مفارقة دخول عبيد الله بن زياد للكوفة بعد مسلم بن عقيل (عليه السلام) بليلة

مفارقة دخول عبيد الله بن زياد للكوفة بعد مسلم بن عقيل بليلة

مفارقة دخول عبيد الله بن زياد للكوفة بعد مسلم بن عقيل (عليه السلام) بليلة

الشيخ مظفر الركابي

تمهيد:

الحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام علىٰ محمد سيد المرسلين وعلىٰ آله الطيبين الطاهرين.

إنَّ هناك بعض الأحداث التاريخية التي تستدعي من الباحث أن يقف عندها ويتأمَّل فيها؛ فبعض الحوادث التاريخية تمر علىٰ القارئ مرور الكرام، وتنقلها سردية الحدث دون أن يلتفت القارئ إلىٰ وجود مفارقة مهمة في ذلك الخبر.

وبعض الحوادث التاريخية يُتعامَل معها بعفوية وسذاجة، من دون الالتفات إلىٰ مكامن الخطر فيها، أو التلاعب في الحدث، ودسٍّ وتزوير.

وهنا تكمن مهمة الباحث الناقد والخبير المتخصِّص؛ إذ يكتشف موضع المفارقة، وزاوية الخلل، والمكان الذي تمَّ فيه التلاعب، فيشخّص ذلك الموضع، ويضع إصبعه علىٰ مكامن الخلل بالنقد والتحليل، ليبدأ بعد ذلك ببيان الحقيقة وكشف ما هو مخفي.

فربما يؤدِّي هذا الكشف إلىٰ هدم أساس ابتُني عليه حدث تاريخي ظلَّ الناس أعواماً يعتقد أنَّ الحقيقة فيه، ليتبيَّن أنَّه الباطل بعينه، وربَّما يزيح الستار عن صورة اعتقد الناس أنَّها صورة البطل، فإذا بهم يكتشفون، بعد أن يرفع البحث الستار عنها، أنَّ هذا البطل لم يكن إلَّا شخصية رسمت ملامحها أقلام المؤرِّخين الذين اشترت السلطة ضمائرهم بالمال؛ فينكشف زيفه، وتتلاشىٰ ألوان الصورة أمام شعاع شمس الحقيقة، ويغدو ما كُتب في الظلام ممحوقاً بنور الحق.

الكلمات المفتاحية: مسلم بن عقيل، عبيد الله بن زياد، الكوفة، التسلسل الزمني، النقد التاريخي.

المقدمة:

من الثابت تاريخياً أنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) رفض بيعة يزيد بن معاوية، حين طلب منه والي المدينة أن يبايعه(1). وبعد رفضه البيعة، قرَّر الإمام الحسين (عليه السلام) التوجُّه إلىٰ مكة. ولما علم شيعته في الكوفة بامتناعه من مبايعة يزيد، أخذوا يكاتبونه ويدعونه إلىٰ القدوم إليهم.

وكان أوَّل كتاب وصل إليه من سليمان بن صرد الخزاعي، والمسيب بن نجمة، ورفاعة بن شداد، وحبيب بن مظاهر، وشيعته من المؤمنين والمسلمين من أهل الكوفة(2).

وقد وصل أوَّل كتاب إليه في العاشر من شهر رمضان سنة ستين للهجرة(3)، ثم توالت عليه الكتب، إلىٰ أن وصل إليه آخر كتاب من شبث بن ربعي، وحجار بن أبجر، ويزيد بن الحارث، ويزيد بن رويم، وعزرة بن قيس، وعمرو بن الحجاج الزبيدي، ومحمد بن عمير التميمي، وجاء فيه: (أما بعد، فقد اخضر الجناب، وأينعت الثمار، وطمت الجمام، فإذا شئت فأقدم علىٰ جند لك مجند، والسلام عليك)(4).

ولما تجمَّعت تلك الكتب عند الإمام الحسين (عليه السلام)، أجاب أصحابها، وأرسل إليهم رسولاً يحمل كتابه، فكتب إليهم مع هاني بن هاني السبيعي، وسعيد بن عبد الله الحنفي، وكان آخر الرسل الذين قدموا عليه، وجاء في كتابه: «بسم الله الرحمن الرحيم من حسين بن علي إلىٰ الملأ من المؤمنين والمسلمين: أمَّا بعد فإنَّ هانئاً وسعيداً قدما عليَّ بكتبكم وكانا آخر من قدم عليَّ من رسلكم، وقد فهمت كلّ الذي اقتصصتم وذكرتم ومقالة جلكم، أنَّه ليس علينا إمام فأقبِل لعلَّ الله أن يجمعنا بك علىٰ الهدىٰ والحق، وقد بعثتُ إليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي، وأمرته أن يكتب إليَّ بحالكم وأمركم ورأيكم، فإن كتب إليَّ أنَّه قد أجمع رأي ملئكم وذوي الفضل والحجىٰ منكم علىٰ مثل ما قدمت عليَّ به رسلكم وقرأت في كتبكم أقدِم عليكم وشيكاً إن شاء الله، فلعمري ما الإمام إلَّا العامل بالكتاب والأخذ بالقسط والدائن بالحقِّ والحابس نفسه علىٰ ذات الله والسلام»(5).

وعلىٰ إثر ذلك، خرج مسلم بن عقيل (عليه السلام) من مكة في الخامس عشر من شهر رمضان سنة ستين للهجرة، ومرَّ بالمدينة لوداع أهله، ثم اصطحب دليلين ليدلاه علىٰ الطريق إلىٰ الكوفة.

وقبل أن أكمل الموضوع، أود أن أوضِّح أنَّ بحثي لا يتعلَّق بسرد الأحداث التاريخية؛ فهذا الأمر تناولته كتب التواريخ التي أرَّخت لتلك الحقبة الزمنية، كما تناولته كتب المقاتل المختصة بمقتل الإمام الحسين (عليه السلام).

وإنَّما يدور الحديث في هذا البحث حول رحلة سفير الإمام الحسين (عليه السلام)، مسلم بن عقيل (عليه السلام)، من خلال أربع نقاط:

النقطة الأولىٰ: تشاؤمه من السفر بعد أن ضلَّ الدليلان الطريق ومات أحدهما، وطلبه من الحسين (عليه السلام) إعفاءه من هذه المهمة.

النقطة الثانية: دخوله إلىٰ الكوفة، وقد سبق عبيد الله بن زياد في وصوله إليها، وهنا تكمن المفارقة العجيبة.

النقطة الثالثة: أسباب تخاذل أهل الكوفة، الذين بايعوه، ثم تركوه وحيداً في نهاية المطاف.

النقطة الرابعة: طلبه من طَوْعَة أن تؤويه.

أمَّا النقطة الأولىٰ: فقد أجاب عنها علماؤنا إجابة وافية في الكتب التي تناولت طلب مسلم بن عقيل من الحسين (عليه السلام) إعفاءه من هذه المهمة(6).

أمَّا النقطة الثانية: فهي محور حديثنا في هذا البحث.

ولنبدأ بالمسعودي (ت 346 هـ) الذي انفرد، فيما وقفت عليه من المصادر التاريخية، بذكر تاريخ وصول مسلم بن عقيل إلىٰ الكوفة، إذ قال: (وقال له [الحسين (عليه السلام)]: «سر إلىٰ أهل الكوفة فإن كان حقًّا ما كتبوا به، عرِّفني حتَّىٰ ألحق بك»، فخرج مسلم من مكة في النصف من شهر رمضان، حتَّىٰ قدم الكوفة لخمس خلون من شوال)(7).

