بأنَّ قضيةَ تنظيم حياة الإنسان حكمةُ تشريع الحكم لا نفس حقيقة الحكم. فضلاً عن كونه أشبه بالتعريف اللفظي؛ لأنَّ التشريع هو الحكم.
الثالث: ما عرَّفه المحقّق النائيني بقوله: (إنَّه المجعول المتعلّق بعمل المكلَّفين اقتضاءً أو تخيُّراً)(10).
ومراده من: (الاقتضاء) أي اقتضاء الفعل أو الترك بالأمر أو النهي إلزامياً كان أو غير إلزامي، فيشمل الوجوب والاستحباب والحرمة والكراهة، والمراد من (التخيُّر) هو الإباحة.
فعليه لا يكون هذا التعريف جامعاً؛ لعدم شموله للحكم الوضعي. كما أشكل بذلك الشيخ السيفي المازندراني(11)، وربّما هذا ما دفع الشهيد الأوَّل، والمقداد السيوري -كما تقدَّم تعريفهما- لإضافة قيد (أو بالوضع) إلىٰ التعريف هروباً من إشكال عدم الجامعية.
لكنَّ تعريفهما لا يخلوأيضاً من إشكال الترديد في التعريف.
بالإضافة إلىٰ إشكال السيد الشهيد الصدر المتقدّم.
والظاهر أنَّ الإشكال واردٌ علىٰ المحقّق النائيني بناءً علىٰ كون الحكم الوضعي ليس بمجعولٍ للشارع مستقلاً، بل منتزعاً من الحكم التكليفي، وهو محل خلاف بين الأعلام، فقد ذهب جماعةٌ إلىٰ كون الحكم الوضعي مجعولاً علىٰ نحو الاستقلال -بل هو المشهور بين المتأخّرين والمعاصرين(12)-، كالشيخ البهائي في زبدة الأُصول(13)، والفاضل التوني في الوافية في أُصول الفقه(14)، والوحيد البهبهاني في الفوائد الحائرية(15)، والميرزا القمي في قوانين الأُصول(16).
والتأمُّل يقتضي بكون كل ما قرَّره الشارع واعتبره -سواء كان سبباً، أو شرطاً تامّاً أو ناقصاً، أو مانعاً، أو ملكيةً، أو زوجيةً، أو طهارةً، أو نجاسة، أو ولايةً- هو مجعولاً بجعل الشارع واعتباره. وليس الحكم إلَّا ما جعله الشارع وقرَّره بالاعتبار، سواءٌ كان بلسان الأمر والنهي ضمن المركّب أو بلسان تعليق صحة الواجب أو بطلانه عليه أو الحكم بطهارة شيءٍ أو نجاسته.
ولقد أجاد السيد الإمام الخميني (قدّس سرّه) في بيان كون الحكم الوضعي مجعولاً علىٰ نحو الاستقلال؛ حيث قال: (لا إشكال في أنَّ كل مقرَّر وقانون من مقنِّن نافذ في المجتمع يطلق عليه الحكم، فيقال: حكم الله تعالىٰ بحرمة شرب الخمر ووجوب صلاة الجمعة، وحكمه بضمان اليد والإتلاف، وحكمه بنجاسة الكلب والخنزير، وحكمه بأنَّ المواقيت خمسة أو ستة، وكذا يقال: حكم السلطان بأنَّ جزاء السارق كذا وسعر الأجناس كذا وكذا. وبالجملة كل مقرّر وقانون عرفي أو شرعي- ممن له أهلية التقرير والتقنين- حكم، تكليفاً كان أو وضعاً. ولا تخرج المقرّرات الشرعية أو العرفية من واحد منهما ولا ثالث لهما… وبالجملة لا إشكال في كون النبوة والإمامة والخلافة من المناصب الإلهية التي جعلها الله وقرَّرها. فهي من الأحكام الوضعية أو من الوضعيات، وإن لم يصدق عليها الأحكام. فاستيحاش بعض أعاظم العصر (رحمهم الله)، من كون أمثال ذلك من الأحكام الوضعية في غير محلّه، إلَّا أن يرجع إلىٰ بحث لغوي… فالتحقيق أنَّ جميع المقرّرات الشرعية تنقسم إلىٰ الوضع والتكليف ولا ثالث لهما. نعم صدق الحكم علىٰ بعضها أوضح من صدقه علىٰ الآخر، بل في بعضها غير صادق، لكن كلامنا ليس في صدق الحكم وعدمه، بل في مطلق الوضعيات، صدق عليها أو لا؟)(17).
وهو ما يظهر من السيد الشهيد محمد باقر الصدر عند تعريفه للحكم الوضعي، حيث قال: (وهو كل حكم يشرّع وضعاً معيّناً يكون له تأثير غير مباشر علىٰ سلوك الإنسان، من قبيل الأحكام التي تنظّم علاقات الزوجية، فإنَّها تشرِّع بصورة مباشرة علاقة معيّنة بين الرجل والمرأة تؤثِّر بصورة غير مباشرة علىٰ السلوك وتوجِّهه؛ لأنَّ المرأة بعد أن تصبح زوجة مثلاً تلزم بسلوك معيَّن تجاه زوجها، ويسمَّىٰ هذا النوع من الأحكام بالأحكام الوضعية)(18).
بينما ذهب عدّةٌ من الأعلام إلىٰ كونه منتزعاً من الحكم الشرعي التكليفي، بل هو المشهور-كما نسبه إليهم الشيخ الأنصاري-(19)، كالشهيد الأوَّل في ذكرىٰ الشيعة في أحكام الشريعة(20)، وفي القواعد والفوائد(21).
كما يلوح ذلك من كلمات الشيخ الأعظم الأنصاري: (إنَّ النجاسة -كما حكاه المفصِّل عن الشهيد- ليست إلَّا عبارة عن وجوب الاجتناب والتطهير الحاصل من التيمّم ليس إلَّا إباحة الدخول في الصلاة المستلزمة لوجوب المضيّ فيها بعد الدخول فهما اعتباران منتزعان من الحكم التكليفي)(22).
الرابع: إنشاء إلزام أو جواز، كما قال الشهيد الأوَّل في القواعد والفوائد: (الحكم إنشاء إطلاق أو إلزام في المسائل الاجتهادية وغيرها، مع تقارب المدارك فيها، مما يتنازع الخصمان لمصالح المعاش)(23).
وهو ما جاء أيضاً في كلمات صاحب الجواهر؛ حيث قال: (أمَّا الحكم فهو إنشاءُ إنفاذٍ من الحاكم -لا منه تعالىٰ- لحكمٍ شرعي أو وضعي أو موضوعهما في شيء مخصوص)(24).
وقد أشكل علىٰ هذا التعريف الشيخ السيفي المازندراني بأنَّ هذا التعريف للحكم الإنشائي القضائي الصادر من الحاكم القاضي والوالي، لا الحكم الإلهي الفتوائي المبحوث عنه في المقام، حيث إنَّ الفرق بينهما يظهر في أمورٍ، وهي:
1- إنَّ الحكم إنشاء إلزام وإنفاذٍ من جانب القاضي بالاستناد إلىٰ دليل شرعي، بينما الفتوىٰ إخبار الفقيه عمّا استنبطه من الأدلّة من الحكم الشرعي الكلِّي في مقام الاجتهاد.
2- إنَّ الحكم يرجع في الحقيقة إلىٰ تطبيق حكم كلِّي علىٰ مورد جزئي وقع فيه النزاع والخصومة بين المترافعين، فإنَّ إنشاء الإنفاذ من جانب الحاكم يبتني علىٰ تطبيقه الحكم الشرعي الكلِّي الذي استنبطه من الأدلة علىٰ مورد الإنشاء والإنفاذ. بينما الفتوىٰ ترجع إلىٰ استنباط المجتهد حكماً شرعياً كلياً من أدلَّته التفصيلية وإعلانه للمقلّدين علىٰ نحو القضية الحقيقية، وإن كانت أحياناً بصورة التطبيق علىٰ مورد بإلقاء قضية شخصية خارجية باقتضاء سؤال السائل، إلَّا أنَّها ترجع في الحقيقة إلىٰ إعلان حكم كليٍّ.
3- إنَّ الحكم يرجع إلىٰ مصالح المعاش وقلع مادة النزاع والخصومة بين الناس في أمورهم اليومية الراجعة إلىٰ عيشهم وترابطهم أو إثبات موضوع خارجي كالهلال أو إجراء حدٍّ من حدود الله تعالىٰ، ولا يتعلَّق بالعبادات، بل وليس مشروعاً فيها. بينما الفتوىٰ فإنَّها تتعلَّق بالأعم من العبادات والمعاملات، ولذا لا نفوذ للحكم في العبادات، بخلاف الفتوىٰ فإنَّها لا اختصاص لحجيَّتها بموردٍ دون موردٍ.
4- إنَّ الحكم لا يجوز نقضه للغير، حتَّىٰ في المسائل الخلافية بل ولو كان المحكوم عليه مجتهداً، إلَّا إذا ادَّعىٰ جور الحاكم في حكمه وشكا في ذلك إلىٰ حاكم آخر. فيجوز له حينئذٍ نقضه، إذا ثبت له شرعاً جور الحاكم الأوَّل في حكمه، أو بان خطأُ مستنده في الحكم.
5- إنَّ الحاكم في الحكم هو القاضي؛ نظراً إلىٰ صدور الحكم بإنشائه، بينما الفتوىٰ فالحاكم فيه هو الشارع، وإنَّما الفقيه يخبر بالفتوىٰ عن حكمه، وعليه فالحكم الفتوائي يشرّعه الشارع وينشئُه بالخطابات اللفظية، ولكن الحكم الحكومي ينشئه الحاكم في مقام القضاء والإلزام(25).
الخامس: ما عن السيد الخوئي في مصباح الأُصول بأنَّ الحكم الشرعي هو عبارة عن اعتبار نفساني من المولىٰ لمصلحة من مصالح العباد، حيث قال (قدّس سرّه) بهذا الصدد: (فالحكم عبارة عن اعتبار نفساني من المولىٰ، وبالإنشاء يبرز هذا الاعتبار النفساني، لا أنَّه يوجد به كما مرّ، فهذا الاعتبار النفساني تارة يكون بنحو الثبوت وأنَّ المولىٰ يثبت شيئاً في ذمَّة العبد، ويجعله دَيناً عليه، كما ورد في بعض الروايات أنَّ دَين الله أحق أن يقضىٰ، فيعبر عنه بالوجوب، لكون الوجوب بمعنىٰ الثبوت، وأخرىٰ يكون بنحو الحرمان، وأنَّ المولىٰ يحرم العبد عن شيء ويسد عليه سبيله، كما يقال في بعض المقامات: إنَّ الله تعالىٰ لم يجعل لنا سبيلاً إلىٰ الشيء الفلاني، فيعبر عنه بالحرمة، فإنَّ الحرمة هو الحرمان عن الشيء، كما ورد أنَّ الجنة محرَّمة علىٰ أكل الربا مثلاً، فإنَّ المراد منه المحرومية عن الجنة، لا الحرمة التكليفية، وثالثة يكون بنحو الترخيص وهو الإباحة بالمعنىٰ الأعم، فإنَّه تارة يكون الفعل راجحاً علىٰ الترك، وأخرىٰ بالعكس، وثالثة لا رجحان لأحدهما علىٰ الآخر، وهذا الثالث هو الإباحة بالمعنىٰ الأخص)(26).
وقد ناقش فيه الشيخ السيفي المازندراني بأنَّ الحكم هو متعلّق الجعل والاعتبار، لا نفسهما(27).
السادس: ما عن السيد الإمام الخميني من أنَّ الحكم عبارة عن كل مقرَّر وقانون عرفي أو شرعي ممّن له أهلية التشريع والتقنين، تكليفاً كان أو وضعاً(28).
يردّه: كونه غيرَ مانعٍ من دخول الأحكام العرفية والوضعية.
ويتلخَّص مما تقدَّم كون تعريف المحقِّق النائيني -أنَّ الحكم الشرعي هو المجعول المتعلّق بعمل المكلّفين اقتضاءً أو تخيُّراً- هو الأصح من بين التعاريف المتقدّمة؛ لخلوّه من الأشكال.
بعد أن تبيَّن المراد من الأحكام الشرعية فيما تقدَّم، يجدر بنا الوقوف علىٰ معنىٰ كونها عباديةً، لكي يتَّضح المراد منها هنا.
أمَّا العبادة لغةً فهي مصدر، يُشتق منه فعل (عَبَدَ، يَعبُدُ)، وهو يفيد معنىٰ الخضوع والتذلُّل، فيقال: فلان استَعْبَدَ فلان، أي: اتَّخذه عبداً، ولفظ (عَبَدَ) لا يقال إلَّا لمن عَبدَ الله(29).
وهذا المعنىٰ جاء أيضاً في مجمع البحرين: (العبادة هي غاية الخضوع والتذلُّل، ولذلك لا تحسن إلَّا لله تعالىٰ الذي هو مولىٰ أعظم النعم، فهو حقيق بغاية الشكر)(30).
أمَّا العبادة في الاصطلاح فقد بيَّنه الشيخ حسن المصطفوي بقوله: (إنَّ الأصل الواحد في المادّة -أي في مادة العبادة-: هو غاية التذلُّل في قبال مولىٰ مع الإطاعة)، ثم أشار إلىٰ أقسام العبادة بأنَّها إمَّا أن تكون بالتكوين: وهي التذلُّل علىٰ حسب التكوين وبمقتضاه، لا بحسب الاختيار الثانوي وباقتضاء التعقُّل والتفكُّر، كقوله تعالىٰ: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً﴾ (مريم: 93)، أو بالاختيار: هو التعبُّد طوعاً وبحسب التعقُّل والتفكُّر، كقوله تعالىٰ: ﴿قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ﴾ (الأعراف: 65)، أو بالجعل؛ كقوله تعالىٰ: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ (البقرة: 178)(31).
ومن هنا قسَّم الشهيد محمد باقر الصدر الأحكام الشرعية إلىٰ العباديات والتوصليات بملاك أخذ قصد القربىٰ بامتثالها، حيث قال: (توجد في الشريعة أشياء أمر الله سبحانه وتعالىٰ بها وشرط فيها علىٰ المكلَّف أن يأتي بها من أجله سبحانه وتعالىٰ، أي بنية القربة فلا تقع صحيحة إلَّا إذا كانت مع نية القربىٰ، وتسمَّىٰ هذه الأشياء بالعبادات، وخلافاً لها أشياء أخرىٰ أمر الله سبحانه وتعالىٰ بها ولم يشترط علىٰ المكلَّف أن يأتي بها بنية القربة فيكون المكلَّف بالخيار إن شاء أتىٰ بها من أجله سبحانه وتعالىٰ وإن شاء بها بدافع من دوافعه الخاصة وهي في الحالتين تقع صحيحة وكافية، وتسمَّىٰ هذه الأشياء بالتوصليات، أي أنَّ المقصود بها شرعاً مجرَّد التوصُّل إلىٰ فوائدها بدون اشتراط كيفية مخصوصة في أدائها)(32).
ومن هذا يُعلم كون العباديات تقابل التوصليات، وحيث إنَّ الأشياء تعرف بأضدادها، فلزم علينا الولوج في بحث التعبُّدي والتوصُّلي بما يناسب المقام.
وقد بحث الأُصوليون التعبُّدي والتوصُّلي في ضمن بحثهم عن أقسام الواجب، فالواجب ينقسم عندهم إلىٰ التعبُّدي والتوصُّلي، كما في كلمات غير واحدٍ، منهم الشيخ محمد رضا المظفر، حيث قال: (كل متفقِّه يعرف أنَّ في الشريعة المقدسة واجبات لا تصح ولا تسقط أوامرها إلَّا بإتيانها قربية إلىٰ وجه الله تعالىٰ. وكونها قربية إنَّما هو بإتيانها بقصد امتثال أوامرها أو بغيره من وجوه قصد القربة إلىٰ الله تعالىٰ، علىٰ ما ستأتي الإشارة إليها. وتسمَّىٰ هذه الواجبات (العباديات) أو (التعبديات) كالصلاة والصوم ونحوها. وهناك واجبات أخرىٰ تسمَّىٰ (التوصليات) وهي التي تسقط أوامرها بمجرَّد وجودها وإن لم يقصد بها القربة، كإنقاذ الغريق، وأداء الدين، ودفن الميت، وتطهير الثوب والبدن للصلاة، ونحو ذلك)(33).
أو ضمن تقسيمهم لنفس الوجوب كما جاء في كلمات المحقِّق الخراساني في الكفاية حيث قسّم الوجوب إلىٰ الوجوب التوصُّلي والتعبّدي، قائلاً: (الوجوب التوصُّلي، هو ما كان الغرض منه يحصل بمجرَّد حصول الواجب، ويسقط بمجرَّد وجوده، بخلاف التعبُّدي، فإنَّ الغرض منه لا يكاد يحصل بذلك، بل لابدَّ -في سقوطه وحصول غرضه- من الإتيان به متقرِّباً به منه تعالىٰ)(34).
