استشهاد النبي ﷺ بين 12 ربيع و28 صفر: دراسة في الروايات والأسباب

المقدمة:

يُعدُّ استشهاد النبي محمد (صلّىٰ الله عليه وآله) من أعظم الحوادث التاريخ الإسلامي وأهمها وأكثرها أثرًا في وجدان الأُمَّة، فقد ارتبطت هذه الذكرىٰ الأليمة بانتهاء مرحلة النبوة، وبدء مرحلة جديدة في تاريخ المسلمين، المرحلة التي شكَّلت منعطفًا حاسمًا في مسار الأُمَّة سياسيًا وفكريًا وروحيًا، ومن البديهي أن تحظىٰ هذه الحادثة باهتمام المؤرِّخين وأهل الحديث والمفسِّرين علىٰ مرِّ العصور، لكن مما يثير الانتباه هو اختلاف المسلمين في تحديد اليوم الذي استُشهد فيه رسول الله (صلّىٰ الله عليه وآله)، رغم عِظَم مكانته ووضوح أثره.

فقد ذهب جمهور من المؤرِّخين والمحدِّثين من أهل السُنَّة إلىٰ أنَّ وفاته كانت في اليوم الثاني عشر من شهر ربيع الأوَّل من السنة الحادية عشرة للهجرة، بينما يرىٰ علماء الإمامية أنَّ استشهاده وقع في اليوم الثامن والعشرين من شهر صفر من نفس السنة، هذا الاختلاف أثار العديد من التساؤلات بين الباحثين: كيف يمكن أن يقع مثل هذا التباين في تاريخ حدثٍ يعدّ الأهم في تاريخ الإسلام بعد نزول الوحي؟ وما هي الأسباب التي أدَّت إلىٰ اختلاف المصادر والروايات في تحديده؟

وقد تناول بعض الباحثين موضوع تحديد يوم استشهاد النبي (صلّىٰ الله عليه وآله) ببحوث مستقلة، مثل بحث أبي سفيان محمود الشاملي (بحث في تحديد يوم وفاة النبي (صلّىٰ الله عليه وآله)، الذي ركَّز علىٰ الروايات السنية وحلَّل القول المشهور بوفاته في 12 ربيع الأول.

إنَّ الغاية من هذا البحث هي تتبُّع أهم الروايات الواردة في هذا الباب من أُمَّهات المصادر التاريخية والحديثية عند المذهبين، مع تحليل لأسباب الاختلاف، سواء ما كان منها متعلقًا بمناهج التوثيق والرواية، أو بما له صلة بالظروف السياسية والاجتماعية التي عاشها المسلمون بعد رحيل النبي (صلّىٰ الله عليه وآله).

وتبرز أهمية هذا البحث من جهتين:

الأولىٰ: أنَّه يبحث مسألة تاريخية مهم تمسّ وجدان الأُمَّة، وتبيِّن عمق التنوع في مناهج التوثيق التاريخي بين المسلمين.

الثانية: أنَّه يسعىٰ لتقريب الرؤية من خلال المنهج العلمي، بعيدًا عن الجدل المذهبي الضيق، وبما يساهم في تقديم صورة أوضح عن هذه الحادثة الجليلة.

ولتحقيق هذه الأهداف، قُسِّم البحث إلىٰ عدَّة فصول رئيسية: عرض روايات استشهاد النبي (صلّىٰ الله عليه وآله) في الثاني عشر من ربيع الأوَّل، ثم عرض الروايات في الثامن والعشرين من صفر، يليه تحليل أسباب الاختلاف وترجيح أحد القولان، مع خاتمة تشتمل علىٰ أبرز النتائج والتوصيات.

الفصل الأول: روايات استشهاد النبي (صلّىٰ الله عليه وآله) في 12 ربيع الأول:

ذهب جمهور من المؤرِّخين وأهل الحديث من مدرسة أهل السُنَّة إلىٰ أنَّ استشهاد النبي (صلّىٰ الله عليه وآله) كان يوم الاثنين، الثاني عشر من شهر ربيع الأول، سنة (11هـ)، وقد نقل هذا القول كبار العلماء في السيرة والتاريخ، واعتمدته مصادر حديثية معتبرة.

