هل شارك الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) فيما يسمىٰ بحروب الردة؟ (قراءة في ضوء المصادر التاريخية الإسلامية)

هل شارك الإمام علي بن أبي طالب ع في حروب الردة؟

المقدمة:

تُعدُّ حروب الردة من أبرز المحطات التاريخية الحساسة التي واجهت الدولة الإسلامية الناشئة بعد وفاة النبي محمد (صلىٰ الله عليه وآله)، وقد خاضها الخليفة الأول أبو بكر لمواجهة من ادُّعي أنَّهم ارتدّوا عن الإسلام أو امتنعوا عن دفع الزكاة.

وفي ظلِّ هذه الأحداث الدراماتيكية، يثور التساؤل: هل شارك الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في هذه الحروب؟

سؤال ظاهره بسيط، لكن الإجابة عنه سوف تبيِّن مشروعية أو عدم مشروعية مثل هذه الحروب، لذلك تتطلَّب تحقيقًا علميًا دقيقًا في مصادر التاريخ الإسلامي، ومقارنة بين الروايات المتعددة، خاصة أنَّ هذه الفترة تشكّل مفترقًا حساسًا في التاريخ السياسي والعقائدي للمسلمين.

في هذا المقال المختصر نعرض أبرز المصادر التي نفت أو أثبتت مشاركة الإمام علي (عليه السلام) في حروب الردة، مع تحليلٍ موضوعيٍ للروايات، وبيانٍ للموقف المرجّح بناءً علىٰ التوثيق والتسلسل الزمني للمصادر.

أولًا: الروايات التي نفت مشاركة الإمام علي (عليه السلام):

إنَّ مراجعة أُمَّهات الكتب التاريخية المتقدمة تشير إلىٰ أنَّ اسم الإمام علي (عليه السلام) لم يُذكر مطلقًا ضمن قادة الجيوش أو المشاركين فعليًا في حروب الردة.

1- الطبري (ت 310هـ):

في (تاريخ الأُمم والملوك)، وهو من أقدم وأوثق المصادر التاريخية، سرد الطبري أحداث حروب الردة بالتفصيل، وذكر أسماء قادة البعوث العسكرية التي أرسلها أبو بكر، مثل:

– خالد بن الوليد.

– عكرمة بن أبي جهل.

– شرحبيل بن حسنة.

– عمرو بن العاص.

– المهاجر بن أبي أمية.

– طليحة الأسدي.

ولم يرد أي ذكر للإمام علي (عليه السلام) ضمن هؤلاء القادة.

قال الطبري:

(ووجَّه أبو بكر خالداً إلىٰ بني حنيفة، وعكرمة إلىٰ مسيلمة… ولم يزل علي بن أبي طالب في المدينة)(1).

2- ابن سعد (ت 230هـ):

في (الطبقات الكبرىٰ)، صرَّح ابن سعد بأنَّ الإمام علي (عليه السلام) بقي في المدينة، ولم يُرسل مع السرايا.

يقول:

(وكان علي بن أبي طالب يُكثر الجلوس إلىٰ عمر وأبي بكر في المدينة، ولم يخرج مع أحد من السرايا)(2).

3- البلاذري (ت 279هـ):

في كتابه (فتوح البلدان)، يورد البلاذري أسماء الجيوش والفتوحات بتفصيل كبير، ومع ذلك لا يذكر الإمام علي (عليه السلام) مطلقًا في سياق الردَّة، وهو ما يُعدّ دليلاً علىٰ عدم مشاركته.

4- اليعقوبي (ت 284هـ):

(فخرج أبو بكر في جيشه إلىٰ ذي القصة، ودعا عمرو بن العاص فقال: يا عمرو إنَّك ذو رأي قريش، وقد تنبأ طليحة).

فما ترىٰ في علي؟ قال: لا يطيعك! قال: فالزبير؟ قال: شجاع حسن! قال: فطلحة؟ قال: للخفض والطعن! قال: فسعد؟ قال: محش حرب! قال: فعثمان؟ قال: أجلسه واستعن برأيه! قال: فخالد بن الوليد؟ قال: بسوس للحرب، نصير للموت. له أناة القطاة ، ووثوب الأسد)(3)، فهذه وثيقة تاريخية علىٰ عدم المشاركة.

ثانيًا: الروايات التي تشير إلىٰ مشاركته:

رغم وضوح الروايات السابقة، ظهرت روايات متأخرة زمنياً تذكر مشاركة الإمام علي (عليه السلام)، لكنّها تفتقر إلىٰ الإسناد والتوثيق، وتُعد إما تأويلات أو محاولات توفيقية.

1- السيوطي (ت 911هـ):

قال في (تاريخ الخلفاء): (ولما ارتدَّت العرب، بعث أبو بكر الجنود، وكان فيهم علي بن أبي طالب، وعمرو بن العاص، وخالد بن الوليد…)(4).

