الإمام الحسن (عليه السلام) من الصلح إلى الثورة

الامام الحسن (ع) من الصلح إلى الثورة

المقدمة:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام علىٰ سيّدنا محمّد وعلىٰ أهل بيته الطيّبين الطاهرين، وعلىٰ الإمامين الحسنين (عليهما السلام).

إنَّ أهل البيت (عليهم السلام) هم الامتداد الأصيل للرسالة المحمّدية، وقد اصطفاهم الله تعالىٰ لحفظ الدين وصيانة شريعته، وجعلهم حججاً علىٰ خلقه، وأوجب طاعتهم والتمسّك بولايتهم، وأناط بهم بيان معالم الشريعة وحفظها من التحريف والانحراف. ومن مقتضىٰ مقام الإمامة أن تكون مواقفهم نابعةً من التكليف الإلهي، ومتّجهةً نحو غايةٍ واحدة لا تتبدَّل، هي حفظ الإسلام، وصيانة شريعته، والدفاع عن مبادئه، ومواجهة الانحراف بالأسلوب الذي تقتضيه ظروف كلّ مرحلة وملابساتها.

وعلىٰ هذا الأساس، لا يصحّ النظر إلىٰ اختلاف مواقف الأئمة (عليهم السلام) بمعزلٍ عن اختلاف الظروف والأوضاع التي أحاطت بهم؛ فإنَّ وحدة المبدأ والغاية لا تستلزم وحدة الموقف والأسلوب، بل قد يقتضي التكليف الإلهي في ظرفٍ الصبرَ والصلحَ إذا كان ذلك أحفظَ للدين وأدفعَ لمفسدةٍ أعظم، وقد يقتضي في ظرفٍ آخر القيامَ والمواجهةَ إذا أصبح السكوت مؤدّياً إلىٰ طمس معالم الرسالة وتثبيت الانحراف.

ومن هنا، فإنَّ صلح الإمام الحسن (عليه السلام) ونهضة الإمام الحسين (عليه السلام)، وإن اختلفا في الصورة والظرف والأسلوب، فإنَّهما يلتقيان في المنطلق والغاية، ويصدران عن مقامٍ إماميٍّ واحد، هو القيام بحفظ الدين وأداء ما تقتضيه الرسالة في كلِّ ظرف.

وقد تناولت جملةٌ من الكتب والدراسات سيرة الإمام الحسن (عليه السلام) وصلحه، ومن ذلك كتاب سيرة أهل البيت (عليهم السلام) للشيخ باقر شريف القرشي، وكتاب سيرة الأئمة (عليهم السلام) للشيخ جعفر السبحاني، فضلاً عن دراساتٍ تحليليةٍ تناولت صلح الإمام الحسن (عليه السلام) من حيث ظروفه وملابساته ونتائجه، إلَّا أنَّ هذا البحث يتناول العلاقة بين صلح الإمام الحسن ونهضة الإمام الحسين (عليهما السلام)، وما يثار في ذلك من إشكالٍ بشأن اختلاف موقف الإمامين، مع وحدة مقام الإمامة والمبدأ والغاية.

ومن ثمّ، يسعىٰ البحث إلىٰ بيان وجه الانسجام بين الموقفين، والكشف عن الأُسس التي تكشف عن تكاملهما في مسيرةٍ رساليةٍ واحدة، علىٰ الرغم من اختلاف الظروف والمعطيات التي أحاطت بكلٍّ منهما.

ومن هنا، يقع الكلام في حقيقة العلاقة بين صلح الإمام الحسن ونهضة الإمام الحسين (عليهما السلام): هل يمثِّل كلٌّ منهما موقفاً مستقلاً عن الآخر، بحيث يبدو بينهما اختلافٌ في المنهج والموقف، أم أنَّهما موقفان متكاملان في مسيرةٍ واحدة، صدرا عن إمامين اتَّحدا في مقام الإمامة، واجتمعا في المبدأ والغاية، وإن اختلفت الظروف التي أوجبت لكلٍّ منهما موقفه؟ فإنَّ اختلاف الموقف في مواجهة الانحراف لا يكشف عن اختلافٍ في أصل المنهج الرسالي، ما دام كلّ موقفٍ قد صدر عن مقتضىٰ التكليف وحفظ الدين؛ فقد يكون الصلح هو الطريق إلىٰ حفظ الإسلام في ظرف، وتكون المواجهة والقيام هما الطريق إلىٰ حفظه في ظرفٍ آخر.

