أزمة الخطاب المهدوي في الوجدان الشيعي وتوصيات

أزمة الخطاب المهدوي في الوجدان الشيعي وتوصيات

إنَّ البحث في القضية المهدوية ليس ترفاً فكرياً ولا شأناً عاطفياً مجرّداً، بل هو من صميم العقيدة الإمامية، ويمسّ جوهر الامتداد الرسالي بعد ختم النبوة.

ومن هنا فإنَّ الخطاب الشيعي في هذا المجال يواجه جملةً من الأزمات المعرفية والمنهجية، يُعبَّر عنها تارةً بالشبهات، وأخرىٰ بالإشكالات الفكرية، وهي بحاجة إلىٰ معالجة علمية رصينة، تقوم علىٰ التحقيق والتأصيل، لا علىٰ الارتجال والانفعال.

وسنعتمد في هذا البحث منهجاً يقوم علىٰ:

أوَّلاً: عرض الأزمة وبيان وجه الإشكال فيها، ثم اقتراح معالجاتٍ لها علىٰ نحو التوصيات.

ثانياً: اعتماد أسلوب الإيجاز في ذكر التوصيات، دفعاً للقارئ – ولا سيّما طلبة الحوزة العلمية والخطباء – إلىٰ مزيدٍ من البحث والمراجعة والتدقيق.

ثالثاً: إمكان اتِّخاذ هذه التوصيات عناوين مستقلة لمحاضراتٍ ودراساتٍ متخصّصة في القضية المهدوية، تعمّق الوعي وتؤسِّس لخطابٍ متين.

أوَّلاً: أزمة نقض الغرض:

من أبرز الإشكالات المثارة في الوجدان الشيعي ما يمكن تسميته بـ(نقض الغرض)، وحاصله: أنَّ فلسفة وجود الإمام المعصوم (عليه السلام) إنَّما هي الهداية والإرشاد، ومع افتراض الغيبة وعدم الحضور الظاهر، يُتوهم تعطّل وظيفة الهداية، أو يُبتلىٰ الذهن بحالة شكٍّ صامتٍ مفاده: كيف تجتمع الغيبة مع الغاية من الإمامة؟

وهذا الإشكال – إن لم يُعالَج بعناية – قد يفضي إلىٰ تصورٍ خاطئٍ عن حقيقة الدور الإمامي في عصر الغيبة، بل قد يرسّخ فهماً قاصراً لمفهوم الهداية نفسه.

توصيات المعالجة:

أ – ضرورة التمييز بين (قاعدة اللطف) و(تمام اللطف):

فإنَّ مقتضىٰ القاعدة الكلامية أنَّ وجود الإمام لطفٌ في نفسه، وأمَّا مباشرته لكلِّ شؤون الهداية بنحو الظهور العلني فهو تمام اللطف، ولا يلزم من تعذّر الثاني انتفاء الأوَّل.

ب – بيان أنَّ الغاية الأساس من الإمامة هي حفظ الامتداد الرسالي وضمان استمرار المشروع الإلهي:

فالإمام (عليه السلام) يمثِّل الضمانة الإلهية لبقاء الدين مصوناً من التحريف والاستئصال، سواء كان ظاهراً أم غائباً.

ت – التأكيد علىٰ أنَّ وجود الإمام (عليه السلام) في نظام الكون لطفٌ تكويني وتشريعي، وإن لم يمارس تمام وظائفه بنحوٍ ظاهر:

فحضوره الواقعي في منظومة الوجود له آثارٌ تتجاوز دائرة التصدي العلني، وتندرج في إطار التدبير الإلهي العام.

ث – نفي دعوىٰ تعطيل مشروع الهداية في زمن الغيبة:

فالهداية مستمرة عبر الوسائط المشروعة، من العلماء الربانيين والفقهاء العدول، ضمن منظومة النيابة العامة، بما يحفظ للأمة توازنها العقدي والعملي، إلىٰ أن يأذن الله تعالىٰ بالفرج والظهور.

وبذلك يتَّضح أنَّ ما يُتوهَّم من نقض الغرض إنَّما ينشأ من خلطٍ في المفاهيم، أو من تضييقٍ لمعنىٰ الهداية في دائرة الحضور الحسي المباشر، بينما الرؤية الإمامية ترىٰ الإمامة منصباً إلهياً ذا أبعادٍ أعمق وأشمل، تتجاوز حدود الظهور الظاهري إلىٰ الحضور الفاعل في عمق المسيرة الرسالية.

ثانياً: أزمة السؤال عن الغيبة مع تعارف حضور الإمام:

يُثار في الحقل العقدي سؤالٌ مفاده: لماذا اقتضت الحكمة الإلهية وقوع الغيبة، مع أنَّ الأصل في الإمام أن يكون حاضراً بين الناس، معروفاً متعارفاً، قائماً بوظائفه الظاهرة في الهداية والقيادة؟

وللجواب عن هذه الإشكالية، لابدَّ من تأصيل المسألة ضمن الرؤية العقائدية الإمامية، علىٰ ضوء السنن الإلهية الحاكمة لمسيرة التاريخ البشري، وضمن فهمٍ تكامليّ لمشروع الإمامة الإلهية.

أوَّلاً: ضرورة القواعد وسنن التاريخ – وسُنَّة الافتتان -:

إنَّ لله تعالىٰ سنناً جارية في عباده، لا تتخلَّف ولا تتبدَّل، وهي التي تنظِّم حركة التاريخ وتحدِّد مسارات الامتحان والتمحيص.

