المشيئةُ الإلهيةُ في الحركةِ الحسينيةِ

المشيئةُ الإلهيةُ في الحركةِ الحسينيةِ

قال الإمام الحسين (عليه السلام):

«قد شاء الله أن يراني مقتولاً مذبوحاً ظلماً وعدواناً وحرمي ورهطي ونسائي مسبيين وأطفالي مشردين».

المقدمة:

إنَّ الكُتبَ والدراسات التي أُلفت في سيرةِ الإمام الحسين (عليه السلام) وفي نهضتهِ وفي مقتلهِ وفي أنصارهِ وفي آثارِ ثورتهِ السياسية والاجتماعية وفي الأبعادِ الأخرىٰ الكثيرةِ المتعلِّقةِ بهذهِ السيرةِ المقدَّسةِ وهذهِ الثورة بلغتْ في مجموعِها آلاف الكتب والمقالات والبحوث عدا المخطوطات التي لم تزل مجهولةَ المكانِ خافيةً عن عينِ أَهلِ التتبعِ والتحقيقِ وعدا كثير من الكتبِ والمقالاتِ التي هي تحتَ الطبعِ أو قيدَ التأليفِ.

فهل غادرَ السابقونَ غرضاً لم يطرقُوه في ميدان هذهِ الثورة؟ وهل بإمكان هذا البحثِ أنْ يأتي بجديدٍ لم تأتي بهِ الكُتب والدراسات التي تملأُ المكتبة الحسينية؟

نقول:

هناك حقيقتان لابدَّ مِنَ التذكيرِ بهما في الإجابةِ عن سؤالِ عنوانِ هذه المقدمةِ، وهما:

أوَّلاً: كما أنَّ للقرآنِ وهو الثقلُ الأكبرُ منازل وظاهر وباطن كذلك للعترةِ الطاهرةِ (عليهم السلام):

وهذهِ الحقيقةُ يمكن استفادتها مِنْ حديثِ الثقلين فقوله (صلَّىٰ الله عليه وآله): «لن يفترَّقا حتَّىٰ يردا عليَّ الحوض».

يعطي فيما يعطيهِ مِنْ معاني عدم الافتراق أنَّهما لا يفترقان في صفةٍ ولا في منزلةٍ وإلَّا لصحَّ في حقِّهما الافتراق.

فكما أنَّ القرآن عطاءٌ شاملٌ وغِناءٌ تام ومحيطٌ لا يحاط بهِ كذلك المعصوم في هذهِ الصفةِ والمنزلةِ.

ثانياً: عاملُ الزمنِ:

فالزمنُ عاملٌ مِنْ عواملِ إيضاح الحقيقة، فعلىٰ طول الزمن يمكن أن تزالَ الموانع التي تمنع من المعرفة والإيمان بالحقيقة.

ولقد أشار القرآن الكريمُ إلىٰ دور الزمن في إيضاح الحقائق كما جاءَ علىٰ لسانِ مؤمن آلِ فرعون حينما خاطبَ قومَهُ ونَصَحَ لَهُم.

قال تعالىٰ: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَىٰ اللهِ إِنَّ اللهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ﴾ (غافر: 44).

فقوله: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ﴾ إشارةٌ إلىٰ حصولِ هذا التذكير في المستقبلِ مِنْ الأيام عِند توفرِ أسبابهِ.

وكما أشارَ أميرُ المؤمنينَ علي بن أبي طالب (عليه السلام) أيضاً إلىٰ تأثيرِ عامِل الزمنِ في كشفِ الأستار عن الحقائقِ وإزاحةِ حُجب التضليل الفكري والسياسي والنفسي عنها في قوله (عليه السلام): «غداً ترون أيَّامي ويكشف لكم عن سرائري، وتعرفونني بعد خلو مكاني وقيام غيري مقامي»(1).

الخلاصةُ: في هاتين الحقيقتين هي:

أنَّنا كما نجدُ في دراستِنا للقرآن الكريم جديداً علىٰ الدوام كذلك نجدُ في دراستِنا لسيرةِ النبيِ وعترتهِ الطاهرةِ جديداً علىٰ الدوامِ أيضاً.

ومن هنا تعدَّدت النظرياتُ والتفسيراتُ لقيام الإمام الحسين (عليه السلام) بهذهِ الثورةِ وهذهِ الملحمةِ التي سوفَ يُقتلُ فيها مذبوحاً مظلوماً، وللوقوف علىٰ هذهِ المقولةِ للإمام الحسين (عليه السلام) وبيان الحكمة من تعلُّق المظلومية في قتلِ الحسين (عليه السلام)، وأنَّها سرٌّ مِنْ أسرارِ انتصارهِ وخلودهِ وقطفِ ثِمار قيامهِ علىٰ طولِ الزمن.

ومِنْ هنا سوفَ يكونْ البحثُ عن المشيئةِ الإلهيةِ في الحركةِ الحسينيةِ علىٰ شكلِ فصولٍ وعناوين.

الفصل الأول:

العنوان الأول:

ويشتمل علىٰ لمحةٍ سريعةٍ لجملة من النظريات والتفسيرات لقيام الإمام الحسين (عليه السلام).

العنوان الثاني:

ويشتمل علىٰ بيان النظرية المختارة والتفسير المختار لقيام الإمام الحسين (عليه السلام).

الفصل الثاني: ويشتمل علىٰ:

1 – المشيئة الإلهية قرار سماوي.

2 – المشيئة الإلهية هي اختبار وامتحان.

الفصل الثالث: ويشتمل علىٰ:

1 – نوع المشيئة الإلهية في الحركة الحسينية.

2 – نتائج هذهِ المشيئة وكشف الزمان عن هذه النتائج.

3 – الخاتمة.