وهنا نتوقَّف قليلاً عند رواية المسعودي، لنتبيَّن مَن وافقه من المؤرِّخين علىٰ أنَّ دخول مسلم بن عقيل إلىٰ الكوفة كان في الخامس من شوال سنة 60هـ.

أوَّلاً: ما قاله أبو مخنف (ت 157 هـ) في مقتل الحسين (عليه السلام):

قال أبو مخنف: (ثم دعا مسلم بن عقيل فسرحه مع قيس بن مسهر الصيداوي، وعمارة بن عبيد السلولي، وعبد الرحمن بن عبد الله بن الكدن الأرحبي، فأمره بتقوىٰ الله وكتمان أمره واللطف، فإن رأىٰ الناس مجتمعين مستوثقين عجل إليه بذلك. فأقبل مسلم حتَّىٰ أتىٰ المدينة، فصلَّىٰ في مسجد رسول الله (صلَّىٰ الله عليه [وآله] وسلم)، وودع من أحب من أهله. ثم استأجر دليلين من قيس، فأقبلا به، فضلَّا الطريق وجارا، وأصابهم عطش شديد، وقال الدليلان: هذا الطريق حتَّىٰ ينتهي إلىٰ الماء، وقد كادوا أن يموتوا عطشاً. فكتب مسلم بن عقيل مع قيس بن مسهر الصيداوي إلىٰ حسين، وذلك بالمضيق من بطن الخبيت: أمَّا بعد، فإنِّي أقبلت من المدينة معي دليلان لي، فجارا عن الطريق وضلَّا، واشتدَّ علينا العطش، فلم يلبثا أن ماتا، وأقبلنا حتَّىٰ انتهينا إلىٰ الماء، فلم ننج إلَّا بخشاشة أنفسنا، وذلك الماء بمكان يدعىٰ المضيق من بطن الخبيت، وقد تطيَّرت من وجهي هذا، فإن رأيت أعفيتني منه وبعثت غيري، والسلام. فكتب إليه حسين: أمَّا بعد فقد خشيت ألَّا يكون حملك علىٰ الكتاب إليَّ في الاستعفاء من الوجه الذي وجهتك له إلَّا الجبن، فامض لوجهك الذي وجهتك له، والسلام عليك.

فقال مسلم لمن قرأ الكتاب: هذا ما لست أتخوفه علىٰ نفسي. فأقبل كما هو حتَّىٰ مرَّ بماء لطيء، فنزل بهم، ثم ارتحل منه، فإذا رجل يرمي الصيد، فنظر إليه قد رمىٰ ظبياً حين أشرف له فصرعه، فقال مسلم: يقتل عدوَّنا إن شاء الله، ثم أقبل مسلم حتَّىٰ دخل الكوفة، فنزل دار المختار بن أبي عبيد، وهي التي تدعىٰ اليوم دار مسلم بن المسيب).

فواضح كلام أبي مخنف لم يذكر تاريخ خروج مسلم، ولا تاريخ دخوله إلىٰ الكوفة.

ومن الواضح أنَّ أبا مخنف لم يذكر تاريخ خروج مسلم بن عقيل من مكة، ولا تاريخ دخوله إلىٰ الكوفة.

ثانياً: ما قاله اليعقوبي (ت 292 هـ):

ذكر اليعقوبي في تاريخه إرسال الإمام الحسين (عليه السلام) مسلم إلىٰ الكوفة، ومبايعة الناس له، ووصول عبيد الله بن زياد إلىٰ الكوفة، من دون أن يحدِّد تاريخ وصول أيٍّ منهما(8).

ثالثاً: ما قال البلاذري (ت 289 هـ):

اختصر البلاذري الخبر فقال: (قالوا: وكان مسلم بن عقيل أرجل ولد عقيل وأشجعها، فقدّمه الحسين بن علي (عليهما السلام) إلىٰ الكوفة حين كاتبه أهلها ودعوه إليها وراسلوه في القدوم ووعدوه نصرهم ومناصحتهم، وذلك بعد وفاة الحسن بن علي، وموت معاوية بن أبي سفيان، وأمره أن يكتم أمره ويعرف طاعة الناس له. فأتىٰ مسلم الكوفة، فنزل دار المختار بن أبي عبيد الثقفي)(9).

وكذلك لم يذكر البلاذري تاريخ خروج مسلم بن عقيل، ولا تاريخ دخوله إلىٰ الكوفة، لكنه وافق أبا مخنف في ذكر نزله دار المختار عند وصوله إليها.

رابعاً: أمَّا الدينوري (ت 282 هـ):

اختصر الدينوري الخبر في سطر ونصف، فقال: (فسار مسلم حتَّىٰ وافىٰ الكوفة، ونزل في الدار التي تعرف بدار المختار بن أبي عبيدة، ثم عرفت اليوم بدار المسيب).

خامساً: ما ذكره الطبري (ت 310 هـ):

قال الطبري بسنده: (قال عمار الدهني: قال: قلت لأبي جعفر: حدّثني بمقتل الحسين حتَّىٰ كأنِّي حضرته. قال: مات معاوية، والوليد بن عتبة بن أبي سفيان علىٰ المدينة، فأرسل إلىٰ الحسين بن علي ليأخذ بيعته، فقال له: أخّرني وارفق. فأخّره، فخرج إلىٰ مكة. فأتاه أهل الكوفة ورسلهم: إنَّا قد حبسنا أنفسنا عليك، ولسنا نحضر الجمعة مع الوالي، فأقدم علينا. وكان النعمان بن بشير الأنصاري علىٰ الكوفة. قال: فبعث الحسين إلىٰ مسلم بن عقيل بن أبي طالب، ابن عمّه، فقال له: سر إلىٰ الكوفة، فانظر ما كتبوا به إليَّ، فإن كان حقًّا خرجنا إليهم. فخرج مسلم حتَّىٰ أتىٰ المدينة، فأخذ منها دليلين، فمرا به في البرية، فأصابهم عطش، فمات أحد الدليلين، وكتب مسلم إلىٰ الحسين يستعفيه، فكتب إليه الحسين أن امض إلىٰ الكوفة. فخرج حتَّىٰ قدمها، ونزل علىٰ رجل من أهلها يقال له ابن عوسجة)(10).

وهنا، في رواية الإمام الباقر (عليه السلام)، لا نجد ذكراً لتاريخ خروج مسلم بن عقيل من مكة، ولا لتاريخ دخوله الكوفة. كما نجد اختلافاً في الرواية عمَّن سبقه؛ إذ تذكر هذه الرواية أنَّه نزل في دار رجل يُدعىٰ ابن عوسجة، ولعلَّ المقصود بذلك مسلم بن عوسجة الأسدي، بدلاً من دار المختار.

سادساً: ما ذكره ابن أعثم الكوفي (ت 314 هـ):

ذكر ابن أعثم الكوفي في كتابه الفتوح وصول كلٍّ من مسلم بن عقيل وعبيد الله بن زياد إلىٰ الكوفة، لكنه لم يذكر تاريخ وصول أيٍّ منهما إليها(11).

سابعاً: ما ذكره البيهقي (ت 320 هـ):

نقل البيهقي الخبر مختصراً، من دون تعليق(12).

وذكر الخبرَ كذلك يزيد بن محمد الأزدي (ت 334 هـ) في ، من دون أن يعلّق عليه(13).

كما أورده أحمد بن محمد الهمذاني (ت 340 هـ)، مختصراً جدًّا في كتابه(14).

