تساؤلات حول نظام المرجعية (دراسة تحليلية في الجذور والتأسيس)

تمهيد:

تُعد مسألة نظام المرجعية من القضايا التي أُثير حولها جملة من التساؤلات ولا سيما فيما يتصل بأصل هذا النظام وتاريخه التأسيسي إذ يذهب بعضهم إلى القول بأنَّ المرجعية لم تتبلور إلَّا في عصر الغيبة الكبرى للإمام المهدي (عجّل الله فرجه) بوصفها نظاماً طارئاً فرضته الظروف السياسية والاجتماعية التي مرَّ بها المكوِّن الشيعي حفاظاً على حضوره الديني واستمرارية كيانه المذهبي في ظل انقطاع النص المباشر وغياب الإمام المعصوم.

لكن هذا التصوُّر عند إخضاعه للمعطيات الحديثية والتاريخية يفتقر إلى الدقة العلمية إذ تكشف النصوص الروائية بوضوح عن وجود بنية رجوعية منظمة أرساها الأئمة (عليهم السلام) في حياتهم، تقوم على إحالة الناس إلى ثقات أصحابهم والرجوع إليهم في شؤون الدين والدنيا، وهو ما يمثل النواة الأولى لما عُرف لاحقاً بنظام المرجعية.

الشاهد الروائي على التأسيس المبكر:

من أوضح الشواهد على ذلك ما رواه علي بن المسيب،  قال: قلت للرضا (عليه السلام): شقّتي بعيدة ولست أصل إليك في كل وقت، فممَّن آخذ معالم ديني؟ فقال: «من زكريا بن آدم القمي المأمون على الدين والدنيا»(1).

وهذه الرواية ظاهرة في مضمونها حيث تشير إلى إرجاع الإمام للشيعة إلى فقيه موثوق للقيام بوظيفة الإرشاد الديني والمرجعية العملية، وهو ما يدل بوضوح على أنَّ هذا النمط من التنظيم لم يكن وليد عصر الغيبة بل كان قائماً في زمن حضور الأئمة وإن تفاوتت أدواته وصوره التنظيمية عما هو عليه اليوم.

وعلى هذا الأساس يمكن القول: إنَّ المرجعية من حيث المبدأ قائمة على فكرة الرجوع إلى العالِم المأمون في فهم الشريعة وتلقي الأحكام، وهي فكرة أصيلة في المشروع الإمامي تطورت لاحقاً من حيث الشكل والمؤسسات دون أن تمس جوهرها الوظيفي.

ما هي الجدوى من وجود مرجعية دينية في ظل وجود الإمام المعصوم؟

قد يُثار تساؤل آخر مفاده: ما الفائدة من وجود مرجعية أو وكلاء علميين في زمن حضور الإمام المعصوم؟ أليس ذلك يُعد تكراراً لا مسوغ له أو نوعاً من اللغو؟

والجواب عن هذا التساؤل يبتني على إدراك طبيعة الواقع الاجتماعي والسياسي الذي عاشه الأئمة (عليهم السلام)، حيث اقتضت الظروف تأسيس نظام وسطاء علميين يقومون بوظائف متعددة:

أوَّلاً: التباعد الجغرافي وضرورة تنظيم قنوات التواصل:

إنَّ الأئمة (عليهم السلام) لم يكن بمقدورهم الوصول المباشر إلى جميع بيوتات الشيعة كما لم يكن متاحاً للشيعة الوصول إلى الإمام في كل وقت وذلك بسبب تفرّقهم في الأقاليم والبلدان المختلفة، ومن هنا برزت الحاجة إلى إيجاد هذا النظام ليكون وسيلة تنظيميّة تُيسّر على المكوّن الشيعي تلقّي الأحكام الشرعية والتواصل مع الإمام من دون الوقوع في عناء السفر ومشقّته.

ثانياً: البعد الأمني في تأسيس نظام الإرجاع والمرجعية:

إنَّ من أبرز الدوافع التي أسهمت في ترسيخ مبدأ الإرجاع إلى وكلاء وخواص من أصحاب الأئمة (عليهم السلام) هو البُعد الأمني المرتبط بحماية المكوِّن الشيعي وصون أفراده من أخطار الاستهداف المباشر إذ كان الأئمة يعيشون تحت رقابة سياسية مشدَّدة، وكان مجرَّد التواصل العلني معهم يُعدّ سبباً كافياً للتعرّض للملاحقة أو التصفية أو الإيداع في السجون.

ومن هنا برزت الحاجة إلى إيجاد قناة غير مباشرة للاتصال تتمثل في مرجعية يُرجع إليها بما يحقق درجة من السلامة لأتباعهم، ويحدّ من مظاهر الاحتكاك المكشوف بالسلطة.

وقد عكست النصوص الواردة عنهم (عليهم السلام) وعياً أمنياً واضحاً حيث وجَّهوا شيعتهم إلى تجنُّب إظهار مظاهر الارتباط العلني ومن ذلك ما روي عن علي بن جعفر الحلبي قال: (اجتمعنا بالعسكر وترصدنا لأبي محمد (عليه السلام) يوم ركوبه فخرج توقيعه: «ألا يسلمن علي أحد، ولا يشير إليَّ بيده ولا يومئ فإنكم لا تؤمنون على أنفسكم»(2).

وهو ما يكشف بجلاء عن أنَّ تنظيم العلاقة لم يكن حالة عفوية، بل كان نتاج رؤية مدروسة تهدف إلى حفظ الجماعة واستمرارها في ظل واقع سياسي ضاغط.

ثالثاً: البعد التربوي في تنمية الملكة العلمية للأصحاب:

كما أنَّ نظام الإرجاع لم يكن ذا وظيفة أمنية فحسب، بل انطوى على بعد تربوي عميق يتمثل في تنمية القدرات العلمية لأصحاب الأئمة (عليهم السلام)، ولا سيما في الحقول الفقهية والعقدية والكلامية إذ إنَّ إحالة بعض القضايا والإشكالات إلى نخبة من تلامذتهم أسهمت في صقل ملكاتهم الاستدلالية وتعويدهم على ممارسة الدور العلمي في مقام البيان والاحتجاج.

فإنَّ تكرار السؤال والجواب وتحمل مسؤولية معالجة الإشكال يؤدِّي تدريجياً إلى ترسيخ القدرة على الاستنباط وبناء الخطاب الحجاجي المنهجي.

ولعلَّ من أوضح الشواهد على ذلك قصة مناظرة هشام بن الحكم مع عمرو بن عبيد(3) التي تجلَّت فيها كفاءة هشام الكلامية وقدرته على إلزام خصمه بمنطق عقلاني محكم، وهو ما يعكس نجاح المنهج الإمامي في صناعة الشخصية العلمية القادرة على الدفاع عن العقيدة ومقارعة الفكر المخالف بأسلوب برهاني رصين.

وعليه يمكن القول: إنَّ نظام المرجعية لم يكن مجرَّد إجراء تنظيمي طارئ بل كان مشروعاً متكاملاً ذا أبعاد أمنية وتربوية ومعرفية أسهم في حماية الكيان الشيعي من جهة وفي إعداد نخبة علمية واعية قادرة على مواصلة المسيرة الفكرية من جهة أخرى.

 

 

 

الهوامش:


(1) اختيار معرفة الرجال، للشيخ الكشي: ج2، ص858.

(2) بحار الأنوار، للشيخ المجلسي.

(3)  الكافي، للشيخ الكليني.

Edit Template
Scroll to Top