ومن أبرز هذه السنن: سُنَّة الابتلاء والافتتان، حيث يُمتحن المؤمنون في إيمانهم وثباتهم، ليتميّز الخبيث من الطيب.

ومن هذا المنطلق، فإنَّ مشروع الغيبة ليس أمراً طارئاً أو استثناءً عن القاعدة، بل هو داخل في صميم السنن الإلهية الحتمية، فكما تعرَّض الأنبياء والأوصياء لألوان الإقصاء والمواجهة، كذلك اقتضت الحكمة الإلهية أن تمرّ الإمامة في مرحلتها الخاتمة بظرف الغيبة، حفظاً للمشروع الإلهي وتمحيصاً للأُمَّة.

وعليه، فغيبة الإمام (صلوات الله عليه) ليست نقصاً في التدبير، ولا فراغاً في الهداية، بل هي مرحلة مقدّرة في علم الله تعالىٰ، تندرج ضمن المسار الطبيعي لتكامل المشروع الرسالي، وتشكّل اختباراً عقائدياً عميقاً لصدق الإيمان بالغيب وحجج الله تعالىٰ.

ثانياً: تعدُّد جهات الكمال في المشروع الإلهي:

ينبغي الالتفات إلىٰ أنَّ الكمال في المنظور الإمامي ليس محصوراً في الحضور الظاهري للإمام، بل له جهات متعدِّدة:

1 – كمال في أصل وجود الإمام:

إنَّ نفس وجود الإمام في الخارج – ولو بنحو الغيبة وعدم الظهور العلني – كمالٌ في النظام الوجودي، لأنَّه الحجة الإلهية القائمة، وبه يحفظ الله الأرض وأهلها، فوجوده لطف، سواء كان ظاهراً مشهوراً أو غائباً مستوراً.

2 – كمال في المشروع المهدوي:

إنَّ المشروع المهدوي بوصفه امتداداً للرسالة وخاتمة لمسيرة الإمامة، لا يتوقَّف في أصل تحقُّقه وفاعليته علىٰ الحضور الظاهري الدائم، فقد يكون الإمام غائباً عن الأنظار، لكنّ مشروعه حيّ في الوجدان، فاعلٌ في الأُمَّة، موجِّه لمسيرتها.

وهذا نظير العلاقة بين الرسول والرسالة؛ فقد ارتحل الرسول (صلَّىٰ الله عليه وآله) عن الدنيا، غير أنَّ الرسالة باقية فاعلة، وكذلك العلاقة بين أمير المؤمنين (عليه السلام) والتشيّع؛ فالمطلوب عقدياً هو الإيمان بالخطّ والمشروع، لا مجرَّد إدراك الحضور الحسّي.

وعليه، فالإيمان بالإمام في حال غيبته هو إيمان بالمشروع الإلهي، وثبات علىٰ خطّ الإمامة، وإن لم يتحقَّق اللقاء المباشر.

ثالثاً: محاذير الظهور قبل الأوان:

إنَّ افتراض الظهور الدائم أو المبكّر للإمام يستلزم أحد محاذير ثلاثة، وكلّها خلاف الحكمة الإلهية:

1 – الموؤودية المشروع:

أي تعرُّض المشروع المهدوي للفناء والانتهاء قبل بلوغ ظرفه التاريخي المناسب، نتيجة تكالب قوىٰ الانحراف والظلم، فيُجهض المشروع في مهده كما أُجهضت تجارب كثيرة في التاريخ.

2 – اللجوء الدائم إلىٰ الإعجاز لحفظ الإمام:

بحيث يُحفظ الإمام عبر خوارق مستمرة للسنن الطبيعية، وهو ما يتنافىٰ مع سُنَّة جريان الأمور بأسبابها، ومع طبيعة الامتحان البشري القائم علىٰ الاختيار الحرّ لا علىٰ الإلجاء القهري.

3 – استمرار بعث الأئمة (عليهم السلام):

إذ لو قُتل الإمام الظاهر قبل تحقق الغاية، للزم نصب إمامٍ بعد إمام إلىٰ ما لا نهاية، وهو ما يتنافىٰ مع ختم مسار الإمامة بالعدد المعلوم، ومع كون المشروع المهدوي خاتمة الحركة الإصلاحية الإلهية.

الخلاصة العقدية أنَّ الغيبة، في الرؤية الإمامية، ليست انقطاعاً عن الهداية، ولا فراغاً في الحجة، بل هي طورٌ من أطوار المشروع الإلهي، تفرضه سُنن التاريخ، وتقتضيه حكمة الحفظ والتمحيص، ويتجلّىٰ فيه كمال الوجود الإمامي وإن غاب عن الأبصار.

فالمطلوب من الأُمَّة في عصر الغيبة ليس انتظار الحضور الحسّي فحسب، بل ترسيخ الإيمان بالغيب، والالتزام بخطّ الإمامة، والتهيّؤ لتحمّل مسؤولية الظهور عند تحقّق شرطه التاريخي.

وبذلك تنحلّ الأزمة، ويتبيَّن أنَّ الغيبة ليست سؤال نقص، بل مظهر حكمة، ووجهٌ من وجوه الكمال في التدبير الإلهي.