1 – رواية الطبري (ت 310هـ):

قال الطبري في تاريخ الطبري – تاريخ الرسل و الملوك:

(حدَّثني أحمد بن عثمان بن حكيم، قال: حدَّثنا عبد الرحمن بن شريك، قال: حدثني أبي، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد ابن عمرو بن حزم، عن أبيه، قال: توفي رسول الله (صلّىٰ الله عليه وآله) في شهر ربيع الأوَّل في اثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأوَّل يوم الاثنين ودفن ليلة الأربعاء)(1).

2 – رواية ابن سعد (ت 230هـ) في الطبقات الكبرىٰ:

قال ابن سعد:

(… وتوفىٰ (صلوات الله عليه)، يوم الاثنين لثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأوَّل سنة إحدىٰ عشرة من الهجرة، ودفن يوم الثلاثاء حين زاغت الشمس…)(2).

3 – رواية البخاري (ت 256هـ):

ورد في صحيح البخاري عن عائشة:

(حدَّثنا معلىٰ بن أسد: حدَّثنا وهيب، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت:

دخلت علىٰ أبي بكر، فقال: في كم كفنتم النبي (صلّىٰ الله عليه وآله)؟ قالت: في ثلاثة أثواب بيض سحولية، ليس فيها قميص ولا عمامة. وقال لها: في أي يوم توفي رسول الله (صلّىٰ الله عليه وآله)؟ قالت: يوم الاثنين. قال: فأي يوم هذا؟ قالت: يوم الاثنين. قال: أرجو فيما بيني وبين الليل. فنظر إلىٰ ثوب عليه كان يمرض فيه، به ردع من زعفران، فقال: اغسلوا ثوبي هذا، وزيدوا عليه ثوبين، فكفنوني فيها. قلت: إنَّ هذا خلق؟ قال: إنَّ الحي أحق بالجديد من الميت، إنَّما هو للمهلة.

فلم يتوف حتَّىٰ أمسىٰ من ليلة الثلاثاء. ودفن قبل أن يصبح)(3).

4 – رواية مسلم (ت 261هـ):

جاء في صحيح مسلم:

(حدَّثني عمرو الناقد وحسن الحلواني وعبد بن حميد قال عبد: أخبرني، وقال الآخران: حدثنا يعقوب – وهو ابن إبراهيم بن سعد -. وحدَّثني أبي، عن صالح، عن ابن شهاب قال: أخبرني أنس بن مالك (أنَّ أبا بكر كان يصلي لهم في وجع رسول الله (صلّىٰ الله عليه وآله) الذي توفي فيه، حتَّىٰ إذا كان يوم الاثنين وهم صفوف في الصلاة، كشف رسول الله (صلّىٰ الله عليه وآله) ستر الحجرة فنظر إلينا وهو قائم كأن وجهه ورقة مصحف، ثم تبسم رسول الله (صلّىٰ الله عليه وآله) ضاحكاً، قال: فبهتنا ونحن في الصلاة من فرح بخروج رسول الله (صلّىٰ الله عليه وآله)، ونكص أبو بكر علىٰ عقبيه ليصل الصف، وظنَّ أن رسول الله (صلّىٰ الله عليه وآله) خارج للصلاة فأشار إليهم رسول الله (صلّىٰ الله عليه وآله) بيده أن أتموا صلاتكم. قال: ثم دخل رسول الله (صلّىٰ الله عليه وآله) فأرخىٰ الستر. قال: فتوفي رسول الله (صلّىٰ الله عليه وآله) من يومه ذلك)(4).

يتَّضح من هذه الروايات أنَّ مدرسة أهل السنة تكاد تُجمع علىٰ أنَّ استشهاد النبي (صلّىٰ الله عليه وآله) كان يوم الاثنين، 12 ربيع الأول، سنة (11هـ)، ويُستند في ذلك إلىٰ روايات الطبري، وابن سعد، مع شواهد من الصحيحين وإن لم تحدّد اليوم تفصيلاً. وهذا القول هو الأشهر في كتب السيرة والتاريخ عند جمهور المسلمين من أهل السُنَّة.

الفصل الثاني: روايات استشهاد النبي (صلّىٰ الله عليه وآله) في 28 صفر:

ذهب المشهور عند الإمامية الاثني عشرية إلىٰ أنَّ استشهاد النبي محمد (صلّىٰ الله عليه وآله) كان يوم الاثنين الثامن والعشرين من شهر صفر سنة (11هـ)، وهذا القول ورد في المصادر الحديثية والتاريخية المعتبرة.