ومنه يعرف مرادهم من التوصُّلي بأنَّه الأمور التي أمر الله سبحانه وتعالىٰ بها ولم يشترط علىٰ المكلَّف أن يأتي بها بنية القربة، فيكون المكلَّف بالخيار إن شاء أتىٰ بها من أجله سبحانه وتعالىٰ وإن شاء أتىٰ بها بدافع من دوافعه الخاصة، وهي في الحالتين تقع صحيحة وكافية.
أي أنَّ المقصود بها شرعاً مجرَّد التوصُّل إلىٰ فوائدها بدون اشتراط نية مخصوصة في أدائها(35).
وفي مقابلة التعبّدي وهي الأمور التي أمر الله سبحانه وتعالىٰ بها وشرط فيها علىٰ المكلَّف أن يأتي بها من أجله سبحانه وتعالىٰ، أي بنية القربة، فلا تقع صحيحة إلَّا بها(36).
ولا يفوتنا أن نذكر بأنَّ الفقهاء -لا سيما القدماء(37)– ربَّما يطلقون عنوان التعبُّدي في كلماتهم علىٰ معنىٰ آخر غير ما تقدَّم. فيريدون منه كل واجب لم يُعلم وجه إيجابه، بأن كان من التعبّديات المحضة التي يجب التعبُّد بها، مثل كثير من الأحكام في باب الطهارة والنجاسة والصلاة وغيرها من العبادات، بل في المعاملات بلحاظ الشرائط والقيود المعتبرة فيها شرعاً، وأحكامها.
ويراد من التوصلي حينئذٍ ما كان تعلُّق الأمر به في خطاب الشارع لغرض الإرشاد إلىٰ شيء سواء كان إرشاداً إلىٰ مصلحةٍ عائدةٍ إلىٰ المكلَّف نفسه؛ من صحة بدنه أو حياته الكريمة الرغيدة، ونحو ذلك، كما في قوله (عليه السلام): «كلوا البطيخ فإنَّ فيه عشر خصال مجتمعة: هو شحمة الأرض لا داءٌ فيه ولا غائلة، وهو طعام وشراب وهو فاكهة وهو ريحان وهو أشنان وهو أدم ويزيد في الباه ويغسل المثانة ويدر البول»(38)، وكما جاء في ما رواه سليمان الجعفري عن الإمام الرضا (عليه السلام) أنَّه قال: مرضت حتَّىٰ ذهب لحمي فدخلت علىٰ الرضا (عليه السلام) فقال: «أَيَسرّك أن يعود إليك لحمك»؟ فقلت: بلىٰ، قال: «الزم الحمام غِبّاً(39)، فإنَّه يعود إليك لحمك، وإيَّاك أن تدمنه، فإنَّ إدمانه يورث السل»(40). أو كان إرشاداً إلىٰ حكم وضعي، من شرطية شيءٍ أو سببيته أو نجاسته وتحصيل طهارته.
وقد أشار الشيخ محمد رضا المظفر إلىٰ هذا المعنىٰ بقوله: (وللتعبُّدي والتوصُّلي تعريف آخر كان مشهوراً عند القدماء، وهو أن التوصُّلي: ما كان الداعي للأمر به معلوماً. وفي قباله التعبّدي، وهو: ما لم يعلم الغرض منه. وإنَّما سمي تعبُّدياً، لأنَّ الغرض الداعي للمأمور ليس إلَّا التعبُّد بأمر المولىٰ فقط)(41).
وقد اعترض عليه بأنَّه ليس بصحيحٍ إلَّا إذا كان اصطلاحاً آخر غير ما نحن فيه، حيث قال: (ولكن التعريف غير صحيح، إلَّا إذا أريد به اصطلاح ثانٍ للتعبُّدي والتوصُّلي، فيراد بالتعبُّد التسليم لله تعالىٰ فيما أمر به وإن كان المأمور به توصُّلياً بالمعنىٰ الأوَّل، كما يقولون مثلاً: (نعمل هذا تعبّداً) ويقولون: (نعمل هذا من باب التعبُّد) أي نعمل هذا من باب التسليم لأمر الله وإن لم نعلم المصلحة فيه)(42).
ونستخلص من كل ما تقدَّم أنَّ الحكم الشرعي التعبُّدي هو المجعول المتعلّق بعمل المكلَّفين اقتضاءً أو تخيُّراً، مُتقرَّباً به إلىٰ الله تعالىٰ. وبيانه بأنَّ الحكم الشرعي التعبُّدي هو ما كان مجعولاً في عهدة المكلَّف سواء كان علىٰ نحو الأمر أو النهي، وسواء كان إلزامياً أو غير إلزامياً، أو كان علىٰ نحو الإباحة، لكن كل ذلك مقيَّد بكونه لا يقع صحيحاً إلَّا بنية القربة ولأجله تعالىٰ، وبهذا القيد تخرج الأحكام غير العبادية التي لا يشترط فيها أن تؤتي بداعي التقرُّب به، وإن جاز ذلك.
المطلب الثاني: المراد من الأعجمي:
إنَّ المراد من الأعجمي في اللغة العربية أحد معنيين:
الأوَّل: هو من يمتنع لسانه من العربيّة ولا يفصح، سواء كان من العجم أم من العرب. وأصل الكلمة: الأعجم، وهو من لا يفصح ولا يبيّن كلامه وإن كان عربيّاً، وغالباً ما يطلق علىٰ غير العربي ممّن ينطق بلغات أُخرىٰ من اللغات المختلفة؛ لأنَّ العرب لم تكن ترىٰ كلامه مفصحاً ومعبّراً بالنسبة إليها.
وهذا ما يظهر من غير واحد من اللغويين:
حيث ذكر الراغب الأصفهاني ذلك تحت مادة (عجم)، حيث قال: (عجم: العجمة خلاف الإبانة، والأعجام الإبهام، واستعجمت الدار إذا بان أهلها ولم يبق فيها عريب أي من يبين جواباً، ولذلك قال بعض العرب: خرجت عن بلاد تنطق، كناية عن عمارتها وكون السكان فيها. والعجم خلاف العرب، والعجمي منسوب إليهم، والأعجم من في لسانه عجمة عربياً كان أو غير عربي اعتباراً بقلة فهمهم عن العجم. ومنه قيل للبهيمة عجماء والأعجمي منسوب إليه، قال:
﴿وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلىٰ بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾ [الشعراء: 198])(43).
وقد صرَّح الجوهري في أنَّ الأعجمي هو من لا يبيِّن ولا يفصح حتَّىٰ وإن كان عربياً نسباً، حيث قال: (والأَعْجَمُ أيضاً: الذي لا يُفصح ولا يُبِين كلامَه، وإن كان من العرب. والمرأة عَجْمَاءُ، ومنه زيادٌ الأَعْجَمُ الشاعرُ. والأَعْجَمُ أيضاً: الذي في لسانه عُجْمَةٌ وإن أفصح بالعَجَمِيَّةِ)(44).
ومن هنا شدَّد أبو العباس الفيوميّ في مصباحه علىٰ أنَّ الوصف بأنَّ الشخص أعجمياً ليست مسبةً أو من قبيل ذكر العيب، بل المراد منها عدم البيان والوضوح وإن كان من نفس العرب، حيث قال: (الْعُجْمَةُ فِي اللِّسَانِ بِضَمِّ الْعَيْنِ لكنة وَعَدَمُ فَصَاحَةٍ وَعَجُمَ بِالضَّمِّ عُجْمَةً فَهُوَ أَعْجَمُ وَالمَرْأَةُ عَجْمَاءُ وَهُوَ أَعْجَمِيٌّ بِالْأَلِفِ عَلَىٰ النِّسْبَةِ لِلتَّوْكِيدِ أَيْ غَيْرُ فَصِيحٍ وَإِنْ كَانَ عَرَبِيّاً وَجَمْعُ الْأَعْجَمِ أَعْجَمُونَ وَجَمْعُ الْأَعْجَمِيِّ أَعْجَمِيُّونَ عَلَىٰ لَفْظِهِ أَيْضاً، وَعَلَىٰ هَذَا فَلَو قال لِعَرَبِيٍّ يَا أَعْجَمِيُّ بِالْأَلِفِ لَمْ يَكُنْ قَذْفاً لِأَنَّهُ نَسَبَهُ إلَىٰ الْعُجْمَةِ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي الْعَرَبِ، وَكَأَنَّهُ قَالَ: يَا غَيْرَ فَصِيحٍ وَبَهِيمَةٌ عَجْمَاءُ لِأَنَّهَا لَا تُفْصِحُ وَصَلَاةُ النَّهَارِ عَجْمَاءُ لِأَنَّهُ لَا يُسْمَعُ فِيهَا قِرَاءَةٌ. وَاسْتَعْجَمَ الْكَلَامُ عَلَيْنَا مِثْلُ اسْتَبْهَمَ)(45).
الثاني: من لا ينطق من إنسان أو حيوان، ومؤنثة عجماء(46). وكما دلَّ عليه كلام الراغب الأصفهاني المتقدّم.
وقد فرَّق بين الأعجمي والعجمي في كتاب نصوص في بعض قراء القرآن بقوله: (والفرق بين الأعجمي والعجمي أنَّ الأعجمي الذي لا يتكلَّم بالعربية وإن كان عربي الأصل والعجمي منسوب إلىٰ العجم وإن كان فصيحاً)(47).
أمَّا في الاصطلاح فالمراد منه في عرف الفقهاء هو نفس المعنىٰ اللغوي وليس لهم اصطلاح خاصّ، نعم، لكن بمناسبة كثرة الابتلاء بالعجمة اعتاد الفقهاء إطلاق كلمة الأعجمي علىٰ غير العربي، نتيجة خاصية عدم النطق الفصيح والواضح. وقد وردت كلمة الأعجمي في النصوص الشرعية وكلمات الفقهاء، إليك نماذج منها:
حسنة محمد بن حكيم، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أصلحك الله، الرجل الأعجمي والمرأة الضعيفة يكونان مع الجمال الأعرابي فإذا أفاض بهم من عرفات مرَّ بهم كما هم إلىٰ منىٰ لم ينزل بهم جمعاً قال: «أليس قد صلوا بها فقد أجزأهم»، قلت: فإن لم يصلوا ؟ قال: «فذكروا الله فيها فإن كانوا ذكروا الله فيها فقد أجزأهم»(48).
خبر النوفلي عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال النبي: إنَّ الرجل الأعجميّ من أُمَّتي ليقرأ القرآن بعجمته، فترفعه الملائكة علىٰ عربيّته»(49).
خبر مسعدة بن صدقة، قال: سمعت جعفر بن محمد (عليه السلام) يقول: «إنَّك قد ترىٰ من المحرم من العجم لا يراد منه ما يراد من العالم الفصيح، وكذلك الأخرس في القراءة في الصلاة والتشهُّد وما أشبه ذلك، فهذا بمنزلة العجم، والمحرم لا يراد منه ما يراد من العاقل المتكلّم الفصيح»(50).
وقال العلّامة في منتهىٰ المطلب: وتكره المخاطبة بلسان العجم فيه. روىٰ الشيخ عن السكونيّ، عن جعفر، عن أبيه، عن آبائه (عليهم السلام) قال: «نهىٰ النبيّ (صلَّىٰ الله عليه وآله) عن رطانة الأعاجم في المساجد»)(51)، وقال المحقِّق الكركي في جامع المقاصد: (وتكره المخاطبة بلسان العجم في المسجد، لنهي النبي (صلَّىٰ الله عليه وآله) عن رطانة الأعاجم في المساجد)(52)، وذكرها الشهيد الأوَّل في البيان(53)، والشهيد الثاني في الدروس(54).
المطلب الثالث: بيان الفقه الجعفري وأهم خصائصه:
إنَّ الفقه في اللغة هو الفهم، كما في الصحاح: (الفقه: الفهم. قال أعرابي لعيسىٰ بن عمر: شهدت عليك بالفقه)(55)، أي بالفهم. وقال الفيومي في المصباح المنير: (الفقه: فهم الشيء، قال ابن فارس: وكل علم لشيء فهو فقه)(56)، بينما ذهب في القاموس المحيط إلىٰ كونه العلم بالشيء: (فقه: أصل واحد صحيح يدلّ علىٰ إدراك الشيء والعلم به)(57).
وقد فرَّق حسن مصطفوي بين الفقه والعلم بقوله: (إنَّ الأصل الواحد في المادّة: هو فهم علىٰ دقّة وتأمُّل، وبهذا القيد يفترق عن موادّ العلم والمعرفة والفهم وغيرها. فالتفقّه تفعل، ويدلّ علىٰ اختيار الفهم والدقّة. والفقه غير مخصوص بالكلام، بل في كلِّ موضوع يقتضي الفهم والدقّة والتأمُّل فيه: يصدق فيه التفقّه)(58).
ومن هنا ذهب طاهر الغرباوي إلىٰ أنَّ الفقه في اللغة هو معرفة الشيء بدقةٍ وإمعان، حيث قال: (لا يسمَّىٰ الإنسان فقيهاً بمجرَّد العلم السطحي بل حينما يستوعب الأمور ويفهمها، وعليه يصبح الفقه في اللغة بمعنىٰ معرفة الشيء بدقةٍ وإمعان)(59).
أمَّا في اصطلاح الفقهاء فالفقه كان في الصدر الأوَّل يستعمل في فهم أحكام الدين جميعاً، سواء كانت متعلّقة بالإيمان والعقائد وما يتعلَّق بها، أم كانت أحكام الفروج والحدود والصلاة والصيام.
وبعد فترة تخصّص استعماله فصار يعرف بأنَّه علم الأحكام من الصلاة والصيام والفروض والحدود(60).
وقد استقرَّ تعريف الفقه -اصطلاحاً كما يقول الشهيد الأوَّل- علىٰ (العلم بالأحكام الشرعية العملية عن أدلتها التفصيلية لتحصيل السعادة الأخروية)(61).
بينما اشتهر(62) تعريفه بما عرّف به الشيخ حسن بن الشهيد الثاني بأنَّه: (العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلّتها التفصيليّة)(63). حاذفاً منه قيد (لتحصيل السعادة الأخروية). والحق معه في ذلك لأنَّ الفقه ليس فقط لتحصيل السعادة الأخروية، بل شاملٌ لتحصيل السعادة الدنيوية كذلك، بالإضافة إلىٰ أنَّ هذا القيد خارجٌ عن حقيقة المعرَّف؛ فإنَّه العلم بالأحكام إلىٰ آخر تعريف صاحب المعالم، سواء حصلت غايته أو لا.
وقد بيَّن الشيخ حسن في معالمه قيود التعريف، بقوله: (فخرج بالتقييد بالأحكام العلم بالذوات كزيد مثلاً، وبالصفات ككرمه وشجاعته، وبالأفعال ككتابته وخياطته. وخرج بالشرعية غيرها كالعقلية المحضة واللغوية. وخرج بالفرعية الأصولية. وبقولنا (عن أدلتها): علم الله سبحانه، وعلم الملائكة والأنبياء، وخرج بالتفصيلية علم المقلد في المسائل الفقهية، فإنَّه مأخوذ من دليل إجمالي مطَّرد في جميع المسائل، وذلك لأنَّه إذا علم أنَّ هذا الحكم المعيّن قد أفتىٰ به المفتي، وعلم أنَّ كلَّما أفتىٰ به المفتي، فهو حكم الله تعالىٰ في حقِّه، يعلم بالضرورة أنَّ ذلك الحكم المعيّن هو حكم الله سبحانه في حقِّه. وهكذا يفعل في كل حكم يرد عليه)(64).
وقد ردَّ ما يمكن أن يشكل به علىٰ التعريف بكونه غير جامع؛ لكون العلم بجميع الأحكام الشرعية عن أدلَّتها التفصيلية يوجب خروج جميع الفقهاء أو أكثرهم عنه، بأنَّ العلم المقصود هنا هو التهيؤ له.
وبكونه غير مانع؛ لكون العلم ببعض الأحكام الشرعية عن أدلَّتها التفصيلية يوجب دخول المقلِّد إذا كان مجتهداً متجزئاً، بأنَّه علىٰ القول بعدم تجزؤ الاجتهاد فالأمر واضح؛ لأنَّ الشخص الذي لا يعلم بالأحكام الشرعية عن أدلَّتها التفصيلية ليس بمجتهدٍ بل مقلِّدٍ.
وأمّا علىٰ القول بإمكان التجزئة بالاجتهاد، فإنَّه يكون داخلاً في التعريف فيما يكون قادراً علىٰ الاستنباط فيه(65).