ثالثاً: إنَّ دعوىٰ كون إطالة أمد الغيبة إخلالاً بمبدأ الحكمة الإلهيّة:

قد يُثار إشكالٌ حاصله: أنَّ طول مدّة الغيبة للإمام المعصوم (عليه السلام) يُنافي مقتضىٰ الحكمة الإلهيّة، إذ كيف يُعقل أن يترك الله تعالىٰ عباده من دون حضورٍ ظاهرٍ لحجّته، مع ما تقتضيه قاعدة اللطف من تقريب المكلّفين إلىٰ الطاعة وإبعادهم عن المعصية؟

والجواب عن ذلك: أنَّ هذه الدعوىٰ ناشئة من عدم التدقيق في حقيقة مفهوم الحكمة الإلهيّة، ومن عدم الالتفات إلىٰ نظام السنن الإلهيّة الجارية في المجتمعات البشريّة، فإنَّ الحكمة لا تقتضي التعجيل في كلِّ مورد، بل قد تقتضي الإمهال والتمحيص وإعداد الأرضيّة المناسبة لبلوغ الغايات العليا، وقد تقرَّر في محلِّه أنَّ أفعال الله تعالىٰ تابعةٌ للمصالح الواقعيّة، وإن خفيت علىٰ العقول القاصرة.

توصيات المعالجة:

أوَّلاً: أنَّ الغيبة تمثِّل مرحلة مخاضٍ حضاريّ، وطوراً من أطوار الإعداد التكامليّ للأُمَّة، وذلك وفق نظام السُنن الطبيعية والاجتماعية التي أودعها الله تعالىٰ في حركة التاريخ، فقيام الدولة الإلهيّة العالمية ليس حادثةً فجائيّةً منفصلةً عن أسبابها، بل هو ثمرةُ تراكمٍ معرفي وأخلاقي واجتماعي، يقتضي نضوج القاعدة المؤمنة، وبلوغها مستوىٰ من الوعي والاقتدار يمكّنها من تحمّل أعباء المشروع الإلهي الشامل.

وعليه، فإنَّ إطالة الغيبة ليست فراغاً تشريعيّاً ولا تعطيلاً للهداية، بل هي لونٌ من ألوان التدبير الربّاني، تُمارَس فيها الهداية عبر الامتداد الفقهي والعلمي المتمثِّل بالمرجعية الدينية، بوصفها النائب العام في عصر الغيبة، في إطار ما تقرَّر في مباحث النيابة العامة والولاية.

ثانياً: أنَّ التجربة النبوية نفسها قد شهدت فتراتٍ من انقطاع الحجّة المعلنة رسميّاً، كما في المدّة الفاصلة بين رفع نبيّ الله عيسىٰ (عليه السلام) وبعثة خاتم الأنبياء محمّد (صلَّىٰ الله عليه وآله)، وهذه الفترة – وإن لم تخلُ من حججٍ لله تعالىٰ بالمعنىٰ العامّ – إلَّا أنَّها لم تشهد حضور نبيٍّ صاحب شريعةٍ ظاهرةٍ جامعة، ومع ذلك، لم يُعدّ ذلك إخلالاً بالحكمة الإلهيّة، بل كان تمهيداً تاريخيّاً لنضوج الظروف لظهور الرسالة الخاتمة.

فإذا ثبت نظير ذلك في سُنَّة الله تعالىٰ مع الأنبياء، لم يكن استبعاد نظيره في سُنَّة الإمامة وجيهاً، خصوصاً مع الاعتقاد بأنَّ الأرض لا تخلو من حجّة، وإن كان مستوراً عن الأبصار، وأنَّ وجوده بنفسه لطف، وتصرّفه لطفٌ آخر، وعدم ظهوره ناشئٌ من عدم توفُّر القابلية التامّة في الأُمَّة.

وعليه، فإنَّ إطالة الغيبة لا تُنافي الحكمة الإلهيّة، بل تنسجم مع مقتضياتها في ضوء الرؤية العقائدية الإمامية، القائمة علىٰ الجمع بين قاعدة اللطف، ونظام الابتلاء والتمحيص، وسُنن التدرُّج في تحقُّق المشروع الإلهي في التاريخ.

رابعاً: في معالجة أزمة المفاهيم الخاطئة في الرؤية المهدوية:

تبتلىٰ الساحة الثقافية والدعوية بجملةٍ من التصوُّرات غير الدقيقة حول القضية المهدوية، وهي تصوّرات تستدعي التقويم والتصحيح ضمن المنهج العقدي الإمامي، ومن أبرزها ما يلي:

أوَّلاً: توهّم أنَّ الظهور حدثٌ مفاجئٌ محض، لا صلة له بسيرٍ تكامليٍّ أو سُننٍ تاريخية:

وهذا الفهم يُغفل حقيقةً قرآنيةً وسننية، وهي أنَّ التحوّلات الكبرىٰ في التاريخ الإنساني تجري وفق سننٍ إلهيةٍ محكمة، وأنَّ الظهور المبارك وإن كان من حيث التوقيت غيبيّاً مفاجئاً، إلَّا أنَّه من حيث الامتداد الحضاري ثمرةُ مسارٍ طويلٍ من التمهيد والابتلاء والتكامل، وتجسيدٌ لنضج البشرية بعد مراحل من الظلم والتجربة والظمأ إلىٰ العدل الإلهي.

