ظاهرة المتمرجعين عند الشيعة

ظاهرة المتمرجعين عند الشيعة

مقدمة البحث:

والتي سوف نبحث فيها:

أهمية المَرْجِعية في الفكر الشيعي ودورها في حفظ الهوية الدينية:

تُعدّ المَرْجِعية الدينية أحد الركائز الأساسية في الفكر الشيعي، حيث تمثل القيادة الدينية والاجتماعية للمجتمع الشيعي، وتلعب دورًا محوريًا في توجيه الأفراد وحلّ القضايا الدينية والفِقهية، مستنده في ذلك إلى مفهوم التَقليد، الذي يوجب على غير المُجتهِد الرجوع إلى الفقيه الأعلَم في شؤون الدين والدنيا، مما يضمن الحفاظ على وحدة العقيدة والاستمرارية في الاجتِهاد الفقهي.

ويمكن أن نلخص دورها في عصر الغيبة في أمور أربعة وهي:

  1. التوجيه الديني والفقهي: تقوم المرجعية بتفسير الأحكام الشرعية، وإصدار الفتاوى في مختلف المسائل، مما يساعد المؤمنين على تطبيق تعاليم الإسلام وفق المدرسة الفِقهية الإمامية.
  2. القيادة الاجتماعية والسياسية: على مرِّ التاريخ، كانت المرجعية عنصرًا فاعلًا في القضايا الاجتماعية والسياسية، مثل قيادة الثورات ضد الاستعمار أو إصدار مواقف حول القضايا العامة للأُمَّة الإسلامية.
  3. رعاية المؤسسات الدينية والخيرية: تشرف المرجعية على الحوزات العِلمية، وتموّل مشاريع تعليمية وخيرية، مما يسهم في نشر المعرفة الدينية وتعزيز القيم الإسلامية.
  4. حفظ التراث الشيعي: تعمل المرجعية على الحفاظ على الفكر الإمامي ونشره من خلال التأليف والتدريس، مما يضمن استمرارية الفقه الشيعي وتطويره.

تعريف ظاهرة المتَمَرْجِعين في الفكر الشيعي:

نحاول أن نقف على الأصل اللغوي والدلالي لكلمة (المتَمَرْجِعين) كلمة (متمرجع) صيغة (مُتَمَفْعِل)، وهي من الأوزان الصرفية غير الشائعة في العربية، وتأتي على وزن (مُتَمَفْعَل) بفتح العين في بعض اللهجات أو الاستخدامات النادرة، أمَّا ما يحتمل أن يكون مادة لاشتقاقها هو الجذر (ر ج ع)، فتكون الصيغة: (مُتَمَرْجِع) (بكسر الجيم تصحيفًا أو تحريفًا) والصحيح هو:

  1. (مُتَمَرْجَع) (بفتح الجيم): قد تكون صيغة مبالغة من (الرجوع)، لكنها غير مسجلة في المعاجم الكبرى.
  2. (مُتَرَجِّع) (بتشديد الجيم مع كسرها): تعني (المتردد) أو (المتأرجح)، وهي أقرب إلى القياس الصرفي.

أمَّا دلالة لم تُذكر كلمة (متمرجع) في المعاجم العربية القديمة مثل (لسان العرب) أو (القاموس المحيط)، لكنها قد تكون:

لهجه عامية: تستخدم في بعض اللهجات بمعنى (المتعالِم) أو (المتظاهر بالمعرفة)، استنادًا إلى اشتقاق غير قياسي من (الرجوع) بمعنى التكلُّف.

أو مشتقة من (المراجعة): أي الشخص الذي يُكثر المراجعة أو التردد.

 فالكلمة ليست من الكلمات العربية الفصيحة.