ويلحظ عليه أنَّ السيوطي لم يسند قوله إلىٰ رواية سابقة، كما أنَّ قوله يخالف روايات الطبري والبلاذري والواقدي.

2- ابن خلدون (ت 808هـ):

قال في مقدمته: (وحارب المرتدين… وكان علي ممن شهد تلك الحروب)(5).

نجد أنَّ روايته عامة، غير مسندة، ولا يذكر فيها تحديدًا دوره أو موقعه، وتتناقض مع الروايات الأقدم.

3- بعض كتب المناقب والمصالحات المذهبية:

ورد في كتب مثل (مرآة الزمان) لسبط ابن الجوزي، و(الروض الأنف) للسهيلي، إشارات إلىٰ دور لعلي بن أبي طالب، لكنها تتَّخذ طابعًا توفيقيًا، وتفتقر إلىٰ توثيق علمي صريح.

ثالثًا: الموقف الشيعي الإمامي من حروب الردَّة:

المصادر الشيعية الإمامية، وعلىٰ رأسها:

– الإرشاد للشيخ المفيد.

– بحار الأنوار للمجلسي.

تؤكد أنَّ الإمام علي (عليه السلام) لم يشارك في تلك الحروب، بل بقي في المدينة:

  1. يجمع القرآن.
  2. يراقب الوضع السياسي بعد السقيفة.
  3. يحافظ علىٰ وحدة الأُمَّة وتماسكها.

قال الشيخ المفيد: (وأقام أمير المؤمنين (عليه السلام) في بيته، مشغولًا بجمع القرآن، حتىٰ استقرت أمور القوم)(6).

أمَّا الشيخ المجلسي عند حديثه عن أحداث السقيفة وما بعدها، ينقل أنَّ عليًّا (عليه السلام) لم يُشارك في الحروب التي سُمّيت بـ(الردَّة)، ويُصرِّح بأنَّ سبب ذلك:

1 – انشغاله بالوصية النبوية (غسل وتجهيز النبي (صلىٰ الله عليه وآله)).

2 – موقفه السياسي بعد السقيفة ورفضه مبايعة أبي بكر في بداية الأمر.

3 – وأنَّه كان يرىٰ أنَّ كثيرًا ممن قُوتلوا لم يكونوا مرتدين عن الإسلام، بل كانوا مانعين للزكاة أو معترضين علىٰ خلافة أبي بكر(7).

رابعًا: موقف الباحثين المعاصرين وابن تيمية:

محمد عمارة:

(لم يُذكر لعلي بن أبي طالب في حروب الردة دورٌ عسكري، بل كان نشاطه دينيًا وسياسيًا في المدينة)(8).

ابن تيمية:

(لا نعلم أنَّ علياً (رضي الله عنه) قد شارك في حروب الردَّة، ولم نقف علىٰ خبر صحيح يدل علىٰ هذا، بل جميع الحروب التي حضرها علي (رضي الله عنه) بعد وفاة رسول الله (صلَّىٰ الله عليه (وآله) وسلم) ثلاثة حروب: الجمل، وصفين، وحرب أهل النهروان. والله أعلم)(9)، وهنا نجد بأنَّ ابن تيمية وهو من أكثر المتعصبين الذين حاولوا إخفاء كل منقبة لعلي (عليه السلام) يعترف بعدم مشاركته في هذه الحروب.

خاتمة:

بعد مراجعة دقيقة للمصادر التاريخية المعتمدة، يمكن القول بثقة إنَّ الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) لم يشارك في حروب الردَّة، لا كقائد عسكري ولا كمجاهد ميداني، وأغلب الروايات التي زجَّت باسمه في هذه الأحداث هي إمَّا متأخِّرة, أو غير مسندة، أو ذات طابع تبريري توفيقي، وهذا ما يوضح رفض الإمام علي (عليه السلام) لها وعدم مشروعيتها.

وبالتالي، فإنَّ الصمت التاريخي المبكر عن ذكر اسمه في تلك المعارك، يقابله حضور علمي وروحي وسياسي له في المدينة، يؤكِّد موقعه المحوري في ترسيخ وحدة الأُمَّة وحماية جوهر الرسالة بعد رحيل النبي الأكرم (صلىٰ الله عليه وآله) لا كما يحاول أن يسوق ذلك بعض.

 

 

 

الهوامش:


(1) تاريخ الطبري: ج2، ص504-510.

(2) الطبقات الكبرىٰ: ج3 ، ص21.

(3) تاريخ اليعقوبي: ج2، ص129.

(4) تاريخ الخلفاء: ص60.

(5) مقدمة بن خلدون: ص169.

(6) الإرشاد للشيخ المفيد: ج1، ص186.

(7) بحار الأنوار لمجلسي: ج28، ص249-250.

(8) الخلافة والإمامة: ص115.

(9) مجموع الفتاوىٰ: ج4، ص493.

Edit Template
Scroll to Top