وقد قرَّر القرآن الكريم أصل مشروعية السلم إذا اقتضته المصلحة، فقال تعالىٰ: ﴿وَ إِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَ تَوَكَّلْ عَلَىٰ اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (الأنفال: 61)، فالصلح في منطق الشريعة وسيلةٌ لحفظ المصلحة ودفع مفسدةٍ أعظم، كما أنَّ القيام قد يكون هو المتعيّن إذا أصبح السكوت موجباً لضياع الدين أو تثبيت الانحراف.

ويهدف هذا البحث إلىٰ بيان الأُسس التي يُفهم بها موقف الإمام الحسن (عليه السلام) وظروف صلحه، وأثر شروطه في حفظ الدين وأهله، وكشفه حقيقة المشروع الأموي، ثم النظر في مرحلة الإمام الحسين (عليه السلام) وما طرأ فيها من تغيُّر، للوصول إلىٰ أنَّ الموقفين متكاملان، وكلٌّ منهما أداءٌ للتكليف في ظرفه الخاص.

ويجري الكلام في خمسة جهات:

الجهة الأولىٰ: وحدة الإمامة وتعدّد أساليب أداء التكليف.

الجهة الثانية: الموانع الواقعية أمام استمرار المواجهة.

الجهة الثالثة: السياسة الشرعية وشروط الصلح ودلالاتها.

الجهة الرابعة: انكشاف حقيقة المشروع الأموي.

الجهة الخامسة: من صلح الإمام الحسن إلىٰ نهضة الإمام الحسين (عليهما السلام).

ثم الخاتمة.

أمَّا الجهة الأولىٰ: وحدة الإمامة وتعدُّد أساليب أداء التكليف:

الكلام فيها في بيان الأصل الذي يجب أن يكون حاكماً علىٰ فهم مواقف الأئمة (عليهم السلام)، وهو أنَّ اختلاف صورة العمل لا يستلزم اختلاف الغاية، ما دام الإمام قائماً بوظيفة الإمامة.

فالأئمة الاثنا عشر، من الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) إلىٰ الإمام الحجّة بن الحسن (عجّل الله تعالىٰ فرجه الشريف)، منصوبون من قبل الله تعالىٰ، معصومون عن الخطأ والزلل، لا يصدر عنهم ما يخالف التكليف، ولا يسلكون إلَّا ما أراده الله تعالىٰ لهم من طريقٍ في حفظ الدين وهداية الأُمَّة، فما يقع منهم من قولٍ أو فعلٍ ليس صادراً عن تقديرٍ شخصيٍ منفصلٍ عن مقام الإمامة.

والكلام في صلح الإمام الحسن (عليه السلام) وقيام الإمام الحسين (عليه السلام) إنّما يجري علىٰ هذا الأصل؛ فإنَّهما إمامان معصومان منصوبان من الله تعالىٰ، وما صدر عنهما كان أداءً لوظيفة التكليف في مرحلتهما، لا عن اختيارٍ شخصيٍّ منفصلٍ عن الأمر الإلهي.

فالسؤال عن سبب اختيار الإمام الحسن (عليه السلام) الصلح، مع قيام الإمام الحسين (عليه السلام) بعد ذلك، لا يصحّ أن يُبنىٰ علىٰ افتراض أنَّ أحد الموقفين كان أقرب إلىٰ الحق من الآخر، أو أنَّ أحدهما كان أشدّ شجاعةً؛ فإنَّ هذا النوع من المقارنة لا يلحظ حقيقة التكليف، ولا يلتفت إلىٰ مقام العصمة وكون فعلهما صادراً عن أمر الله تعالىٰ.

فالمدار في مقام الإمامة علىٰ أداء الوظيفة التي اقتضاها التكليف، سواء كانت الوظيفة قياماً أو قعوداً، حرباً أو هدنةً، إعلاناً للموقف أو صبراً عليه، وقد وردت عن أهل البيت (عليهم السلام) روايات تبيِّن أنَّ أفعال الأئمة (عليهم السلام) كانت مرتبطةً بالعهد والتكليف الإلهي، وأنَّ الإمام لا يتجاوز ما أُمر به.