إذا تُعرف ظاهرة ادِّعاء الاجتِهاد والمرجعية في المذهب الشيعي الاثني عشري بأنَّها:

مزاعم غير شرعية من قبل بعض الأفراد ببلوغهم مرتبة الاجتِهاد، أو المرجعية الدينية وهي القيادة الروحية والفِقهية للشيعة من دون استكمال الشروط العِلمية والشرعية المعتبرة.

فهي عبارة عن انتحال صفة المُجتهِد أو المرجع دون الاعتراف به من قبل الحوزات العِلمية والنخب الدينية، مما يؤدِّي إلى تشتيت الصف الشيعي وبروز مرجعيات غير شرعية.

الفصل الأول: الإطار النظري والتاريخي للمرجعية والمتمرجعين:

– المرجعية الدينية مقوماتها وشروطها.

أوَّلاً: تعريف المرجعية الدينية ومقوماتها:

المرجعية الدينية في الفكر الشيعي تمثل مؤسسة فقهية وروحية رفيعة، تتجسد في شخص فقيه جامع للشرائط، يتولى قيادة الأُمَّة في غيبة الإمام المعصوم (عليه السلام)، تستند هذه المرجعية في ذلك إلى أصول دينية وفلسفية، وتستمد مشروعيتها من النصوص الشرعية والعقلية، حيث يُرجع المكلفون إليها في مسائل الدين والدنيا، من فقه وقضاء وأمور اجتماعية وسياسية.

لذلك يمكن لنا أن نعرفها:

(بأنَّها منصب يتولاه فقيه حائز على رتبة الاجتِهاد والأعلَمية، مؤهل للإفتاء واِستنباط الأحكام الشرعية)، يُطلق عليه عادةً (آية الله العظمى)، ويُستدل على مشروعية هذا المنصب بالعقل والنقل، حيث يُرجع الجاهل في الأمور التي لا يعلمها إلى المتخصص العالم بها، وبما روته الكتب الحديثية الشيعية عن الإمام المهدي (عليه السلام) من قوله: «وأمَّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنَّهم حجَّتي عليكم وأنا حجة الله عليكم»(1).

ثانياً: الشروط العامة للاجتِهاد عند الشيعة الإمامية:

الاجتِهاد عند الشيعة الإمامية الاثني عشرية له مكانة عظيمة، وهو الوسيلة لفهم الأحكام الشرعية في زمن غيبة الإمام المعصوم (عجَّل الله فرجه) وقد وضعت المدرسة الإمامية شروطًا دقيقة ليكون الشخص مجتهدًا مؤهلاً لاِستنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، وهي (الكتاب، السنة، الإجماع، العقل).

وهذه شروط تخصّ بالجانب العلمي والمعرفي الذي يجب أن يتصف به المُجتهِد.

  1. إتقان علم أصول الفقه:

أي لا بدَّ أن يكون المُجتهِد ضليعًا بمعنى مجتهداً في علم أصول الفقه، (وهو العلم الذي يُعنى بالقواعد العامة لاِستنباط الأحكام (مثل حجية الخبر، البراءة، الاستصحاب، إلخ).

  1. إتقان علم الفقه:

أن يكون قد أتم دراسة الفقه بجميع أبوابه فتوى واِستنباطاً، مع القدرة على فهم الروايات وتحليلها ومناقشة الأقوال.

  1. التمكن من علوم اللغة العربية:

مثل النحو، الصرف، البلاغة، المعاني، والبيان، لفهم النصوص الشرعية فهمًا دقيقًا، خصوصًا القرآن والحديث.

  1. معرفة القرآن الكريم:

خصوصًا الآيات المتعلقة بالأحكام (آيات الأحكام)، وأن يكون مطلعًا على التفسير وأسباب النزول.

  1. معرفة الحديث الشريف:

أن يكون ملمًّا بعلم الحديث، يعرف طرق الرواية، ويستطيع تمييز الصحيح من الضعيف، ويفهم سياقات الروايات ومضامينها وهو ما يعرف بعلمي الدراية والرجال.