ثانياً: تصوُّر أنَّ دور الأئمة (عليهم السلام) يقتصر علىٰ الترتيب التاريخي دون تحمّل مسؤولية المشروع:

وهذا خطأٌ في فهم الإمامة، إذ إنَّ الإمامة – بحسب الرؤية الإمامية – استمرارٌ للنبوة في حفظ الدين وقيادة الأُمَّة، وأنَّ المشروع المهدوي هو الامتداد الطبيعي لخط الإمامة كلّه، بحيث يشكِّل كلّ إمامٍ حلقةً في البناء الرسالي المتكامل، إعداداً وتأصيلاً وتمهيداً للظهور المبارك، فهم شركاء في أصل المشروع وإن اختلفت أدوارهم بحسب مقتضيات الزمان.

ثالثاً: الادِّعاء بأنَّ المشروع المهدوي ليس عالميّاً في غاياته:

وهذا يتنافىٰ مع النصوص القرآنية الدالّة علىٰ وراثة الصالحين للأرض، وعموم الهداية الإلهية، ومع الروايات المتضافرة في أنَّ دولة العدل المهدوية تشمل المعمورة كلَّها، وأنَّها تمثِّل تجلّياً شاملاً للعدل الإلهي في أبعاده العقدية والاجتماعية والسياسية، فلا يختصّ بأُمَّةٍ دون أخرىٰ، بل هو مشروع إنقاذٍ إنسانيٍّ عام.

رابعاً: الزعم بأنَّ المشروع المهدوي ليس حدثاً نهائيّاً في الامتداد الزماني:

والصحيح أنَّ الظهور المبارك يمثِّل الذروة التاريخية لمسار الاستخلاف الإلهي في الأرض، وإن لم يكن نهايةً للوجود الإنساني من حيث الأصل، إلَّا أنَّه يمثِّل المرحلة الأكمل في تجلّي العدل والهدىٰ، بما يشكِّل تحقُّقاً للوعد الإلهي وبلوغاً لمرحلة النضج الحضاري تحت قيادة الإمام المهدي (عجَّل الله تعالىٰ فرجه الشريف).

توصيات في المعالجة:

ينبغي للخطاب المهدوي أن يُبنىٰ علىٰ أُسسٍ رصينةٍ تجمع بين التأصيل العقدي والوعي الحضاري، وذلك من خلال التركيز علىٰ العناصر الآتية:

أ – بيان سنن التاريخ والتكامل البشري:

فينبغي إبراز أنَّ الظهور ليس قفزةً خارج منطق السنن، بل هو نتيجةٌ لتراكم التجارب الإنسانية، وما يعتريها من ظمأٍ روحيٍّ وإفلاسٍ أخلاقيٍّ، بحيث تبلغ البشرية مرحلة الشعور بالحاجة الوجودية إلىٰ القيادة الإلهية العادلة.

ب – توضيح هوية المشروع وغاياته الزمانية والمكانية:

فالمشروع المهدوي مشروعٌ عالميٌّ في أفقه، ممتدٌّ في أثره، يهدف إلىٰ إقامة دولة العدل الإلهي في الأرض، وتحقيق العبودية الواعية لله تعالىٰ علىٰ مستوىٰ الفرد والمجتمع، ضمن رؤيةٍ شموليةٍ للإنسان والعمران.

ت – ربط الخطاب المهدوي بمفاهيم القرآن العليا، وبالمفاهيم الوجدانية، وبالمسؤولية الأخلاقية:

فلا يُقدَّم الظهور بوصفه حدثاً مستقبليّاً معزولاً، بل باعتباره امتداداً لمفاهيم الاستخلاف، والعدل، ونصرة المستضعفين، وإقامة القسط، وبما يحمّل الإنسان مسؤولية التمهيد والإصلاح الذاتي والاجتماعي.

ث – تأصيل المفاهيم العقدية واعتبارها من المحكمات:

وذلك عبر ضبط المفاهيم المرتبطة بالإمامة، والغيبة، والانتظار، والتمهيد، ضمن الإطار الكلامي الإمامي، بما يمنع التسييل المفهومي أو التأويلات المنفلتة، ويجعل القضية المهدوية عنصراً فاعلاً في بناء الوعي الرسالي، لا مجرّد فكرةٍ وجدانيةٍ أو شعارٍ تعبوي.

خامساً: في شبهة امتحان الأُمَّة بإمامٍ غائب، وهل هو من التكليف بما لا يُطاق؟

قد تُثار شبهة مفادها: أنَّ امتحان الأُمَّة بإمامٍ غائب عن الأنظار يفضي إلىٰ التكليف بما لا يُطاق، إذ كيف يُكلَّف المكلَّفون بالإيمان والطاعة والالتزام بإمامٍ لا يتيسّر لهم الوصول إليه ولا الاستفادة المباشرة من حضوره؟

والجواب عن ذلك من وجوه:

أوَّلاً: أنَّ حقيقة التكليف في عصر الغيبة ليست متقوّمةً بالمشاهدة الحسيّة ولا بالاتصال الشخصي، بل هي قائمةٌ علىٰ الإيمان بالحجّة الإلهية والانقياد لمشروعها الربّاني وفق ما تقتضيه المصلحة الإلهية العليا، فالتكليف متعلِّق بالإيمان بالإمام بما هو حجّة الله في أرضه، والالتزام بخطّه التشريعي عبر ما ثبت من أحكام الشريعة وقواعدها العامة، لا بتحقيق اللقاء به أو الانتفاع المباشر بشخصه الشريف.