وذكره أيضاً الإمام أبو العباس الحسني (ت 353 هـ) مختصراً، من دون أن يذكر تاريخ دخول مسلم إلىٰ الكوفة أو المدة التي أقامها فيها.

وكذلك ذكر أبو حاتم التميمي البستي (ت 354 هـ) خبر دخول عبيد الله بن زياد إلىٰ الكوفة، من دون أن يحدّد تاريخ ذلك، في كتابه المصابيح(15).

وكذلك في كتابه السيرة النبوية وأخبار الخلفاء(16).

ويُفهم من كلامه أنَّ عبيد الله بن زياد بعد أن وصله كتاب يزيد بن معاوية، لكنَّه لم يبيِّن تاريخ وصول رسالة يزيد، ولا تاريخ خروج عبيد الله بن زياد إلىٰ الكوفة.

النتيجة:

يتبيَّن من خلال تتبُّع هذه المصادر أنَّنا لم نعثر فيها علىٰ مصدر يذكر تاريخ دخول مسلم بن عقيل إلىٰ الكوفة، ولا تاريخ دخول عبيد الله بن زياد إليها، والاستثناء الذي وقفنا عليه هو ما ذكره المسعودي في مروج الذهب، إذ حدَّد تاريخ دخول مسلم بن عقيل إلىٰ الكوفة يوم الخامس من شوال سنة (60هـ)(17).

مشكلة البحث:

قال الطبري (ت 310 هـ)، نقلاً عن أبي مخنف، قال: (عن أبي وداك قال: لما نزل القصر [أي: عبيد الله بن زياد]، نودي: الصلاة جامعة. قال فاجتمع الناس فخرج… وأُخبر [عبيد الله بن زياد] أنَّ مسلم بن عقيل قدم قبله بليلة، وأنَّه بناحية الكوفة)(18).

الإشكالية:

كيف وصل عبيد الله بن زياد إلىٰ الكوفة بعد دخول مسلم بن عقيل إليها بليلة واحدة؟!

وقد مرَّ أنَّ مسلم بن عقيل خرج من مكة في يوم الخامس عشر من شهر رمضان، ودخل الكوفة يوم الخامس من شوال، وهو ما ذكره المسعودي، إذ قال: (فأرسل بابن عمِّه مسلم بن عقيل إلىٰ الكوفة، وقال له: سر إلىٰ أهل الكوفة، فإن كان حقًّا ما كتبوا به عرّفني حتَّىٰ ألحق بك، فخرج مسلم من مكة في النصف من شهر رمضان، حتَّىٰ قدم الكوفة لخمس خلون من شوال)(19).

ثم ذكر المسعودي بعد ذلك دخول عبيد الله بن زياد إلىٰ الكوفة، لكنَّه لم يذكر تاريخ خروجه من البصرة ولا تاريخ دخوله الكوفة(20).

ثم قال: (وكان ظهور مسلم بالكوفة يوم الثلاثاء لثمان ليال مضين من ذي الحجة سنة ستين، وهو اليوم الذي ارتحل فيه الحسين من مكة إلىٰ الكوفة، وقيل: يوم الأربعاء، يوم عرفة، لتسع ماضين من ذي الحجة سنة ستين، ثم أمر ابن زياد بجثة مسلم فصلبت، وحمل رأسه إلىٰ دمشق، وهذا أول قتيل صلبت جثته من بني هاشم، وأوَّل رأس حمل من رؤوسهم إلىٰ دمشق)(21).

في حين نجد أنَّ السيد جعفر مرتضىٰ العاملي هو الوحيد، بحسب ما وقفنا عليه، الذي ذكر تاريخاً محدَّداً لدخول عبيد الله بن زياد إلىٰ الكوفة، وذلك فيما نقله عنه الشيخ محمد الريشهري إذ قال: (إنَّ مسيرة [الحسين] (عليه السلام)، من مكة قد بدأ يوم التروية، أي في الثامن من ذي الحجة، بعد وصول ابن زياد إلىٰ الكوفة بحوالي شهر، لأنَّه إنَّما وصلها ابن زياد في العاشر من شهر ذي القعدة، أي قبل أن يقتل مسلم بحوالي شهر كما يفهم من بعض النصوص)(22).

هذا ما فهمه السيد جعفر مرتضىٰ العاملي، من دون أن يستند، بحسب ما يظهر من النص المنقول، إلىٰ نصٍّ يمكن التعويل عليه في تحديد تاريخ دخول عبيد الله بن زياد إلىٰ الكوفة؛ وإنَّما طرح احتمالاً يحتاج إلىٰ دليل يؤيِّده، غير أنَّ السيد جعفر مرتضىٰ العاملي لم يبيِّن لنا الآليات التي اعتمد عليها في ترجيح هذا الاحتمال، ولا النصوص التي استند إليها في تحديد اليوم العاشر من ذي القعدة موعداً لدخول ابن زياد إلىٰ الكوفة، ربَّما اقتنص السيد ذلك من نص نقله البلاذري في أنساب الأشراف سوف نأتي علىٰ ذكره.

والأعجب من ذلك ما ذكره الشيخ محمد هادي اليوسفي الغروي؛ إذ قال بعد ذكر دخول عبيد الله بن زياد إلىٰ الكوفة، وإحضاره العرفاء للقصر، ونقل كلام أبا مخنف: (وأُخبر أنَّ ابن عقيل قد قدم إلىٰ الكوفة قبله بليلة) ناقلاً كلام الطبري عن النميري البصري، كما في تاريخ الطبري(23).

ثم قال الغروي: (فيكون دخول ابن زياد في السادس من شوال، وبقاء مسلم في دار المختار لليلتين أو ثلاث فقط)(24).

وهذا لا يعقل من ناحية تاريخية وعلميّة؛ كيف يكون ذلك، وقد ذكر الغروي في نفس الجزء والصفحة -قبل وريقات من ذلك- عند دخول مسلم بن عقيل إلىٰ الكوفة ونزوله في دار المختار، وأخذت الشيعة تختلف إليه، وعلم به الوالي الأموي في الكوفة النعمان بن بشير، فخطب يوم الجمعة تلك الخطبة التي أبدىٰ فيها ليونةً أو ضعفاً تجاه حركة الشيعة في الكوفة وبيعتها لمسلم؟ فردَّ عليه عبد الله بن مسلم الحضرمي ودار حديث بينه وبينه، وبعد ذلك كتب عبد الله الحضرمي إلىٰ يزيد: (أمَّا بعد؛ فإنَّ مسلم بن عقيل قد قدم الكوفة فبايعته الشيعة للحسين بن علي! فإن كان لك بالكوفة حاجة فابعث إليها رجلاً قويًّا ينفِّذ أمرك ويعمل مثل عملك في عدوّك! فإنَّ النعمان بن بشير رجل ضعيف أو هو يتضعَّف!). ثمّ كتب إليه عمر بن سعد بن أبي وقّاص الزُهري بمثل ذلك. وكان أخو الوليد بن عقبة بن أبي مُعيط الأموي، عُمارة بن عقبة، مقيماً بالكوفة عيناً للشام، فكتب إليه بنحو كتابهما إليه).