  1. الإلمام بآراء العلماء السابقين:

أن يكون مطَّلعًا على الفقه المقارن داخل المذهب وخارجه، أي يعرف آراء الفقهاء السابقين ومناقشاتهم، ليستطيع الترجيح بينها أو نقدها.

  1. القدرة على تحليل الروايات وتطبيق القواعد الأصولية:

أي أن يستطيع المُجتهِد الجمع بين الروايات المتعارضة، أو ترجيح بعضها على بعض، وأن يطبّق القواعد الأصولية لتحليلها وهذا الشرط بمثابة النتيجة لكل ما تقدم(2).

ثالثاً: شروط المجتهد المتصدي للمرجعية الدينية:

وفي هذا المجال يقول السيد السيستاني (دام ظله):

(مسألة 9): يشترط فيمن يرجع اليه في التقليد أمور:

1 – البلوغ.

2 – العقل.

3 – الإيمان.

4 – العدالة.

5 – الذكورة.

6 – الحياة.

7 – الاجتهاد.

8 – الأعلمية, على الأحوط وجوباً(3).

ثم بعد ذلك فسَّر (دام ظله) الأعلم بمن كان أقدر من غيره على معرفة الأحكام الشرعية، وقد وقع الخلاف في شرطية هذا الشرط بين الفقهاء على قولين: قال الشهيد الثاني في المسالك: (إنَّ المقلد هل يجب عليه تَقليد أعلم المُجتهِدين، أم يتخير في تَقليد من شاء منهم؟ فيه قولان للأصوليين والفقهاء)(4).

فالمسألة خلافية وموضع للأخذ والرد بين الفقهاء، من هنا نجد أنَّ السيد السيستاني (دام ظله) جعل هذا الشرط شرطاً احتياطياً على جهة الوجوب، فمن أراد التوسع فليرجع إلى ما ذكره الفقهاء في كتبهم.

الفصل الثاني: الجذور التاريخية لظاهرة المتَمَرْجِعين:

1 – حالات مبكرة من ادِّعاء المرجعية:

في التاريخ الشيعي نوعين من المرجعية الدينية خاصة وعامة حيث ظهرت عدَّة حالات مبكرة لادِّعاء النيابة الخاصة عن الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) كذبًا، خاصة خلال فترة الغيبة الصغرى (260-329هـ) وما بعدها، إليك أبرز هذه الحالات مع تحليل سياقاتها:

أحمد بن هلال العبرتائي أو (الكرخي):

عاصر بداية الغيبة الصغرى (أواخر القرن الثالث الهجري).

زعم أنَّه نائب خاص للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) كما رفض نيابة محمد بن عثمان العمري: بعد وفاة النائب الأول للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) (عثمان بن سعيد)، وقد ورد فيه في كتاب (اختيار معرفة الرجال).

حيث نقل توقيعاً منسوباً للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) يذمُّ ابن هلال ويبرأ منه: «قَدْ كَانَ أَمْرُنَا نَفَذَ إِلَيْكَ فِي الْمُتَصَنِّعِ ابْنِ هِلَالٍ لَا رَحِمَهُ اللهُ… يَسْتَبِدُّ بِرَأْيِهِ، فَيَتَحَامَى مِنْ دُيُونِنَا، لَا يُمْضِى مِنْ أَمْرِنَا إِلَّا بِمَا يَهْوَاهُ وَيُرِيدُ، أَرْدَاهُ اللهُ بِذَلِكَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ»(5).

كما أنَّه ذكره في كتاب الغيبة ضمن من ادَّعى النيابة الخاصة.

محمد بن علي الشلمغاني (ابن أبي العزاقر):

بناءً على المصادر المعتمدة عندنا يُعد الشلمغاني من الشخصيات المثيرة للجدل بسبب تحوله من عالم مُعتبر إلى مدَّعٍ للنيابة الخاصة، مما أدَّى إلى لعنه وصدرت ضده توقيعات من الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، فيما يلي التفاصيل:

حيث ورد في توقيع الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) بلعنه والبراءة منه.