الفصل الأوَّل:

العنوان الأوَّل:

تعدَّدت النظريات والتفسيرات لقيام الإمام الحسين (عليه السلام)، ولم تكن غالباً في طول بعضها البعض في متَّجه واحد، بل اختار كل واحد من أصحاب هذه النظريات والتفسيرات عاملاً من العوامل العديدة التي كانت سبباً للقيام والثورة ممَّا أدَّىٰ إلىٰ هذا التعدُّد، ومن هذه العوامل:

أوَّلاً: رفض البيعة ليزيد.

ثانياً: رسائل أهل الكوفة.

ثالثاً: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

رابعاً: طلب الإصلاح في أُمَّة محمد (صلَّىٰ الله عليه وآله).

فمنهم من اقتصرَ علىٰ عاملٍ واحد والتأكيد عليهِ وتفسير مجرىٰ وقائع تلكَ النهضة علىٰ أساسهِ، كما حصل في تأكيد بعض الأقدمين وبعض المعاصرين علىٰ عامل رسائل أهل الكوفة إلىٰ الإمام (عليه السلام) وقولهم بأنَّ قيام الإمام الحسين (عليه السلام) إنَّما كان بسبب هذا العامل.

يقول السيد الشريف المرتضىٰ (أعلىٰ الله مقامه):

(لم يسرِ طالباً الكوفة إلَّا بعد توثّق من القوم، وعهود وعقود، وبعد أن كاتبوه (عليه السلام) طائعين غير مكرهين، ومبتدئين غير مجيبين، وقد كانت المكاتبة من وجوه أهل الكوفة وأشرافها وقرّائها تقدَّمت إليه في أيَّام معاوية، وبعد الصلح الواقع بينه وبين الحسن (عليه السلام) فدفعهم وقال في الجواب ما وجب، ثمَّ كاتبوه بعد وفاة الحسن (عليه السلام) ومعاوية باقٍ، فوعدهم ومنَّاهم، وكانت أيَّام معاوية صعبة لا يطمع في مثلها، فلمَّا مضىٰ معاوية وأعادوا المكاتبة وبذلوا الطاعة وكرَّروا الطلب والرغبة، ورأىٰ (عليه السلام) من قوَّتهم علىٰ ما كان يليهم في الحال من قبل يزيد، وتسلّطهم عليه، وضعفه عنهم ما قوي فيه ظنَّه أنَّ المسير هو الواجب، تعيَّن عليه ما فعله من الاجتهاد والتسبّب، ولم يكن في حسبانه (عليه السلام) أنَّ القوم يغدر بعضهم، ويضعف أهل الحقّ عن نصرته، ويتَّفق ما اتَّفق من الأمور الغريبة)(2).

ومنهم من ذهب علىٰ أنَّ هذا القيام من التكليف الخاص بالمعصوم (عليه السلام).

حيث يقول صاحب الجواهر (قدس سره):

(ما وقع من الحسين (عليه السلام) مع أنَّه من الأسرار الربانية والعلم المخزون يمكن أن يكون لانحصار الطريق في ذلك.

علماً منهُ (عليه السلام) أنَّهم عازمون علىٰ قتله علىٰ كلِّ حال كما هو الظاهر من أفعالهم وأحوالهم وكفرهم وعنادهم مضافاً إلىٰ ما ترتَّب عليه من حفظ دين جدِّه (صلَّىٰ الله عليه وآله) وشريعته علىٰ أنَّه له تكليف خاص قد قدم عليه وبادر إلىٰ إجابتهِ)(3).

ومنهم من عارض القول بالتكليف الخاص كالإمام الخميني (رحمه الله) الذي تبنىٰ في نظرته الفقهية أساس أولويّة المصالح الإسلامية العليا.

أي أنَّ بعض المصالح الإسلامية الكبرىٰ علىٰ درجةٍ من الأهمية بحيث لا يمكن أن تعارضها أو تزاحمها عناوين أخرىٰ مثل العسر والحرج والضرر.

وبعض مصاديق المعروف أو المنكر من هذا القبيل فدفع منكر كبير مثل حكومة يزيد وإقامة معروف كبير مثل تشييد الحكومات الإسلامية من أبرز هذه المصاديق.

ويقول (رحمه الله): (عمل الإمام الحسين (عليه السلام) منهج للجميع)(4).

وهكذا تعدَّدت النظريات في قيام الإمام الحسين (عليه السلام)، وما نريد أن نبرزهُ من سبب لقيام الإمام الحسين (عليه السلام) مع الأخذ بجميع أسباب وعوامل القيام لنهضته (عليه السلام) هو ما صرَّح به (عليه السلام)، وهذا ما سنبيِّنه في العنوان الثاني من الفصل الأوَّل، ويكون مدار البحثِ عليهِ في الفصول والعناوين الأخرىٰ لهذا البحث.

العنوان الثاني:

إنَّ لمعرفةِ زمان ومكان ومَنْ هي الشخصية التي قال الإمام الحسينُ (عليه السلام) مقولته بالمشيئة الإلهية يعطينا معرفةً بأوَّل انطلاقةٍ بحركة الإمام الحسين (عليه السلام) وتحتَ أي عنوان يسير بهدفهِ المنشود للإصلاح في الأُمَّة آخذاً معه العائلة التي أراد الكثير أن يعرف السرَ مِنْ وَرَاءِ أخذه لهذه العائلة.

بعد هلاك معاوية ابن أبي سفيان (لعنه الله) في الخامس عشر من شهر رجب سنة ٦٠ هجري وتولي ابنه يزيد (لعنه الله) مكانه في الشام وإرسال كتاب إلىٰ والي المدينة آنذاك الوليد بن عتبة ابن أبي سفيان بأخذ البيعة علىٰ أهل المدينة عامةً وعلىٰ الحسين (عليه السلام) خاصة، ورفض الإمام الحسين (عليه السلام) البيعة حينما استدعاه الوليد بن عتبة إلىٰ داره ليلاً وقال له في ختام اللقاء الذي جمعهما.