قال أبو مخنف: (وخرج عَبْد اللهِ بن مسلم، وكتب إِلَىٰ يَزِيد بن مُعَاوِيَة: أَمَّا بَعْدُ، فإنَّ مسلم بن عقيل قَدْ قدم الْكُوفَة فبايعته الشيعة للحسين بن علي، فإن كَانَ لك بالكوفة حاجة فابعث إليها رجلاً قوياً ينفذ أمرك، ويعمل مثل عملك فِي عدوك؛ فإنَّ النُّعْمَان بن بشير رجل ضعيف، أو هُوَ يتضعف -فكان أوَّل من كتب إِلَيْهِ-، ثُمَّ كتب إِلَيْهِ عمارة بن عُقْبَةَ بنحو من كتابه، ثُمَّ كتب اليه عمر بن سعد ابن أَبِي وَقَّاص بمثل ذَلِكَ…، فلما اجتمعت الكتب عِنْدَ يَزِيد ليس بين كتبهم إلَّا يومان، دعا يَزِيد بن مُعَاوِيَة سرجون مولىٰ مُعَاوِيَة فَقَالَ: مَا رأيك؟ فإنَّ حسيناً قَدْ توجَّه نحو الْكُوفَة، ومسلم بن عقيل بالكوفة يبايع للحسين، وَقَدْ بلغني عن النُّعْمَان ضعف وقول سيئ -وأقرأه كتبهم- فما ترىٰ من استعمل عَلَىٰ الْكُوفَة؟ وَكَانَ يَزِيد عاتباً عَلَىٰ عُبَيْد اللهِ بن زياد، فَقَالَ سرجون: أرأيت مُعَاوِيَة لو نشر لك، أكنت آخذا برأيه؟ قَالَ: نعم، فأخرج عهد عُبَيْد اللهِ عَلَىٰ الْكُوفَة فَقَالَ: هَذَا رأي مُعَاوِيَة، ومات وَقَدْ أمر بهذا الكتاب فأخذ برأيه وضم المصرين إِلَىٰ عُبَيْد اللهِ، وبعث إِلَيْهِ بعهده عَلَىٰ الْكُوفَة ثُمَّ دعا مسلم بن عَمْرو الباهلي -وَكَانَ عنده- فبعثه إِلَىٰ عُبَيْد اللهِ بعهده إِلَىٰ الْبَصْرَة، وكتب إِلَيْهِ مَعَهُ، أَمَّا بَعْدُ، فإنَّه كتب إليَّ شيعتي من أهل الْكُوفَة يخبرونني أنَّ ابن عقيل بالكوفة يجمع الجموع لشقِّ عصا المسلمين، فسر حين تقرأ كتابي هَذَا حتَّىٰ تأتي أهل الْكُوفَة، فتطلب ابن عقيل كطلب الخرزة حتَّىٰ تثقفه، فتوثقه أو تقتله أو تنفيه، والسلام، فأقبل مسلم بن عَمْرو حتَّىٰ قدم عَلَىٰ عبيد اللهِ بِالْبَصْرَةِ، فأمر عُبَيْد اللهِ بالجهاز والتهيؤ والمسير إِلَىٰ الْكُوفَةِ من الغد).

مرَّ علينا أنَّ مسلم بن عقيل دخل إلىٰ الكوفة يوم خمسة شوال، علىٰ قول المسعودي، وأنَّ شيعة بني أُمية كتبوا إلىٰ يزيد بن معاوية يُخبرونه بما يجري في الكوفة.

وكان أوَّل من كتب إليه عبد الله بن مسلم الحضرمي، ثم كتب إليه، بعد بيومين، عمر بن سعد وعمارة بن عقبة.

وبعد أن اختار يزيد عبيد الله بن زياد والياً علىٰ الكوفة، ووصول إليه كتاب يزيد بهذا التكليف، ارتحل ابن زياد من البصرة في اليوم الثاني من وصول الكتاب إليه.

فإذا افترضنا، وفق هذا الحساب، أنَّ ثلاثة أيَّام قد انقضت قبل شروع ابن زياد في رحلته، بصرف النظر عن مدة السفر في ذلك الزمان، وما كانت تستلزمه الرحلة علىٰ الدواب من مشقة، فكم يوم كان يحتاج للوصول إلىٰ الكوفة؟

وعلىٰ هذا، كيف يقول أبو مخنف فيما نقله عنه الطبري: إنَّ ابن زياد دخل في اليوم السادس من شوال؟ إنَّ هذا التاريخ لا يستقيم وفق الحساب الطبيعي للمدة التي يستغرقها السفر بين تلك الأمصار في ذلك الزمان، علىٰ ظهور الدواب.

أمَّا ما ذهب إليه الشيخ محمد هادي اليوسفي الغروي من أنَّ (دخول ابن زياد في السادس من شوال فهو أبعد عن القبول، وأكثر إثارة للأشكال!

وهنا تكمن مشكلة البحث كيف دخل عبيد الله بن يوم السادس من شوال، بعد دخول مسلم بن عقيل إليها بليلة واحدة؟

ولحلِّ هذا الإشكال، يمكن طرح عدَّة احتمالات:

الاحتمال الأوَّل: أن يكون عهد ولاية الكوفة لعبيد الله بن زياد قد صدر في زمن معاوية، وأنَّه ارتحل إليها قبل وفاة معاوية.

وهذا الاحتمال لا يصح؛ لأنَّ النصوص التاريخية السابقة تخالفه، فضلاً عن عدم وجود قول تاريخي معروف يؤيِّده.

الاحتمال الثاني: أن يكون معاوية قد كتب عهد ولاية الكوفة لعبيد الله بن زياد، لكنه لم يرتحل إليها إلَّا بعد تولِّي يزيد الخلافة، حين تقرَّر العمل بذلك العهد، فوصل ابن زياد إلىٰ الكوفة متزامناً مع وصول مسلم بن عقيل إليها.

وهذا الاحتمال، لو صحَّ، لحلَّ الإشكال من حيث المدة الزمنية؛ لكنَّه لا يصح كذلك، إذ لم يثبت بنص تاريخي، ولا يُعرف قائل به.

والسبب في ذلك أنَّ الروايات الصريحة تؤكِّد أنَّ ابن زياد لم يتحرَّك من البصرة إلَّا بعد وصول رسائل أهل الكوفة إلىٰ يزيد، عقب دخول مسلم بن عقيل إليها ومبايعة الناس له، كما مرَّ بنا. وبعد ذلك استشار يزيد سرجون فيمن يولّيه الكوفة بدلاً من النعمان بن بشير، فأشار عليه بعبيد الله بن زياد.

وتذكر الروايات أيضاً أنَّ يزيد كان ناقماً علىٰ عبيد الله بن زياد، وأراد عزله عن ولاية البصرة. فكيف يكون قد أرسله إلىٰ الكوفة قبل تلك الأحداث؟ إنَّ تنصيب عبيد الله بن زياد والياً علىٰ الكوفة لم يتم، وفق هذا التسلسل الروائي، إلَّا بعد وقوع تلك الأحداث.

الاحتمال الثالث: أن يكون دخول عبيد الله بن زياد إلىٰ الكوفة قد وقع في شهر ذي القعدة، إمَّا في العشرة الأولىٰ منه أو في العشرة الأخيرة.

وبناءً علىٰ هذا الاحتمال، تكون المدة الممتدة من كتابة شيعة بني أُمية في الكوفة إلىٰ يزيد، مروراً بكتابة يزيد إلىٰ عبيد الله بن زياد في البصرة، وانتهاءً بسفر ابن زياد من البصرة إلىٰ الكوفة، قد استغرقت خمسة عشر يوماً أو عشرين يوماً.