نص التوقيع كما في الغيبة للطوسي قال ݠ:

«إنَّ محمد بن علي المعروف بالشلمغاني… قد ارتد عن الإسلام وفارقه، وألحد في دين الله، وادَّعى ما كفر معه بالخالق… وإنَّا برئنا إلى الله منه، ولعناه عليه لعائن الله تترى… وعلى من شايعه وتابعه»(6).

هذان نموذجان لمن ادَّعى النيابة الخاصة ودعوة لمرجعية في وقت مبكر.

2 – ظهور المرجعيات غير المعتمدة في العصر الحديث:

تُمثِّل المرجعيات غير المعتمدة تحدياً للمؤسسة الشيعية في العصر الرقمي، لكنها أيضاً فرصة لإعادة هيكلة الخطاب الديني عبر أدوات العصر، ومن أجل النجاح في هذا المسار يتطلَّب تحولاً بإنتاج محتوى جذابٍ وعلمي، مع تطوير أطر تشريعية رقمية عابرة للحدود، لأنَّ هذه المرجعيات حاولت التركيز على الشباب عبر محتوى سريع الانتشار في التواصل الاجتماعي من أجل التشكيك في المؤسسات التَقليدية.

وأيضاً توظيف خطاب عاطفي، مثل الدعوات لـ(ثورة على الفساد الديني) لجذب المُهمشين والمغرر بهم من البسطاء.

الفصل الثالث: تحليل أسباب الظاهرة:

هناك أسباب أدَّت إلى وجود ظاهرة المتمرجعين يمكن إيجاز بعضها بما يناسب المقام:

أولاً: الأسباب العِلمية والفكرية:

تعدّ المرجعية الدينية في الوسط الشيعي مؤسسةً علمية وروحية كبرى، نمت عبر قرون طويلة من الاجتِهاد والبحث الفقهي والفلسفي والكلامي، وقد تميزت بمواصفات صارمة لا تنال إلَّا عبر جهد علمي متواصل، وتكاملٍ في أدوات الاجتِهاد، وبناءٍ شخصي عميق.

غير أنَّ المتأمل في بعض مظاهر المرجعية المعاصرة، يلحظ بروز حالات من الادِّعاء غير المؤسَّس وفق تلك المعاير العلمية، وتَصدِّي أفرادٍ لمنصب المرجعية من غير استحقاقٍ علمي أو منهجي، مما ولّد ما يُعرف بظاهرة (المتَمَرْجِعين) أو (المدّعين للمرجعية)، وأثار تساؤلات حول أسباب حصول مثل هذه الظاهرة.

أسباب وجود ظاهرة المتمرجعين:

ومن أبرز الأسباب غياب المنهجية المتكاملة في التكوين الحوزوي عند بعض المدَّعين، حيث تفتقد مسيرتهم العِلمية إلى التسلسل الطبيعي الذي يمر به طالب العلم من دراسة المتون المقرّرة، وممارستها بالبحث والتدريس، والتمرّس بمباحث الأصول والفقه بعمق، ثم التتلمذ على فحول العلماء المعروفين وفي حالات عديدة، نجد أن من يدَّعي المرجعية لم يخض بحوث الخارج لسنين كافية، أو لم يخضع لتقويم علمي فعلي من قبل بيئة علمية رصينة.

وأيضاً في بعض الأحيان، يكون الدافع وراء ادعاء المرجعية هو الطموح الذاتي أو البحث عن النفوذ الاجتماعي والديني، وليس بلوغ رتبة الاجتِهاد الحقيقي وقد تلعب التيارات السياسية أو الجهات التنظيمية أدوارًا في الدفع ببعض الأشخاص إلى الواجهة الدينية دون تأهيل كافٍ، يراد له إيجاد خلل في المنهج والطرح العلمي، وتضخم في العنوان دون وجود مضمون حقيقي.