وعليه، فلا موضوع لدعوىٰ التكليف بما لا يُطاق، إذ المطلوب مقدور، وهو الإيمان والالتزام العملي.

ثانياً: أنَّ الغيبة ليست فراغاً عقدياً ولا انقطاعاً عن الهداية، بل هي طورٌ من أطوار الحضور الإلهي في مسيرة البشرية، يبتني علىٰ الاختيار المعرفي والأخلاقي.

فالإيمان في ظرف الغيبة يمثِّل درجةً أرقىٰ من درجات التصديق، لأنَّه قائمٌ علىٰ البصيرة والبرهان والثبات علىٰ العهد، لا علىٰ المعاينة الحسية.

ومن هنا كان عصر الغيبة ميداناً لتمحيص القلوب وامتحان السرائر، ليتميَّز الثابت علىٰ الولاية عمّن يتزلزل عند احتجاب المظاهر.

ثالثاً: أنَّ الغيبة جاريةٌ علىٰ وفق السنن الإلهية في الأُمم السابقة؛ فقد اقتضت الحكمة الربانية أن تمرّ الرسالات الإلهية بمراحل استضعاف واحتجاب وامتحان، ليكون الإيمان اختياراً حراً لا اندفاعاً قسرياً تحت وطأة الحضور الظاهري، فالغيبة سُنَّة إلهية جارية في خطِّ الامتحان والتمحيص، وليست أمراً طارئاً علىٰ النظام الإلهي.

وعليه، يتبيَّن أنَّ امتحان الأُمَّة بإمامٍ غائب لا يندرج في باب التكليف بما لا يُطاق، بل هو تكليفٌ ضمن حدود الوسع البشري، غايته ترسيخ الإيمان بالمشروع الإلهي وفق المصلحة الربانية، وتربية الأُمَّة علىٰ الانتظار الواعي المسؤول، القائم علىٰ المعرفة والعمل، لا علىٰ الأماني والتصوُّرات المجرَّدة.

سادساً: أنَّ أزمة الأُمَّة المعاصرة ليست أزمةً عابرة في بعدها الاجتماعي أو الفقهي أو الفكري، بل هي أزمة بنيوية تمسّ الوعي والمرجعية والمنهج معاً، الأمر الذي يكشف عن الحاجة الماسّة إلىٰ قيادةٍ راشدةٍ جامعة، تمتلك أهلية الاستنباط وبصيرة الواقع، وتجمع بين الفقه العميق والرؤية الحضارية، لتنهض بوظيفة الهداية والتنظيم والمعالجة.

فالأُمَّة، حين تتزاحم عليها التحدّيات وتتشعَّب مساراتها، لا يستقيم أمرها إلَّا بقيادةٍ شرعيةٍ مؤهّلة، تضبط حركة المجتمع بميزان الشريعة، وتوجّه طاقاته نحو التكامل والكمال.

توصيات المعالجة:

أوّلاً: تفعيل مبدأ النيابة العامّة في إطارها الشرعي المنضبط، بوصفها امتداداً لوظيفة المعصوم (عليه السلام) في عصر الغيبة، علىٰ أساس الشروط المقرّرة في الفقه الإمامي من العدالة والكفاءة والقدرة علىٰ الإدارة والتدبير، بما يضمن حضور المرجعية الدينية في توجيه المجتمع وصيانة نظامه.

ثانياً: ترشيد التديُّن وضبطه ضمن البنية المؤسسية للحوزة العلمية، بعيداً عن النزعات الفردانية غير المنضبطة، بحيث يكون العمل الديني عملاً مؤسساتياً قائماً علىٰ التشاور والتخطيط والتكامل، لا قائماً علىٰ الاجتهادات الشخصية المنفصلة عن الإطار العلمي الجامع.

ثالثاً: تأكيد حركة الاجتهاد المستمر لغير المعصوم، بوصفه وظيفة علمية شرعية في عصر الغيبة، تقوم علىٰ استفراغ الوسع في استنباط الأحكام من أدلّتها التفصيلية، مع مراعاة مستجدّات العصر وتحولاته، في إطار الضوابط الأصولية المقرّرة.

رابعاً: تعزيز التكامل العلمي داخل الحوزة وخارجها، من خلال الانفتاح المنهجي علىٰ العلوم الإنسانية والاجتماعية المعاصرة، بما يخدم عملية الاستنباط ويعين علىٰ فهم الموضوعات وتشخيصها بدقّة، تحقيقاً لفقهٍ حيٍّ متفاعل مع الواقع، من غير تفريط بالثوابت ولا تفريط بالأصول.

وبذلك تتأسَّس معالجة الأزمة علىٰ قاعدة القيادة الشرعية الواعية، والاجتهاد المنضبط، والعمل المؤسسي المتكامل، بما يعيد للأُمَّة توازنها الفكري والاجتماعي، ويصون هويتها الرسالية في زمن التحوّلات.