وبذلك لا نكون مضطرين إلىٰ القول بدخول عبيد الله بن زياد الكوفة بعد دخول مسلم بن عقيل إليها بليلة واحدة؛ وذلك للأسباب التالية:

أوَّلاً: المدة التي استغرقتها مبايعة مسلم بن عقيل في الكوفة:

نحن نسلِّم بدخول مسلم بن عقيل إلىٰ الكوفة في الخامس من شوال، واستقراره في بيت المختار، ثم أخذ الناس يبايعونه حتَّىٰ بلغ عدد من بايعوه، علىٰ أقل تقدير، اثني عشر ألفاً، وعلىٰ أقصىٰ تقدير أربعين ألفاً أو خمسة وأربعين ألفاً. ومن ثمَّ، لا يُعقل أن تكون مبايعته قد تمّت في ليلة واحدة.

ولحساب المدة التي تستغرقها مبايعة ثمانية عشر ألف إنسان لمسلم بن عقيل، إذا افترضنا أنَّ كيفية البيعة كانت عن طريق المصافحة، ينبغي أن نحدِّد الزمن الذي تستغرقه مصافحة الشخص الواحد، ثمَّ نضربه في عدد المبايعين. إلَّا أنَّ ثمة فرقاً بين الحساب النظري والواقع التاريخي؛ إذ قد تستغرق المصافحة ثانيتين أو خمس ثوانٍ أو أكثر، بحسب طريقة المبايعة: هل هي مجرد تلامس الأيدي، أم مصافحة يتخلّلها إقرار بالبيعة أو كلام؟

وهذه المدد محسوبة علىٰ أساس المصافحة المتواصلة، من دون توقّف للراحة أو الصلاة أو الطعام.

النتيجة:

إذا افترضنا أنَّ مصافحة كلّ شخص تستغرق ثلاث ثوانٍ فقط، فإنَّ مسلم بن عقيل يحتاج إلىٰ خمس عشرة ساعة متواصلة لمصافحة ثمانية عشر ألف شخص. وإذا استغرقت المصافحة خمس ثوانٍ لكلِّ شخص، فإنَّه يحتاج إلىٰ خمس وعشرين ساعة، أي أكثر من يوم كامل.

وهنا تبرز ملاحظة تاريخية مهمة؛ إذ إنَّنا، إذا أردنا توظيف هذا الحساب في دراسة مبايعة مسلم بن عقيل في الكوفة، فلابدَّ من التمييز بين ثلاثة أمور:

– هل بايع الناس جميعاً عن طريق المصافحة الفردية بالفعل؟

– هل جرت البيعة في مجلس واحد أم علىٰ مراحل؟

– هل كان العدد المذكور، وهو ثمانية عشر ألفاً، يمثِّل عدد الذين بايعوا بالفعل في وقت محدَّد، أم كان عدداً تراكمياً للذين بايعوا خلال مدة من الزمن؟

فهذا الحساب يبيِّن الزمن اللازم وفق الفرضية المذكورة، لكنَّه لا يثبت وحده استحالة وقوع البيعة؛ إذ قد تكون المبايعة قد تمّت علىٰ مراحل.

يُضاف إلىٰ ذلك أنَّه ليس كل من بايع مسلم بن عقيل كان موجوداً في مركز الكوفة؛ فقد كان بعض الناس في أطرافها وأريافها. وينبغي، مع الأخذ بنظر الاعتبار أنَّ مسلماً نزل، في بداية أمره، في دار المختار، أن نبحث في كيفية تنظيم المبايعة ومكان إجرائها، علىٰ فرض أنَّها تمَّت في تلك الدار. ومن الصعب، وفق الحساب السابق، افتراض أنَّ مبايعة ثمانية عشر ألف شخص قد تمَّت في ليلة واحدة.

إضافةً إلىٰ ذلك، استمرَّت المبايعة حتَّىٰ وصول معقل، جاسوس عبيد الله بن زياد؛ الأمر الذي يضعف فرضية أنَّ البيعة قد تمَّت في ليلة واحدة، ويستدعي إعادة النظر في المدة التي استغرقتها.

ثانياً: المدة اللازمة لتنظيم الأمور وجمع الأموال وتهيئة الجيش:

إنَّ تنظيم الأمور، وجمع الأموال، وتهيئة جيش قوامه أربعة آلاف رجل لمواجهة تحرّك عبيد الله بن زياد، أمورٌ لا يُتصوّر إنجازها في ليلة واحدة.

وبناءً علىٰ ذلك، إذا سلَّمنا بدخول مسلم بن عقيل إلىٰ الكوفة في الخامس من شوال، وبأنَّ عيون بني أُمية كتبوا إلىٰ يزيد بن معاوية يخبرونه بأمر مسلم في الكوفة، فإنَّ السؤال الذي يطرح نفسه هو: كم من الوقت استغرق وصول الرسائل من الكوفة إلىٰ الشام، حتَّىٰ لو افترضنا أنَّها أُرسلت عن طريق البريد؟ وكم يوماً كانت تستغرق هذه الرحلة؟

الجواب:

إنَّ المسافة بين الكوفة ودمشق تقارب تسعمئة إلىٰ تسعمئة وثلاثين كيلومتراً، بحسب الطريق المعتمد. والحصان في السفر الطويل لا يستطيع المحافظة علىٰ سرعة العدو (الجري)، بل يسير في الغالب بمعدل أربعين إلىٰ ستين كيلومتراً يومياً في السفر الاعتيادي، مع فترات الراحة، وقد يصل المعدل إلىٰ سبعين أو تسعين كيلومتراً يومياً إذا كان السفر مستعجلاً، مع تبديل الخيل أو تقليل فترات التوقّف.

وعليه، فإنَّ السفر الاعتيادي قد يستغرق نحو خمسة عشر إلىٰ عشرين يوماً، في حين قد يستغرق سفر الرسول المستعجل أو البريد السريع نحو عشرة إلىٰ أربعة عشر يوماً تقريباً. أمَّا إذا استُخدم نظام البريد الرسمي مع تبديل الخيل في المحطات، كما كان معمولاً به في الدولتين الأُموية والعباسية، فقد يكون من الممكن قطع هذه المسافة في ستة إلىٰ ثمانية أيام في الظروف المثالية؛ لأنَّ الفارس لا يبقىٰ علىٰ الجواد نفسه طوال الطريق، بل يبدّل الخيل في محطات البريد.

إذن إذا افترضنا أنَّ الرسائل وصلت عن طريق البريد في ستة أيام، وهي المدة الدنيا التي نحتملها وفق هذا التقدير، أمكننا أن نقيس علىٰ ذلك المدة اللازمة لقطع المسافة بين الشام والبصرة، ثم بين البصرة والكوفة.

أمَّا المسافة البرية الحديثة بين دمشق والبصرة، فتقارب ألفاً وثلاثمئة وخمسة وأربعين إلىٰ ألف وثلاثمئة وخمسة وستين كيلومتراً تقريباً، في حين تبلغ المسافة المستقيمة نحو ألف ومئة إلىٰ ألف ومئة وخمسة وثلاثين كيلومتراً. ووفق التقدير السابق، قد يستغرق السفر بنظام البريد نحو خمسة إلىٰ سبعة أيام، بحسب الطريق والظروف.

وأمَّا المسافة البرية بين البصرة والكوفة، فتقارب أربعمئة وثلاثين كيلومتراً، وهي مسافة قريبة من الطريق التاريخي بين المدينتين.

وبالاعتماد علىٰ السرعات التي يذكرها الباحث (آدم سلفرستاين) لنظام البريد الإسلامي، كان البريد يستطيع، في الظروف الاعتيادية، نقل الرسائل بسرعة تتراوح بين ثلاثمئة وثلاثمئة وستين كيلومتراً يومياً، وقد تقع حالات استثنائية أسرع من ذلك، لكنَّها لا تمثِّل المعدل المعتاد.