وكذلك ضعف المنهج العلمي يتجلى في طريقة توظيف النصوص الدينية، حيث نجد بعض المدَّعين يميلون إلى التفسير الشعاراتي أو التأويلي البعيد عن الأصول العِلمية للتفسير أو الاِستنباط، ويتكرر استخدامهم للمصطلحات الرائجة بين الناس دون فهم دقيق لها، كالإمام، النيابة، الولاية، الغيبة، وغيرها، ما يعكس قطيعةً مع اللغة العِلمية التي يضبطها العقل الأصولي والكلامي.

كما أنَّ لاجتهاد الشيعي الرصين لم يقف على الفقه وحده، بل تأسس على منظومة معرفية فلسفية وكلامية دقيقة، وقد كان الفقهاء الكبار عبر العصور ضالعين في العقليات، مدركين لمناهج الاستدلال والنقاش، مما أضفى على فتاواهم وبعدهم المرجعي ثقلًا معرفيًا، أمَّا من يدَّعي المرجعية المعاصرة، فيظهر عليه الغياب شبه التام للبعد الفلسفي، والانفصال عن العلوم العقلية، مما يؤثر سلبًا على استيعابهم للمفاهيم الكبرى، بل وقد يُعرّض بعضهم للسقوط في التناقضات الفكرية أو الغلو، كما أنَّ المرجع المُجتهِد الحقيقي لا يعيش في قوقعة التَقليد الأعمى، بل يتفاعل مع التراث بنقدٍ وتحليل، ويواكب تطورات العصر بمسؤولية.

أمَّا بعض المدَّعين، فتراهم يتحدثون بلغة ماضوية متصلبة، أو بالعكس يتبنون أطروحات سطحية بدعوى التجديد، دون عمق علمي، ما يكشف عن ضعف في فهم وظائف المرجعية ومتطلباتها الزمانية.

وكذلك غياب نظام توثيق الاجتِهاد خوفاً من استغلاله من قبل البعض – لأي سبب من الأسباب – لعب دور في إنتاج هذا الخلل البنيوي داخل الحوزات العِلمية.

مما جعل الباب مفتوحًا لكل مدَّعٍ، ويحول المرجعية إلى منصب قابل للاغتصاب لا للاستحقاق.

لذلك كانت هناك نتائج سلبية لغياب التوثيق في الحوزات العِلمية أدَّى إلى:

  1. انتشار المتَمَرْجِعين ممن لا يمتلكون الكفاءة العِلمية.
  2. إضعاف ثقة الجمهور بالمؤسسة الدينية.
  3. تشويه صورة المرجعية وتحويلها من موقع مسؤولية إلى وسيلة وجاه ومكاسب.
  4. تنامي النزاعات داخل الصف الديني نفسه.

ثانياً: الأسباب الإعلامية والتقنية:

لقد استغلت وسائل الإعلام الرقمي في تسويق المرجعية الزائِفة استغلالًا واسعًا لتضخيم حضورها وشرعنة ادِّعائها، وتجاوز الفجوات العِلمية التي تفتقر إليها، وذلك عبر الأساليب التالية:

  1. صناعة الهالة الرقمية (التضخيم الإعلامي):

تعمد المرجعيات الزائِفة إلى إنشاء صفحات رسمية ومواقع إلكترونية بتصميم احترافي، تنشر فيها صورًا معدّة بعناية، وتبث خطابات وبيانات بصيغة (بيان من سماحة المرجع)، ما يُوهم الجمهور بوجود مقام علمي ثابت ومستقر.

  1. استثمار الجهل الجماهيري بالمعايير العِلمية:

في ظل ضعف ثقافة الناس في شروط المرجعية، يسهل على المرجع الزائف تمرير نفسه من خلال المحتوى الديني العاطفي، أو الفتاوى الشعبوية، دون أن يسأله أحد عن اجتهاده، أو يطالبه بشهادات من أهل الخبرة.