«إنَّا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، وبنا فتح الله، وبنا ختم الله، ويزيد رجلٌ فاسق شارب الخمر، قاتل النفس المحرَّمة، معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله، ولكن نصبح وتصبحون، وننظر وتنظرون، أيُّنا أحقُّ بالبيعة والخلافة، ثم خرج (عليه السلام)»(5).

وبعدها أخذ الحسين (عليه السلام) يودع قبر جدِّهِ ويستعد للخروج من المدينة وقد كان خروجه من المدينة لليلتين بقيتا من شهر رجب سنة (٦٠) للهجرة.

فالزمان:

الذي قالَ فيهِ مقولته بالمشيئة الإلهية هو قبل خروجه من المدينة لليلتين بقيتا من شهر رجب سنة ٦٠ للهجرة.

المكان:

هو المدينة المنورة.

أَمامَ مَنْ قال الإمام الحسين (عليه السلام) مقولته بالمشيئة الإلهية.

كان خروج الحسين (عليه السلام) من مدينة جدِّهِ (صلَّىٰ الله عليه وآله) أعظم يوم علىٰ الهاشميين والهاشميات، فأقبلت الهاشميات ونساء بني عبد المطلب لوداعه والتزوُّد به ووداع عيالاته وأطفاله، وكانَ كيومِ مات فيه رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله).

فقد ورد في الأثر:

(لما عزم علىٰ الخروج من المدينة أتته أُم سلمة (رضي الله عنها) فقالت: يا بني لا تُحزنِّي بخروجك إلىٰ العراق، فإنِّي سمعت جدَّك يقول: «يقتل ولدي الحسين بأرض العراق في أرضٍ يقال لها: كربلاء»، فقال لها: «يا أُمَّاه وأنا والله أعلم ذلك، وإنِّي مقتول لا محالة، وليس لي من هذا بدُّ، وإنِّي والله لأعرف اليوم الذي أُقتل فيه، وأعرف من يقتلني، وأعرف البقعة التي أُدفن فيها، وإنِّي أعرف من يقتل من أهل بيتي وقرابتي وشيعتي، وإن أردت يا أُمَّاه أُريكِ حفرتي ومضجعي»، ثم أشار (عليه السلام) إلىٰ جهة كربلاء فانخفضت الأرض حتَّىٰ أراها مضجعه ومدفنه وموضع عسكره، وموقفه ومشهده، فعند ذلك بكت أُمّ سلمة بكاءً شديداً، وسلَّمت أمره إلىٰ الله، فقال لها: «يا أُمَّاه قد شاء الله (عزَّ وجلَّ) أن يراني مقتولاً مذبوحاً، ظلماً وعدواناً، وقد شاء أن يرىٰ حَرَمي ورهطي ونسائي مشرَّدين، وأطفالي مذبوحين مظلومين، مأسورين مقيَّدين، وهم يستغيثون فلا يجدون ناصراً ولا معيناً»(6).

وهنا يتبيَّن لنا أنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) قال بالمشيئة الإلهية أمام أُم سلمة (رحمها الله)، وكانَ السببُ في قوله هذا هو لما جاءت به أُم سلمة مِنْ الأخبار في مقتله والطلب منه بعدم الخروج ولا تحزن بخروجه.

ولكن لمَّا أخبرها الإمام بعلمه بمقتله ومقتل من معه وهو يعرف اليوم الذي يُقتل فيهِ والبقعةُ التي يدفن فيها.

تقول الرواية: بكت أُم سلمة وسلَّمت أمرها إلىٰ الله تعالىٰ، فكما سلَّمت أُم سلمة أمرها إلىٰ الله تعالىٰ بعد إخبارها مِنْ قبل الإمام (عليه السلام) وحتَّىٰ يتبيَّن لأُمِّ سلمة تسليم الإمام الحسين (عليه السلام) للمشيئةِ الإلهيةِ بخروجهِ هذا.

قال لها:

«يا أُمَّاه قد شاء الله (عزَّ وجلَّ) أن يراني مقتولاً مذبوحاً، ظلماً وعدواناً، وقد شاء أن يرىٰ حَرَمي ورهطي ونسائي مشرَّدين، وأطفالي مذبوحين مظلومين مأسورين مقيَّدين، وهم يستغيثون فلا يجدون ناصراً ولا معيناً»(7).

ومِنْ هنا سوف نركِّز علىٰ هذه المقولة بالمشيئة الإلهية ونبيِّن أبعادها المعنوية وما حقيقةُ المشيئة الإلهية بين الله (عزَّ وجلَّ) وبين أوليائه وما هو نوع المشيئة في الحركة الحسينية، هل هي مشيئة ثابتة أم متغيِّرة، وما هي نتائج هذه المشيئة الإلهية التي تعلَّقت بمظلومية الحسين (عليه السلام) ومقتله مذبوحاً ظلماً وعدواً ونساءه وأطفاله مسبيَّين.

وكان الزمانُ هو العامل الرئيسي في كشفِ الحكمة الإلهية بما تعلَّق بمقتله (عليه السلام) وانتصار دمه المظلوم علىٰ السيف والطغاة.

وهذا ما سيأتي تباعاً في الفصل الثاني والثالث مِنْ هذا البحث.

الفصل الثاني:

العنوان الأوَّل: المشيئة الإلهية قرار سماوي:

قد تسأل ما معنىٰ هذا العنوان، فما معنا أنَّ المشيئة الإلهية قرار سماوي؟

لو تتبَّعنا بعض منازل الأنبياء والمرسلين لوجدنا أنَّ بعض منازلهم ومقاماتهم أو ما اختاره الله (عزَّ وجلَّ) لهم في الدنيا هو نتيجة ما كان لهم في عالم المشيئة أو عالم الميثاق أو عالم الذر.

بمعنىٰ أنَّ القرار هو في عالم السماء والنتيجة تظهر في عالم الدنيا وعلىٰ الأرض في وقتِ إرسال النبي أو إنزال الفريضة.

ولتوضيح هذا الكلام نأتي ببعض الشواهد كمصداق يبيِّن أنَّ المشيئة الإلهية قرار سماوي والنتيجة في عالم الدنيا(8).

