المراهقة الفكرية

مقدمة:

كما يمرّ الإنسان في رحلته الوجودية بمراحل متعاقبة: صِبا، فمراهقة، فرشد، كذلك يمرّ في رحلته العقلية بمنازل متعدِّدة، لكلٍّ منها سماتها، ومطباتها، وفرصها.

وإذا كانت المراهقة الجسدية مرحلة اضطرابٍ ناتجة عن بداية النضج والتحوُّل، فإنَّ المراهقة الفكرية لا تقلّ عنها اضطراباً، بل قد تكون أشد أثراً وأبعد مدىٰ؛ لأنها تمسّ طريقة التفكير، وبوصلة التقييم، وآليات إصدار الأحكام.

في المراهقة نرىٰ الاندفاع قبل التروّي، والحكم قبل الفحص، والتمرُّد بدافع إثبات الذات، ثم لا يلبث الندم أو التراجع أن يظهر بعد فوات الأوان.

وهذه الصفات بعينها تتكرَّر – بصورة أخرىٰ – في المجال الفكري.

المراهقة الفكرية ليست عيباً بحدِّ ذاتها، بل طورٌ طبيعي من أطوار التكوّن العقلي؛ تظهر حين يبدأ الإنسان بالاطِّلاع، ويكتشف اتِّساع المعرفة، فيشعر بقفزة مفاجئة في الوعي، لكنها قفزة لم يكتمل توازنها بعد، هنا تبدأ الثقة المتعجلة، والحكم السريع، والتمرُّد علىٰ المسلَّمات قبل فهم عللها وسياقاتها.

المراهقة الفكرية: المفهوم والمسار:

تعريفها: المراهقة الفكرية هي مرحلة انتقالية في وعي الإنسان المعرفي، يتضخم فيها الشعور بالقدرة علىٰ الفهم والحكم قبل اكتمال أدوات التخصص والمنهج العلمي.

مسارها: يمرّ الباحث أو المثقف في مسيرته المعرفية غالباً بثلاث مراحل كبرىٰ:

1 – مرحلة حبّ الاطِّلاع، حيث الدهشة والاكتشاف وجمع المعارف.

2 – مرحلة المراهقة الفكرية، حيث الثقة المتعجّلة، والتوسّع غير المنضبط، وسرعة الحكم.

3 – مرحلة الرشد العلمي، حيث الاتِّزان، واحترام المنهج، وتقدير التخصص، ومعرفة حدود الذات.

واللافت أنَّ المراهقة الفكرية لا تُصيب الأفراد فحسب، بل قد تعصف بالمجتمعات، وتطبع المؤسسات، بل وربما وسمت أجيالاً كاملة بطابعها.

تنبيه ضروري:

لا يُراد من توصيف هذه المرحلة إدانتها أو الدعوة إلىٰ تجاوزها قسراً؛ فهي حلقة طبيعية في مسار النضج الفكري، إنَّما الخطر كل الخطر أن تتحوَّل إلىٰ حالة دائمة، أو أن تُتَّخذ فيها قرارات مصيرية بعقلٍ لم يكتمل نضجه بعد.

وأولىٰ خطوات السلامة أن يعرف الإنسان موقعه من هذا المسار، وأن يُدرك المرحلة التي يقف فيها.

سمات المراهق فكرياً:

يمكن التعرف علىٰ المراهقة الفكرية من خلال جملة من العلامات الدالة، من أبرزها:

1 – أن يستبدّ بالباحث شعورٌ مبالغ فيه بالأهمية، فيتوهَّم أنَّه بلغ شأواً يؤهله للتنظير في كل شيء، لمجرد قراءات محدودة أو تجارب أولية.

وغالباً ما يكون هذا الغرور ستاراً يخفي فراغاً معرفياً داخلياً.

2 – أن يُسارع إلىٰ هدم الثوابت الفكرية له أو لمجتمعه، لا عن دراسة معمّقة، بل إثر كتابٍ أو بحثٍ عابر.

3 – أن يتعامل مع الآخرين بتقزيمٍ وتسطيح، متجاوزاً أدب المعرفة وأخلاق البحث.

4 – أن يفقد ثقته بثقافته وهويته، ويستبدلهما بشعور دونية غير مبرّر، فيُصدر أحكاماً عامة دون إحاطة أو إنصاف.

5 – أن ينبهر بالثقافات الوافدة انبهاراً يجعله خاضعاً لها، فيستعير أحكامها ومعاييرها دون وعي نقدي، مدفوعاً بفراغ داخلي لا بنضج معرفي.

