المباني الفكرية للشبهات حول المناهج العلمية الدينية

المقدمة:

إنَّ أسلوب طرح الشبهات لم يكن وليداً لهذا الزمان أو المكان، بل كان حاضراً ومعتمداً وبشكل لافت للنظر علىٰ طول التأريخ البشري، وعلىٰ مختلف المستويات والمناهج العلمية، وله تطوراً مع تطور العلوم.

والشبهة: هي الشيء الذي يشبه الحق لكنه ليس منه، ولهذا تثير اللبس والتردد وتنتج الشك، ومن هذا كان أسلوب طرح الشبهات من قبل البعض غير القادرين علىٰ الرد العلمي، وتفنيد الحجة في المناهج العلمية في المدرسة الدينية للنيل منها، ومحاولة تثبيت ما يريدون وما يطمحون إليه.

ولأجل رد وتفنيد الشبهات وفق المنهج العلمي الرصين، لابدَّ من توفر عدَّة عناصر كمصادر قوة لدىٰ الشخص المتصدي للرد علىٰ الشبهات:

العنصر الأول: تمتعه بمنهج معرفي شمولي للمناهج العلمية، بدرجة تؤهله من التصدي لتفنيد الشبهات، وفق ما يكون مناسباً في ردها.

العنصر الثاني: معرفة المنهج العلمي المعتمد من قبل صاحب الشبهة، من كونه منهجاً تفسيرياً أو كلامياً أو فقهياً أو فلسفياً وهكذا.

العنصر الثالث: الإحاطة المعرفية بالمبنىٰ الفكري للشبهة، فإنَّ للمناهج العلمية مباني تؤسس من خلالها نتائج يجب أن لا تتنافىٰ من تلك المباني.

العنصر الرابع: التشخيص الدقيق لأسلوب طرح الشبهة، فإن الكثير يستخدم أسلوباً مبطن، يكون في الظاهر أسلوباً لطيفاً يدغدغ المشاعر، لكن في باطنه الباطل والشيطنة.

العنصر الخامس: الإحاطة المعرفية في المناشئ للشبهة.

إذا توفرت هذه العناصر في الشخص المتصدِّي لرد الشبهات تكون النتائج طيبة وموفقة، ومن خلال ما تقدَّم يتضح أمران مهمان:

الأمر الأول: أنَّ الأسلوب المتبع في الوقت الحالي في طرح الشبهات في الأغلب هو طرح الشبهة خالية عن المبنىٰ الفكري، وعدم وضوح المنهج العلمي، إذ نجد البعض في طرح الشبهات وفق التنقل بين مناهج متعددة ومتفاوتة، من دون انضباط يذكر، وبأسلوب ضبابي كما سيتَّضح.

الأمر الثاني: تتَّضح أهمية هذه الدراسة في بيان المباني الفكرية للشبهات، والتي توصف بالبكرية في طرحها، لأجل ردّها وتفنيدها وفق منهج علمي رصين، وهذا ما وجدناه في بحوث سماحة سيدنا الأستاذ أحمد الأشكوري – أدام الله عطاءه – والتي ستكون في عدَّة حلقات إن شاء الله تعالىٰ.

سيكون الحديث في مبحثين وخاتمة:

المبحث الأوَّل: أسلوب طرح الشبهات.

المبحث الثاني: المباني الفكرية للشبهات.

الخاتمة.

المبحث الأول: الأسلوب المتبع في طرح الشبهات:

مما لا يخفىٰ أنَّ للأسلوب أثر كبير في تلقي الطرح، وإن كان طرحاً غير علمياً، ومن خلال الاستقراء يمكن لنا ذكر عدَّة مستويات لأسلوب طرح الشبهات.

المستوىٰ الأوَّل: في الأعم الأغلب يكون استخدام مقدمات مرضية ومقبولة عندنا، لكن النتائج تكون غير صحيحة وفيها من التدليس ما فيها.

كما في الاعتماد علىٰ النص الديني، ومحاولة النظر فيه في تدرج مرحلي، من خلال المعنىٰ اللغوي والظهور اللفظي، وما بحوه من المقدمات المقبولة عندنا.

لكن تحصل نقلة في مرحلة قد تكون الأخيرة أو ما قبلها في النظر للنص، ويكون البيان بأن النص الديني هو نصاً بشرياً، ولازم هذا:

أوَّلاً: نفي قابلية النص الديني – سواء كان قرآنياً أم روائياً -، إلىٰ ملاحظة الأبعاد المتعدِّدة للنص من الإطلاق والشمول وبيان تمام المراد ونحو ذلك، بل يصور ملاحظة النص لبعد واحد ويحدد النص به، وهذا يدل علىٰ كون المبنىٰ الفكري هو عدم قبول عصمة القرآن والنبي والأئمة – صلوات الله عليهم -.