  1. الاعتماد على جمهور افتراضي مزيف:

يتم شراء متابعين أو تشغيل جيوش إلكترونية للتفاعل مع المحتوى، وتكثيف التعليقات الإيجابية والمدائح، مما يصنع (وهم الشعبية)، ويجعل المتلقي يظن أنَّه أمام مرجع حقيقي له قاعدة واسعة.

  1. اختراق الفضاءات الطائفية أو السياسية:

حيث يصوغ المرجع الزائف خطابًا يوافق ميول جماعة معينة (سياسية، قومية، أو طائفية)، فيكسب بذلك دعمًا سياسيًا رقميًا، ويستخدم ذلك كوقود دعائي لمرجعيه المزعومة.

  1. التحايل على مشاعر الناس من خلال (الرؤية والكرامات):

وذلك بنشر مقاطع أو نصوصًا تدَّعي أنَّه رأى الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، أو أنَّ له كرامات حصلت بسبب دعائه، ويُسوّقها إعلاميًا لإقناع الناس بعلو منزلته الروحية، حتّى لو كان علمه ضحلًا.

  1. الترويج للكتب والمطبوعات دون تدقيق علمي:

حيث يتم طبع كتيبات دينية أو رسائل عملية بتكاليف رمزية ونشرها رقميًا، لتُستخدم كدليل مزيف على مكانته الفِقهية، رغم أنَّ محتواها قد يكون منسوخًا أو ضعيفًا علميًا.

الفصل الرابع: أبعاد الظاهرة وانعكاساتها:

أولاً: على المستوى الفقهي:

تشويه الفكر الاجتِهادي وخلط المفاهيم الفِقهية، وذلك بسبب عدم امتلاك الأهلية العِلمية أو الشرعية وذلك مما يترك أثرًا خطيرًا على الفكر الاجتِهادي والمفاهيم الفِقهية في العالم الشيعي، وذلك من خلال مستويين:

  1. المستوى العلمي:

المرجع المزيف غالبًا لا يمتلك أدوات الاجتِهاد من معرفة بالعلوم الأصولية والفِقهية، لذلك يعتمد على القياس الظني أو الخطاب العاطفي أو التبرير السياسي بدلًا من التحليل الأصولي والنقلي.

مما يؤدِّي إلى تشويه صورة الاجتِهاد وتحويله إلى عملية تخمين أو مجاراة للواقع أو الجمهور، ليفقد الثقة بمبدأ (الاجتِهاد) نفسه.

  1. المستوى التطبيقي:

المرجعية المزيّفة تخلط بين المفاهيم الدقيقة، مثل:

الخلط بين الفتوى والحكم القضائي الحكم الأوَّلي والثانوي الحكم الولائي، بل هناك من أهل الضحالة العِلمية من لا يميز بين الاحتياط الاستحبابي والاحتياط الوجوبي.

تقديم الفتاوى السياسية على أنَّها أحكام شرعية ثابتة، هذا الخلط يُربك الناس ويُفقدهم الثقة بمكانة الفقه كعلم رصين، والتعامل الانتقائي مع النصوص يعتمد المرجع المزيف على انتقاء الروايات التي تناسب رأيه أو مواقفه المسبقة، دون اعتبار لسند الرواية أو معارضتها للموازين العامة، وقد يُقدّم الروايات الضعيفة كأدلة قطعية، ويُهمّش القواعد الأصولية كالشهرة، والظهور، والقرائن القطعية واستبدال العقل الأصولي بالعاطفة أو الأيديولوجيا.

مع أنَّ الفكر الاجتِهادي يقوم على موازنة العقل والنص، بينما المرجعيات المزيّفة تُخضع الاستدلال الشرعي للأيديولوجيا أو لمصلحة الجماعة أو السلطة.