ثالثاً: المدة الإجمالية لتحرُّك عبيد الله بن زياد من البصرة إلىٰ الكوفة:

إذا جمعنا المدد المفترضة لتنقُّل الرسائل بين الكوفة والشام، ثمّ انتقال القرار إلىٰ البصرة، ثمّ تحرّك عبيد الله بن زياد من البصرة إلىٰ الكوفة، أمكننا تقدير المدة الإجمالية التي استغرقتها هذه الأحداث.

وبناءً علىٰ الحساب السابق، يمكن افتراض أنَّ مجموع هذه الأحداث استغرق أربعة عشر يوماً علىٰ أقلِّ تقدير، الأمر الذي يجعل دخول عبيد الله بن زياد إلىٰ الكوفة في العشرة الأخيرة من شهر شوال احتمالاً وارداً.

أمَّا إذا أخذنا بالسفر الاعتيادي علىٰ الدواب، من دون الاعتماد علىٰ البريد الرسمي السريع، فإنَّ التنقّلات بين الكوفة والشام والبصرة، ثمّ العودة إلىٰ الكوفة، قد تستغرق من شهر إلىٰ خمسين يوماً، بحسب الطرق وظروف السفر وسرعته.

وهذا التقدير يجعل وصول عبيد الله بن زياد إلىٰ الكوفة في شهر ذي القعدة احتمالاً وارداً أيضاً، سواء في العشرة الأولىٰ منه أم في العشرة الأخيرة، بحسب المدد التي نفترضها لكلِّ مرحلة من مراحل الرحلة.

ومن ثمَّ، فإنَّ إعادة النظر في التسلسل الزمني للأحداث، مع مراعاة المسافات ووسائل النقل وسرعة البريد، قد تفتح المجال لمناقشة التاريخ الذي وصل فيه عبيد الله بن زياد إلىٰ الكوفة، ومدىٰ انسجام الروايات التاريخية مع المدد التي يحتملها السفر.

وهذا يتوافق، من حيث احتمال تأخُّر وصول عبيد الله بن زياد إلىٰ الكوفة، مع ما ذهب إليه السيد جعفر مرتضىٰ العاملي، إلَّا أنَّه -بحسب ما اطَّلعت عليه من طرحه- احتمل ذلك من دون أن يقدّم دليلاً تاريخياً أو حساباً علمياً مفصّلاً يثبت هذه المدة.

يُضاف إلىٰ تلك المعلومات ما يأتي:

1- ما ذكره البلاذري:

قال البلاذري: (وكتب الحسين حين بلغ الحاجر مع قيس بن مسهر الصيداوي من بني أسد إلىٰ أهل الكوفة: أمَّا بعد، فإنَّ كتاب مسلم بن عقيل جاءني يخبرني فيه بحسن رأيكم، واجتماع ملئكم علىٰ نصرنا، والطلب بحقِّنا، فأثابكم الله علىٰ ذلك أعظم الأجر، فاكمشوا أمركم، وجدّوا فيه، فإنِّي قادم عليكم في أيَّامي، إن شاء الله، والسلام).

وكان مسلم قد كتب إليه قبل أن يُقتل ببضع وعشرين ليلة: (أمَّا بعد، فإنَّ الرائد لا يكذب أهله، وإنَّ جميع أهل الكوفة معك، فأقبل حين تنظر في كتابي)(25).

وهنا يبرز تساؤل تاريخي مهم: كيف يمكن الجمع بين وصول مسلم بن عقيل إلىٰ الكوفة، ثم دخول عبيد الله بن زياد إليها بعده بليلة واحدة، إذا أخذنا بنظر الاعتبار المدة التي استغرقها وصول أخبار الكوفة إلىٰ يزيد بن معاوية، ثم صدور أمره إلىٰ عبيد الله بالمسير إليها، فضلاً عن المسافة التي تفصل البصرة عن الكوفة؟

2- ما ذكره الطبري:

قال الطبري: (فلما اجتمعت الكتب عند يزيد ليس بين كتبهم إلَّا يومان، دعا يزيد بن معاوية سرجون… فأقبل مسلم بن عمرو حتَّىٰ قدم علىٰ عبيد الله بالبصرة، فأمر عبيد الله بالجهاز والتهيؤ والمسير إلىٰ الكوفة من الغد).

ويُلاحظ أنَّ هذا النص، عند تتبُّع مراحله الزمنية، يشتمل علىٰ مدد متعاقبة، تبدأ باجتماع الكتب عند يزيد، ثم استدعاء سرجون، وما تلاه من إرسال مسلم بن عمرو إلىٰ عبيد الله بن زياد في البصرة، وانتهاءً بأمر عبيد الله بالتجهّز للمسير إلىٰ الكوفة في اليوم التالي.

وعليه، يبرز الإشكال الآتي: كيف أمكن لعبيد الله بن زياد أن يدخل الكوفة بعد مسلم بن عقيل بليلة واحدة، مع أن تسلسل الأحداث الوارد في الرواية يقتضي احتساب مدة إضافية لهذه الإجراءات، فضلاً عن مدة السفر من البصرة إلىٰ الكوفة؟

3- ما ذكره البلاذري بشأن وسيلة انتقال عبيد الله بن زياد:

قال البلاذري: (لما بلغ عبيد الله بن زياد، وعبيد الله بن زياد بالبصرة، مسير الحسين بن علي من الحجاز يريد الكوفة، خرج علىٰ بغاله هو واثنا عشر رجلاً حتَّىٰ قدم الكوفة)(26).

ويستدعي هذا النص التوقُّف عند مسألة وسيلة النقل التي استخدمها عبيد الله بن زياد، إذ يذكر البلاذري أنَّه خرج علىٰ بغاله، مصطحباً اثني عشر رجلاً. ومن هنا يبرز السؤال: هل كان من الممكن أن يقطع عبيد الله بن زياد المسافة بين البصرة والكوفة في المدة الزمنية التي تقتضيها الروايات التاريخية؟

رابعاً: هل يمكن للبغل أن يقطع المسافة بين البصرة والكوفة في يوم واحد؟

إذا أخذنا تقديراً محافظاً لسرعة البغل، فلا يصح تاريخياً الجزم بإمكان قطعه المسافة بين البصرة والكوفة في نحو سبع عشرة ساعة لمجرَّد أنَّ سرعته القصوىٰ قد تبلغ 24 كيلومتراً في الساعة؛ إذ إنَّ السرعة القصوىٰ التي يمكن بلوغها في فترة قصيرة لا تمثِّل بالضرورة سرعة يمكن المحافظة عليها طوال رحلة تمتد مئات الكيلومترات.

والمهم هنا هو التمييز بين السرعة القصوىٰ للحيوان والسرعة الفعلية التي يمكنه المحافظة عليها خلال رحلة طويلة، مع احتساب فترات الراحة، وطبيعة الطريق، وحالة الحيوان، والظروف البيئية المحيطة به.

وللمقارنة، تذكر إحدىٰ الروايات التاريخية أنَّ بلال بن أبي بردة قطع الطريق من البصرة إلىٰ الكوفة في ليلة ويومها، أي في مدة تقارب أربعاً وعشرين ساعة. غير أنَّ وسيلة النقل المذكورة في هذه الواقعة ليست البغل، بل (الجمازة)، وهي الناقة السريعة. وقد وقعت الحادثة في سنة 120هـ/738م، بحسب ما ورد في الخبر المشار إليه.