وقد عبَّر عنه السيد محمد باقر الصدر بأسلوب آخر بقوله: (هو العلم بالدليل علىٰ تحديد الموقف العملي من الشريعة في كل واقعة، والموقف العملي من الشريعة الذي يقيم علم الفقه الدليل علىٰ تحديده، هو (السلوك الذي تفرضه علىٰ الإنسان تبعيته للشريعة لكي يكون تابعاً مخلصاً لها وقائماً بحقِّها)، وتحديد الموقف العملي بالدليل هو ما نعبّر عنه ب(عملية استنباط الحكم الشرعي). ولأجل هذا يمكن القول بأنَّ علم الفقه هو علم استنباط الأحكام الشرعية، أو علم عملية الاستنباط بتعبير آخر)(66).
وهو كما ترىٰ لا جديد فيه؛ فإنَّه قد استبدل قيد (بالأدلة التفصيلية) بعملية الاستنباط، وهي تؤول إليها.
وما قد يقال: إنَّ تعريف المشهور غيرُ جامعٍ؛ لخروج الأصول العملية باعتبارها وظائف عملية يصار إليها عند فقد الدليل -ولعلَّ هذا ما دفع غيرُ واحدٍ من الأعلام السيد محمد تقي الحكيم بأن يجعل تعريف الفقه مردداً بين الأحكام والوظائف، حيث قال في تعريفه بأنَّه: (مجموع الأحكام الشرعية الفرعية الكلية أو الوظائف المجعولة من قبل الشارع، أو العقل عند عدمها)(67)-، لكنَّه غير وجيه؛ فقد قسَّم الأُصوليون أدلة الفقه من ناحية نوع الحكم الثابت بها إلىٰ الأدلّة الاجتهادية والأدلّة الفقاهتية أو ما يعبّر عنها بـ(الأصول العملية)، والمقصود بالاجتهادية ما يثبت به الحكم الشرعي الواقعي ويحرزه ويكشف عنه، فتكون لوازمه حجة أيضاً، وبالفقاهتية ما يثبت الوظيفة العملية للمكلّف عند الشكّ وعدم إحراز الحكم الشرعي الواقعي، فتكون الوظيفة الشرعية ثانوية عند الشكّ في الحكم الواقعي(68).
وبذلك تدخل الأدلّة الفقاهتية في قيد (الأدلة التفصيلية) الوارد في تعريف المشهور.
وبذلك نعرف أنَّ تعريف المشهور للفقه بأنَّه العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلّتها التفصيليّة، مما لا غبار عليه.
وقد عُرِف مذهب الإمامية بمسمَّيات منها الفقه الإمامي نسبة إلىٰ إيمانه بأئمة أهل البيت وكالفقه الجعفري أيضاً نسبة إلىٰ الإمام جعفر الصادق بالخصوص(69)؛ وذلك لانفراج التضييق الذي تعمدته السلطات الجائرة علىٰ أئمة أهل البيت وأتباعهم منذ رحيل النبي (صلَّىٰ الله عليه وآله)، مما سمح بانتشار فقه أهل البيت (عليهم السلام) في الفترة التي صاحبت تغيُّر الدولة من أموية إلىٰ عباسية، وانشغال العباسيين أنفسهم بتثبيت أركان دولتهم الفتية، مما دعا الإمام الصادق (عليه السلام) إلىٰ نشر علوم آل محمد بدون خوف أو وجل نسبياً، بالإضافة إلىٰ أنَّ نفس تلك الفترة تعدّ فترة ظهور المذاهب الفقهية والكلامية حيث ما من مسلمٍ إلَّا وينسب إلىٰ اتِّجاه فكري معيَّن(70)، فقيل لمتَّبعي أهل البيت (عليهم السلام) (الجعفرية) لكونها فترة إمامة السابع منهم وهو جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام).
وأيضاً يسمَّىٰ بفقه الاثني عشرية؛ تمييزاً له عمَّن سواه من فِرَق الشيعة عموماً، والتي تتَّفق في فكرة الإمامة مع اختلافها في تطبيقها علىٰ مصاديقها، خصوصاً الفِرَق الثلاث الباقية اليوم: الزيدية؛ وهم الذين يرون إِمامة زيد وكلّ من قام بالسيف من بني فاطمة، وكان مجمعاً للخصال الحميدة، والإسماعيليّة: وهم الذين يجعلون الإمامة بعد الصادق (عليه السلام) في ابنه إسماعيل دون موسىٰ وبنيه (عليهم السلام)، والاثني عشرية؛ وهم القائلون بإمامة الاثني عشر، وولادة الثاني عشر ووجوده اليوم حيّاً ويترقَّبون كلّ حين ظهوره(71).
إنَّ مصادر التشريع أو أدلة الأحكام الشرعية عند الإمامية أربعة: الكتاب والسُنَّة والعقل والإجماع. قال السيد محمد البجنوردي: (إنَّ الشيعة تعتقد أنَّ الأحكام الشرعية طراً -من المعاملات والسياسات والعبادات وغيرها- تبتنىٰ علىٰ الأدلة الأربعة، الكتاب والسُنَّة والعقل والإجماع)(72).
وهو ما أكَّده الشيخ جعفر السبحاني بقوله: (المشهور عند الأصوليين من أصحابنا انحصار الأدلّة في أربعة، أعني: الكتاب والسُنَّة والإجماع والعقل، ويعبّر عنها في كلماتهم بالأدلّة الأربعة)(73).
وهنا نكتتان لابدَّ من الإشارة إليهما إجمالاً:
الأولىٰ: أنَّ الأُصوليين من الجعفرية المعتقدين بكون العقل والإجماع من أدلة الأحكام الشرعية يعنون بهما معنىٰ خاصاً، فالإجماع هو الاتِّفاق الكاشف -عادةً- عن قول المعصوم، لا مطلق الاتِّفاق، فلا حجية له ما لم ينتهي إلىٰ الكشف عن قول المعصوم.
وهذا صريح عبارتهم، منها ما قاله الشيخ محمد رضا المظفر: (إنَّهم لا يعتبرونه -الإجماع- دليلاً مستقلاً في مقابل الكتاب والسُنَّة، بل إنَّما يعتبرونه إذا كان كاشفاً عن السُنَّة، أي عن قول المعصوم. فالحجية والعصمة ليستا للإجماع، بل الحجة في الحقيقة هو قول المعصوم الذي يكشف عنه الإجماع عندما تكون له أهلية هذا الكشف).
فعدّ الإجماع دليلاً مستقلاً عن السُنَّة يكون نوع مسامحة، كما قاله الشيخ السيفي المازندراني: (لا إشكال في كون الإجماع بنفسه ليس دليلاً مستقلاً عن السنة وأجنبياً عنها، بل إنَّما هو كاشف عن رأي المعصوم الذي هو بنفسه من قبيل السُنَّة؛ إمَّا لكشفه عن رواية موجودة أو عن ارتكاز مصبّه ورسوخ معقدة بعنوان حكم الشارع في عصر ارتكاز متشرّعة الأئمة المعصومين (عليهم السلام) وشيعتهم.
وعليه ففي عدّ الإجماع دليلاً رابعاً -من الأدلّة الأربعة مستقلاً عن الثلاثة- نوعٌ من المسامحة، وإلَّا فليس شأن الإجماع غير أحد الكواشف عن السُنَّة، من فعل المعصوم أو قوله أو تقريره)(74).
وعليه تكون حقيقة الأدلة التي يستفاد منها الحكم الشرعي ثلاثة لا أربعة.
وأمَّا الدليل العقلي فمرادهم منه لا مطلق الاستدلالات الفلسفية والمنطقية، بل مرادهم من الدليل العقلي الذي هو حجَّة أصولية إنَّما هو حكم العقل البديهي العملي بالفعل أو الترك(75).
وقد عرَّفه السيد محمد باقر الصدر بأنَّه: (القضايا التي يدركها العقل ويمكن أن يستنبط منها حكم شرعي، كالقضية العقلية القائلة بأنَّ إيجاب شيء يستلزم إيجاب مقدمته)(76)، لكن لابدَّ من تقييده بالقطعي في مقابل الظني إذ إنَّ المراد من المدركات العقليّة التي يرىٰ الأصوليون أنَّ لها الدليليّة علىٰ الحكم الشرعي هي خصوص المدركات العقليّة القطعيّة، لا الظنيّة لأنَّها خارجة عن مقصود الأُصوليي الإمامية.
وقد أشار محمد صنقور البحراني إلىٰ أنَّ هذا القيد في مقابل ما أخذ به أهل السُنَّة من أحكام عقلية ظنية كالقياس والاستحسان، حيث قال: (وبهذا يتَّضح أنَّ النزاع الواقع بين الأصوليين والإخباريين إنَّما هو في المدركات العقليّة القطعيّة، وهو غير النزاع الواقع بين الإمامية وبين أهل السُنَّة حيث ذهب كثير من أهل السُنَّة إلىٰ حجيّة الظنون العقليّة، وهو ما يمنعه جميع الإماميّة دون استثناء، وما وقع من بعض الأخباريين من نسبة القول بحجيّة الظنون العقليّة الىٰ الأصوليين فهو ناشئ عن الغفلة عما هو مبنىٰ الأصوليين في الدليل العقلي أو ناشئ عمّا وقع في بعض كلمات الأصوليين في مقام معالجة بعض المسائل الشرعيّة الفرعيّة، إذ إنَّ بعض كلماتهم قد توهم تبنّي الظنون العقليّة إلَّا أنَّ ذلك ناشئ عن الاشتباه في تطبيق كبرىٰ حجيّة الدليل العقلي القطعي علىٰ صغرياته)(77).
الثانية: أنَّ الأخباريين من الجعفرية لم يعتقدوا بكون العقل والإجماع من أدلة الأحكام؛ حيث حصروها بالكتاب والسُنَّة، وقد صرَّح الشيخ يوسف البحراني بذلك، حيث قال: (فإنَّ من أظهر ما اعتمدوه فرقاً في المقام هو كون الأدلة عند المجتهدين أربعة: (الكتاب والسُنَّة والإجماع ودليل العقل) الذي هو عبارة عن البراءة الأصلية والاستصحاب. وأمَّا عند الأخباريين فالأولان خاصة)(78).
ومما يميز هذا الاتِّجاه الفقهي عن الاتِّجاه الأُصولي أمورٌ، منها: عدم اعتماد الأدلّة العقلية والفلسفية في مجال الاستنباط والاجتهاد الفقهي، واعتبارها كاجتهاد الرأي ملغاة في فقه أهل البيت (عليهم السلام)، وإنكار حجّية الإجماع، واعتباره مصدراً من مصادر التشريع في فقه العامّة(79).
ونحن هنا ليس في صدد ردّ مقولتهم هذه؛ لخروجه عن غرضنا من البحث، ولكثرة الأجوبة التفصيلية عليها، ويكفيك في ذلك النظر في كلمات الوحيد البهبهاني(80)، والشيخ الأنصاري(81)، والشيخ كاشف الغطاء(82)، وغيرهم(83).
ثم إنَّ الفقه الجعفري يمتاز بخصائص عن الفقه السُنِّي بمذاهبه المختلفة وكذلك عن الفقه الوضعي، يمكن إجمالها، بخصائص هي:
أوَّلاً: اتِّصال الفقه الجعفري بالوحي بطريقٍ معصومٍ؛ أعني النبي محمد وأوصيائه الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، وجعلهم النبي سفن النجاة، وأمن العباد، وعدلاء الذكر الحكيم حسبما تواترت الأخبار بذلك، وهذا الامتياز واضح بالنسبة للفقه الوضعي أو القانون الوضعي الذي يراد به القانون الذي تسنّه الحكومات الدنيوية التي ليس لها حجيّة شرعية(84)، أمَّا بالنسبة إلىٰ فقه المذاهب الأُخرىٰ فإنَّها لا تتَّصل بالنبي بطريق معصوم، فقد ورد عن أهل البيت أنَّه كلَّما ورد عنا فنحن نرويه عن النبي الأكرم، خصوصاً مع الالتفات إلىٰ الجامعة والصحيفة التي عندهم وفيها كلّ حلال وحرام وكلّ شيء يحتاج الناس إليه حتَّىٰ الأرش في الخدش(85). ويدل عليه بوضوح ما روي عن أَبي جعفرٍ أَنَّه قال: «لَو أنَّا حَدَّثْنَا بِرَأْيِنَا ضَلَلْنَا كَمَا ضَلَّ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا وَلَكِنَّا حَدَّثْنَا بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّنَا بَيَّنَهَا لِنَبِيِّهِ فَبَيَّنَهَا لَنَا»(86).
ثانياً: جامعية الفقه الجعفري وشموليته؛ باعتباره القانون الإلهي الأصيل الصادر من الله تعالىٰ لتنظيم حياة الإنسان، سواء كان يعيش في المدينة أو الريف أو في البرّ أو البحر، وسواء كان ذكراً أو أنثىٰ، وفي مختلف مفاصل الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والأخلاقية، ويدل علىٰ ذلك ما روي عن أبي عبد الله، قال: «إنَّ الله (عزَّ وجلَّ) لم يترك شيئاً مما يحتاج إليه إلَّا علَّمه نبيّه»(87).
ثالثاً: مرونة الفقه الجعفري وكونه ذا حركةٍ وحيويَّةٍ؛ فإنَّه يساير التكامل والتطوّر والفطرة السليمة، فلا يعجز في إيجاد حلولٍ لمشاكل الحياة التي تواجه الإنسان، حتَّىٰ اشتهر أنَّه ما من واقعة إلَّا ولها حكم في الشريعة الإسلامية -باعتبار أنَّ الإمامية هي الفرقة الناجية، والممثل الأصيل لشريعة نبي الإسلام (صلَّىٰ الله عليه وآله)- كما هو مقتضىٰ شموليتها. ومن شواهد ذلك المسائل المستحدثة التي تمثل اليوم فرعاً مهماً من فروع الفقه الجعفري.
رابعاً: عدم الجمود والتحجُّر علىٰ ما عند السلف؛ إذ يظهر ذلك جلياً في فتح باب الاجتهاد؛ الذي هو من المميزات الواضحة لفقه الجعفرية في مقابل غلقه عند أهل السُنَّة، وقد أدرك كبار علمائهم مدىٰ الحاجة الملحة إلىٰ فتح باب الاجتهاد، ومتابعة الجعفرية في ذلك، حيث يقول أحمد أمين: (وقد أصيب المسلمون بحكمهم علىٰ أنفسهم بالعجز، وقولهم: بإقفال باب الاجتهاد لأنَّ معناه لم يبق في الناس من تتوفَّر فيه شروط المجتهد، ولا يرجىٰ أن يكون ذلك في المستقبل، وإنَّما قال: هذا القول بعض المقلدين: لضعف ثقتهم بأنفسهم، وسوء ظنهم بالنا)(88).
وقد أكَّد هذا المعنىٰ محمد رشيد رضا: (ولا نعرف في ترك الاجتهاد منفعة ما، وأمَّا مضاره فكثيرة، وكلّها ترجع إلىٰ إهمال العقل، وقطع طريق العلم، والحرمان من استغلال الفكر، وقد أهمل المسلمون كل علم بترك الاجتهاد، فصاروا إلىٰ ما نرىٰ)(89).
خامساً: الاهتمام بحكم العقل القطعي؛ مما ينفرد به الفقه الجعفري الأخذ بحكم العقل القطعي(90)، بل أسبغ عليه أسمىٰ ألوان التقديس فاعتبره رسول الله الباطني(91)، وما عبد به الرحمن، واكتسب به الجنان(92)، فإنَّ الفقه الإمامي يبحث في الملازمات العقلية حيث تترتَّب عليها المباني الاجتهادية للفقيه.
فالبحث في: هل أنَّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدِّه هو بحث في الحقيقة في وجود ملازمة عقلية أو عدم وجودها، فالعقل السليم والأحكام العقلية القطعية تتمتَّع بمتانة خاصة في فقهنا، ولهذا الموضوع أهمية كبيرة في جميع الأزمنة والظروف المختلفة، وبالتالي يترتَّب علىٰ هذه المسألة نتائج كثيرة جدًّا، ففي بعض الموارد يتقدَّم حكم العقل السليم والقطعي علىٰ الحكم المستوحىٰ من الرواية أو النص الذي يتقاطع ظاهراً مع حكم العقل الصريح)(93).
سادساً: سعة منابع الفقه الجعفري الحديثية؛ ويعود الفضل في ذلك إلىٰ العطاء الوافر للعترة الطاهرة والذي استمرَّ من عصر النبي الأكرم (صلَّىٰ الله عليه وآله) إلىٰ بداية زمان الغيبة الصغرىٰ، بينما الفقه السُنِّي يفتقد لهذا المنبع الواسع الزاخر المستمر؛ حيث ينحصر منبع الحديث عندهم بعصر النبي الأكرم(94).