ثانياً: حاكمية الزمان والمكان علىٰ النص الديني، والسعي لتحديد وتجميد النص في زمان وأماكن الصدور، وعدم قابلية النص للنفوذ إلىٰ الأزمنة والأماكن الأخرىٰ، ومحاولة طرح البديل باختلاق تعدد القراءات غير المنضبط للنص الديني كما سيتضح في المبحث الثاني إن شاء الله تعالىٰ.

ثالثاً: التفرقة بين النص الديني وبين فهم ومعرفة النص الديني.

البعض يظهر الاعتقاد بقدسية النص الديني، لكنه يعتقد بعدم القدسية لفهم ومعرفة النص، يشير بأنَّ قدسية النص القرآني في اللوح المحفوظ، لكن التفسير ومعرفته بشرية لا قدسية لها، وهكذا بالنسبة بالروايات، ولازم اللاقدسية عدم الأخذ بها واختلاق البديل بحسب المعطيات لديه.

المستوىٰ الثاني: استخدام أسلوب السخرية:

نجد البعض يستخدم أسلوب السخرية، من المفسرين والفقهاء والمتكلمين السابقين، من خلال طرح مقدمات غير منضبطة ونتيجة لتلك المقدمات، كما في:

العياشي كان مفسراً في زمانه.

العلوم تطورت بعد رحيل العياشي.

النتيجة: ولو حضر العياشي في هذا الوقت لكان تلميذاً عندنا.

وهكذا بالنسبة للشيخ الطوسي وعلماء الكلام والأصول وباقي المناهج العلمية.

ولازم هذا نسف الموروث العلمي الرصين.

المستوىٰ الثالث: الضبابية في الطرح:

يقوم البعض بطرح عدة مفاهيم متتالية، دون بيان المراد منها، ويفرع عليها جملة من التساؤلات، من غير تحليل لها، أو إجابات، حتَّىٰ يصل بالمتلقي إلىٰ مرحلة الشك والريب.

المبحث الثاني: المباني الفكرية للشبهات:

من خلال الاستقراء للشبهات المطروحة يمكن لنا الوقوف علىٰ أهم المباني لتلك الشبهات.

المبنىٰ الأول: الهرمنيوطيقا:

ويكون المراد منها: فهم النص الديني بحسب ما يراه القارئ من النص، وفق ما يحيط القارئ من ظروف وبيئة وزمان ومكان وغيرها، بمعنىٰ عدم الثبات لمراد النص الديني، بل يكون مراده مختلفاً بحسب اختلاف الزمان والمكان والبيئة والظروف المحيطة بالقارئ.

وهذا يعني تعدد القراءات غير المنضبطة للنص الديني، ويلزم منه عدة محاذير:

المحذور الأوَّل: تعدُّد المعنىٰ للفظ والنص الواحد، بل تعدُّد المعنىٰ للفظ الواحد.

المحذور الثاني: التعدُّد في القراءات للنص الديني.

يسعىٰ البعض علىٰ تأكيد فكرة تعدُّد القراءات للنص الديني خصوصاً النص القرآني، بإشارة إلىٰ تعدُّد القراءات في المذهب الشيعي في تعدُّد مراجع التقليد في علم الفقه واختلاف الآراء الفقهية نتيجة تعدُّد قراءات النص وفق القرائن الصارفة من ظهور وإطلاق وتقييد وغيرها.

لكن الفارق بين تعدُّد القراءات في المذهب الشيعي وبين تعدُّد القراءات المدَّعىٰ من قبل أصحاب الشبهات، كون تعدُّد القراءات في المذهب الشيعي منضبطة وفق قواعد وموازين ومباني فكرية رصينة وفق القرائن الصارفة، لا بمعنىٰ الانفلات في التعدُّد كما هو في مبنىٰ الهرمنيوطيقا.

المحذور الثالث: النسبية:

للنسبية ثلاثة معاني يشكل المعنىٰ الأوَّل والثاني خطراً علىٰ المعرفة، ولهما دور سلبي علىٰ الفكر والمعرفة، بخلاف المعنىٰ الأوَّل الذي يكون صالحاً ونقول به.

المنعىٰ الأوَّل: النسبية الواقعية:

بمعنىٰ كون الواقع الخارجي غير ثابت، وعليه لا يمكن قراءة شيء وهو في حدِّ ذاته متغيِّراً.