المصداق الأوَّل:

ورد في الكافي عدَّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن أبن محبوب، عن صالح بن سهل عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّ بعض قريش قال لرسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله): (بأيِّ شيء سبقت الأنبياء وأنت بعثت آخرهم وخاتمهم؟ قال: «إنِّي كنت أوَّل من آمن بربِّي وأوَّل من أجاب حين أخذ الله ميثاق النبيين ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلىٰ﴾ [الأعراف: 172]، فكنت أنا أوَّل نبيٍّ قال: بلىٰ، فسبقتهم بالإقرار بالله»(9).

ومن خلال هذه الرواية نجد أنَّ الرسول محمد (صلَّىٰ الله عليه وآله) في عالم الميثاق هو أوَّل من لبَّىٰ بالربوبية إلىٰ الله (عزَّ وجلَّ) وفي عالم الدنيا هو آخر مَنْ بُعثَّ من الأنبياء والمرسلين.

فهو الأوَّلُ بحسب الإقرار بالربوبية في عالم الميثاق فهو سيِّدهم وإن كان خاتِمهم من الأنبياء والرُسل.

المصداق الثاني:

قال تعالىٰ: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً وَعَلىٰ كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ (الحج: 27).

وفي كتاب الكافي قال عدَّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لمَّا أمر إبراهيم وإسماعيل (عليهما السلام) ببناء البيت وتمَّ بناؤه، قعد إبراهيم علىٰ ركن ثم نادىٰ: هلُمَّ الحج، هلُمَّ الحج، فلو نادىٰ هلمُّوا إلىٰ الحج، لم يحج إلَّا من كان يومئذٍ إنسياً مخلوقاً، ولكنه نادىٰ: هلمَّ الحج، فلبَّىٰ الناس في أصلاب الرجال: لبيَّك داعي الله، لبيك داعي الله (عزَّ وجلَّ)، فمن لبَّىٰ عشراً يحج عشراً، ومن لبَّىٰ خمساً يحج خمساً، ومن لبَّىٰ أكثر من ذلك فبعدد ذلك، ومن لبَّىٰ واحداً حجَّ واحداً، ومن لم يلبِّ لم يحج»(10).

ومن خلال هذه الرواية يتبيَّن أنَّ قرار الحج وإفادة الناس إلىٰ بيت الله الحرام من نداء إبراهيم الخليل (عليه السلام) إلىٰ يومنا هذا وإلىٰ يوم القيامة.

هو مشيئة الله (عزَّ وجلَّ) وإرادة في أن يصل النداء إلىٰ أسماع جميع الناس حتَّىٰ الذين في أصلاب آبائهم وأرحام أُمَّهاتهم، ومن هم في عالم الذر فردّدوا: (لبّيك اللَّهمَّ لبّيك)، وإنَّ جميع الذين يشاركون في مراسم الحج منذ ذلك اليوم وحتَّىٰ يوم القيامة هم من الذين لبّوا دعوة إبراهيم (عليه السلام)(11).

المصداق الثالث:

روىٰ المجلسي عن كتاب الدر المنثور قال:

(في تفسير قوله تعالىٰ: ﴿فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ﴾ (البقرة: 37)، يروىٰ أنَّ آدم (عليه السلام) رأىٰ علىٰ ساق العرش اسم النبي (صلَّىٰ الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) فلقَّنه جبرئيل بها وقال له: قل: يا حميد بحقِّ محمد، يا عليُ بحقِّ علي، يا فاطر بحقِّ فاطمة، يا محسن بحقِّ الحسن والحسين، فلمَّا ذكر الحسين سالت دموعه وخشع قلبه، فقال: أخي جبرئيل ما لي إذا ذكرت الخامس ينكسر قلبي وتسيل عبرتي؟

فقال جبرئيل: ولدك هذا يصاب بمصيبةٍ تَصغرُ عندها المصائب، قال: يقتل عطشاناً غريباً وحيداً، ولو تراه يا آدم وهو ينادي وا عطشاه حتَّىٰ يحول العطش بينه وبين السماء كالدخان، فبكىٰ آدم (عليه السلام))(12)، ومن هنا تبيَّن لنا أنَّ المشيئة الإلهية في الحركة الحسينية هي قرار سماوي تظهر نتيجته في عالم الدنيا علىٰ أرض كربلاء حيثُ يقتل فيها الحسين (عليه السلام) مذبوحاً ظلماً وعدواناً.

العنوان الثاني: المشيئة الإلهية هي اختبار وامتحان:

ولتوضيح هذا العنوان وبيان المراد منه نجعل ما ورد في دعاء الندبة تفسيراً لهذا العنوان: «اللَّهُمَّ لَكَ الحَمدُ عَلىٰ ما جَرىٰ بهِ قَضاؤُكَ في أوليائِكَ الَّذِينَ استخلصتَهُم لِنَفْسِكَ وَدِينِكَ إذ اختَرتَ لَهُم جَزِيلَ ما عِندَكَ مِنَ النَّعيمِ المُقيم الَّذي لا زَوالَ لَهُ وَلا اضمحلال، بَعدَ أن شرطت عَلَيْهِمُ الزُّهدَ في دَرَجَاتِ هذِهِ الدُّنيا الدَّنِيَّةِ وَزُخرفها وزبرجها، فَشَرَطُوا لَكَ ذلِكَ، وَعَلِمتَ مِنهُمُ الوَفاءَ بِهِ فَقَبِلتَهُم وَقَرَّبتَهُم وَقَدَّمت لَهُمُ الذِكرَ العَلِيَّ وَالثَّناءَ الجَلِيَّ، وَأهْبَطت عَلَيهِم مَلائِكَتَكَ وَكَرَّمتَهُم بوَحيكَ وَرَفَدتَهُم بِعِلمِكَ وَجَعَلْتَهُمُ الذَّرِيعَةَ إِلَيْكَ وَالوَسِيلَةَ إلىٰ رضوانِكَ، فَبَعض أسكَنتَهُ جَنَّتَكَ إلىٰ أن أخرَجتَهُ مِنهَا، وَبَعْضٌ حَمَلْتَهُ فِي فُلْكِكَ وَنَجَّيتَهُ وَمَن آمَنَ مَعَهُ مِنَ الهَلَكَةِ بِرَحمَتِكَ، وَبَعضُ اتَّخَذْتَهُ لِنَفْسِكَ خَلِيلاً وَسأَلَكَ لِسانَ صِدق في الآخِرِينَ فَأَجَبْتَهُ وَجَعَلْتَ ذلِكَ عَليًّا، وَبَعض كَلَّمتَهُ مِن شَجَرَةٍ تَكلِيماً وَجَعَلْتَ لَهُ مِن أخِيهِ ردءاً وَوَزِيراً، وَبَعضٌ أولدتَهُ مِنَ غَير أبٍ وَآتَيتَهُ البَيِّنَاتِ وَأَيَّدتَهُ بِرُوح القُدُسِ، وَكُلٌّ شَرَعَتَ لَهُ شَرِيعَةً وَنَهَجتَ لَهُ مِنهاجاً وَتَخَيَّرت له أوصياء مُستَحفِظاً بَعدَ مُستَحفِظ مِن مُدَّةٍ إلىٰ مُدَّةٍ إقامَةً لِدِينِكَ وَحُجَّةً عَلىٰ عِبادِكَ، وَلِئَلَّا يَزُولَ الحَقُّ عَن مَقَرِّهِ وَيَغلِبَ الباطِلُ عَلىٰ أهْلِهِ وَلا يَقُولَ أَحَدٌ لولا أرسلت إلينا رَسُولاً مُنذِراً وَأَقَمْتَ لَنا علماً هادياً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبل أن نَذِلَّ وَنَخزىٰ، إلىٰ أن انتهيت بالأمر إلىٰ حَبِيبِكَ وَنَجِيبِكَ مُحَمَّدٍ (صلَّىٰ الله عليه وآله) فَكانَ كَما انتَجَبْتَهُ سَيِّدَ مَن خَلَقْتَهُ وَصَفْوَةَ مَنِ اصْطَفَيْتَهُ وَأَفضَلَ مَنِ اجْتَبَيْتَهُ وَأَكْرَمَ مَنِ اعْتَمَدتَهُ، قَدَّمْتَهُ عَلىٰ أنبيائِكَ وَبَعَثْتَهُ إِلىٰ الثَّقَلَينِ مِن عِبادِكَ وأوطأتَهُ مَشارِقَكَ وَمَغارِبَكَ وَسَخَّرتَ لَهُ البُراقَ وَعرَجتَ به إِلىٰ سَمائِكَ وَأودَعتَهُ عِلْمَ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ إِلَىٰ انقَضاءِ خَلْقِكَ، ثُمَّ نَصَرتَهُ بِالرُّعِبِ وَحَفَفْتَهُ بِجَبْرَئِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَالمُسَوَّمِينَ مِن مَلائِكَتِكَ وَوَعَدتَهُ أن تُظهِرَ دِينَهُ عَلَىٰ الدِّينِ كُلِّهِ وَلَو كَرِهَ المُشْرِكُونَ، وَذلِكَ بَعِدَ أَن بَوَّأْتَهُ مُبَوَّءَ صِدقٍ مِن أهلِهِ وَجَعَلتَ لَهُ وَلَهُم أَوَّلَ بَيتٍ وَضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىٰ لِلعالَمِينَ، فِيهِ آيَاتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إبراهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كانَ آمِناً، وَقُلتَ: ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ [الأحزاب: 33]»(13).

فمن خلال ما ورد في هذا الدعاء بقولهِ: «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمدُ عَلىٰ ما جَرىٰ بِهِ قَضاؤُكَ في أوليائِكَ الَّذِينَ اسْتَخلَصتَهُم لِنَفْسِكَ وَدِينِكَ إذ اختَرتَ لَهُم جَزِيلَ ما عِندَكَ مِنَ النَّعيم المُقيم الذي لا زوال لَهُ وَلا اضمحلال».

إنَّ هذا الاستخلاص من قبل الله (عزَّ وجلَّ) لأوليائهِ لنفسهِ ودينهِ، والنعيم المقيم الذي لا زوال له ولا اضمحلال.

جاءَ نتيجةً لمشارطة بين الله وبين أوليائه، فمن جهة الله (عزَّ وجلَّ): «بَعدَ أن شَرَطت عَلَيهِمُ الزُّهدَ في دَرَجَاتِ هَذِهِ الدُّنيا الدَّنِيَّةِ وَزُخْرُفِها وزبرجها»، والمشارطة من جهة أولياء الله «فَشَرَطُوا لَكَ ذلِكَ».

ولعلم الله (عزَّ وجلَّ) بوفائهم بهذهِ المشارطة (الامتحان والاختبار) جاءت النتائج علىٰ ضوء الوفاء بالمشارطة والنجاح بالامتحان.

«وَعَلِمتَ مِنهُمُ الوَفاءَ بِهِ فَقَبِلتَهُم وَقَرَّبتَهُم وقَدَّمت لَهُمُ الذِّكْرَ العَلِيَّ وَالثَّناءَ الجَلِي وَأهْبَطتَ عَليهِم مَلائِكَتكَ، وَكَرَّمتَهُم بِوَحيكَ وَرَفدتَهُم بِعِلْمِكَ وَجَعَلْتَهُمُ الذُّرِيعَةَ إِلَيْكَ وَالوَسِيلَةَ إِلىٰ رِضوانِكَ، فَبَعضٌ أَسكَنتَهُ جَنَّتَكَ إِلىٰ أَن أَخرَجتَهُ مِنها، وَبَعضٌ حَمَلْتَهُ في فُلْكِكَ وَنَجَّيتَهُ وَمَن آمَنَ مَعَهُ مِنَ الهَلَكَةِ بِرَحمَتِكَ، إلخ».