سابعاً: أزمة خصائص الخطاب المهدوي ذي المنحىٰ السلبي:

إنَّ الخطاب المهدوي، بما هو خطاب عقديّ يرتبط بأصلٍ من أصول مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، ينبغي أن يُبنىٰ علىٰ التحقيق العلمي، والانضباط المنهجي، واستحضار المقاصد الشرعية العليا، غير أنَّ بعض تجلّياته المعاصرة ابتُليت بجملةٍ من الإشكالات التي أضعفت أثره التربوي والحضاري، وأفقدته توازنه المعرفي، ويمكن إجمال أبرزها فيما يأتي:

أ – كثرة التأويل الإسقاطي:

وهو حمل النصوص الروائية علىٰ وقائع معيَّنة أو أشخاص محدّدين من دون قرائن معتبرة، اعتماداً علىٰ الظنون أو المقاربات الحدسية، بما يخرج النص عن سياقه، ويحوّله إلىٰ أداة لتفسير كل حادثة معاصرة تفسيراً قسرياً، خلافاً لمنهج التحقيق الذي يقتضي التثبّت في الدلالة والسند والسياق.

ب – الخطاب الشعبوي:

وهو توجيه الخطاب المهدوي بلغةٍ انفعالية تستثير العواطف أكثر مما تؤسس للوعي، فتُغذّي التهويل والتبسيط المخلّ، وتستجيب لتوقّعات الجمهور الآنية، بدلاً من بناء وعيٍ رصين قائم علىٰ المعرفة والبصيرة.

ت – الاعتماد علىٰ الروايات الضعيفة والمنامات غير المنضبطة:

إذ يُستند أحياناً إلىٰ أخبار لم يثبت اعتبارها بحسب الموازين الرجالية والحديثية، أو إلىٰ منامات وتجارب شخصية تُطرح بوصفها مؤشرات غيبية، مع أنَّ المنهج الإمامي قائم علىٰ التثبُّت العلمي، وعدم جعل الرؤىٰ الشخصية مصدراً للاعتقاد أو الموقف العام.

ث – النزعة الطقوسية المحضة:

وهي حصر الارتباط بالإمام (عجَّل الله فرجه الشريف) في مظاهر شعائرية منفصلة عن البعد المعرفي والسلوكي، بحيث يغيب البعد الإصلاحي والاجتماعي للانتظار، ويُختزل في ممارسات شكلية لا تُنتج تحوّلاً أخلاقياً أو حضارياً.

ج – تسييس الخطاب المهدوي:

وذلك بتوظيف القضية المهدوية لخدمة مشاريع سياسية آنية، أو إضفاء قداسة غيبية علىٰ مواقف بشرية قابلة للنقد والمراجعة، مما يُفضي إلىٰ خلط المقدّس بالمتغيّر، ويُفقد القضية صفاءها العقدي.

ح – التركيز علىٰ الجزئيات والهوامش:

كالمبالغة في تتبُّع العلامات التفصيلية أو القضايا الثانوية، مع إهمال الأصول الكلية لمفهوم الانتظار، كإقامة العدل، وبناء الذات، وإصلاح المجتمع، مما يشتَّت الوعي ويصرفه عن المقاصد الأساس.

خ – الآليات النفسية لإدارة القلق عبر الغيب:

حيث يتحوَّل الخطاب أحياناً إلىٰ وسيلة لتسكين القلق الجمعي أمام تعقيدات الواقع، عبر تعليق الحلول علىٰ التدخُّل الغيبي القريب، من دون استحضار وظيفة الإنسان التكليفية في العمل والإصلاح، فينشأ نوع من الاتِّكالية المبطّنة.

د – صناعة الاصطفاء:

وهي ربط الولاء الديني الحقّ بالانخراط في قراءةٍ مخصوصة لمشروعية الغيبة أو تمثيلها، بحيث يُحتكر الانتماء للإمام ضمن دائرة ضيّقة تُقصي سائر المؤمنين، خلافاً لمنهج أهل البيت (عليهم السلام) القائم علىٰ سعة الانتماء وضوابطه الشرعية العامة.

ذ – تحويل الغيب إلىٰ أداة تعبئة وتفويض للنقد:

إذ يُستحضر البُعد الغيبي لإضفاء حصانة علىٰ أطروحات أو شخصيات، فيُغلق باب النقد العلمي بدعوىٰ الارتباط بالإمام أو التمهيد له، مع أنَّ المنهج الإمامي يُقرّ النقد الموضوعي ضمن ضوابطه، ولا يجعل الغيب مظلّة لتعطيل العقل.

ر – غياب المرجعية العلمية الضابطة:

وذلك حين يُطرح الخطاب المهدوي بعيداً عن إشراف الفقهاء والمحققين المتخصّصين في العقيدة والحديث، فيتصدّىٰ له غير المؤهّلين، فتختلط المعايير، وتضعف سلامة الطرح.

س – شرعنة الفشل أو الكسل:

وهي قراءة منحرفة لمفهوم الانتظار تبرِّر التقاعس عن الإصلاح، أو تُسوّغ الإخفاقات الفردية والاجتماعية بوصفها مقتضىٰ زمن الغيبة، مع أنَّ الانتظار في الرؤية الإمامية هو حالة ترقّب فاعل، يقتضي الإعداد والعمل وتحقيق شروط القرب من دولة العدل الإلهي.

وعليه، فإنَّ إصلاح الخطاب المهدوي يقتضي إعادته إلىٰ أصوله العلمية في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، وترسيخ الجمع بين الإيمان بالغيب والمسؤولية العملية، وبين التديّن العاطفي والوعي المنهجي، ليبقىٰ الانتظار مشروع بناءٍ لا أداة هروب، ومسار إصلاحٍ لا مبرّر تعطيل.