المعنىٰ الثاني: النسبية المعرفية:

بمعنىٰ اختلاف المعرفة والنظر من شخص إلىٰ آخر، فلو نظر شخص لأمر ما، فإنَّه يراه وفق ما يظهر له، بينما لو نظر آخر فإنَّه يرىٰ غير ما رآه الأوَّل، وهكذا لو تعدَّد النظر، وهذا يعني التعددية النسبية للمعرفة، وناتجها: عدم وجود حق وباطل، بل الكل حق.

ومن هذا انبثقت فكرة تعدُّد الأديان والمذاهب، وإمكان التعبُّد بأي منها، إذ التعدُّد ناتج من تعدُّد القراءات والمعرفة، فيكون الصراع بين الأديان والمذاهب، إنَّما هو صراع تعدُّد المعارف والفهم.

المعنىٰ الثالث: النسبية المعذرية:

هذا المعنىٰ نقول به، ومنه تنبثق عملية الاجتهاد بالنص الديني وفق الضوابط العلمية، وعليها يترتَّب مبنىٰ المخطئة عندنا، بقبال مبنىٰ المصوبة عند أبناء العامة.

المبنىٰ الثاني: النقد التاريخي للنص الديني:

يعتمد هذا المبنىٰ علىٰ ملاحظة زمان ومكان وبيئة النص الديني وما يحيطه من ظروف سياسية واقتصادية وما شابه، ومنه يكون السعي لحصر النص في زاوية الزمان والمكان والظروف، ولازمه نفي الوحيانية والبعد الغيبي في غير زمن ومكان وظرف الصدور، وتصوّره نصاً بشرياً، وعليه لابدَّ من تفعيل حاكمية العقل علىٰ النص، وتقديم فهم العقل علىٰ النص في غير زمان ومكان وظروف صدور النص.

المبنىٰ الثالث: الشك المنهجي:

يعتمد هذا المبنىٰ علىٰ مقولة: عدم وجود حقيقة محضة، وعليه لا يكون الموروث الديني قادراً علىٰ تلبية حاجة المجتمعات، ومنه يتَّضح كون المعلومة السابقة ليست بحقيقة، ولابدَّ من قراءة النص الديني بقراءة تكون وفق فهم القارئ الذي لا يعتمد علىٰ أي معلومة سابقة، وبحسب ما يقضيه زمان ومكان القارئ والظروف المحيطة به، ولازم هذا يكون القارئ صانعاً للنص، لا مستكشفاً للنص ومعرفة مراده.

المبنىٰ الرابع: تفعيل بعض المصطلحات من قبيل (علمنة الدين، عقلنة الدين، أنسنة الدين):

* علمنة الدين: تعني جعل العلم حاكماً علىٰ الدين، وهذا ينتج ديناً بشرياً، وفق التجربة والنظريات العلمية التي لم يتم الاتفاق علىٰ الكثير منها.

* عقلنة الدين: تعني جعل العقل حاكماً علىٰ الدين، وللعقل معانٍ عدَّة.

العقل الرياضي: ونتاجه المعادلات الرياضية المعروفة في علم الرياضيات.

العقل الأصولي البديهي: ونتاجه القواعد البديهية من قبيل استحالة اجتماع النقيضين.

العقل الفلسفي: هو الجهاز الذي يكشف عن الحقائق بواسطة العقل.

العقل النظري: ما ينبغي أن يُعلم.

العقل العملي: ما ينبغي أن يُعمل.

العقل الأصولي غير البديهي: يكون قطعياً تارة وأخرىٰ ظنياً.

نحن نقبل حاكمية العقل الأصولي البديهي، والقطعي إذا كان النص ظني الدلالة كما في الآيات التي تشير إلىٰ وجه ويد الله (عزَّ وجلَّ) فلابدَّ من تأويلها، ولا نقبل حاكمية العقل الفلسفي.

* أنسنة الدين: تعني نفي الاعتقاد القائل بوجود الله – سبحانه وتعالىٰ – والإنسان عبداً، ومقتضىٰ العبودية تكون لله حقوقاً علىٰ الإنسان، واستبداله بالاعتقاد بتكريم الإنسان، وبما أنَّ الله – جلَّ شأنه – أوجد الإنسان لغاية، من غير طلب من الإنسان، فتكون الحقوق للإنسان علىٰ الله (عزَّ وجلَّ)، كما في حقوق الولد علىٰ والديه لأنَّهما أنجباه من غير طلب منه.