وكما ورد في زيارة السيدة الزهراء (عليها السلام):

«يا مُمْتَحَنَةُ امْتَحَنَكِ اللهُ الَّذِي خَلَقَكِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَكِ، فَوَجَدَكِ لِمَا امْتَحَنَكِ صَابِرَةً، وَزَعَمْنا أَنَّا لَكِ أَوْلِياءُ وَمُصَدِّقُونَ وَصابِرُونَ لِكُلِّ ما آتانا بِهِ أَبُوكِ (صلَّىٰ الله عليه وآله) وَأتىٰ بِهِ وَصِيُّهُ، فَإِنَّا نَسْأَلُكِ إِنْ كُنَّا صَدَّقْناكِ إِلَّا ألْحَقْتِنَا بِتَصْدِيقِنا لَهُما لِنُبَشِّرَ اَنْفُسَنَا بِأَنَّا قَدْ طَهُرْنا بِوَلايَتِكِ».

ومن هنا يتبيَّن أنَّ ما أعطاه الله (عزَّ وجلَّ) للحسين (عليه السلام) من منزلة ومقام وكرامة وثورة خالدة هي نتيجة المشارطة بما تعلَّقت بهِ المشيئة الإلهية في الحركةِ الحسينيةِ.

وكما قال الحسين (عليه السلام) عند وصوله إلىٰ كربلاء: «هي والله أرضُ كربلاء أرضُ كربٍ وبلاء»(14).

فالبلاءُ: هو الامتحان والاختبار.

الفصل الثالث:

العنوان الأوَّل: ويشتمل علىٰ:

أوَّلاً: نوع المشيئة الإلهية في الحركة الحسينية.

لبيان نوع المشيئة في الحركة الحسينية ونقصد بذلك:

هل المشيئة الإلهية في الحركة الحسينية هي مشيئة ثابتة أم متغيِّرة؟ وهذا التقسيم لنوع المشية هو مِنْ منطلق قوله تعالىٰ: ﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ﴾ (الرعد: 39).

قال صاحب تفسير الأمثل في كتاب الله المنزل:

(عن الفضيل بن يسار قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «مِنْ الأمور أمور محتومة كائنة لا محالة، ومن الأمور أمور موقوفة عند الله، يقدم فيها ما يشاء ويمحو ما يشاء، ويثبت منها ما يشاء»، وهذا الحديث دليلٌ علىٰ أنَّ اللوح المحفوظ ولوح المحو والإثبات بكلِّ خصوصياتها مختصَّة بالله (جلَّ وعلا)، وهناك قسم منها يعلم بها الخواص مِنْ عباده إذا اقتضت الضرورة، وعلىٰ أيِّ حال فالمحو والإثبات بهذا الشكل الذي تحدَّثنا به له معنىٰ جامع يشملُ كلّ تغيير في الحال بسبب تغيير الشروط وحدوث الموانع)(15).

ونحن هنا لسنا بصدد تفسير الآية، ولكن نريد منها شاهداً علىٰ نوع المشيئة، وما نريد الاستدلال به علىٰ أنَّ المشيئة الإلهية في الحركة الحسينية هي مشيئةٌ ثابتةٌ.

من خلال ما ورد في أصول الكافي محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن حماد بن عيسىٰ عن ربعي بن عبد الله عن الفضيل بن يسار، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «العلم علمان: فعلم عند الله مخزون لم يطَّلع عليه أحداً من خلقه، وعلم ملائكته ورسله، فما علمه ملائكته ورُسله فإنَّه سيكون، لا يكذب نفسه ولا ملائكته ولا رُسله، وعلم عنده مخزون يقدم منه ما يشاء، ويؤخِّر منه ما يشاء، ويثبت ما يشاء»(16).

وبما أنَّ الله (عزَّ وجلَّ) قد أخبر ملائكته وأنبياءه ورسله بما سيجري علىٰ الحسين (عليه السلام) بحسب ما ورد من الأخبار الكثيرة التي تعرَّضت لبكاء الأنبياء علىٰ الحسين (عليه السلام) كخبر نوح (عليه السلام) وإبراهيم (عليه السلام) وإسماعيل (عليه السلام) وسليمان بن داود (عليه السلام) وعيسىٰ (عليه السلام).

وهو راكب، ومن باب المثال لا الحصر (وروي أنَّ إبراهيم (عليه السلام) مرَّ في أرض كربلاء فرسا فعثرت به وسقط إبراهيم وشجَّ رأسه وسال دمه، فأخذ في الاستغفار وقال: إلهي أي شيء حدث مني؟ فنزل إليه جبرئيل وقال: يا إبراهيم ما حدث منك ذنب، ولكن هنا يقتل سبط خاتم الأنبياء، وابن خاتم الأوصياء، فسال دمك موافقة لدمه.

قال: يا جبرئيل ومن يكون قاتله؟ قال: لعين أهل السماوات والأرضين والقلم جرىٰ علىٰ اللوح بلعنه بغير إذن ربّه، فأوحىٰ الله تعالىٰ إلىٰ القلم إنَّك استحققت الثناء بهذا اللعن، فرفع إبراهيم (عليه السلام) يديه ولعن يزيد لعناً كثيراً)(17).

فالحسين (عليه السلام) بكاه آدم وجميع الأنبياء (عليهم السلام)، وهو إذ ذاك بساقي العرش، وأمّا بعد ولادته بكاه جدُّه رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) وأبوه علي وأُمُّه فاطمة (عليهما السلام)، ومن هنا يُستدل علىٰ أنَّ المشيئة الإلهية في الحركة الحسينية هي مشيئة ثابتة لا متغيِّرة.