ثامناً: أزمة طبيعة الإنسان في عدم تحمّل الانتظار:

إنَّ من خصائص الطبيعة الإنسانية أنَّها تضيق بطول الأمد، وتميل إلىٰ استعجال النتائج وطلب المبادرات العاجلة، إذ يعتريها القلق إذا طال الطريق واشتدّ البلاء، ويشهد لهذا المعنىٰ قوله تعالىٰ: ﴿حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتىٰ نَصْرُ اللهِ﴾ (البقرة: 214)، حيث يصوِّر النصّ القرآني حالة الضيق التي قد تعتري حتَّىٰ الصفوة المؤمنة عند اشتداد المحنة وطول الامتحان.

فحالة نفاد الصبر، ومنطق التساؤل الذي قد يلامس حدود التشكيك، هما من مقتضيات الضعف البشري إذا لم يُهذَّب بالوعي والإيمان.

غير أنَّ الرؤية الشيعية، المنبثقة من المنهج القرآني الأصيل، لا تقرّ بسيادة هذا الضعف ولا تُسَلِّم بحتميته، بل تؤكِّد أنَّ الصبر ليس حالة انفعالية عابرة، بل هو مقام معرفي وروحي يتجذّر في الثقة بوعد الله وحتميّة تحقّق نصره، فالانتظار في هذا الأُفق ليس ركوداً ولا استسلاماً للشك، بل هو حالة وعيٍ فاعلٍ، يقترن بالعمل والثبات وترقّب الفرج الإلهي بثقة ويقين.

توصيات المعالجة:

تُقرأ الآية ضمن سياق المنهج القرآني المتكامل الذي يربّي الإنسان علىٰ الثبات أمام الامتحان، ويؤسِّس لثقافة الصبر الواعي، فلا يكون لنفاد الصبر سلطانٌ علىٰ القلب، ولا يُترك المجال لمنطق التشكيك أن ينفذ إلىٰ العقيدة، بل يتحوَّل الانتظار إلىٰ عبادة، والثبات إلىٰ مسؤولية، واليقين إلىٰ قوة دافعة نحو الإصلاح والعمل، في انسجامٍ مع الوعد الإلهي الصادق.

تاسعاً: أزمة سطحية الفهم للمنظومة المهدوية وعدم مواكبة الإشكالات الحداثوية والاعتماد علىٰ لغة التعبّد:

تُعدّ أزمة سطحية الفهم للمنظومة المهدوية من أبرز التحدّيات التي تواجه الخطاب العقدي في العصر الحاضر؛ إذ يقتصر التناول في كثير من الأحيان علىٰ العرض الوعظي أو السردي، من دون النفاذ إلىٰ البُعد المعرفي العميق الذي ينسجم مع الرؤية الإمامية القائمة علىٰ التكامل بين العقل والنصّ.

كما أنَّ عدم مواكبة الإشكالات الحداثويّة – سواء في مجالات الفلسفة أو علم الاجتماع أو الدراسات النقديّة – يُفضي إلىٰ فجوة بين الخطاب المهدوي وواقع الإنسان المعاصر، فيظهر الخطاب وكأنَّه منفصل عن أسئلته الوجودية والمعرفية.

إنَّ الاقتصار علىٰ لغة التعبُّد وحدها، مع أهميّتها في ترسيخ البعد الإيماني والروحي، لا يكفي لبناء وعيٍ راسخٍ بالمنظومة المهدوية بوصفها مشروعاً إلهيّاً حضاريّاً شاملاً.

فالرؤية الشيعية ترىٰ في القضية المهدوية امتداداً لمنظومة الإمامة الإلهية، ومرحلةً نهائيّةً في تحقيق العدل الإلهي في الأرض، الأمر الذي يستدعي مقاربةً علميّةً واعيةً، تُخاطب العقل كما تُخاطب الوجدان، وتُجيب عن الشبهات كما تُنمّي روح الانتظار الإيجابي.

توصيات المعالجة:

  1. تقوية المنهج التحليلي في دراسة النصوص المرتبطة بالقضية المهدوية، بما يكشف عن أبعادها العقائدية والحضارية.
  2. تعزيز المنهج المعرفي القائم علىٰ التكامل بين المعطىٰ النقلي والبرهان العقلي، بما ينسجم مع الأصول الإمامية في الاستدلال.
  3. مناقشة الإشكالات الحداثوية بجرأة علمية ومنهجية رصينة، بعيداً عن الانفعال أو الاكتفاء بالرفض المجمل، مع تقديم أجوبة موضوعيّة تُقنع الباحث المعاصر وتُسهم في تجديد الخطاب المهدوي ضمن إطار الثوابت العقدية.

عاشراً: أزمة تغليب الخطاب الغيبي غير المنضبط والخطاب التعبوي التبريري:

تُعدّ من أبرز الإشكالات المنهجية في تناول القضية المهدوية – ضمن الرؤية الإمامية – ظاهرةُ تغليب الخطاب الغيبي غير المنضبط، وإحلال النزعة التعبوية والتبريرية محلّ البناء العلمي الرصين.