ولا يصح، مع ذلك، اتِّخاذ هذه الواقعة دليلاً مباشراً علىٰ قدرة البغل علىٰ قطع المسافة نفسها في المدة ذاتها؛ لاختلاف وسيلة النقل، فضلاً عن ضرورة التحقق من ظروف الرحلة ومدىٰ انطباقها علىٰ حالة عبيد الله بن زياد.

أمَّا المسافة الحديثة عبر الطريق البري بين البصرة والكوفة، فتبلغ نحو 433 كيلومتراً، وهي مسافة قريبة من التقديرات التي تتجاوز 400 كيلومتر للمسار البري بين المدينتين. ومع ذلك، ينبغي التمييز بين المسافة الحديثة التي تسلكها الطرق الحالية والمسافة التاريخية الفعلية، التي تتوقَّف علىٰ الطريق الذي كان متاحاً آنذاك.

خامساً: الطرق القديمة بين الكوفة ودمشق وأثرها في حساب مدد السفر:

سأعرض المسألة من زاوية جغرافية وتاريخية، مع التمييز بين الطريق الذي تسلكه القوافل المحمّلة، والطريق الصحراوي المختصر، وطريق البريد الذي يعتمد علىٰ سرعة الانتقال وإمكان تبديل الدواب. ويكتسب هذا التمييز أهمية خاصة عند دراسة أخبار العصر الأموي، ولا سيما انتقال الرسل والكتب بين الكوفة ودمشق.

أوَّلاً: الطرق القديمة بين الكوفة ودمشق:

كانت هناك مسالك متعددة تصل العراق ببلاد الشام، تختلف باختلاف الوجهة والمنازل ومحطات الماء، ويمكن إجمالها في ثلاثة مسارات رئيسية:

1- طريق البادية:

يتَّجه هذا الطريق من الكوفة غرباً عبر المنازل الصحراوية، مارًّا بالحيرة والقطقطانة، ثم الأبيض والحوشي والجمع والخطي والجبة والساعدة والبقيعة والأعناك وأذرعات، وصولاً إلىٰ دمشق، وفق تسلسل المنازل الوارد في بعض المصادر الجغرافية.

ويُعد هذا المسار من الطرق التي ينبغي مراعاتها عند دراسة حركة الرسل والبريد؛ غير أنَّ سلوكه يتطلَّب معرفة بالمنازل الصحراوية ومواضع الماء، كما أنَّ تحديد المسافة الفعلية ومدّة الرحلة يتوقفان علىٰ المسار المعتمد ومحطات التوقُّف.

2- طريق الفرات:

يتَّجه هذا المسار شمالاً وغرباً بمحاذاة الفرات، مستفيداً من المدن والقرىٰ ومصادر المياه الممتدة علىٰ طول النهر، ثم يتَّصل بالطرق المؤدِّية إلىٰ بلاد الشام ودمشق.

وقد يكون هذا الطريق أنسب لبعض القوافل التي تحتاج إلىٰ الماء والمؤن، إلَّا أنَّ ذلك لا يعني بالضرورة أنَّه كان المسار الأقصر أو الأسرع في جميع الأحوال.

3- طريق الشمال وبلاد الجزيرة:

يتَّجه هذا المسار نحو الموصل، ثم يعبر مناطق الجزيرة الفراتية باتِّجاه حلب وحمص، ومنها إلىٰ دمشق، بحسب الطريق المتَّبع.

وهو مسار يمر بمناطق مأهولة ومحطات متعدِّدة، وقد يكون أطول من بعض مسارات البادية، إلَّا أنَّ تحديد الفارق في المسافة والمدة يحتاج إلىٰ مقارنة جغرافية دقيقة بين الطرق ومنازلها.

ومن المصادر الجغرافية القديمة المهمة في دراسة هذه المسالك كتاب المسالك والممالك لابن خرداذبه، لما يتضمَّنه من معلومات عن الطرق والمنازل. وينبغي الرجوع إلىٰ نصه مباشرة للتحقُّق من تسلسل المنازل والمسافات المنقولة عنه، وعدم نسبة تفاصيل محددة إليه إلَّا بعد مقابلة النص.

ثانياً: كم تستغرق الرحلة بالإبل؟

تختلف مدة الرحلة باختلاف المسافة، وطبيعة الطريق، وحمولة الراكب، وحالة الإبل، وتوافر الماء، وعدد ساعات السير يومياً، ومدىٰ الحاجة إلىٰ التوقُّف.

ولأغراض التقدير الأولي، يمكن اعتماد مسافة تقارب 900-950 كيلومتراً لطريق البادية المختصر بين الكوفة ودمشق، مع التنبيه إلىٰ أنَّ المسافة الفعلية تختلف باختلاف المنازل والمسار المختار. وقد أوردت إحدىٰ الدراسات المعاصرة لطريق البادية تقديراً يقارب 923 كيلومتراً بين المدينتين.

لكن لا ينبغي تحويل هذا التقدير إلىٰ مدة سفر قطعية من دون تحديد متوسط سرعة القافلة، وعدد ساعات السير اليومية، ومقدار التوقف للراحة والتزوّد بالماء. كما ينبغي التفريق بين رحلة القافلة العادية ورحلة الرسول المستعجلة ورحلة البريد الذي تتوافر له وسائل تتيح تسريع انتقال الأخبار.

الخلاصة التاريخية:

إنَّ المقارنة بين الروايات التي تحدِّد توقيت دخول مسلم بن عقيل إلىٰ الكوفة، والروايات التي تتحدَّث عن تحرُّك عبيد الله بن زياد من البصرة إليها، تثير إشكالاً زمنياً يستحق الدراسة.

غير أنَّ حسم هذا الإشكال لا يتوقَّف علىٰ سرعة البغل وحدها، بل يتطلَّب أوَّلاً ضبط تسلسل الأحداث، والتحقُّق من دلالة العبارات الزمنية الواردة في المصادر، ثم تقدير مدة الرحلة وفق المسافة والطريق ووسيلة النقل.

ومن ثمَّ، فإنَّ اختلاف الروايات أو صعوبة التوفيق بينها لا يبرران وحدهما الجزم باستحالة وقوع أحد الأحداث؛ بل يقتضيان مقابلة النصوص التاريخية بعضها ببعض، وفحص أسانيدها وسياقاتها، والتمييز بين ما تنص عليه المصادر صراحةً وما يُستنتج منها استنتاجاً.

معدل السير اليومي المفترض لقطع 923 كم

معدل السير اليومي المفترض

الأيام

30كم يومياً

نحو 31 يوماً

40كم يومياً

نحو 23 يوماً

50كم يومياً

نحو 19 يوماً

60كم يومياً

نحو 15 – 16 يوماً

 

 

هذه أرقام حسابية تقديرية وليست مُدَداً ثابتة أثبتتها رواية تاريخية بعينها، ولرحلة عادية علىٰ الإبل، مع التوقفات والراحة، أرىٰ أنَّ نحو 20-30 يوماً تقدير أوَّلي معقول لطريق البادية، بحسب الظروف، أمَّا القافلة الكبيرة أو الطريق الأطول فقد تحتاج إلىٰ مدة أكبر، ومن المهم ألا نخلط بين سير الإبل المحمّلة بالأمتعة وبين سير راكب منفرد علىٰ ناقة سريعة؛ فهما حالتان مختلفتان من حيث السرعة والتحمُّل.

ثالثاً: كم تستغرق الرحلة علىٰ البريد؟

كان البريد في الدولة الإسلامية جهازاً رسمياً لنقل الرسائل والأخبار بين الخليفة والولاة، ولم يكن مجرَّد مسافر يسرع بناقته؛ فقد اعتمد علىٰ الرُسل والدواب ومحطات تبديل وسائل الركوب.