وقد عبَّر الإمام الحسين (عليه السلام) عن المشيئة الإلهية في الحركة بالفعل الماضي حينما قال: «شاءَ اللهُ أنْ يراني مقتولاً مذبوحاً، ظلماً وعدواناً».

والفعل الماضي في اللغة العربية يدل علىٰ أنَّه واقع لا سيقع.

ونكتفي بهذا القدر من البيان علىٰ إثبات نوع المشيئة الإلهية في الحركة الحسينية(18).

العنوان الثاني: نتائج المشيئة الإلهية في الحركة الحسينية:

إنَّ المظلومية والمأساة نوع من أنواع البلاء والامتحان، الذي يُعتبر من السنن الإلهية الجارية علىٰ الخلق، والتي من شأنها تحقيق أهداف إلهية في هذا الوجود، سواء علىٰ مستوىٰ الكمال الفردي؛ باعتبار ما للمظلومية أو البلاء – بشكل عام – من أثر فعّال علىٰ مستوىٰ تربية الفرد وبنائه نفسياً؛ ليكون محلاً لفيض الرحمة والهداية الإلهية، أو علىٰ مستوىٰ الكمال العام؛ باعتبار ما يحققه الفرد أو الجماعة الداخلة في هذا الاختبار، والناجح في هذا الاختبار يكون الأُسوة الحسنة للمؤمنين في تحمُّل أعباء الرسالة الإلهية، أو الحفاظ عليها بمستوىٰ من المستويات، وعلىٰ أقل تقدير الحفاظ علىٰ معالمها من الاندراس تحت تأويلات المبطلين، وسطوة الظالمين علىٰ الناس فكرياً ومادياً.

فالمشيئة الإلهية التي تعلَّقت بمظلومية الحسين (عليه السلام) بقولهِ: «شاء الله أن يراني مقتولاً ومذبوحاً، ظلماً وعدواناً».

كانت سبباً في انتصار:

1 – الدم علىٰ السيف.

2 – انتصار المظلوم علىٰ الظالم.

3 – انتصار الحق علىٰ الباطل.

فمِنْ أجل الحق قام، ومِنْ أجل الحقوق قاتل، ومِنْ أجل الحقيقةِ قُتِل.

فبمقتلهِ بكربلاء أقام الحق ونالَ الحقوقَ وأوضح الحقيقة.

وكان الزمنُ كفيلاً ببيان كيف أقام الحسين (عليه السلام) الحقَ ونالَ الحقوق وأوضح الحقيقة.

فها هي زينب (عليها السلام) تكشف لنا عن الحقِّ والحقوق والحقيقة وهي شريكة الحسين (عليه السلام) بالمشيئة والمظلومية بما جرىٰ عليها في كربلاء.

قالت لزين العابدين (عليه السلام) وهي يومئذٍ علىٰ ناقة هزلاء، وقد رأت ابن أخيها يجود بنفسهِ وهو مقيَّد: «ما لي أراك تجود بنفسك يا بقية جدِّي وأبي وإخوتي؟

فقلت:

وكيف لا أجزع ولا أهلع، وقد أرىٰ سيدي وإخوتي وعمومتي وولد عمِّي وأهلي مصرَّعين بدمائهم، مرمَّلين بالعراء، مسلَّبين لا يكفَّنون ولا يوارون، ولا يعرج عليهم أحد، ولا يقرّبهم بشر، كأنَّهم أهل بيت من الديلم والخزر، فقالت: لا يجز عنك ما ترىٰ، فوالله إنَّ ذلك لعهد من رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) إلىٰ جدِّك وأبيك وعمِّك، ولقد أخذ الله ميثاق أناس من هذه الأُمَّة لا تعرفهم فراعنة هذه الأرض، وهم معروفون في أهل السماوات أنَّهم يجمعون هذه الأعضاء المتفرقة فيوارونها، وهذه الجسوم المضرَّجة، وينصبون لهذا الطف علماً لقبر أبيك سيد الشهداء (عليه السلام) لا يدرس أثره، ولا يعفو رسمه علىٰ كرور الليالي والأيَّام، وليجتهدنَّ أئمة الكفر وأشياع الضلالة في محوهِ وتطميسه، فلا يزداد أثرهُ إلَّا ظهوراً وأمره إلَّا علوّاً»(19).

وقولها (عليها السلام) ليزيد (لعنه الله) في مجلسه بالشام: «فكد كيدك، واسْعَ سعيك، وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، ولا يرحض عنك عارها، وهل رأيك إلَّا فند وأيَّامك إلَّا عدد، وجمعك إلَّا بدد، يوم ينادىٰ المنادي ألا لعنة الله علىٰ الظالمين، والحمد لله ربِّ العالمين، الذي ختم لأوَّلنا بالسعادة والمغفرة ولآخرنا بالشهادة والرحمة، ونسأل الله أن يكمل لهم الثواب ويوجب لهم المزيد ويحسن علينا الخلافة، أنَّه رحيم ودود، وحسبنا ونعم الوكيل»(20).

الخاتمة:

في ختام هذا البحث حول المشيئة الإلهية في الحركة الحسينية، نُوجز أنَّ نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) لم تكن مجرَّد حدث تاريخي أو سياسي، بل هي أعظم مثال علىٰ تجلّي المشيئة الإلهية في حياة الإنسان وسعيه نحو الكمال الأخلاقي والديني، لقد أظهرت هذه النهضة كيف تتَّضح إرادة الله في جميع المصائب والابتلاءات، وكيف يختار الإنسان، بالرغم من صعوبة الظروف، أن يسلك طريق الحق والعدل، وقد بيَّن البحث أنَّ المشيئة الإلهية ترتبط بفعل الإنسان ومسؤوليته، فلا تلغي حريته ولا اختياره، بل ترافقه في تحقيق أهدافه السامية، كما ذلك في معرفة الإمام الحسين (عليه السلام) بمصيره المحتوم واستعداده للتضحية في سبيل الله، كما أنَّ مشاركة العيال والأهل في المظلومية والمأساة يعكس حكمة إلهية في اختبار الصبر والتسليم للقدر، وفي تعليم الأجيال قيمة الحق والعدل والمقاومة ضد الظلم.