ويمكن بيان معالم هذه الأزمة ضمن المحاور الآتية:

أوَّلاً: توسيع دائرة الغيب من دون ضوابط معرفية دقيقة، وإقحام التأويلات المفتوحة التي لا تستند إلىٰ أصول محكمة، فضلاً عن إدخال الوقائع السياسية والاجتماعية ضمن تفسير غيبي مباشر، من غير مراعاةٍ لقواعد الفهم والسياق، وهذا المسلك يُفضي إلىٰ خلطٍ بين الغيب الذي ثبت بدليلٍ قطعي، وبين الظنون والتخمينات التي لا تقوم علىٰ أساسٍ معتبر.

ثانياً: تعطيل المعايير العقلانية التي أكَّدها علم الكلام الإمامي، وتهميش السُنن الاجتماعية التي أشار إليها القرآن الكريم، بما يجعل الخطاب منفصلاً عن قوانين الاجتماع البشري، ومجافياً لمقتضيات الحكمة الإلهية الجارية في التاريخ.

ثالثاً: استبدال التحليل الواقعي المنهجي بتفسيرٍ كُرّاساتي اختزالي، يُبسّط الوقائع المركّبة، ويُسقِط عليها تصوّرات جاهزة لا تستند إلىٰ دراسة موضوعية شاملة.

رابعاً: توظيف النصوص الشرعية خارج سياقاتها الزمانية والموضوعية لإسقاطها علىٰ أحداثٍ معاصرة، مع إغفال التحقيق السندي، وقواعد الجمع بين الروايات، والعرض علىٰ القرآن الكريم بوصفه الميزان الأعلىٰ في الفهم والاستنباط.

توصيات ختامية:

لئلا نُبتلىٰ بالتشكيك، أو الوقوع في الأفكار المنحرفة، أو الفتور، أو التدين الخجول، أو الانسحاب من ساحة المسؤولية، يجدر التأكيد علىٰ جملة من الضوابط المنهجية:

  1. عدم عرض الملف المهدوي بوصفه موضوعاً معزولاً، بل بوصفه حلقةً ضمن المنظومة العقدية المتكاملة، المرتبطة بالتوحيد والنبوة والإمامة وسنن التاريخ.
  2. الحذر من استبدال البرهان بالخطابية، ومن تعطيل البناء الكلامي العقلي، مع ضرورة معالجة الشبهات الفلسفية، وبيان البعد التاريخي والعقدي لمسألة الغيبة بلغةٍ علمية رصينة.
  3. الالتفات إلىٰ بُعد الامتحان والتمحيص في عصر الغيبة، وإلىٰ وظيفة حفظ الخطاب الرسالي، وإلىٰ أهمية تراكم الوعي البشري في مسار الإعداد الحضاري للظهور.
  4. استيعاب النسق القرآني في فهم حركة التاريخ، ولا سيما مفاهيم الاستخلاف، والتداول، وسُنن الابتلاء، بوصفها قواعد حاكمة لا تنفصل عن المشروع الإلهي.
  5. التمييز الدقيق بين الثابت العقدي المقطوع به، وبين المضنون أو المحتمل، وعدم الخلط بينهما في العرض والتحليل.
  6. تجنُّب تعليق مشروع الإصلاح علىٰ المعجزة وحدها، بما يُفضي إلىٰ تعطيل المسؤولية الإنسانية، وإهمال دور الإنسان في التمهيد والبناء.
  7. الحذر من تصوير النهضة المهدوية علىٰ أنَّها انهيارٌ شامل لكل شيء؛ بل هي حركة إصلاحٍ شاملة تُعيد توجيه المسار الإنساني وفق العدل الإلهي.
  8. تجنُّب الخطاب التبريري المربك، الفاقد للأُفق الحضاري، والمصطدم مع الحقائق العلمية الثابتة، بما يُضعف صدقية الطرح في الوعي المعاصر.
  9. رفض القطيعة بين العقيدة والسلوك، والحذر من تحويل القضية المهدوية إلىٰ طقسٍ موسمي أو حالة وجدانية عابرة، بدل كونها وعياً ومسؤوليةً مستمرة.
  10. عدم تديين الشائعات، أو المنامات، أو التوقيتات غير المستندة إلىٰ دليل معتبر، صوناً للعقيدة من العبث والابتذال.
  11. تجنُّب التبسيط المُخلّ الذي يُفرغ المفاهيم من عمقها، كما يُتجنَّب التعقيد المنفّر الذي يحجب الفكرة عن جمهور المؤمنين.
  12. الحذر من تسييس الخطاب بصورة فجّة تُسقطه في صراعات آنية، وتُفقده بعده الرسالي الشامل.
  13. صيانة الخطاب من التحوُّل إلىٰ مادةٍ للسخرية أو الاستهزاء، عبر الالتزام بالمنهج العلمي، واللغة المتزنة، والرؤية الحضارية المتكاملة.

وبذلك يكون تناول القضية المهدوية منسجماً مع الرؤية الشيعية الإمامية التي تجمع بين النص والعقل، وتوازن بين الغيب والشهادة، وتؤكِّد مسؤولية الإنسان في إطار السنن الإلهية الجارية في التاريخ.

جعلنا الله ممن ينتصر بهم لدينه مع وليه المهدي المنقذ، والحمد لله رب العالمين وصلىٰ الله علىٰ خير خلقه محمد المصطفىٰ وآله الطيبين الطاهرين.

Edit Template
Scroll to Top