وهذا يُنتج فقهًا منحرفًا يخدم جهة سياسية أو توجهًا طائفيًا، لا واقع الشريعة ولا مصلحة الأُمَّة إذا المرجعيات المزيّفة تفرغ الفكر الاجتِهادي من مضمونه العلمي، وتحوله إلى أداة تعبئة أو تسويق، فتشوّه المفاهيم الفِقهية وتزرع الشك في أصل المرجعية، وتكمن خطورتها في أنَّها تُلبس باطلها ثوب العلم والدين، مما يصعّب على عامة الناس التمييز بينها وبين المرجعية الحقيقية.

ثانياً: الأثر الاجتماعي والسياسي:

تصدي المرجعيات المزيّفة يُسهم في تفكيك وحدة المجتمع الشيعي من خلال زرع الانقسام الفكري والولاءات المتعددة، إذ يروج كل مدَّعٍ لرؤى متضاربة باسم الدين، ما يؤدِّي إلى تشتيت الجماهير وتناحرهم حول مواقف وفتاوى غير منضبطة، وبدل أن تكون المرجعية عنصر توحيد وبصيرة، تتحول – بفعل الزيف – إلى ساحة صراع، فيضعف الصف الشيعي وتتآكل لحمته من الداخل.

كما أنَّ الظاهرة لها انعكاسات على العلاقات بين الشيعة وسائر المسلمين، إذ تصدر عنها فتاوى وتصريحات متشنجة أو متطرفة تُنسب زيفًا إلى المذهب، فتُثير الحساسيات المذهبية وتُغذي الشكوك والاتهامات المتبادلة، كما تُسهم هذه المرجعيات في ترسيخ صور نمطية مشوهة عن الشيعة، وتُضعف جسور الحوار والتقارب، مما يُعزل الطائفة عن محيطها الإسلامي العام ويزيد من حالة التوتر والانقسام بين المسلمين.

الفصل الخامس: طرق معالجة هذه الظاهرة:

أولاً: المعالجة العِلمية والفكرية:

إنَّ مسألة توثيق الاجتهاد لم تكن غائبة عن العلماء ولم يكن هناك خلل يسمح لبروز مثل هذه الظاهرة، ولكن بسبب التطور الحاصل في الوقت الحاضر والانفتاح العلمي والإعلامي أصبح لزاماً علينا إيجاد المعالجات والتي تساير هذا التطور.

وذلك من خلال تطوير نظام دقيق لتوثيق الاجتِهاد (نظام تزكية رسمي من العلماء الكبار) من أجل معالجة ظاهرة المرجعية المزيَّفة، لا بد من وجود نظام دقيق وشفاف لتوثيق الاجتِهاد، يضمن أن لا يتصدى للمرجعية إلَّا من بلغ مرتبة الاجتِهاد الأصيل وفق المعايير العِلمية المعتمدة في الحوزات. ويشمل هذا النظام:

  1. لجان علمية متخصصة من كبار الفقهاء تتولى تقويم مدَّعي الاجتِهاد من خلال الاختبارات والمباحثات والمصنفات العِلمية.
  2. شهادات موثّقة ومعلنة تُصدرها هذه اللجان بعد التحقق من بلوغ مستوى الاجتِهاد، تمامًا كما يُوثق العلماء في سائر العلوم الأكاديمية.

إنَّ مثل هذا النظام لا يُقيد حرية البحث والاجتِهاد، بل يحفظ كرامة المؤسسة العِلمية، ويصون المذهب من العبث، ويعيد ثقة الأُمَّة بالمرجعية الحقة.