تنبيه: قد يتوهَّم القارئ أنَّ هناك تصادماً بين النقطة الأولىٰ والخامسة وأنَّه كيف نجمع بين شعوره بالعظمة وشعوره بالدونية؟

الجواب: أنَّ شعوره بالعظمة يرجع إلىٰ الجانب النفسي عنده نتيجة حصوله علىٰ بعض المعلومات التي جعلته يظن بنفسه الأهمية، لكنه في ذات الوقت يشعر بالدونية بلحاظ انتمائه في قبال الثقافات الأخرىٰ التي انبهر بها من دون أن يقف علىٰ حقيقة ثقافته.

إذن الشعور بالعظمة بلحاظ الجانب النفسي والشعور بالخضوع بلحاظ الانتماء الفكري.

وحيثما وجدت هذه السمات، فاعلم أنَّ صاحبها لم يغادر بعدُ طور المراهقة الفكرية؛ لأنَّ مثل هذه المواقف لا تُبنىٰ إلَّا علىٰ نضج، وتروٍّ، وتخصص.

مظاهر المراهقة الفكرية:

أوَّلاً: التطفُّل علىٰ الاختصاص:

من أوضح مظاهرها الجرأة علىٰ ميادين العلم دون امتلاك أدواتها، فالثقافة العامة لا تُنشئ مختصاً، ولا تخوِّل صاحبها إصدار الأحكام النهائية.

غاية ما يملكه المثقف هنا هو النقل عن أهل الاختصاص، لا الحلول محلَّهم.

ثانياً: التطرُّف وردّة الفعل:

ومن مظاهرها أيضاً الانتقال الحاد من طرفٍ إلىٰ نقيضه؛ فحين يكتشف المراهق فكرياً خللاً في منظومة كان منتمياً إليها، لا يقف موقف المراجعة الهادئة، بل يندفع إلىٰ أقصىٰ الضفة الأخرىٰ، محكوماً بمنطق ردّة الفعل لا بمنهج التوازن.

وكذلك حين يعتنق اتِّجاهاً ما، فيُضفي عليه صفة الحقيقة المطلقة، ويُسقط ما عداه إسقاطاً عاماً قاطعاً، ويُكثر من إطلاق العبارات النهائية المتعجّلة.

ثالثاً: هشاشة المصدر:

المراهق فكرياً لا يُحسن التثبُّت، ولا يفتِّش عن المصادر الأصلية، بل يكتفي بمصادر سطحية، ويجعل من محركات البحث مرجعاً معرفياً بديلاً عن التحقيق العلمي.

حين يغيب التثبُّت، وتُستبدل المصادر الأصلية بالبحث السريع، ويُمنح الرأي شرعيته من كثرة تداوله لا من صحته فهذه هي المراهقة الفكرية.

رابعاً: ضيق أفق الحوار:

ومن علاماتها ضيق الصدر عن النقاش، والنفور من الرأي الآخر، والرغبة في احتكار الصواب، وتحويل الخلاف العلمي إلىٰ صراع ذاتي.

تمييز لازم:

لابدَّ من التفريق بين الدفاع العلمي الرصين عن حقيقة ثبتت بالدليل، وبين الدفاع العاطفي المتشنِّج الذي هو من سمات المراهقة الفكرية.

فالأوَّل منفتح علىٰ النقاش في مرحلة البحث، مستعدّ للمراجعة، قابل للتراجع إذا ظهرت أدلة أقوىٰ.

أمَّا الثاني، فيغلق باب المراجعة منذ البداية، ويتعامل مع الفكرة بوصفها امتداداً للذات، لا موضوعاً للبحث.

وهنا يكمن الفارق الجوهري بين النضج الفكري والمراهقة الفكرية.

المراهقة الفكرية مرحلة، وليست هوية، جسرٌ يُعبر، لا منزلٌ يُسكن، والخطر كل الخطر أن تُتَّخذ في هذه المرحلة قرارات كبرىٰ، أو تُبنىٰ مواقف مصيرية، بعقلٍ لم يتدرَّب بعد علىٰ الصبر، ولا احترام بعد تعقيد المعرفة.

فالنضج الفكري لا يعني كثرة الآراء، بل حسن وزنها.

ولا يعني الجرأة في الكلام، بل الأمانة في الحكم.

Edit Template
Scroll to Top