المبحث الثاني: بيان كيفية إسلام الكافر الأعجمي:
وفي هذا المبحث مطلبان:
المطلب الأوَّل: بيان معنىٰ الكافر والشهادتين لغةً واصطلاحاً:
أمَّا مادة كفر في اللغة بمعنىٰ كفر بالله يكفر كفراً وكفراناً، وكفر النعمة وبالنعمة أيضاً: جحدها. وكفر بكذا: تبرّأ منه. وكفرته: سترته. ويقال للفلاح: كافر، لأنَّه يكفر البذر، أي يستره. كما جاء في المصباح المنير(95)، وفي مقاييس اللغة بأنَّ مادة كفر: أصل صحيح يدلّ علىٰ معنىٰ واحد، وهو الستر والتغطية، يقال لمن غطَّىٰ درعه بثوب: قد كفر درعه. والكفر: ضدَّ الإيمان، سُمّي لأنَّه تغطية الحقّ. وكذلك كفران النعمة: جحودها وسترها(96)، وفي تهذيب اللغة: (قال الليث: سمّىٰ الكافر كافراً، لأنَّ الكفر غطَّىٰ قلبه كلَّه. وقول آخر: وذلك أنَّ الكافر لما دعاه الله (جلّ وعزّ) إلىٰ توحيده فقد دعاه إلىٰ نعمة ينعم بها عليه، فلمَّا ردَّ ما دعاه إليه: كان كافراً نعمة الله أي مغطّياً لها بإبائه)(97).
وقد انتهىٰ الشيخ حسن المصطفوي في تحقيق كلمات القرآن الكريم إلىٰ أنَّ الأصل في هذه المادة هو الردّ وعدم الاعتناء بشيء. ومن آثاره التبرِّي، المحو، التغطية(98).
وفي الاصطلاح الفقهي فقد عرَّفه الدكتور أحمد فتح في معجم ألفاظ الفقه الجعفري، بأنَّه مَن ينكر أو يشك في وجود الله أو وحدانيته أو نبوة النبي محمد (صلَّىٰ الله عليه وآله)، أو المعاد يوم القيامة، أو ضرورة من ضروريات الدين كوجوب الصلاة وحرمة الخمر(99)، قريب منه ما ذكره الشيخ ياسين عيسىٰ العاملي، بقوله: (الكافر وهو من انتحل غير الإسلام أو انتحله وجحد ما يعلم من الدين ضرورة بحيث يرجع جحوده إلىٰ إنكار الرسالة أو تكذيب النبي (صلَّىٰ الله عليه وآله) أو تنقيص شريعته المطهّرة)(100).
أمَّا الشهادتان لغةً: فهي من مادة شهد، وهي أصل يدلّ علىٰ حضور وعلم وإعلام(101)، وقد ذكر الشيخ حسن المصطفوي في تحقيق كلمات القرآن الكريم أنَّ الشهادة (يلازمها الإظهار والإعلام بما يعلمه، وهذا هو الشهادة العرفيّة… ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ للهِ﴾ [الطلاق: 2])(102).
وفي الاصطلاح فهي الإقرار بوحدانية الله تعالىٰ، ورسالة النبي محمد (صلَّىٰ الله عليه وآله)، وتتحقَّق بقول: أشهد أن لا إله إلَّا الله، وأشهد أنَّ محمداً رسول الله، وبإظهارها تصان الأرواح والنفوس والأموال والفروج(103)، وقال صاحب الجواهر: ((كلمة الإسلام) نصاً وفتوىٰ (أن يقول: أشهد أن لا إله إلَّا الله، وأنَّ محمداً رسول الله) أو ما في معناهما)(104)، وقال في كتاب الصلاة من الجواهر: (وشرعاً كما في جامع المقاصد الشهادة بالتوحيد والرسالة والصلاة علىٰ النبي (صلَّىٰ الله عليه وآله) وفي المحكي عن الروض أنَّه شهادة لله بالتوحيد ولمحمد (صلَّىٰ الله عليه وآله) بالرسالة)(105)، وقد اعتبر الشيخ الصدوق الإسلام هو الإقرار بالشهادتين(106).
المطلب الثاني: حكم إسلام الكافر الأعجمي من جهة النطق بالشهادتين:
إنَّ الكافر الذي يريد الدخول إلىٰ الإسلام إن كان يستطيع النطق بالشهادتين مع التوجُّه إلىٰ معناها فلا إشكال في تحقُّق إسلامه بها، قال الشهيد الثاني في المسالك: (المعتبر في اتِّصافه بالإسلام أن يشهد أن لا إله إلَّا الله وأنَّ محمداً رسول الله، لأنَّ النبي (صلَّىٰ الله عليه وآله) كان يكتفي بذلك من الأعراب ومن يظهر الإسلام)(107).
وإن كان لا يستطيع النطق بها فيجوز له حينئذٍ أن يأتي ما يرادفها ويدخل الإسلام بها، وهذا ما صرَّح به كاشف الغطاء في كشفه، حيث قال: (ويتحقَّق الإسلام بقول: (أشهد أن لا إله إلَّا الله، محمّد رسول الله) أو بما يُرادفها ولا يحتمل غير معناها من أيّ لُغة كانت، وبأيِّ لفظٍ كان. فإذا قالها حُكم بإسلامه)(108)، وإن كان لا يستطيع أن يأتي بما يرادفها من لغة العرب وكان من يفهم لغته من المسلمين جاز له الدخول إلىٰ الإسلام بالشهادة بلغته، كما قال الشهيد في المسالك: (يصحّ إسلام الأخرس بالإشارة المفهمة كما تصحّ عقوده بالإشارة. فإذا كان أبواه كافرين فأسلم بالإشارة المفهمة حكم بإسلامه وأجزأ عتقه. وفي حكمه الأعجمي الذي لا يفهم لغته)(109)، بل يكفي في الإقرار بالإسلام الأعجمي أن يكون إقراره بالإشارة كما استدل الشهيد الثاني في المسالك له بالمروي: (أَنَّ رَجُلاً أَتَىٰ النَّبِيَّ (صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ [وآله] وَسَلَّمَ) بِجَارِيَةٍ سَوْدَاءَ أَعْجَمِيَّةٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ عَلَيَّ عِتْقَ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ (صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ [وآله] وَسَلَّمَ): «أَيْنَ اللهُ»؟ فَأَشَارَتْ إِلَىٰ السَّمَاءِ بِإِصْبَعِهَا السَّبَّابَةِ، فَقَالَ لَهَا: «مَنْ أَنَا»؟ فَأَشَارَتْ بِإِصْبَعِهَا إِلَىٰ رَسُولِ اللهِ (صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ [وآله] وَسَلَّمَ) وَإِلَىٰ السَّمَاءِ، أَيْ أَنْتَ رَسُولُ اللهِ، فَقَالَ: «أَعْتِقْهَا»)(110).
المبحث الثالث: بيان أحكام التلبية في الحج والعمرة للأعجمي:
في هذا المبحث مطلبان:
المطلب الأوَّل: بيان معنىٰ التلبية لغةً واصطلاحاً:
أمَّا التلبية لغةً فهي الإجابة، تقول: لبيك، معناه: قرباً منك وطاعة، لأنَّ الألباب القرب، أدخلوا الياء كيلا يتغيَّر المعنىٰ(111). وقد تأتي بمعنىٰ الإقامة في المكان، كما قاله الجوهري في الصحاح: (لبيت بالحج تلبية.. ولبيت الرجل، إذا قلت له: لبيك. قال يونس بن حبيب الضبي النحوي: لبيك ليس بمثنىٰ، وإنَّما هو مثل عليك وإليك. وحكىٰ أبو عبيد عن الخليل أنَّ أصل التلبية الإقامة بالمكان)(112).
أمَّا في الاصطلاح فهي كما عرَّفها الدكتور أحمد فتح الله، بقوله: (اصطلاحاً: قول الحاج (لبيك اللَّهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إنَّ الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك)(113)، لكنَّ اختلف الفقهاء في كفاية هذه الصيغة من التلبية، حيث توجد ثلاث صور فيها:
أوّلها: (لبّيك اللَّهم لبّيك، لبّيك لا شريك لك لبّيك).
وثانيتها: (لبّيك اللَّهم لبّيك، لبّيك لا شريك لك لبّيك، إنَّ الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك لبيك).
وثالثتها: (لبّيك اللَّهم لبّيك لبّيك، إنَّ الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك لبّيك).
وقد استند الفقهاء في ترجيح بعض هذه الصيغ علىٰ غيرها بالنصوص(114)، ومن هنا يظهر أنَّه لا اصطلاح للفقهاء في التلبية، بل هو اللغوي الذي يعني الإجابة بقول: (لبيك)، مع اختصاصه في الحج والعمرة، لا مطلقاً، مع إضافة أحد الصيغ الثلاث المتقدّمة.
المطلب الثاني: حكم تلبية الأعجمي:
إنَّ حكم تلبية الأعجمي يتصوّر بمقامين:
المقام الأوَّل: في ما كان الحج أو العمرة تمتعاً أو إفراداً:
في حج التمتع أو الإفراد وعمرتيهما قد اتَّفقت كلمة الفقهاء علىٰ أنَّه لا ينعقد الإحرام إلَّا بالتلبية، كما صرَّح به المحقِّق النجفي في الجواهر بقوله: (وكيف كان فلا خلاف في أنَّه لا ينعقد الإحرام لمتمتع بعمرة أو حجة ولا لمفرد معتمر ولا حاج إلَّا بها، بل الإجماع محصلاً ومحكياً في الانتصار والغنية والخلاف والجواهر والتذكرة والمنتهىٰ وغيرها علىٰ ما حكي عن بعضها عليه)(115).
ومن هنا يظهر أنَّه يجب علىٰ الحاج والمعتمر مطلقاً؛ سواء كان يحسن العربية أو لا، فيهما أن يأتي بالتلبية وفقاً لقواعد اللغة العربية الصحيحة. قال السيد الحكيم في المستمسك: (قال في التذكرة ومحكي المنتهىٰ: (لا تجوز التلبية إلَّا بالعربية مع القدرة، خلافاً لأبي حنيفة). وظاهره أنَّه لا خلاف فيه منا. لأنَّه المفهوم من الأدلة)(116).
ولذا يمكن أن نصوَّر في هذا المقام صورتين لحكم الأعجمي، وهما:
الصورة الأولىٰ: مع تمكُّنه من الإتيان بها بالعربية الصحيحة بحسب قواعد اللغة العربيّة، وأداء الحروف من مخارجها، إمَّا بالتعلُّم أو التلقين، فلا ريب في لزوم الإتيان بها حينئذٍ علىٰ الوجه الصحيح؛ لأنَّ ذلك هو المأمور به، كما قاله العلامة الحلِّي في التذكرة، واستدلّ به للوجوب، حيث قال: (ولا يجوز التلبية إلَّا بالعربية مع القدرة -خلافاً لأبي حنيفة- لأنَّه المأمور به، ولأنَّه ذكر مشروع، فلا يجوز بغير العربية، كالأذان)(117).
الصورة الثانية: مع عدم تمكُّنه من الإتيان بها بالعربية الصحيحة بحسب قواعد اللغة العربيّة، فهنا حالتان:
الحالة الأولىٰ: أن يستطيع الإتيان بالتلبية ملحوناً، وحكمه حينئذٍ الإتيان بالملحون؛ وهو ما لم يستبعده المحقِّق النجفي -أي القول بوجوب ما استطاع منها-، حيث قال: (ولا يبعد القول بوجوب ما استطاع منها، وإلَّا اجتزأ بالترجمة التي هي أولىٰ من إشارة الأخرس، ويحتمل الاستنابة؛ عملاً بخبر زرارة)(118).
ومقصوده من خبر زرارة هو أنَّ رجلاً من أهل خراسان قدم حاجًّا وكان أقرع الرأس لا يحسن أن يلبِّي، فاستفتي له أبو عبد الله (عليه السلام) فأمر له أن يلبِّي عنه، وأن يمر الموسىٰ علىٰ رأسه، فإنَّ ذلك يجزئ عنه(119).
واحتاط السيد اليزدي في هذه الصورة احتياطاً وجوبياً بالجمع بين الإتيان بالملحون والاستنابة، حيث قال: (اللازم الإتيان بها علىٰ الوجه الصحيح بمراعاة أداء الكلمات علىٰ قواعد العربية. فلا يجزي الملحون مع التمكُّن من الصحيح، بالتلقين، أو التصحيح. ومع عدم تمكُّنه فالأحوط الجمع بينه وبين الاستنابة)(120).
واعتبر السيد الإمام الخميني (قدّس سرّه) أنَّ الاستنابة الأولىٰ، فضلاً عن الاحتياط بالجمع بين الإتيان بها بالملحون والترجمة، حيث قال: (لا يجزي الملحون مع التمكُّن من الصحيح ولو بالتلقين أو التصحيح، ومع عدم تمكُّنه فالأحوط الجمع بين إتيانها بأيِّ نحو أمكنه، وترجمتها بلغته، والأولىٰ الاستنابة مع ذلك، ولا تصحّ الترجمة مع التمكُّن من الأصل)(121).
واستدل السيد الحكيم في المستمسك للاحتياط بقاعدة الميسور فضلاً عن خبر زرارة المتقدَّم. قال السيد الحكيم في المستمسك: (فإنَّ مقتضىٰ قاعدة الميسور الاجتزاء بالملحون. ومقتضىٰ خبر زرارة: (إنَّ رجلاً قَدِم حاجًّا لا يحسن أن يلبِّي، فاستفتي له أبو عبد الله (عليه السلام)، فأمر له أن يُلبَّىٰ عنه)، لزوم الاستنابة عنه)(122).
وقد استدل السيد الخوئي له بمعتبرة -علىٰ حدِّ تعبيره- مسعدة بن صدق، حيث قال: (والصحيح أن يستدل للاجتزاء بالملحون إذا لم يتمكَّن من الصحيح بمعتبرة مسعدة ابن صدقة، قال: سمعت جعفر بن محمّد (عليه السلام) يقول: «إنَّك قد ترىٰ من المحرِم من العجم لا يراد منه ما يراد من العالم الفصيح، وكذلك الأخرس في القراءة في الصّلاة والتشهُّد وما أشبه ذلك، فهذا بمنزلة العجم، والمحرِم لا يراد منه ما يراد من العاقل المتكلِّم الفصيح…»، فإنَّ المستفاد منها عدم الاكتفاء بالترجمة بالعجز عن الصحيح، وأنَّه يجب علىٰ كلِّ مكلَّف أن يأتي بالقراءة أو التلبية بالعربيّة ولا تصل النوبة إلىٰ الترجمة مع التمكُّن من العربيّة، فيجب عليه الإتيان بالعربيّة حدّ الإمكان ولو بالملحون، لأنَّ ما يراد من العربي العارف باللّغة لا يراد من الأعجمي الذي لا يتمكَّن من أداء الكلمات صحيحاً؛ إذ لا يراد منه ما يراد من العالم الفصيح العارف باللغة العربية، فالملحون يقوم مقام الصحيح)(123).
الحالة الثانية: أن لا يستطيع الإتيان بالتلبية ملحوناً، فقد وقع الخلاف بين الفقهاء فيه علىٰ أقوالٍ ثلاثة:
أوَّلها: وجوب الترجمة، وهو مختار صاحب المدارك، حيث قال: (ولو تعذَّر علىٰ الأعجمي التلبية فالظاهر وجوب الترجمة)(124).
ثانيها: وجوب الاستنابة، وهو مختار يحيىٰ بن سعيد الحلِّي في جامع الشرائع، حيث قال: (ومن لم يتأت له التلبية لبىٰ عنه غيره)(125).
ثالثها: وجوب الجمع بين الترجمة والنيابة، وذهب إليه الفاضل الهندي في كشف الخلاف، حيث قال: (ولا يبعد عندي وجوب الأمرين، فالترجمة لكونها كإشارة الأخرس وأوضح، والنيابة لمثل ما عرفت (من أنَّ أفعال الحجّ والعمرة تقبل النيابة ولا تبرئ الذمّة عنها بيقين ما لم يوقعها بنفسه أو نائبه))(126).
وذهب صاحب الجواهر إلىٰ وجوب ما استطاع من التلبية حينئذٍ وإن لم يقدر عليها أصلاً جاز له الترجمة، حيث قال: (فلا يبعد القول بوجوب ما استطاع منها، وإلَّا اجتزئ بالترجمة التي هي أولىٰ من إشارة الأخرس، ويحتمل الاستنابة عملاً بخبر زرارة)(127).