1 – رواية الشيخ المفيد (ت 413هـ):

قال المفيد في الإرشاد:

(… وكان ذلك في يوم الاثنين لليلتين بقيتا من صفر سنة إحدىٰ عشرة من هجرته وهو اِبنُ ثلاث وستّين سنة)(5).

2 – رواية الشيخ الطبرسي (ت 548هـ):

قال الطوسي في الأعلام:

(… ثم قبض (صلّىٰ الله عليه وآله) يوم الاثنين لليلتين بقيتا من صفر سنة إحدىٰ عشرة من الهجرة)(6).

3 – رواية العلامة المجلسي (ت 1111هـ):

قال المجلسي في البحار:

(… هذا هو الموافق لما ذكره أكثر الإمامية، قال الشيخ؛ في التهذيب: قبض (صلّىٰ الله عليه وآله) مسموماً يوم الاثنين لليلتين بقيتا من صفر سنة عشرة من الهجرة)(7).

خلاصة الفصل:

تُبيِّن هذه الروايات أنَّ المشهور والمعتمد عند الشيعة الإمامية هو أنَّ استشهاد النبي (صلّىٰ الله عليه وآله) كان يوم الاثنين 28 صفر سنة (11هـ)، وقد استندوا في ذلك إلىٰ روايات عن الأئمة (عليهم السلام)، وإلىٰ تواتر هذا اليوم في كتبهم، حتَّىٰ صار من أبرز الشعائر التي تُحييها الشيعية في كل عام.

الفصل الثالث: تحليل أسباب الاختلاف وترجيح إحدىٰ الروايتين:

أوَّلًا: أسباب الاختلاف في تحديد يوم الاستشهاد:

يمكن ردّ اختلاف الروايات بين 12 ربيع الأول و28 صفر إلىٰ جملة من العوامل:

1 – الاضطراب في النقل التاريخي المبكر:

فقد اختلفت روايات المؤرِّخين الأوائل في تحديد تاريخ وفاة النبي (صلّىٰ الله عليه وآله)، كما هو الحال في سيرة ابن إسحاق والطبري وابن سعد، مما نتج عنه تضارب في تحديد اليوم.

2 – اختلاف المناهج في التوثيق:

مدرسة أهل السُنَّة اعتمدت علىٰ روايات السيرة المتداولة بين الصحابة والتابعين، بينما اعتمدت مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) علىٰ النقل المباشر عن الأئمة المعصومين الذين هم أدرىٰ بوقائع حياة جدهم (صلّىٰ الله عليه وآله) وهم معصومين عن الخطأ.

3 – العامل السياسي والاجتماعي:

مرحلة ما بعد استشهاد النبي (صلّىٰ الله عليه وآله) شهدت نزاعًا سياسيًا حادًا حول الخلافة، وربَّما أدَّىٰ ذلك إلىٰ تغليب روايات علىٰ أخرىٰ بما يخدم سياقات معيَّنة، خاصة وأنَّ شهر ربيع الأول اقترن أيضًا بذكرىٰ بيعة السقيفة.

4 – إشكالية ضبط التاريخ الهجري:

بما أنَّ التأريخ الهجري لم يكن قد وُضع رسميًا إلَّا في عهد الخليفة عمر بن الخطاب (17هـ)، فإنَّ بعض التواريخ التي رويت لاحقًا قد شابها اضطراب أو اجتهاد في الحساب.

ثانيًا: ترجيح إحدىٰ الروايتين:

بعد استعراض الأدلة، يظهر أنَّ الرواية القائلة باستشهاد النبي (صلّىٰ الله عليه وآله) يوم 28 صفر أقوىٰ للأسباب الآتية:

1 – الاعتماد علىٰ روايات الأئمة (عليهم السلام):

رواية الكليني في الكافي، ورواية الشيخ المفيد في الإرشاد، تنقلان تحديد اليوم عن الإمام (عليه السلام)، مما يجعلها ذات حجية خاصة عند الإمامية، إذ الأئمة هم الامتداد للنبي (صلّىٰ الله عليه وآله).

2 – الإجماع علىٰ هذا التاريخ في التراث الشيعي:

لم يقتصر الأمر علىٰ رواية واحدة، بل اعتمده كبار أعلام الطائفة مثل الشيخ الطوسي، والمجلسي، حتَّىٰ صار جزءًا من تقويم الشيعي، وهذا التواتر يقوي الرواية.

