الحمد لله ربِّ العالمين وصلىٰ الله علىٰ محمد وآله الطيبين الطاهرين.
تمثل وصايا أئمة اهل البيت عليهم السلام صفحة الهية مشرقة وخزائن للعلم والمعرفة والهداية ضمت في طياتها أصول الدين وفروعه من العقيدة والأخلاق وغيرهما وقد امتدت هذه الوصايا لتخاطب كل أطياف والوان المجتمعات البشرية مما يضفي عليها طابع العمومية والشمولية ومن هنا كان لزاما على البشرية الاطلاع على هذه الوصايا والتامل فيها وادراك أهميتها وفائدتها.
وهنا سنتحدث عن وصية الامام الحسين عليه السلام التي نقلها ولده الامام علي بن الحسين السجاد عليه السلام فقد روىٰ أبو حمزة الثمالي، عن الإمام أبي جعفر الباقر (عليه السلام) أنَّه قال: «لمّا حضر علي بن الحسين الوفاة ضمَّني إلىٰ صدره، ثم قال: يا بني أوصيك بما أوصاني به أبي حين حضرته الوفاة وبما ذكر أن أباه أوصاه به، قال: يا بني إياك وظلم من لا يجد عليك ناصراً إلَّا الله»(1).
الحديث الشريف يمثّل وصية أخلاقية خالدة، تتجلىٰ فيها القيم الجوهرية في مذهب أهل البيت، والتي من أهمها: العدالة الفردية، والمسؤولية تجاه المستضعفين، وإدراك العقاب الإلهي علىٰ الظالمين.
ويُشير الحديث إلىٰ أنَّ الوصية متسلسلة من الإمام علي (عليه السلام) إلىٰ الإمام الحسين (عليه السلام)، ثم إلىٰ الإمام زين العابدين (عليه السلام)، ثم إلىٰ الإمام الباقر (عليه السلام)، ويُستفاد من هذا التسلسل أهمية الوصايا المتوارثة في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) ، علىٰ الأخص ما يُتوارث منهم (عليهم السلام).
وكذلك يستفاد من قوله (عليه السلام): «ضمَّني إلىٰ صدره» أنَّ فيه رمزية كبيرة وهي أنَّ الضم إلىٰ الصدر يُفهم منه الإشارة إلىٰ نقل السر، أو ترسيخ الوصية، أو بيان الارتباط العاطفي، لا سيما أنَّها كانت عند الاحتضار.
وهذه الوصية هي دعوىٰ واضحة وجلية، لأن يُراقب الإنسان قدرته علىٰ الآخرين، فلا يستضعف من لا يجد ناصرًا إلَّا الله؛ لأنَّ الله تعالىٰ خصم كلّ من استقوىٰ علىٰ خلقه ظلماً.
والظلم قبيح ومحرَّم علىٰ إطلاقه، ولكنّه أشدّ قبحًا إذا كان موجّهًا إلىٰ من لا يملك الدفاع عن نفسه.
فقد روي عن الوليد بن صبيح، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «ما من مظلمة أشدّ من مظلمة لا يجد صاحبها عليها عونا إلَّا الله (عزَّ وجلَّ)»(2).
وروي عن الإمام أبي جعفر (عليه السلام) أنَّه قال: «الظلم ثلاثة: ظلم يغفره الله وظلم لا يغفره الله وظلم لا يدعه الله، فأمّا الظلم الذي لا يغفره فالشرك، وأمّا الظلم الذي يغفره فظلم الرجل نفسه فيما بينه وبين الله، وأمّا الظلم الذي لا يدعه فالمداينة(3) بين العباد»(4).
وروي عن الإمام أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ﴾ (الفجر: 14) قال: «قنطرة علىٰ الصراط لا يجوزها عبد بمظلمة»(5).
وحذَّر أئمة أهل البيت (عليهم السلام) من الظلم وآثاره، والتي تستمر للخلف بعد الخلف ومنه ما روي عن الإمام أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه قال: «قال رسول الله: اتَّقوا الظلم فإنَّه ظلمات يوم القيامة»(6).
وما روي عن هشام بن سالم، عن الإمام أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه قال: «من ظلم مظلمة أُخذ بها في نفسه أو في ماله أو في ولده»(7).
وروي عن الإمام أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه قال: «من ظلم سلَّط الله عليه من يظلمه أو علىٰ عقب عقبه»، قلت: هو يظلم فيسلّط الله علىٰ عقبه أو علىٰ عقب عقبه؟! فقال: «إنَّ الله (عزَّ وجلَّ) يقول: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً﴾ (النساء: 9)»(8).
وعن عبد الله بن سنان، عن الإمام أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه قال: «من عذر ظالماً بظلمه سلَّط الله عليه من يظلمه، فإن دعا لم يستجب له ولم يأجره الله علىٰ ظلامته»(9).
ونختم بهذا الحديث الشريف عن إسحاق بن عمار، قال: قال الإمام أبو عبد الله (عليه السلام): «من أصبح لا ينوي ظلم أحد غفر الله له ما أذنب ذلك اليوم ما لم يسفك دماً أو يأكل مال يتيم حراماً»(10).
مما تقدَّم يتَّضح عظمة وصية الإمام الحسين (عليه السلام) حيث بيَّنت قبح الظلم وضرورة هجرانه والتحذير من ظلم من لا يجد ناصراً إلَّا الله تعالىٰ، وكل هذه الأمور توصف بأنَّها عقلائية وشرعية ويجب الالتزام بها.
والحمد لله رب العالمين.
(1) الكافي (الكليني): 2/ 331.
(2) الكافي (الكليني): 2/ 331.
(3) المداينة: المجازاة ومنه كما تدين تدان.
(4) الكافي (الكليني): 2/ 331.
(5) ثواب الأعمال (الصدوق):272.
(6) وسائل الشيعة (الحر العاملي): 16/ 46.
(7) الكافي (الكليني): 2/ 332.
(8) الكافي (الكليني): 2/ 332.
(9) ثواب الأعمال (الصدوق): 274.
(10) وسائل الشيعة (الحر العاملي): 16/ 49.