المقام الثاني: في ما كان الحج أو العمرة قِراناً:
في انعقاد الإحرام لحجِّ القِران بالتلبية فقط أو بها وبغيرها من التقليد والإشعار، اختلافٌ بين الفقهاء علىٰ أقوالٍ؛ فقد ذهب السيد المرتضىٰ وابن إدريس ووافقهما الفاضل الهندي علىٰ أنَّه لا ينعقد إلَّا بها، قال السيد المرتضىٰ بهذا الصدد: (ومما انفردت الإمامية به: القول بوجوب التلبية، وعندهم أنَّ الإحرام لا ينعقد إلَّا بها)(128)، وقال ابن إدريس في السرائر: (والتلبية التي ينعقد بها الإحرام فريضة، لا يجوز تركها علىٰ حال، والتلفُّظ بها دفعة واحدة، هو الواجب)(129).
وقد استدل السيد المرتضىٰ له بالإجماع، والنصوص، وكون فعل النبي (صلَّىٰ الله عليه وآله) إذا كان بياناً كان حكماً واجباً، قال السيد المرتضىٰ في الانتصار ما نصّه: (دليلنا: الإجماع المتردّد، ولأنَّه إذا لبىٰ دخل في الإحرام وانعقد بلا خلاف، وليس كذلك إذا لم يلب. ويمكن الاستدلال علىٰ ذلك بأنَّ فرض الحج مجمل في القرآن، وفعل النبي (صلَّىٰ الله عليه وآله) إذا ورد مورد البيان كان واجباً، لأنَّ بيان الشيء في حكمه، وقد روىٰ الناس كلّهم أنَّ النبي (صلَّىٰ الله عليه وآله) لبىٰ لما أحرم، فيجب بذلك وجوب التلبية. ويقوي ذلك ما رووه عنه (صلَّىٰ الله عليه وآله) من قوله: «خذوا عنِّي مناسككم»، ورووا عنه (صلَّىٰ الله عليه وآله) أنَّه قال: «أتاني جبرئيل (عليه السلام) فقال: مُر أصحابك بأن يرفعوا أصواتهم بالتلبية فإنَّها من شعار الحج».
ورووا عنه (صلَّىٰ الله عليه وآله) أنَّه قال لعائشة: «انفضي رأسك وامتشطي واغتسلي ودعي العمرة وأهلِّي بالحج، والإهلال التلبية، والأمر علىٰ الوجوب»(130).
بينما ظاهر الشيخ الطوسي في الجمل والمبسوط انعقاد الإحرام بالإشعار أو التقليد في صورة العجز عن التلبية، وقد وافقه غيرُ واحدٍ من الأعلام كابن براج وابن حمزة، فقد قال الشيخ الطوسي في المبسوط: (والتلبية الأربعة فريضة، وليس بركن إن تركه متعمداً فلا حجَّ له إذا كان قادراً عليه، فإن كان عاجزاً فعل ما يقوم مقامها من الإشعار والتقليد)(131).
وقال في الجمل: (وما ليس بركن فثمانية أشياء: 1- التلبيات الأربع مع الإمكان، أو ما يقوم مقامها مع العجز)(132).
وقال القاضي ابن براج في المهذب: (وعقد الإحرام بالتلبية، أو ما قام مقامها من الإيماء ممن لا يستطيع الكلام، أو الاشعار والتقليد من القارن والمفرد)(133).
وقال ابن حمزة الطوسي في الوسيلة: (وغير الركن ثمانية: التلبيات الأربع مع الإمكان أو ما يقوم مقامها مع العجز من الإيماء للأخرس، أو الإشعار، والتقليد)(134).
وقد أرجع الفاضل الهندي في كشف اللثام هذا القول للجمع بين نصوص المقام، حيث قال: (واشتراط الشيخ في الجمل والمبسوط وابنا حمزة والبراج الانعقاد بالإشعار أو التقليد ما يعجز عن التلبية، وكأنَّهم به جمعوا بين هذه الأخبار وعمومات نصوص الانعقاد بالتلبية)(135).
وقد أشكل عليه السيد الحكيم في المستمسك بأنَّ هذا الجمع لا شاهد عليه، حيث قال: (مثله في الإشكال ما عن الشيخ وابني حمزة والبراج، من اشتراط الانعقاد بغيرها بالعجز عنها إذ فيه: أنَّه جمع بلا شاهد. والجمع العرفي يقتضي ما ذكره المشهور)(136).
لكن ذهب المشهور من فقهاء الإمامية التخيير بين عقد الإحرام بالتلبية وبين الإشعار أو التقليد، كما قاله المحقِّق النجفي في الجواهر: (وأمَّا القارن فهو بالخيار إن شاء عقد إحرامه بها، وإن شاء قلَّد أو أشعر علىٰ الأظهر الأشهر، بل المشهور)(137)، ونسبه إلىٰ المشهور أيضاً صاحب المدارك، بقوله: (قوله: (والقارن بالخيار، إن شاء عقد إحرامه بها، وإن شاء قلّد أو أشعر)، علىٰ الأظهر. هذا هو المشهور بين الأصحاب)(138).
وقد استدل عليه السيد الحكيم في المستمسك بالنصوص، حيث قال: (للنصوص. منها: صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام): (قال (عليه السلام): «يوجب الإحرام ثلاثة أشياء: التلبية، والإشعار، والتقليد، فإذا فعل شيئاً من هذه الثلاثة فقد أحرم»، وصحيحته الأخرىٰ عن أبي عبد الله (عليه السلام): «تقلدها نعلاً خلقاً قد صليت فيه. والإشعار والتقليد بمنزلة التلبية»، وصحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبد الله (عليه السلام): (قال (عليه السلام): «من أشعر بدنة فقد أحرم، وإن لم يتكلَّم بقليل ولا كثير» ونحوها غيرها)(139)، واستدل عليه العلامة الحلّي في تذكرة الفقهاء بالإجماع، بقوله: (وأمَّا القارن: فإنَّه ينعقد إحرامه بها أو الإشعار أو التقليد لما يسوقه، ذهب إليه علماؤنا أجمع)(140)، ومثله ذكره في منتهىٰ المطلب(141).
ثم إنَّ ما تقدَّم في حكم انعقاد الإحرام بالتلبية علىٰ القارن وقد علمتَ باختلاف الأقوال فيها، وعليه ترتّب حكم من لا يحسن العربية؛ فبناءً علىٰ عدم انعقاد الإحرام إلَّا بها فيجب علىٰ من لا يحسن العربية حينئذٍ وجوب تعلّمها، وإن لم يستطع الإتيان بها إلَّا ملحوناً فيجب تمسكاً بقاعدة الميسور، وإلَّا أتىٰ بها مترجمةً، واحتمل في الجواهر حينئذٍ الاستنابة(142)، كما تبيَّن حكمه في المقام الأوَّل من هذا المطلب.
لكنَّ هذا في عقد إحرامه بها، وقد استظهر بعض الفقهاء -مع ذهابه إلىٰ عدم عقد الإحرام بها بل هو بالخيار بينها وبين التقليد والإشعار- إلىٰ وجوبها النفسي بقطع النظر عن انعقاد الإحرام بها، كما هو الظاهر من عبارة صاحب الجواهر، حيث قال: (إنَّ ذلك كلّه لا يدل علىٰ أزيد من وجوب التلبية في نفسه الذي يمكن استفادته أيضاً من إطلاق الأمر بها، والمراد هنا عقد الإحرام بمعنىٰ أنَّه لا يجب عقده بالأخير بعد عقده بأحدهما، فتأمَّل جيِّداً)(143)، وبه قال السيد اليزدي في العروة: (نعم، الظاهر وجوب التلبية علىٰ القارن وإن لم يتوقَّف انعقاد إحرامه عليها، فهي واجبة عليه في نفسها)(144)، وجعله السيد الإمام الخميني احتياطاً وجوبياً، حيث قال في تحرير الوسيلة: (لكن الأحوط مع اختيار الإشعار والتقليد ضم التلبية أيضاً، والأحوط وجوب التلبية علىٰ القارن وإن لم يتوقَّف انعقاد إحرامه عليها، فهي واجبة عليه في نفسها علىٰ الأحوط)(145).
واستُدلَّ لوجوبها بأحد أمرين:
الأوَّل: ما تقدَّم من الإطلاقات الآمرة بالتلبية، إذ لا يظهر منها الاختصاص بغير حجِّ القران، وحيث إنَّ المفروض تحقّق الإحرام بالإشعار أو التقليد فيكون وجوب التلبية بالنسبة إليه نفسياً لا محالة. قال في الجواهر: (وهو صريح في وجوب التلبية علىٰ الثلاثة، وفيه أنَّ ذلك كلّه لا يدل علىٰ أزيد من وجوب التلبية في نفسه الذي يمكن استفادته أيضاً من إطلاق الأمر بها)(146)، وأوضح منه ما جاء في عبارة المستمسك، حيث قال: (لكن في هذا المبحث حمل عبارة الشرائع والقواعد علىٰ أنَّ المراد استحباب الثاني من حيث عقد الإحرام الذي لا ينافي الوجوب تعبُّداً. وذكر أنَّه يمكن استفادته من إطلاق الأمر بالتلبية)(147).
الثاني: الاستدلال بموثّقة يونس -علىٰ حدِّ تعبير السيد الخوئي في كتاب المعتمد في شرح العروة الوثقىٰ(148)-، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إنِّي اشتريت بدنة فكيف أصنع بها؟ فقال: «انطلق حتَّىٰ تأتي مسجد الشجرة فأفض عليك من الماء والبس ثوبك، ثمّ أنِخْها مستقبل القبلة، ثمّ أدخل المسجد فصلِّ، ثمّ افرض بعد صلاتك، ثمَّ اخرج إليها فأشعرها من الجانب الأيمن من سنامها، ثمَّ قل: بسم الله، اللَّهم منك ولك، اللَّهم تقبَّل منِّي، ثمّ انطلق حتَّىٰ تأتي البيداء فلبّ»)(149)، بتقريب أنَّ المفروض في مورد الرواية تحقّق الإحرام بالإشعار، فيكون الأمر بالتلبية ظاهراً في الوجوب النفسي(150).
وقد أشكل السيد الخوئي علىٰ ما استدل به بما حاصله: أنَّ الأخبار الآمرة بالتلبية منصرفة عن الوجوب النفسي لها، فهي بمقام بيان تحقّق الإحرام بذلك، وأنَّه أحد الثلاثة؛ التلبية أو الإشعار أو التقليد. وإنَّ موثقة يونس أجنبية عن المقام وفقاً للزيادة التي وردت في نقل الصدوق لها في كتاب مَن لا يحضره الفقيه؛ حيث رواها بإضافة (خرجت في عمرة فاشتريت بدنة وأنا بالمدينة…) (151)، فهي واردة في العمرة لا بما نحن فيه من حج القران.
وإليك موضع الحاجة من كلامه: (والجواب عنه: أمَّا عن الأوَّل فبأنَّه لا يمكن التمسُّك بالإطلاقات، فإنَّ الأخبار الآمرة بالتلبية كلّها في مقام بيان تحقُّق الإحرام بذلك وأنَّه أحد الثلاثة، فإذا أشعر أو قلَّد فقد حصل الإحرام منه، ومعه لا يبقىٰ مجال وموضوع للتلبية. وأمَّا عن الثاني: وهو موثقة يونس… ولكن مع ذلك لا يمكن الاستدلال بها للوجوب، لأنَّ الموثقة لو كانت علىٰ النحو الذي ذكرناها ورواها الكليني فالأمر كما ذكرنا، إلَّا أنَّ الصدوق رواها أيضاً بطريقة الصحيح بزيادة توجب كون الموثقة أجنبيّة عن المقام بالمرّة، ولم يذكر الكليني هذه الزيادة، فقد روىٰ الصدوق بإسناده عن ابن فضال عن يونس بن يعقوب، قال: خرجت في عمرة فاشتريت بدنة وأنا بالمدينة، فأرسلت إلىٰ أبي عبد الله (عليه السلام) فسألته: كيف أصنع بها؟ فأرسل إليَّ ما كنت تصنع بهذا، فإنَّه كان يجزئك أن تشتري من عرفة، قال: «انطلق» إلىٰ آخر ما ذكره الكليني، فالرواية واردة في العمرة، والإحرام لها تتحقّق بالتلبية فقط لا بالإشعار، وكلامنا في حجِّ القران الذي يتحقَّق الإحرام له بالإشعار، فالرواية أجنبيّة عن المقام)(152).
وبناءً علىٰ هذا فلا يجب علىٰ الأعجمي لا الإحرام لحجِّ القران بالتلبية، ولا تجب عليه لو اختار الإشعار أو التقليد للعقد الإحرام أن يأتي بالتلبية علىٰ نحو الوجوب النفسي.
نعم، فإنَّ التلبية في حجِّ القِران مستحبة لو اختار الحاج الإحرام بغيرها، وهذا هو المشهور بين الفقهاء، كما نسبه لهم الفيض الكاشاني في مفاتيح الشرائع، حيث قال: (والقارن بالخيار بين أن يعقد إحرامه بالتلبية أو الإشعار أو التقليد، للصحاح المستفيضة، منها: يوجب الإحرام ثلاثة أشياء: التلبية والإشعار والتقليد، فإذا فعل شيئاً من هذه الثلاثة فقد أحرم… وبأيّهما بدأ كان الآخر مستحباً علىٰ المشهور، ولا بأس به)(153)، وبه قال المحقق الحلّي في الشرائع، حيث قال: (والقارن بالخيار، إن شاء عقد إحرامه بها، وإن شاء قلَّد أو أشعر، علىٰ الأظهر وبأيِّهما بدأ كان الآخر مستحباً)(154)، ومثله العلّامة الحلِّي في منتهىٰ المطلب، حيث قال: (والإشعار أو التقليد يقوم كلّ واحد منهما مقام التلبية في حقِّ القارن ينعقد الإحرام بها وبالتلبية أي الثلاثة فقد انعقد إحرامه بها وكان الآخر مستحباً)(155).
وقد أفتىٰ السيد اليزدي بالاستحباب أيضاً علىٰ منوال الشرائع ومنتهىٰ المطلب، حيث قال: (ويستحب الجمع بين التلبية وأحد الأمرين، وبأيِّهما بدأ كان واجباً. وكان الآخر مستحباً)(156). وهذا الحكم شامل للأعجمي؛ لإطلاق عباراتهم كما تقدَّم، فإن استطاع الإتيان بها وقد اختار غيرها في عقد إحرامه تكون التلبية حينئذٍ مستحبةً له، وإن لم يمكن الإتيان بها إلَّا ملحوناً فيأتي بها ملحوناً استحباباً، وإن لم يكن الإتيان بها مطلقاً فيستحب له ترجمتها أو الاستنابة. كل هذا مقتضىٰ إطلاق عباراتهم والقواعد العامة في الفقه.
المبحث الرابع: بيان أحكام تلاوة القرآن الكريم للأعجمي:
وفيه مطلبان:
المطلب الأوَّل: بيان معنىٰ التلاوة لغةً واصطلاحاً:
إنَّ التلاوة لغة هي مصدر تلا الشيء يتلوه، وهذا المصدر مأخوذ من مادة (ت ل و) التي تدل بحسب وضع اللغة علىٰ معنىٰ واحد هو الإتباع، يقال: تلوته إذا تبعته، ومنه تلاوة القرآن لأنَّ القارئ يتبع آية بعد آية، ويختلف مصدر الفعل (تلا) باختلاف الشيء المتلو. يقول الراغب: (تلا الشيء أي تبعهم متابعة ليس بينها ما ليس منها، وذلك يكون تارة بالجسم وتارة بالاقتداء في الحكم، والمصدر حينئذٍ هو التُّلُوُّ والتِّلْوُ، وتارة بالقراءة وتدبّر المعنىٰ، والمصدر في هذه الحالة هو (التلاوة)). قال ابن منظور: تلوته أتلوه وتلوت عنه تلواً، كلاهما: خذلته وتركته، وتلوته تلواً: تبعته. يقال: ما زلت أتلوه حتَّىٰ أتليته أي تقدمته وصار خلفي. وأتليته: أي سبقته، وتلوت القرآن: تلاوة: قرأته، وعمَّ به بعضهم كل كلام(157).
وفي الاصطلاح فقد عرَّفها الدكتور أحمد فتح الله في معجم ألفاظ الفقه الجعفري بأنَّ (التلاوة) هي قراءة القرآن الكريم(158)، وقال في معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية: إنَّ القراءة والتلاوة بمعنىٰ واحدٍ، مع أنَّ التلاوة غالباً ما تكون للقرآن، حيث قال: (القراءة والتلاوة: بمعنىٰ واحد، تقول: (فلان يتلو كتاب الله): أي يقرأه ويتكلَّم به. قال الليث: تلا يتلو تلاوة، يعني: قرأ، والغالب في التلاوة أنَّها تكون للقرآن، وجعله بعضهم أعم من تلاوة القرآن وغيره)(159)، وقد فرَّق الشيخ الطوسي بين التلاوة والقراءة، بقوله: (والتلاوة: القراءة، تلا يتلو تلاوة أي: قرأ. وتلا يتلو تلوا أي: تبع. وأصل التلاوة منه، لاتِّباع بعض الحروف فيها بعضاً. والفرق بين التلاوة والقراءة: أنَّ أصل القراءة جمع الحروف، وأصل التلاوة اتباع الحروف)(160).