3 – الاضطراب في رواية 12 ربيع الأول:

رواية 12 ربيع الأوَّل ليست ثابتة في جميع المصادر السنية، فبعضها يذكرها صراحة، وبعضها يكتفي بذكر يوم الاثنين دون تحديد، مما يدل علىٰ أنَّ هذا التحديد لم يكن قطعيًا منذ البداية، بل ترسّخ لاحقًا.

4 – تلاؤم التاريخ مع وقائع ما بعد الاستشهاد:

إنَّ تحديد 28 من صفر يتلاءم مع تسلسل الأحداث التاريخية التي تلت استشهاد النبي (صلّىٰ الله عليه وآله)، مثل توقيت دفنه الشريف واجتماع السقيفة الذي جرىٰ علىٰ نحو مفاجئ ومباشر بعد استشهاده، بينما لو اعتمدنا رواية 12 من ربيع الأوَّل لكان هناك فجوة زمنية يصعب تفسيرها مع طبيعة هذه الأحداث المتسارعة، مما يعزز قوة الرواية القائلة بـ(28 من صفر).

خلاصة الفصل:

بناءً علىٰ ما تقدَّم، فإنَّ القول باستشهاد النبي (صلّىٰ الله عليه وآله) يوم (الاثنين 28 صفر سنة 11 هـ) هو الأرجح، لثبوته عن طريق أئمة أهل البيت (عليهم السلام) الذين يمثلون أوثق مصادر معرفة سيرة النبي (صلّىٰ الله عليه وآله)، إضافة إلىٰ تواتره في كتب الإمامية وأدعيتهم وشعائرهم، بخلاف القول بـ(12 ربيع الأول) الذي يعتريه الاضطراب والاختلاف.

الخاتمة:

لقد تعرَّض هذا البحث إلىٰ واقعة استشهاد النبي (صلّىٰ الله عليه وآله) بين 12 ربيع الأول و28 صفر، مستعرضًا الروايات الواردة في المصادر المعتبرة لكلا الفرقتين أهل السُنَّة والشيعة، مع تحليل أسباب الاختلاف بينهما.

توصَّلت في هذا البحث إلىٰ عدَّة نتائج مهمة:

1 – وجود اختلاف تاريخي واضح بين الروايات السنية والشيعية، حيث أشار جمهور أهل السنة إلىٰ 12 ربيع الأوَّل، بينما أكدت المصادر الشيعية، بناءً علىٰ روايات الأئمة (عليهم السلام)، أنَّ اليوم الصحيح هو 28 صفر سنة (11 هـ).

2 – أسباب الاختلاف تعود إلىٰ عوامل متعدِّدة، أهمها: اضطراب النقل المبكر للروايات، اختلاف مناهج التوثيق بين الفريقين، الظروف السياسية والاجتماعية التي أعقبت استشهاد النبي (صلّىٰ الله عليه وآله)، وإشكاليات ضبط التاريخ الهجري في بداياته.

3 – ترجيح الرواية الشيعية (28 صفر) يأتي بناءً علىٰ:

– اعتمادها علىٰ النقل عن الأئمة المعصومين الذين هم أكثر دراية بتواريخ حياة النبي (صلّىٰ الله عليه وآله).

– تواتر هذا التاريخ في التراث الشيعي.

– انسجامه مع تسلسل الأحداث التاريخية في حياة النبي (صلّىٰ الله عليه وآله) وما تلاه من أحداث مهمة بعد استشهاده، مثل دفنه وتوقيت اجتماع السقيفة.

4 – أهمية البحث: يكشف البحث أنَّ الاختلاف في تحديد يوم الاستشهاد لا يقلل من مكانة النبي (صلّىٰ الله عليه وآله)، ولكنه يسلط الضوء علىٰ أهمية دراسة الروايات التاريخية بعناية، وفهم العوامل المؤثرة في نقل الأحداث، بما يحقق صورة دقيقة للوقائع التاريخية.

 

 

 

الهوامش:


(1) تاريخ الطبري – تاريخ الرسل والملوك – محمد بن جرير الطبري: 3/217.

(2) الطبقات الكبرىٰ – محمد بن سعد بن منيع الزهري: 3/7.

(3) صحيح البخاري – أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري: 1/467.

(4) صحيح مسلم – أبو الحسين مسلم بن الحجاج: 2/24.

(5) الإرشاد – الشيخ المفيد: 1/189.

(6) إعلام الورىٰ بأعلام العدىٰ – الشيخ الطوسي: 1/53.

(7) بحار الأنوار – العلامة المجلسي: 22/514.

Edit Template
Scroll to Top