ولازم هذا: قراءة المفاهيم في النص الدين علىٰ أساس حقوق الإنسان، فمن حق المرأة خلع حجابها، ولا يكون الإمام إمام إلَّا ببيعة الأُمَّة له.

المبنىٰ الخامس: البُعد المقاصدي:

يعتمد هذا المبنىٰ علىٰ مقولة: أنَّ النص الديني أشار إلىٰ مجموعة محاور، وترك تفاصيلها إلىٰ الظروف الخاصة لكل زمان ومكان، كما في ذكر القرآن لعدَّة مفاهيم علىٰ نحو المثالية، لا الموضوعية.

كذكر النبي الأكرم (صلَّىٰ الله عليه وآله) فإنَّه علىٰ نحو المثال للرجل الذي يحمل قيم، جاء بها في زمان ومكان تركت أثراً جيداً في ذلك المجتمع، ولا موضوعية لشخص الرسول الأكرم (صلَّىٰ الله عليه وآله)، في هذا يمكن الإتيان بقيم تتناسب مع زماننا وما تحيط به من ظروف.

المبنىٰ السادس: تفعيل القواعد الوصفية علىٰ النص الديني:

بمعنىٰ يكون التعامل مع النص الديني كسائر النصوص المحكومة بالقواعد الوصفية ولازم هذا: كون النص الديني كالنص الأدبي واللغوي ولا ضرورة للبحث في ظهور وبيان مراده، بل يكفي النظر إلىٰ جمال النص وعذوبته.

المبنىٰ السابع: القراءة التحليلية للنص الديني:

يعتمد هذا المبنىٰ علىٰ تجزئة النص وتحليله، وانتقاء ما يناسب صاحب المبنىٰ، كما قراءة المتصدي لثورة لتخلص من الظلم والاستبداد، فإنَّه لا يقرأ النص بكونه نصاً تشريعياً يقتضي التدرج، بل يتناول البعد الثوري في النص، تاركاً خلفه فقه الأمر بالمعروف وشرائطه.

المبنىٰ الثامن: حاكمية الواقع علىٰ النص الديني:

يعتمد هذا المبنىٰ علىٰ مقولة: ضرورة كون النص ملبياً لحاجة الواقع، وإلَّا يكون النص ميتاً لا فائدة منه، وهذا يحتاج إلىٰ مرونة وتعدد لقراءة النص مع تعدُّد الواقع.

المبنىٰ التاسع: إصلاح المفاهيم في النص الديني:

يعتمد هذا المبنىٰ علىٰ مقولة: إنَّ المفاهيم الدينية تم فهمها بطريقة خاطئة، أو كان فهمهما مصحوباً بالضبابية، وعليه لابدَّ من فهم صحيح يتوافق مع الزمان والمكان والظروف المحيطة.

كما في مفهوم العفة للمرأة، فالقراءة القديمة كانت تعني منع المرأة من الاختلاط بالرجال وتمسكها بشرائط الحجاب الشرعي، بينما الفهم الحالي للعفة تعني كون المرأة ذات علاقة مع الله (عزَّ وجلَّ) وإن كانت متبرجة أو متجاهرة بالمعصية.

وهكذا وصف الفرد بالتقي، فالمراد علاقته بربِّه لا أنَّه يعمل الواجب ويترك المحرم.

وبعبارة أوضح: أنَّ مفاهيم النص الديني قراءة بذهنية الفقيه المندكة في العبادات والمعاملات.

الخاتمة:

من خلال ما تقدَّم اتَّضحت أهمية هذه الدراسة في معرفة أسلوب الطرح للشبهات، وضرورة كون المتصدِّي لردِّها يتمتَّع بمنهج معرفي شمولي للمناهج العلمية، ومعرفة مناشئ الشبهات التي انبثقت منها، وبيان تاريخها، والإحاطة الدقيقة في المباني الفكرية التي تبتني عليها الشبهة.

وقد تمَّ أهم الأساليب لطرح الشبهات، وأهم المباني الفكرية لها.

تنبيه: أنَّ ردّ وتفنيد ما ذكرنا من المباني، لا يصح كونه بنظرة واحدة شاملة لجميعها، بل يجب أن يكون النظر فيه لكل مبنىٰ منفصلاً عن النظر للمبنىٰ الآخر، وهذا ما سيتم تناوله في حلقات قادمة من هذه الدراسة، ومن الله نستمد العون والتوفيق، وصلَّىٰ الله علىٰ خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين.

Edit Template
Scroll to Top