والتلاوة بهذا المعنىٰ جاءت في القرآن الكريم والروايات وكلمات فقهاء الإمامية؛ قال تعالىٰ: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ﴾ (النمل: 91-92)، فقد روىٰ الكليني في الكافي بإسناده عن النبي (صلَّىٰ الله عليه وآله)، أنَّه قال: «نوروا بيوتكم بتلاوة القرآن ولا تتَّخذوها قبوراً كما فعلت اليهود والنصارىٰ، صلَّوا في الكنائس والبِيَع وعطَّلوا بيوتهم، فإنَّ البيت إذا كثر فيه تلاوة القرآن كثر خيره واتَّسع أهله وأضاء لأهل السماء كما تضيء نجوم السماء لأهل الدنيا»(161)، واستعملها في الجواهر بهذا المعنىٰ عند بحثه عن معاني المروة، حيث قال: (وفي آخر: أنَّها ستة: ثلاثة منها في الحضر، وهي: تلاوة القرآن وعمارة المساجد واتِّخاذ الإخوان، وثلاثة في السفر، وهي: بذل الزاد وحسن الخلق والمزاح في غير معاصي الله سبحانه)(162).
المطلب الثاني: أحكام تلاوة القرآن الكريم للأعجمي:
إنَّ فضل تلاوة القرآن الكريم في الشريعة الإسلامية مما لا يكاد يخفىٰ، فهي من المستحبات الأكيدة في مواضع كثيرة، بل علىٰ كلِّ حالٍ؛ فقد رُوي عن النبي (صلَّىٰ الله عليه وآله) قال: «أفضل العبادة قراءة القرآن»(163)، وروىٰ في الوسائل عن مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اَللهِ (عليه السلام) فِي وَصِيَّةِ اَلنَّبِيِّ (صلَّىٰ الله عليه وآله) لِعلِيّ (عليه السلام) قَالَ: «وَعَلَيْكَ بِتِلاَوَةِ اَلْقُرْآنِ عَلَىٰ كُلِّ حَالٍ»(164).
وأنَّ القرآن عهد الله كما في بعض النصوص عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «الْقُرْآنُ عَهْدُ الله إِلَىٰ خَلْقِه فَقَدْ يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ المُسْلِمِ أَنْ يَنْظُرَ فِي عَهْدِه وأَنْ يَقْرَأَ مِنْه فِي كُلِّ يَوْمٍ خَمْسِينَ آيَةً»(165)، وغيرها الكثير التي عقد لها محدِّثوا الشيعة في كتبهم الروائية أبواباً خاصة بفضل القرآن الكريم وأجر تلاوته، كما في كتاب الكافي للشيخ الكليني(166).
فمن هنا تتوق نفس المؤمن إلىٰ تحصيل هذا الأجر الكبير والاستفادة من المعاني والحقائق الكامنة في طيَّات آيات هذا الكتاب المبين؛ لكن ليس كل المؤمنين ممن يحسن تلاوته وفق قواعد اللغة العربية، بل بعض المسلمين ممن لا يستطيع النطق بألفاظ القرآن الكريم كما نزلت، فمن هنا يأتي التساؤل عن حكم الأعجمي الذي لا يحسن التلاوة بالعربية، وللأسف لم نجد بعد التدقيق في كلمات الفقهاء من أفرد باباً لهذا الموضوع المهم؛ بل غاية ما يجده الباحث شذرات متفرِّقة من كلماتهم هنا أو هناك؛ كتناولهم تلاوة القرآن وأحكامه في قراءة الصلاة، وقد توسَّعوا في بيان تفصيلاتها بما يغني الباحث؛ لكن الواقع أنَّ البحث لا يتعلَّق بتلاوة القرآن الكريم الذي هو دستور الأُمَّة ومنهاج سعادة حياة الإنسان في الصلاة فقط، بل أنَّ استحباب تلاوته أعمّ من الصلاة، وقد تقدَّم الخبر الظاهر في استحباب تلاوته علىٰ كلِّ حالٍ، ولعلَّ عدم اهتمامهم بهذا الحكم؛ لأنَّه من واضحات الفقه، أو لعدم ترتُّب أثر فقهي واضح عليه، أو لأنَّه من غير الإلزاميات التي يستطيع المكلَّف -الأعجمي- تركه.
بيد أنَّ الإنصاف أنَّ هذه التوجيهات لا تصمد أمام مبضع النقاش؛ فليس هو من الواضحات الفقهية، نعم رجحان تلاوة القرآن الكريم في الشريعة من الواضحات كتاباً وسُنَّةً، لكنَّها بالنسبة إلىٰ من يحسن اللغة العربية سواء كان عربياً أو لا، وأمَّا كونه مما لا يترتَّب عليه أثر فالأجر والثواب كافٍ في مطلوبية هذا الأثر، وأمَّا أنَّه ليس من الإلزاميات فدونه خرط القتاد؛ وذلك لعدم انحصار بيان الأحكام في الإلزاميات؛ وهذا الفقه من أوله إلىٰ آخر أبوابه غنيٌّ بالأحكام غير الإلزاميات، فضلاً عن كون تلاوة القرآن الكريم قد تكون من الإلزاميات بالعارض؛ كاليمين والعهد والنذر. فمن هنا اتَّجه البحث عن الأحكام الخاصة بتلاوة القرآن الكريم للأعجمي.
والظاهر من الفقهاء اتِّفاقهم علىٰ عدم جواز التلاوة بغير العربية، كما نسبه إليهم الشيخ محمد هادي معرفة عند بحثه عن ترجمة القرآن، حيث قال: (إنَّ فقهاء الإماميّة متَّفقون علىٰ أنَّ الترجمة ليست قرآناً، ذلك الكتاب العليّ الحكيم، الذي لا يمسّه إلَّا المطهّرون. فبالتالي لا تجري عليها الأحكام الخاصّة بالقرآن، التي منها جواز القراءة بها في الصلاة. وقد عرفت كلام المحقِّق الهمدانيّ: عدم إجزاء الترجمة عن القراءة في الصلاة، حتَّىٰ للعاجز عن النطق بالعربيّة. وهذا إجماع من علمائنا -قديماً وحديثاً- أنَّ الترجمة ليست قرآناً إطلاقاً… وبقيّة المذاهب وافقوا الإماميّة في المنع إطلاقاً، فلا يجوز عندهم قراءة الفاتحة بغير العربيّة علىٰ كلِّ حال)(167).
وقد يظهر من بعض فقهاء الإمامية عدم جواز تلاوة القرآن الكريم بغير العربية في غير الصلاة، كما جاء صريحاً في كلمات ابن زهرة الحلبي في كتاب غنية النزوع: (ومن عبَّر عن معنىٰ القرآن بغير العربية فليس بقارئ علىٰ الحقيقة كما أنَّ من عبَّر عن معنىٰ شعر امرئ القيس مثلاً بغير العربية لم يكن منشداً لشعره علىٰ الحقيقة)(168).
وهذا ما يظهر أيضاً من الشيخ البحراني في الدرر النجفية، عند حديثه عن اشتراط الإعراب في ترتُّب الثواب علىٰ قراءة القرآن الكريم، حيث قال: (إنَّ ظاهر الخبر أنَّ ذلك الرجل الذي كان يناظر بلالاً إنَّما كان من المخالفين لأمير المؤمنين (عليه السلام)، وهو (عليه السلام) قد ذكر بأنَّه: «إنَّما يراد إعراب الكلام وتقويمه، لتقويم الأعمال وتهذيبها».
وهذا ممّا ينادي بظاهره علىٰ اشتراط الإعراب في قراءة (القرآن) والدعاء والأذكار ونحوها)(169).
ويمكن الاستدلال لعدم الجواز بستة أدلة:
الأوَّل: التمسُّك بفكرة توقيفية العبادات، وذلك بأن يقال: إنَّ أقصىٰ ما وصلنا حول عبادة الأعجمي الذي لا يحسن العربية هو تلك الأذكار باللغة العربية، ومنها تلاوته للقرآن الكريم، وحيث إنَّ العبادة توفيقيّة، ولابدَّ لنا من أن نأخذها كما وردتنا بدون إعمال أيّ اجتهاد، فمعنىٰ ذلك الاقتصار في أداء العبادات علىٰ الإتيان بها بالعربيّة الصحيحة كما وردتنا، وهو معنىٰ توقيفيّتها. وقد تمسَّك بهذا الكلام بعض الفقهاء كصاحب الحدائق في بحث تكبيرة الإحرام(170).
الثاني: التمسُّك بفكرة التأسِّي بصاحب الشرع، بدعوىٰ أنَّهم (عليهم السلام) أدّوا عباداتهم بهذا الوجه، ونحن مأمورون بالتأسّي بهم بشكل عام، وهذا مصداق بارز تعبُّدي للتأسّي فوجب الإتيان بالعبادات بهذا النهج دون غيره. كما تمسَّك بهذه الفكرة غير واحدٍ من الفقهاء كالعلّامة الحلّي(171)، وصاحب الرياض(172)، وصاحب الجواهر(173).
الثالث: التمسُّك بدعوىٰ عدم قرآنية المترجَم منه؛ وذلك لأنَّ الألفاظ غير العربيّة لا تكون مرادفةً للفظ العربي، ومعه لا يصحّ الإتيان بها في القراءة. أو لتغاير الترجمة للمترجَم فالاكتفاء بها غير مبرئ للذمة، ولا ينطبق عليه عنوان كونه قرآناً. وممن تمسَّك بهذه الدعوىٰ المحقِّق الكركي عند بحث القراءة في الصلاة(174).
الرابع: التمسُّك بقوله تعالىٰ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (يوسف: 2)، بتقريب: أنَّ الآية تؤكِّد علىٰ عربيّة القرآن، وأنَّه نزل علىٰ هذه اللغة، فسلب هذه اللغة عنه يعني أنَّ هذا القرآن ليس القرآن النازل من السماء، والحال أنَّ المطلوب قراءة القرآن الموحىٰ به، فلزم اللفظ العربي عند التلاوة. وقد تمسَّك به الشهيد الأوَّل في الذكرىٰ عند بحث القراءة في الصلاة(175).
الخامس: التمسُّك بفكرة المتعارف المعهود؛ من أنَّ إطلاق الأدلّة منصرفة إلىٰ المتعارف المعهود المنقول عن صاحب الشرع، وهذه الشهرة -التي توجب وضوحه عند مطلق المسلمين شيوخاً وأطفالاً وشباباً ونساءً، بحيث لو قلت له: اقرأ الفاتحة، أو كبِّر، لتلفّظها بالعربيّة بلا رويّة- موجبةٌ لصرف الأدلّة إلىٰ النصّ العربي. هذا ما أشار إليه صاحب الجواهر عند كلامه عن تكبيرة الإحرام(176).
السادس: التمسُّك بتسالم وارتكاز المتشرّعة علىٰ التحفُّظ عن العبادات بغير العربية؛ لأنَّها مسألةٌ عامة البلوىٰ؛ فإنَّه لو لم تكن العربيّة شرطاً لبيَّنت النصوص الواردة عن الشارع المقدَّس ذلك، وكشفت عنه، فهو أمرٌ محلّ ابتلاء. فيكشف عن ما كان مرتكزاً عندهم من اشتراط العربية في العبادات بشكل عام، وفي التلاوة بشكل خاصٍّ. كما نُسب إلىٰ الشيخ الاشتهاردي في كتاب مدارك العروة الوثقىٰ(177).
وفي مقابل هذه الأدلة يمكن التمسُّك بأدلة أُخرىٰ للجواز، وهي:
الأوَّل: التمسُّك بخبر النوفلي عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال النبي: إنَّ الرجل الأعجميّ من أُمَّتي ليقرأ القرآن بعجمته، فترفعه الملائكة علىٰ عربيّته»(178)، فإنَّها تفيد جواز التلاوة بغير العربية للأعجمي.
الثاني: التمسُّك بخبر مسعدة بن صدقة، قال: (سمعت جعفر بن محمد (عليه السلام) يقول: «إنَّك قد ترىٰ من المحرِم من العجم لا يراد منه ما يراد من العالم الفصيح، وكذلك الأخرس في القراءة في الصلاة والتشهُّد وما أشبه ذلك، فهذا بمنزلة العجم، والمحرِم لا يراد منه ما يراد من العاقل المتكلِّم الفصيح»)(179).
بتقريب: أنَّ رفعها عن غير العربي ما ألزم به العربيّ الفصيح من القراءة باللغة العربيّة الفصيحة، مما يعني جواز القراءة بغير هذه الصورة، الشامل للقراءة بغير العربيّة، وشمولها للمقام -التلاوة- بقوله (عليه السلام): «وما أشبه ذلك».
الثالث: التمسُّك بكبرىٰ أنَّ ما غلب الله عليه فالله أولىٰ بالعذر، التي دلَّت عليها نصٌّ منها: ما في الكافي عن مرازم، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المريض لا يقدر علىٰ الصلاة قال: فقال: «كلَّما غلب الله عليه فالله أولىٰ بالعذر»(180)، وفي الكافي أيضاً عن حفص بن البختري عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول في المغمىٰ عليه: «كلَّما غلب الله عليه فالله أولىٰ بالعذر»(181). وفي البصائر عن موسىٰ بن بكر قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل يغمىٰ عليه اليوم أو اليومين أو ثلاثة أو أكثر من ذلك كم يقضي من صلواته؟ فقال: «أَلا أخبرك بما ينتظم هذا وأشباهه؟ فقال: كلَّما غلب الله عليه من أمر فالله أعذر لعبده وزاد فيه غيره»، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «وهذا من الأبواب التي يفتح كل باب منها ألف باب»(182).
بتقريب: أنَّ عدم تمكُّن المكلَّف من التلاوة بالعربية من الأعذار التي غلب الله تعالىٰ عليها.
والذي يرجَّح: هو عدم الجواز؛ لما ذُكر من الأدلة المستفاد منها عدم الجواز، ولقابلية الأدلة المستدل بها للجواز للمناقشة؛ فإنَّ خبر النوفلي عن السكوني ضعيف سنداً بنفس النوفلي لعدم ثبوت وثاقته، فضلاً عن إمكانية المناقشة فيه دلالةً بأنَّه قد أُخذت فيه العربية علىٰ نحو المركوز الثابت.
وأمَّا خبر مسعدة فكذلك ضعيف بمسعدة بن صدقة، وإن اعتبر رواياته غير واحدٍ اعتماداً علىٰ بعض المباني الرجالية الكبروية، ولكنَّها غير مسلَّمة؛ ككونه من رواة تفسير القمي، أو كونه من رواة كامل الزيارات، أو كونه من المعاريف الذين لم يرد فيهم قدحٌ أو ذمٌ، ولا ينفع في تصحيحها البناء علىٰ الجابرية؛ لعدم اشتهار الحكم بين المتقدِّمين، وما ادَّعاه محمد هادي معرفة في عبارته المتقدّمة من الاتِّفاق فإنَّ معقدة عدم كون المترجَم قرآناً. وأمَّا التمسُّك بكبرىٰ ما غلب الله عليه من عذر فالظاهر كونها في ما يترتَّب عليه من قضاءٍ.
هذا كلّه فيما لو كان الأعجمي لا يتمكَّن من التلاوة مطلقاً، أمَّا لو كان يتمكَّن منها ملحوناً فقد يقال بجواز التلاوة بقصد تحصيل الأجر الموعود عليه في النصوص بالملحون تمسُّكاً بقاعدة الميسور، وأدلة الجواز المتقدّمة الظاهر في حكم الأعجمي مع تمكُّنه من الملحون كخبر النوفلي عن السكوني المتقدّم.
المبحث الخامس: بيان حكم رطانة الأعجمي في المساجد:
وفيه مطالب:
المطلب الأوَّل: بيان معنىٰ الرطانة لغةً واصطلاحاً:
إنَّ كلمة اللغويين اتَّفقت علىٰ أنَّ الرطانة بمعنىٰ التكلَّم بغير العربية، فقد قال الخليل في كتاب العين: (رطن: الرطانة: تكلّم الأعجمية. تقول: رأيتهما يتراطنان، وهو كل كلام لا تفهمه العرب)(183)، وقال الجوهري في الصحاح: (الرطانة، والرطانة: الكلام بالأعجمية. تقول: رطنت له رطانة وراطنته، إذا كلَّمته بها. وتراطن القوم فيما بينهم. وقال: أصواتهم كتراطن الفرس)(184).