وتؤكِّد نتائج البحث أنَّ نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) تمثِّل مدرسة خالدة في فهم العلاقة بين المشيئة الإلهية والإرادة البشرية، وهي درس مستمر للأُمَّة الإسلامية في الالتزام بالحقِّ والعدل مهما بلغت صعوبة الطريق، كما تبرز أهمية الاقتداء بالإمام الحسين (عليه السلام) في مواجهة الظلم، والسعي لإحياء القيم الدينية العليا، مع الاعتراف بالتضحيات الكبيرة التي يفرضها ذلك علىٰ الإنسان في سبيل الحفاظ علىٰ دينه ومبادئه.

وفي النهاية، نسأل الله أن ينفع بهذا البحث، وأن يجعل ما ورد فيه من فهم للمشيئة الإلهية والحركة الحسينية منارة للأجيال، وأن يوفِّقنا جميعاً للعمل بمقتضىٰ الحق والعدل، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

 

 

 

الهوامش:


(1) شرح نهج البلاغة – خطب الإمام علي (عليه السلام): ج9، ص74، الخطبة149.

(2) تنزيه الأنبياء: 227-228.

(3) مع الركب الحسيني من المدينة إلىٰ المدينة: ج1، ص25.

(4) صحيفة النور: ج10، ص229.

(5) الملهوف علىٰ قتلىٰ الطّفوف: ص98.

(6) بحار الأنوار: ج44، ص331.

* تنبيه: هنا أُمّ سلمة أخبرت الإمام الحسين (عليه السلام) بخبر غيبي نقلاً عن رسول الله ݕ، وحتَّىٰ يتبيَّن لأُمّ سلمة بأنَّ علم المعصوم هو أكثر من أي شخص، فيظهر من الرواية أنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) بيَّن لها ما هو أكثر مِنْ ما قالته.

(7) العلامة المجلسي – بحار الأنوار: ج44، ص331.

(8) نقصد بعالم الدنيا (لأنَّنا جئنا بمصاديق تتعلَّق بالأنبياء) وإلَّا فإنَّ المشيئة الإلهية قد تتعلَّق بعالم الملائكة أو الآخرة، ولكن هذه العوالم ليست محل حديثنا في هذا البحث.

(9) الكافي: ج1، ص441.

(10) الكافي: ج2، ص10.

(11) الأمثل في تفسير كتاب الله: ج10، ص225.

(12) بحار الأنوار للعلامة المجلسي: ج44، ص245.

(13) المزار الكبير لمحمد ابن المشهدي: ج1، ص573.

(14) مقتل أبو مخنف.

* تنبيه: حتَّىٰ لا يُفهم الجبر في حركة الأنبياء والمرسلين والأئمة المعصومين (عليهم السلام) من خلال استدلالنا بالمشارطة الواردة في دعاء الندبة نقول، العصمة الإلهية للأنبياء والأوصياء (عليهم السلام) لا تجعلهم مسيرين مسلوبِ الاختيار، فالعصمة ليست جبراً، بل هي اختيار للمعصوم، حيثُ يمتلك القدرة علىٰ ارتكاب المعصية ولكنَّه يمتنع عنها بلطف الله وعصمته له، بمعنىٰ آخر هو مخيَّر ولكنَّه ممتنع عن فعل الحرام، وهذا الامتناع ناتج عن إدراكه الأعلىٰ ومكانته العالية التي تجعله في مأمن من إغواء الشيطان أو النفس الأمارة بالسوء، وقد سُئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن المعصوم فقال: «المعصوم هو الممتنع بالله عن جميع محارم الله».

(15) تفسير الأمثل: ج2، ص308-309.

(16) الكافي: 1/147، ح6.

(17) بحار الأنوار: ج44، 243/39.

(18) توجد أخبار كثيرة عن المعصومين (عليهم السلام) تتحدَّث عن المشيئة الإلهية في الحركة الحسينية لم نذكرها طلباً للاختصار وعدم التطويل ومن هذه الأخبار: ما روي في الأمالي للشيخ الصدوق: أنَّ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِي دَخَلَ يَوْماً إِلَىٰ الْحَسَنِ (عليه السلام)، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ بَكَىٰ، فَقَالَ لَهُ: «مَا يُبْكِيكَ يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ»؟ قَالَ: «أَبْكي لِمَا يُصْنَعُ بِكَ»، فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ: «إِنَّ الَّذِي يُؤْتَىٰ إِلَيَّ سُمٌ يُدَسُّ إِلَيَّ فَأُقْتَلُ بِهِ، وَلَكِنْ لَا يَوْمَ كَيَوْمِكَ يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ، يَزْدَلِف إِلَيْكَ ثَلَاثُونَ أَلْفَ رَجُلٍ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ مِنْ أُمَّةِ جَدِّنَا مُحَمَّدٍ وَيَنْتَحِلُونَ دِينَ الْإِسْلَامِ، فَيَجْتَمِعُونَ عَلَىٰ قَتْلِكَ وَسَفْكِ دَمِكَ وَانْتِهَاكِ حُرْمَتِكَ وَسَبْي ذَرَارِيكَ وَنِسَائِكَ وَانْتِهَابِ ثِقْلِكَ، فَعِنْدَهَا تَحِلُّ بِبَني أُمَيَّةَ اللَّعْنَةُ، وَ تُمْطِرُ السَّمَاءُ رَماداً وَدَماً، وَيَبْكِي عَلَيْكَ كُلُّ شَيْءٍ حَتَّىٰ الْوُحُوش فِي الْفَلَوَاتِ وَالْحِيتَانِ فِي الْبِحَار» [الأمالي: ج1، ص177].

(19) بحار الأنوار: ج28، ص57.

(20) الملهوف في قتلىٰ الطفوف: ص70.

Edit Template
Scroll to Top