ويذكر الباحث (كليفورد إدموند بوسورث): أنَّ البريد الإسلامي استخدم البغال والخيل والإبل، وأنَّ محطاته كانت موزَّعة علىٰ الطرق لتسهيل انتقال المراسلات.

ويذكر (آدم سيلفرستين): في دراسته المتخصصة أنَّ البريد المنظم كان قادراً، وفق تقديرات تاريخية، علىٰ نقل الرسائل لمسافات تبلغ نحو 300-360 كم خلال 24 ساعة في بعض الحالات، مع التحذير من اعتبار هذه السرعات الاستثنائية معدلاً يومياً مضموناً. إذا افترضنا أنَّ المسافة 923 كم، فستكون النتائج الحسابية كالآتي:

معدل قطع المسافة

الزمن النظري

كم يومياً 150

أيام6

 200 كم يومياً

4 أيام ونصف

300 كم يومياً

3 أيام

360 كم يومياً

يومين ونصف

 

 

التقدير العملي الذي أقترحه: نحو أربعة إلىٰ سبعة أيَّام لرسول رسمي سريع يسلك طريقاً مجهزاً بمحطات ودواب بديلة، مع احتمال أن تقل المدة أو تزيد بحسب الظروف. أمَّا قطع المسافة في يومين أو ثلاثة، فهو فرضية تفترض سرعة عالية، ولا يصح اعتمادها مدةً معتادةً من دون دليل خاص.

رابعاً: ما أهمية ذلك في البحث التاريخي؟

إذا أردنا تقدير المدة التي يحتاج إليها رسول للتنقل بين الكوفة ودمشق، ثم العودة إلىٰ الكوفة، في أحداث سنة 61هـ، فلابدَّ من التفريق بين ثلاثة سيناريوهات:

السيناريو الأوَّل: المسافر العادي:

وهو الذي يقطع المسافة علىٰ ناقته بمعدل يتراوح بين 20 و30 كيلومتراً يومياً، بحسب الطريق المختصر ومعدل السير المفترض.

وبناءً علىٰ ذلك، فإنَّ دخول عبيد الله بن زياد إلىٰ الكوفة يكون، وفق هذا التقدير، إمَّا في الخامس والعشرين من شوال، أو في الأيام العشرة الأولىٰ من شهر ذي القعدة.

السيناريو الثاني: المسافر المستعجل:

وهو الذي يقطع المسافة علىٰ دابة واحدة، وقد يتمكن من اجتياز الطريق بسرعة تفوق سرعة القافلة، إلَّا أنَّ سرعته تبقىٰ مرتبطة بقدرة الدابة علىٰ مواصلة السير، وبمدىٰ حاجتها إلىٰ الراحة والإمدادات. ولذلك، فإنَّ افتراض قطع المسافة في مدة قصيرة جداً يظل بحاجة إلىٰ دليل تاريخي يؤيِّده، ولا يمكن اعتماده من دون قرائن.

السيناريو الثالث: المسافر ضمن نظام البريد:

وهو الذي يستفيد من نظام البريد وتبديل الدواب، فيقطع الطريق في عدَّة أيام، تتراوح تقديراً بين أربعة وسبعة أيام، ولا سيما إذا توافرت المحطات والإمدادات اللازمة.

غير أنَّ هذا التقدير لا يتوافق مع الرواية التاريخية التي تفيد بأنَّ عبيد الله بن زياد دخل الكوفة بعد دخول مسلم بن عقيل إليها بليلة واحدة فقط، كما أوضحنا عند استعراض النصوص التاريخية المتقدمة.

الخاتمة:

نخلص، من خلال مجمل البحث، إلىٰ أنَّ فرضية دخول عبيد الله بن زياد إلىٰ الكوفة بعد دخول مسلم بن عقيل إليها بليلة واحدة تبدو متعذرة من الناحية العملية، وفق التقديرات الزمنية التي عرضناها. أمَّا ما ذكره أبو مخنف في مقتل الحسين (عليه السلام)، فيحتمل أن يكون ناشئاً عن اشتباه في نقل الخبر، أو عن سهو وقع من النساخ عند نسخه. ويحتمل أيضاً أن يكون أبو مخنف قد أورد الخبر ضمن سياق سرده للأحداث، من دون أن يكون قد تحقَّق من جميع تفاصيله الزمنية.

وأمَّا نقل الطبري لهذا الخبر، فيحتمل أن يرد عليه ما احتملناه في نقل أبي مخنف، ولا سيما إذا كان الطبري قد اعتمد عليه في رواية هذه الحادثة. وأمَّا الشيخ محمد هادي الغروي، فقد نقل النص في موسوعة التاريخ الإسلامي علىٰ النحو المذكور، ومع ما تقدَّم من مناقشة زمنية، نرىٰ أنَّ في نقله أو تقريره لهذه المسألة موضعاً يحتاج إلىٰ إعادة نظر، ولعلَّ ذلك من قبيل السهو في التعبير أو التقدير.

وعلىٰ العموم، فإنَّ الراجح لدىٰ الباحث، في ضوء المعطيات التي تناولها هذا البحث، أنَّ دخول عبيد الله بن زياد إلىٰ الكوفة يمكن تقديره ضمن المدة الممتدة من أواخر شهر شوال إلىٰ شهر ذي القعدة؛ فتكون نهاية شوال حدًّا أدنىٰ محتملاً، وبداية ذي القعدة تقديراً متوسطاً، ومنتصف ذي القعدة حدًّا أعلىٰ محتملاً.

ويبقىٰ هذا الترجيح تقديراً تاريخياً يحتاج إلىٰ الموازنة بين الروايات ومناقشة أسانيدها وطرق انتقالها، فضلاً عن اختبار مدىٰ توافقها مع المعطيات الجغرافية والزمنية.

والحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّىٰ الله علىٰ محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين.

 

 

 

 

الهوامش:


(1) مقتل أبي مخنف: ص5.

(2) تاريخ الطبري: ج5، ص352.

(3) تاريخ الطبري: ج5، ص352.

(4) الأخبار الطوال: ص229.

(5) تاريخ الطبري: ج5، ص354، الكامل في التاريخ: ج2، ص534، أنساب الأشراف: ج3، ص370.

(6) انظر: موسوعة الإمام الحسين (عليه السلام) في الكتاب والسُنَّة، الشيخ محمد الريشهري: ج3، ص55.

(7) مروج الذهب: ج3، ص54.

(8) تاريخ اليعقوبي: ج2، ص242.

(9) أنساب الأشراف: ج2، ص77.

(10) تاريخ الطبري: ج4، ص258.

(11) الفتوح: ج5، ص32.

(12) المحاسن والمساوئ: ص50-51.

(13) تاريخ الموصل: ص94-95.

(14) البلدان: ص219.

(15) ص361-362.

(16) ج2، ص555-557.

(17) مروج الذهب: ج3، ص54.

(18) تاريخ الطبري: ج4، ص268.

(19) مروج الذهب: ج3، ص54.

(20) مروج الذهب: ج3، ص57.

(21) مروج الذهب: ج3، ص60.

(22) الحسين في الحديث والتاريخ: ج12، ص209.

(23) ج5، ص360.

(24) موسوعة التاريخ الإسلامي: ج٦، ص٧٨، نقلاً عن تاريخ الطبري: ج٥، ص٣٥٥ عن أبي مخنف، والإرشاد: ج٢، ص٤١-٤٢.

(25) أنساب الأشراف: ج3، ص378.

(26) أنساب الأشراف: ج2، ص335-344.

Scroll to Top