وفي الاصطلاح الفقهي أُخذت الرطانة بمعناها اللغوي، كما يظهر من معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية، حيث قال: (الرطانة: من رطن يرطن: أي تكلَّم بغير العربية، يقال: (تكلَّم بالرّطانة): أي بالكلام الأعجمي أو بكلام لا يفهمه الجمهور)(185)، لكن يظهر منه أنَّ الترديد بـ(أو) يفيد أنَّ الرطانة لها مصداقان، هما: الكلام الأعجمي، وكل كلام لا يفهمه الجمهور، فيشمل الكلام العربي غير المفهوم من العجم لو قيل في مسجدٍ في غير بلاد العرب.
ويؤيِّده ما بيَّنها به الفيض الكاشاني في كتابه الوافي، حيث ذكر: (الرطانة بفتح الراء وكسرها والتراطن كلام لا يفهمه الجمهور وإنَّما هو مواضعه بين اثنين أو جماعة والعرب تخص بها غالباً كلام العجم)(186)، لكنَّ صاحب الحدائق استغرب هذا المعنىٰ واعتبره تكلُّفاً، حيث قال بعد أن نقل كلام الفيض الكاشاني: (لا يخفىٰ أنَّ ما ذكره من المعنىٰ للرطانة معنىٰ غريب لم يذكره أحد في ما أعلم، وكأنَّه إنَّما تكلَّفه فراراً عمَّا نقله أخيراً عن العرب والمنقول في كلام أهل اللغة، إنَّما هو ما نقله عن العرب، قال في القاموس الرطانة ويكسر الكلام بالأعجمية، ورطن له وراطنه: كلَّمه بها، وتراطنوا: تكلَّموا بها)(187).
المطلب الثاني: أحكام رطانة الأعجمي في المساجد:
من جملة آداب المسجد التي ذكرها الفقهاء كراهة الرطانة بالأعجميّة فيه، فلو تراطن العربيان أو غيرهما بغير العربية في المسجد كان ذلك من المكروهات. قال العلّامة في منتهىٰ المطلب: (وتكره المخاطبة بلسان العجم فيه. روىٰ الشيخ عن السكونيّ، عن جعفر، عن أبيه، عن آبائه (عليهم السلام) قال: (نهىٰ النبيّ (صلَّىٰ الله عليه وآله) عن رطانة الأعاجم في المساجد))(188)، وقال المحقِّق الكركي في جامع المقاصد: (وتكره المخاطبة بلسان العجم في المسجد، لنهي النبي (صلَّىٰ الله عليه وآله) عن رطانة الأعاجم في المساجد)(189)، وذكرها الشهيد الأوَّل في البيان(190)، والشهيد الثاني في الدروس(191).
واستدل علىٰ الكراهة في الحدائق بالنصوص، حيث قال: (وأمَّا الثالث -رطانة الأعاجم- فلما رواه الشيخ أيضاً عن السكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) قال: «نهىٰ رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) عن رطانة الأعاجم في المساجد»، ورواه في الكافي عن مسمع بن عبد الملك عن أبي عبد الله (عليه السلام) مثله)(192)، وكذلك استدل للكراهة بالنصوص في الجواهر(193).
لكن الشيخ كاشف الغطاء احتمل في معنىٰ الرطانة هو الكلام الذي لا يُفهم، سواء كان عربياً أو غيره، حيث قال: (ومنها رطانة الأعاجم فيها، ولعلَّ المراد اللسان الذي لا يُفهم)(194).
وقد فُسِّر في الموسوعة الفقهية بأن يكون المراد من رطانة الأعاجم الحديث بأيّ لغة بين اثنين بما لا يفهمه الآخرون، وأنَّه جرىٰ إطلاق (رطانة الأعاجم) من باب التشبيه، كما يقال: لا ترطنوا رطانة الأعاجم، أي تتكلَّموا بما لا يُفهم في المساجد وبالألغاز والرموز فيما بينكم، لا أنَّ المراد كراهة الحديث للعربي وغيره بغير اللغة العربية في المساجد(195)، وهو مما لا شاهد عليه، فضلاً عن كونه مخالفاً لكلام أئمة أهل اللغة، وقد تقدَّم من صاحب الحدائق الاستغراب منه.
واحتمل الشيخ الاشتهاردي أن يكون المراد من الرطانة التكلُّم في أمور الدنيا في مقابل الكلام في ذكر الله (عزَّ وجلَّ)، حيث قال: (تاسعها: التكلُّم بأمور الدنيا لما مرَّ من أنَّها وضعت أو بنيت لغير ذلك، ولما رواه الشيخ (رحمه الله) بإسناده عن إبراهيم بن هاشم، عن النوفلي، عن السكوني، عن جعفر، عن أبيه، عن آبائه، قال: نهىٰ النبي (صلَّىٰ الله عليه وآله) عن رطانة الأعاجم في المساجد. وفي المجمع: الرطانة الكلام بالعجميّة (انتهىٰ). ولعلَّ المراد ما يكون في مقابل ذكر الله لا في مقابل العربية)(196). وهو كما ترىٰ.
نتائج وخلاصات:
نستعرض في نهاية هذا المقال ما توصَّلنا إليه من نتائج مع خلاصة أهم المباحث، علىٰ شكل نقاط:
1- إنَّ كيفية إسلام الكافر الأعجمي إن كان ممن يتمكَن من إتيان الشهادتين ولو بالتعلُّم فيكون إسلامها بها حصراً، وإن كان لا يستطيع النطق بها فيجوز حينئذٍ له إتيان ما يرادفها، بل يكفي إقراره بالإسلام بالإشارة المفهمة.
2- إنَّ حكم التلبية الأعجمي إمَّا أن يكون في حجِّ التمتُّع والإفراد وعمرتهما؛ وحينئذٍ إن كان يتمكَّن من التلبية بالعربية ولو بالتعلُّم أو التلقين وجبت، ومع عدم التمكُّن فإن كان يتمكَّن من الملحون وجب الملحون منها، وإلَّا فمحل خلاف بين الفقهاء علىٰ أقوالٍ ثلاثةٍ. أو يكون في حجِّ القِران فالمشهور التخيير بين التلبية والإشعار والتقليد، فحينئذٍ يجوز له تركها ويحرم بأحدهما، مع ثبوت استحبابها مع ذلك.
3- إنَّ حكم تلاوة القرآن الكريم من الأعجمي؛ عدم الجواز بغير العربية إن كان لا يحسنها مطلقاً؛ وإن استدل للجواز بأدلةٍ ثلاثةٍ؛ ناقشنا فيها دلالةً وسنداً، وأمَّا التلاوة بالملحون فلا ضير بها لقاعدة الميسور ولغيرها.
4- إنَّ حكم رطانة الأعجمي في المساجد هو الكراهة؛ للنهي الوارد في النصوص، وإن فُسِّرت الرطانة بغير ما يظهر منها، ولكنَّها قابلة للمناقشة.
المصادر:
- القرآن الكريم.
- ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، نشر آداب الحوزة، إيران – قم، الطبعة الثالثة، 1405.
- البحراني، يوسف، الحدائق الناضرة، مؤسسة النشر الإسلامي، إيران – قم، الطبعة الخامسة، 1398ش.
- الحرّ العاملي، محمد بن الحسن، تفصيل وسائل الشيعة إلىٰ تحصيل مسائل الشريعة، مؤسسة آل البيت (عليهم السلام)، إيران- قم- الطبعة الأولىٰ، 1409.
- الحكيم، محسن، مستمسك العروة الوثقىٰ، منشورات مكتبة آية الله العظمىٰ المرعشي النجفي، إيران – قم، الطبعة الأولىٰ، 1404.
- الخميني، روح الله، تحرير الوسيلة، مطبعة الآداب، العراق – النجف، الطبعة الثانية، 1390.
- دائرة معارف الفقه الإسلامي، موسوعة الفقه الإسلامي طبقاً لمذهب أهل البيت (عليهم السلام)، دائرة معارف الفقه الإسلامي، إيران – قم، الطبعة الأولىٰ، 1426.
- السيستاني، علي، منهاج الصالحين، مكتبة الألفين، الكويت، الطبعة الثانية، 1994م.
- السيفي المازندراني، علي أكبر، بدايع البحوث، مؤسسة النشر الإسلامي، إيران – قم، الطبعة الأولىٰ، 1436.
- الشهيد الأوَّل، محمد بن جمال الدين مكي العاملي، البيان، مؤسسة صدر، إيران – قم، الطبعة الأولىٰ، 1412.
- الشهيد الأوَّل، محمد بن جمال الدين مكي العاملي، ذكرىٰ الشيعة في أحكام الشريعة، مؤسسة آل البيت (عليهم السلام)، إيران – قم، الطبعة الأولىٰ، 1419.
- الشهيد الثاني، زين الدين بن علي بن محمد، مسالك الإفهام، مؤسسة المعارف الإسلامية، إيران – قم، الطبعة الأولىٰ، 1413.
- الصدر، محمد باقر، الفتاوىٰ الواضحة، مطبعة الآداب، العراق – النجف، الطبعة الأولىٰ، 1400.
- الصدر، محمد، ما وراء الفقه، مطبعة المحبين للنشر، إيران – قم، الطبعة الثالثة، 1427.
- الصدوق، محمد بن علي، من لا يحضره الفقيه، مؤسسة النشر الإسلامي، إيران – قم، الطبعة الثانية، سنة النشر مفقودة.
- الطباطبائي، علي، رياض المسائل، مؤسسة النشر الإسلامي، إيران – قم، الطبعة الأولىٰ، 1412.
- الطوسي، محمد حسن، المبسوط، دار الكتب الإسلامية، إيران – طهران، الطبعة الرابعة، 1363ش.
- العاملي، السيد محمد، مدارك الأحكام، مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث، إيران – قم، الطبعة الأولىٰ، 1410.
- الغرباوي، طاهر، دروس في فقه القرآن المقارن، دار المبلغين للنشر، إيران – قم، الطبعة الأولىٰ، 1438.
- الفاضل الهندي، محمد بن الحسن، كشف اللثام، مؤسسة النشر الإسلامي، إيران – قم، الطبعة الأولىٰ، 1416.
- الفراهيدي، الخليل بن أحمد، كتاب العين، مؤسسة دار الهجرة، إيران – قم، الطبعة الأولىٰ، 1409.
- قلعجي، محمد رواس، معجم لغة الفقهاء، دار النفائس، لبنان – بيروت، الطبعة الثانية، 1988م.
- الكركي، علي بن الحسين، جامع المقاصد، مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث، إيران – قم، الطبعة الأولىٰ، 1408.
- الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، دار الكتب الإسلامية، إيران – طهران، الطبعة الخامسة، 1363ش.
- المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، مؤسسة الوفاء، بيروت – لبنان، الطبعة الثالثة، 1983م.
- المصطفوي، حسن، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، إيران – طهران، الطبعة الأولىٰ، 1417.
- المظفر، محمد رضا، أُصول الفقه، مؤسسة النشر الإسلامي، إيران – قم، الطبعة الثامنة، 1440.
- المقري الفيوميّ، أحمد بن محمد، المصباح المنير، دار الفكر للطباعة والنشر، لبنان- بيروت، 2014.
- النجفي، محمد حسن، جواهر الكلام، دار الكتب الإسلامية، إيران – طهران، الطبعة الثانية، 1365ش.
- اليزدي، محمد كاظم، العروة الوثقىٰ، مركز فقه الأئمة الأطهار (عليهم السلام)، إيران – قم، الطبعة الأولىٰ، 1422.
(1) ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب: ج١٢، ص١٤١.
(2) الراغب الأصفهاني، الحسين بن محمد، المفردات في غريب القرآن: ص248.
(3) الفراهيدي، الخليل بن أحمد، كتاب العين: ج3، ص66.
(4) الجوهري، إسماعيل بن حماد، الصحاح: ج5، ص1902.
(5) قرشي، علي أكبر، مفردات نهج البلاغة (فارسي): ج1، ص292.
(6) الشهيد الأوًّل، محمد بن جمال الدين مكي، القواعد والفوائد: ج1، ص39.
(7) السيوري الحلي، مقداد بن عبد الله، نضد القواعد الفقهية: ص9.
(8) الصدر، محمد باقر، دروس في علم الأصول: ج1، ص52.
(9) المصدر السابق.
(10) النجفي الخوانساري، موسىٰ، منية الطالب تقريرات بحث النائيني: ج1، ص41.
(11) السيفي المازندراني، علي أكبر، بدايع البحوث: ج1، ص244.
(12) السيفي المازندراني، علي أكبر، بدايع البحوث: ج1، ص299.
(13) الشيخ البهائي، محمد بن الحسين بن عبد الصمد، زبدة الأُصول: ص30.
(14) الفاضل التوني، عبد الله بن محمد، الوافية: ص22.
(15) الفوائد الحائرية، الوحيد البهبهاني، محمد باقر: ص95.
(16) الميرزا القمي،ابو القاسم، قوانين الأُصول، ج2، ص54.
(17) الخميني، روح الله، الرسائل: ج1، ص114-115.
(18) الصدر، محمد باقر، دروس في علم الأصول: ج1، ص53.
(19) قال الشيخ الأنصاري في الفرائد: (المشهور -كما في شرح الزبدة- بل الذي استقرَّ عليه رأي المحقِّقين- كما في شرح الوافية للسيّد صدر الدين أنَّ الخطاب الوضعي مرجعه إلىٰ الخطاب الشرعي، وأنَّ كون الشيء سبباً لواجبٍ هو الحكم بوجوب ذلك الواجب عند حصول ذلك الشيء. فمعنىٰ قولنا: (إتلاف الصبيّ سببٌ لضمانه)، أنَّه يجب عليه غرامة المثل أو القيمة إذا اجتمع فيه شرائط التكليف من البلوغ والعقل واليسار وغيرها، فإذا خاطب الشارع البالغ العاقل الموسِرَ بقوله: (اغرم ما أتلفته في حال صغرك)، انتُزع من هذا الخطاب معنىٰ يعبّر عنه بسببيّة الإتلاف للضمان، ويقال: إنَّه ضامن، بمعنىٰ أنَّه يجب عليه الغرامة عند اجتماع شرائط التكليف… وكذا الكلام في غير السبب؛ فإنَّ شرطية الطهارة للصلاة ليست مجعولةً بجعلٍ مغايرٍ لإنشاء وجوب الصلاة الواقعة حال الطهارة، وكذا مانعيّة النجاسة ليست إلَّا منتزعة من المنع عن الصلاة في النجس، وكذا الجزئية منتزعةٌ من الأمر بالمركّب… هذا كلّه في السبب والشرط والمانع والجزء. وأمَّا الصحة والفساد، فهما في العبادات موافقة الفعل المأتيِّ به للفعل المأمور به ومخالفتُه له، ومن المعلوم أنَّ هاتين -الموافقة والمخالفة- ليستا بجعل جاعلٍ. وأمَّا في المعاملات، فهما، ترتّب الأثر عليها وعدمه، فمرجع ذلك إلىٰ سببية هذه المعاملة لأثرها وعدم سببيّة تلك). [انظر: الأنصاري، مرتضىٰ، فرائد الأُصول: ج3، ص126].
(20) الشهيد الأوَّل، محمد بن مكي، ذكرىٰ الشيعة في أحكام الشريعة: ج1، ص40.
(21) الشهيد الأوّل، محمد بن مكي، القواعد والفوائد: ج1، ص30.
(22) الأنصاري، مرتضىٰ، فرائد الأُصول: ج3، ص143.
(23) الشهيد الأوَّل، محمد بن مكي، القواعد والفوائد: ج1، ص320.
(24) النجفي، محمد حسن، جواهر الكلام: ج40، ص100.
(25) انظر: السيفي المازندراني، علي أكبر، بدايع البحوث: ج1، ص263-266.
(26) البهسودي، محمد سرور، مصباح الأصول: ج3، ص78.
(27) السيفي المازندراني، علي أكبر، بدايع البحوث: ج1، ص231.
(28) الخميني، روح الله، الرسائل: ج1، ص114-115.
(29) الخليل بن أحمد، العين، الفراهيدي: ج2، ص1123.
(30) الطريحي، فخر الدين، مجمع البحرين: ج3، ص92.
(31) انظر: المصطفوي، حسن، التحقيق في كلمات القرآن الكريم: ج8، ص13-14.
(32) الصدر، محمد باقر، الفتاوىٰ الواضحة: ص51.
(33) المظفر، محمد رضا، أُصول الفقه: ج1، ص116.
(34) الخراساني، محمد كاظم، كفاية الأُصول: ص72.
(35) فتح الله، أحمد، معجم ألفاظ الفقه الجعفري: ص129.
(36) فتح الله، أحمد، معجم ألفاظ الفقه الجعفري: ص283.
(37) السيفي المازندراني، علي أكبر، بدايع البحوث: ج3، ص385؛ المظفر، محمد رضا، أُصول الفقه: ج1، ص116.
(38) الحر العاملي، محمد حسن، وسائل الشيعة، ب 102، من الأطعمة المباحة، ح10.