ثانياً: المعالجة التوعوية:

وذلك من خلال إنشاء منصَّات رسمية معتمدة من الحوزات العِلمية الكبرى يمكن أن تكون وسيلة حاسمة في التفريق بين المرجعية الحقيقية والمزيّفة، وذلك من خلال تقديم معلومات موثوقة وشفافة عن المُجتهِدين، وسيرهم العِلمية، وشهاداتهم، ونتاجهم الفقهي، فعندما يجد الجمهور مرجعًا يدَّعي الاجتِهاد، يمكنه الرجوع إلى هذه المنصات للتحقق من صدقيته، مما يقلل من فرص التلاعب والتضليل، كما تُسهم هذه المنصات في نشر الفتاوى المعتبرة، وتعزيز الثقة بالمرجعية الأصيلة، وتُفضح عبرها المحاولات المشبوهة لانتحال المرجعية، لتكون بوابة أمان معرفية في زمن كثُر فيه الادِّعاء باسم الدين وأيضاً تنظيم ندوات علمية وحوزوية حول مخاطر المتَمَرْجِعين نعم، تُعدّ الندوات العِلمية والحوزوية من الوسائل الفعّالة لمعالجة ظاهرة المرجعية المزيّفة، وذلك لعدة أسباب:

  1. رفع الوعي العلمي والفقهي:

من خلال تناول موضوع المرجعية وشروطها وآليات الاجتِهاد في بيئة علمية مفتوحة، يتم توعية طلاب الحوزة والجمهور بضوابط الفتوى والتصدي، مما يصعّب على المزيفين تمرير أنفسهم دون مساءلة.

  1. تفكيك الشبهات وكشف الزيف:

الندوات توفّر منبرًا لتفنيد مزاعم المرجعيات الزائِفة بطريقة علمية موثقة، بعرض نماذج من فتاواهم وتحليلها وبيان الخلل المنهجي فيها.

  1. بناء رأي عام نخبوي:

عندما يُشارك في الندوات كبار العلماء والأساتذة، فإنَّها تخلق إجماعًا علميًا يحدد المعايير الواضحة للمرجعية، ويضع فاصلًا بين المُجتهِد الحقيقي والمدَّعي، وهو ما ينعكس لاحقًا على المجتمع العام.

  1. تعزيز الثقة بالمؤسسة العِلمية:

حين يرى الناس أنَّ الحوزة تناقش قضاياها بشفافية ومسؤولية، وتواجه الانحرافات من داخلها، يزداد احترامهم للمرجعية الحقيقية، وتضعف الثقة بالمرجعيات المزيّفة.

الخاتمة:

بعد دراسة ظاهرة المتَمَرْجِعين، تبيَّن أنَّها تسعى لتهديد البنية المرجعية الدينية الشيعية، وتعود أسبابها إلى غياب نظام توثيق الاجتِهاد، والاستقلالية غير المنضبطة، واستغلال الإعلام الرقمي، وقد كشفت الدراسة أن هذه الظاهرة تؤثر سلبًا على وحدة المجتمع وثقة الجمهور بالمرجعية وتُنتج فتاوى مشوهة.

التوصيات:

  1. إنشاء مجلس علمي لتوثيق الاجتِهاد بإشراف كبار العلماء.
  2. اقتراح أنظمة رقابية وتنظيمية للحد من ادعاء المرجعية بغير حق.
  3. تعزيز الثقافة الفقهية لدى طلاب الحوزة والجمهور.
  4. تبنّي استراتيجية إعلامية وتعليمية واضحة لمواجهة التشويش على المرجعية.
  5. إطلاق منصات رسمية توثّق المجتهدين الحقيقيين وتساعد الناس على التمييز.

6. دعوة الحوزات الكبرى لتوحيد الموقف العلمي تجاه الظاهرة وتقديم خطاب موحد.

 

 

 

الهوامش:


(1) الغيبة للشيخ الطوسي: ص177؛ كمال الدين وتمام النعمة: ج2، ص484.

(2) السيد الخوئي – محاضرات في أصول الفقه: ج1، ص43-45.

(3) منهاج الصالحين: ج1، ص14-15.

(4) مسالك الأفهام: ج13، ص343.

(5) الطوسي – اختيار معرفة الرجال: ج2، ص536.

(6) الغيبة لطوسي: ص252-254.

Edit Template
Scroll to Top