(39) الغب، أن ترد الإبل الماء يوماً وتدعه يوماً، تقول: غبت الإبل تغب غباً، وإبل بنىٰ فلان غابة وغواب، وكذلك الغب في الحمىٰ. [صحاح، الجوهري، إسماعيل بن حماد: ج1، ص190].
(40) الحر العاملي، محمد حسن، وسائل الشيعة، ب 2، من آداب الحمام، ح2.
(41) المظفر، محمد رضا، أُصول الفقه: ج1، ص116.
(42) المصدر السابق.
(43) الراغب الأصفهاني، الحسين بن محمد، المفردات في غريب القرآن: ص323.
(44) الجوهري، إسماعيل بن حماد، الصحاح: ج5، ص1981.
(45) المقري الفيوميّ، أحمد بن محمد، المصباح المنير: ج2، ص342.
(46) عبد المنعم، محمود، معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية: ج1، ص232.
(47) مركز المصطفىٰ، نصوص في بعض قراء القرآن: ص307.
(48) الطوسي، محمد بن الحسن، المبسوط: ج21، ص 306.
(49) الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج2، ص619.
(50) الحر العاملي، محمد بن حسن، وسائل الشيعة، ب 59 من أبواب القراءة في الصلاة، ح2.
(51) العلّامة الحلي، الحسن بن يوسف، منتهىٰ المطلب، ج6، ص327.
(52) الكركي، علي بن الحسين، جامع المقاصد: ج2، 152.
(53) الشهيد الأوَّل، محمد بن مكي، البيان: ص135.
(54) الشهيد الثاني، زين الدين بن علي بن محمد، الدروس الشرعية: ج1، ص156.
(55) الجوهري، إسماعيل بن حماد، الصحاح، ج6، ص2243.
(56) المقري الفيوميّ، أحمد بن محمد، المصباح المنير: ج1، ص479.
(57) ابن فارس أحمد، مقاييس اللغة: ج4، ص442.
(58) المصطفوي، حسن، التحقيق في كلمات القرآن الكريم: ج9، ص124.
(59) الغرباوي، طاهر، دروس في فقه القرآن المقارن: ص27.
(60) انظر: مقدمة تحقيق كتاب جامع المقاصد، تحقيق مؤسسة آل البيت: ص12.
(61) العاملي(الشهيد الأوَّل)، محمد بن جمال الدين مكي، ذكرىٰ الشيعة: ج1، ص40.
(62) قال الميرزا حبيب الله الرشتي: (وفي اصطلاح علماء المتشرعة عبارة عن العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية وهذا هو المشهور في حدِّ الفقه الاصطلاحي ولو بزيادة بعض القيود) [الرشتي، حبيب الله، بدائع الأفكار: ص6].
(63) العاملي، حسن بن زين الدين، معالم الدين: ص26.
(64) العاملي، حسن بن زين الدين، معالم الدين: ص26.
(65) المصدر السابق: ص26-27.
(66) الصدر، محمد باقر، المعالم الجديدة للأصول: ص7.
(67) الحكيم، محمد تقي، الأصول العامة للفقه المقارن: ص40.
(68) قال الشيخ محمد رضا المظفر في أُصول الفقه: (الحكم، واقعي وظاهري. والدليل، اجتهادي وفقاهتي. ثم لا يخفىٰ أنَّ الحكم الشرعي الذي جاء ذكره في التعريف السابق علىٰ نحوين:
1- أن يكون ثابتاً للشيء بما هو في نفسه فعل من الأفعال، كالمثال المتقدم، أعني وجوب الصلاة، فالوجوب ثابت للصلاة بما هي صلاة في نفسها وفعل من الأفعال مع قطع النظر عن أي شيء آخر. ويسمَّىٰ مثل هذا الحكم (الحكم الواقعي). والدليل الدال عليه (الدليل الاجتهادي).
2- أن يكون ثابتاً للشيء بما أنَّه مجهول حكمه الواقعي، كما إذا اختلف الفقهاء في حرمة النظر إلىٰ الأجنبية، أو وجوب الإقامة للصلاة. فعند عدم قيام الدليل علىٰ أحد الأقوال لدىٰ الفقيه يشك في الحكم الواقعي الأوَّلي المختلف فيه، ولأجل ألَّا يبقىٰ في مقام العمل متحيِّراً لابدَّ له من وجود حكم آخر ولو كان عقلياً، كوجوب الاحتياط أو البراءة أو عدم الاعتناء بالشك. ويسمَّىٰ مثل هذا الحكم الثانوي (الحكم الظاهري). والدليل الدال عليه (الدليل الفقاهتي) أو (الأصل العملي)) [المظفر، محمد رضا، أُصول الفقه: ج1، ص6].
(69) انظر: المظفر، محمد حسن، الإمام الصادق (عليه السلام): ج1، ص55.
(70) المظفر، محمد حسن، الإمام الصادق (عليه السلام): ج1، ص39.
(71) المصدر السابق: ص45.
(72) البجنوردي، محمد، مصادر التشريع عند الإمامية والسُنَّة: ص7.
(73) السبحاني، جعفر، رسائل أصولية: ج1، ص9.
(74) السيفي المازندراني، علي أكبر، بدايع البحوث: ج9، ص144.
(75) السيفي المازندراني، علي أكبر، بدايع البحوث: ج7، ص33.
(76) الصدر، محمد باقر، دروس في علم الأصول: ج1، ص62.
(77) البحراني، محمد صنقور، المعجم الأُصولي: ج2، ص133.
(78) البحراني، يوسف، الحدائق الناضرة: ج1، ص168.
(79) مؤسسة دائرة المعارف الإسلامية، موسوعة الفقه الإسلامي طبقاً لمذهب أهل البيت (عليهم السلام): ج1، ص63.
(80) الفوائد الحائرية، البهبهاني، محمد باقر.
(81) فرائد الأُصول، الأنصاري، مرتضىٰ.
(82) انظر: كتابي، كشف الغطاء عن معائب ميرزا محمد عدو العلماء، وكتاب الحقّ المبين في تصويب المجتهدين وتخطئة جهّال الأخباريّين.
(83) العامليّ، السيّد نور الدين عليّ بن عليّ، الشواهد المكّية في مداحض حجج الخيالات المدنيّة ونقض أدلّة الأخباريّة. طبع هذا الكتاب مع كتاب الفوائد المكية، لمحمد الأستربادي، في سنة 1424، مطبعة النشر الإسلامي.
(84) الصدر، محمد، ما وراء الفقه، ج2، ص411.
(85) الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج1، ص239.
(86) الصفار، محمد بن حسن، بصائر الدرجات: ج1، ص299.
(87) الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج5، ص337.
(88) أحمد أمين، يوم الإسلام: ص189.
(89) محمد رشيد رضا، الوحدة الإسلامية والأخوة الدينية: ص99.
(90) انظر: القرشي، باقر شريف، حياة الإمام الباقر (عليه السلام): ج1، ص219-220.
(91) الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج1، ص16.
(92) الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج1، ص11.
(93) مقال بعنوان الفقه الشيعي المميزات والمعطيات، اللنكراني محمّد جواد، الموقع الشخصي للكاتب علىٰ الشبكة العنكبوتية (الانترنت).
(94) انظر: السبحاني، جعفر، أدوار الفقه الإمامي: ص1.
(95) المقري الفيوميّ، أحمد بن محمد، المصباح المنير: ج2، ص535.
(96) انظر: ابن فارس أحمد، مقاييس اللغة: ج5، ص191.
(97) الأزهري، محمد بن أحمد، تهذيب اللغة: ج10، ص193.
(98) انظر: المصطفوي، حسن، التحقيق في كلمات القرآن الكريم: ج10، ص79.
(99) فتح الله، أحمد، معجم ألفاظ الفقه الجعفري: ص343.
(100) العاملي، ياسين عيسىٰ، الاصطلاحات الفقهية في الرسائل العملية: ص175.
(101) انظر: ابن فارس أحمد، مقاييس اللغة: ج3، ص220.
(102) انظر: المصطفوي، حسن، التحقيق في كلمات القرآن الكريم: ج6، ص132.
(103) انظر: المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج10، ص394.
(104) النجفي، محمد حسن، جواهر الكلام: ج41، ص630.
(105) النجفي، محمد حسن، جواهر الكلام: ج10، ص245-246.
(106) الصدوق، محمد بن علي بن بابويه، الهداية في الأصول والفروع: ج2، ص54.
(107) الشهيد الثاني، زين الدين بن علي بن محمد، مسالك الإفهام: ج10، ص41.
(108) كاشف الغطاء، جعفر، كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغراء: ج4، ص349.
(109) الشهيد الثاني، زين الدين بن علي بن محمد، مسالك الإفهام: ج10، ص40.
(110) الشيباني، أحمد، مسند أحمد: الحديث رقم 7906.
(111) الفراهيدي، الخليل بن أحمد، كتاب العين: ج8، ص341.
(112) الجوهري، إسماعيل بن حماد، الصحاح: ج6، ص2479.
(113) انظر: فتح الله، أحمد، معجم ألفاظ الفقه الجعفري: ص124.
(114) انظر: دائرة معارف الفقه الإسلامي، الموسوعة الفقهية: ج6، ص404-407.
(115) النجفي، محمد حسن، جواهر الكلام: ج18، ص216.
(116) الحكيم، محسن، مستمسك العروة الوثقىٰ: ج11، ص391.
(117) العلّامة الحلي، الحسن بن يوسف، تذكرة الفقهاء: ج7، ص251.
(118) النجفي، محمد حسن، جواهر الكلام: ج18، ص224.
(119) الحر العاملي، محمد بن حسن، وسائل الشيعة، ب11 من أبواب الحلق والتقصير، ح3.
(120) اليزدي، محمد كاظم، العروة الوثقىٰ: ج4، ص664.
(121) الخميني، روح الله، تحرير الوسيلة: ج1، ص380.
(122) الحكيم، محسن، مستمسك العروة الوثقىٰ: ج11، ص391.
(123) الخلخالي، محمد رضا، المعتمد في شرح العروة الوثقىٰ-تقريرات درس السيد الخوئي-: ج2، ص413.
(124) العاملي، السيد محمد، مدارك الأحكام: ج7، ص266.
(125) الحلي، يحيىٰ بن سعيد: ج1، ص180.
(126) الفاضل الهندي، محمد بن الحسن، كشف اللثام: ج5، ص270.
(127) النجفي، محمد حسن، جواهر الكلام: ج18، ص224.
(128) السيد المرتضىٰ، علي بن الحسين، الانتصار: ص253.
(129) الحلّي، محمد بن منصور بن ادريس، السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي: ج1، ص536.
(130) السيد المرتضىٰ، علي بن الحسين، الانتصار: ص254.
(131) الطوسي، محمد بن الحسن، المبسوط: ج1، ص382.
(132) الطوسي، محمد بن الحسن، الجمل والعقود في المعاملات: ص130.
(133) ابن براج، عبد العزيز، المهذب: ج1، ص214-215.
(134) الطوسي، محمد بن علي بن حمزة، الوسيلة: ج1، ص 158.
(135) الفاضل الهندي، محمد بن الحسن، كشف اللثام: ج5، ص271.
(136) الحكيم، محسن، مستمسك العروة الوثقىٰ: ج11، ص397.
(137) النجفي، محمد حسن، جواهر الكلام: ج18، ص225.
(138) العاملي، السيد محمد، مدارك الأحكام: ج7، ص266.
(139) الحكيم، محسن، مستمسك العروة الوثقىٰ: ج11، ص397.
(140) العلّامة الحلي، الحسن بن يوسف، تذكرة الفقهاء: ج7، ص248.
(141) العلّامة الحلي، الحسن بن يوسف، منتهىٰ المطلب: ج10، ص226.
(142) النجفي، محمد حسن، جواهر الكلام: ج18، ص224.
(143) النجفي، محمد حسن، جواهر الكلام: ج18، ص227.
(144) اليزدي، محمد كاظم، العروة الوثقىٰ: ج4، ص666.
(145) الخميني، روح الله، تحرير الوسيلة: ج1، ص415.
(146) النجفي، محمد حسن، جواهر الكلام: ج18، ص227.
(147) الحكيم، محسن، مستمسك العروة الوثقىٰ: ج11، ص399-400.
(148) الخلخالي، محمد رضا، المعتمد في شرح العروة الوثقىٰ -تقريرات درس السيد الخوئي-: ج2، ص419.
(149) الحر العاملي، محمد بن حسن، وسائل الشيعة، ب12 من أبواب أقسام الحج، ح2.
(150) الخلخالي، محمد رضا، المعتمد في شرح العروة الوثقىٰ -تقريرات درس السيد الخوئي-: ج2، ص420.
(151) الصدوق، محمد بن علي، من لا يحضره الفقيه: ج2، ص324-325.
(152) الخلخالي، محمد رضا، المعتمد في شرح العروة الوثقىٰ -تقريرات درس السيد الخوئي-: ج2، ص420-421.
(153) الفيض الكاشاني، محمد محسن، مفاتيح الشرائع: ج1، ص313.
(154) المحقق الحلّي، جعفر بن الحسن، شرائع الإسلام: ج1، ص181.
(155) العلّامة الحلي، الحسن بن يوسف، منتهىٰ المطلب: ج7، ص257.
(156) اليزدي، محمد كاظم، العروة الوثقىٰ: ج4، ص666.
(157) انظر: مجموعة من المتخصصين، نظرة النعيم في أخلاق رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله): ج4، ص1176.
(158) انظر: فتح الله، أحمد، معجم ألفاظ الفقه الجعفري: ص123.
(159) عبد المنعم، محمود، معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية: ج3، ص76.
(160) الطوسي، محمد بن الحسن، مجمع البيان في تفسير القرآن: ج1، ص191.
(161) الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج2، ص610.
(162) النجفي، محمد حسن، جواهر الكلام: ج41، ص33.
(163) الطوسي، محمد بن الحسن، مجمع البيان في تفسير القرآن: ج1، ص 44.
(164) الحر العاملي، محمد بن حسن، وسائل الشيعة، ب11 من أبواب قراءة القرآن، ح1.
(165) الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج2، ص609.
(166) الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، كتاب فضل القرآن: ج2، ص596-619.
(167) معرفة، محمد هادي، التمهيد في علوم القرآن: ج9، ص129.
(168) الحلبي (ابن زهرة)، حمزة بن علي، غنية النزوع: ص78.
(169) البحراني، يوسف، الدرر النجفية: ج2، ص167.
(170) البحراني، يوسف، الحدائق الناضرة: ج8، ص31.
(171) العلامة الحلّي، الحسن بن يوسف، منتهىٰ المطلب (الطبعة الحجرية): ج1، ص268.
(172) الطباطبائي، علي، رياض المسائل: ج3، ص357-358.
(173) النجفي، محمد حسن، جواهر الكلام: ج9، ص205.
(174) الكركي، علي بن الحسين، جامع المقاصد: ج2، 246.
(175) الشهيد الأوَّل، محمد بن مكي، ذكرىٰ الشيعة في أحكام الشريعة: ج3، ص303.
(176) النجفي، محمد حسن، جواهر الكلام: ج9، ص206.
(177) حب الله، حيدر، إضاءات الفكر والدين والاجتماع: ج4، ص288.
(178) الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج2، ص619.
(179) الحر العاملي، محمد بن حسن، وسائل الشيعة، ب 59 من أبواب القراءة في الصلاة، ح2.
(180) الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج3، ص412.
(181) الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج3، ص412.
(182) الصفار، محمد بن الحسن، بصائر الدرجات: ج1، ص206-207.
(183) الفراهيدي، الخليل بن أحمد، كتاب العين: ج7، ص413.
(184) الجوهري، إسماعيل بن حماد، الصحاح: ج5، ص2124.
(185) عبد المنعم، محمود، معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية: ج2، ص155.
(186) الفيض الكاشاني، محمد محسن بن مرتضىٰ، الوافي: ج7، ص508.
(187) البحراني، يوسف، الحدائق الناضرة: ج7، ص301.
(188) العلّامة الحلي، الحسن بن يوسف، منتهىٰ المطلب: ج6، ص327.
(189) الكركي، علي بن الحسين، جامع المقاصد: ج2، 152.
(190) الشهيد الأوَّل، محمد بن مكي، البيان: ص135.
(191) الشهيد الثاني، زين الدين بن علي بن محمد، الدروس الشرعية: ج1، ص156.
(192) البحراني، يوسف، الحدائق الناضرة: ج7، ص301.
(193) النجفي، محمد حسن، جواهر الكلام: ج14، ص114.
(194) كاشف الغطاء، جعفر، كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغراء: ج3، ص84.
(195) مؤسسة دائرة المعارف الإسلامية، موسوعة الفقه الإسلامي طبقاً لمذهب أهل البيت (عليهم السلام): ج15، ص29.
(196) الاشتهاردي، علي: ج14، ص127.