ومن أوضح هذه الروايات ما رواه الكليني في الكافي عن أبي جميلة، عن معاذ بن كثير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «إنَّ الوصية نزلت من السماء علىٰ محمد كتابا، لم ينزل علىٰ محمد (صلَّىٰ الله عليه وآله) كتاب مختوم إلَّا الوصية، فقال جبرئيل (عليه السلام):

يا محمد هذه وصيتك في أُمَّتك عند أهل بيتك، فقال رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله): أي أهل بيتي يا جبرئيل؟ قال: نجيب الله منهم وذريته، ليرثك علم النبوة كما ورثه إبراهيم (عليه السلام) وميراثه لعلي (عليه السلام) وذريتك من صلبه، قال: وكان عليها خواتيم، قال: ففتح علي (عليه السلام) الخاتم الأوَّل ومضىٰ لما فيها ثم فتح الحسن (عليه السلام) الخاتم الثاني ومضىٰ لما أمر به فيها، فلما توفي الحسن ومضىٰ فتح الحسين (عليه السلام) الخاتم الثالث فوجد فيها أنَّ قاتل فاقتل وتقتل واخرج بأقوام للشهادة، لا شهادة لهم إلَّا معك، قال: ففعل (عليه السلام)، فلما مضىٰ دفعها إلىٰ علي بن الحسين (عليهما السلام) قبل ذلك، ففتح الخاتم الرابع فوجد فيها أن اصمت وأطرق لما حجب العلم، فلما توفي ومضىٰ دفعها إلىٰ محمد بن علي (عليهما السلام)، ففتح الخاتم الخامس فوجد فيها أن فسر كتاب الله تعالىٰ وصدق أباك وورث ابنك واصطنع الأُمَّة وقم بحق الله (عزَّ وجلَّ) وقل الحق في الخوف والأمن ولا تخش إلَّا الله، ففعل، ثم دفعها إلىٰ الذي يليه…»(1).

وروىٰ الكليني أيضاً عن ابن رئاب، عن ضريس الكناسي، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «قال له حمران: جعلت فداك أرأيت ما كان من أمر علي والحسن والحسين (عليهم السلام) وخروجهم وقيامهم بدين الله (عزَّ وجلَّ) وما أصيبوا من قتل الطواغيت إيَّاهم والظفر بهم حتَّىٰ قتلوا وغلبوا؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام): يا حمران إنَّ الله تبارك وتعالىٰ [قد] كان قدر ذلك عليهم وقضاه وأمضاه وحتمه، ثم أجراه فبتقدم علم ذلك إليهم من رسول الله قام علي والحسن والحسين، وبعلم صمت من صمت منا»(2).

وهاتان الروايتان وغيرهما من الروايات المودعة في أبوابها الكاملة(3) تدلّ علىٰ أنَّ قيام الأئمة (عليهم السلام) وقعودهم إنَّما يجريان علىٰ وفق العلم السابق والتقدير الإلهي، لا عن اختلافٍ في أصل الغاية ولا في حقيقة الرسالة.

وبذلك يندفع أصل الإشكال؛ لأنَّ اختلاف صورة الفعل بين الإمامين (عليهما السلام) ليس ناشئاً عن اختلافٍ في أصل الرسالة، وإنَّما عن اختلاف ما تعلَّق به التكليف في كل مرحلة.

فلا يكون السؤال: لماذا لم يفعل الإمام الحسن (عليه السلام) ما فعله الإمام الحسين (عليه السلام)؟

وإنَّما السؤال الصحيح: ما الوظيفة التي اقتضتها مرحلة الإمام الحسن (عليه السلام)، وما الظروف التي أحاطت بها، وما الوظيفة التي اقتضتها مرحلة الإمام الحسين (عليه السلام) بعد ذلك؟

وهذا هو المدخل الصحيح لفهم الصلح والثورة.

ولمعرفة العلّة التي دعت الإمام (عليه السلام) إلىٰ الصلح، نذكر ما رواه الشيخ الصدوق في كتابه علل الشرائع، قال: حدثنا علي بن أحمد بن محمد (رحمه الله) قال: حدثنا محمد بن موسىٰ بن داود الدقاق قال: حدَّثنا الحسن بن أحمد بن الليث قال: حدثنا محمد بن حميد قال: حدثنا يحيىٰ بن أبي بكير قال: حدثنا أبو العلا الخفاف، عن أبي سعيد عقيصا قال: قلت للحسن بن علي بن أبي طالب: يا بن رسول الله لم داهنت معاوية وصالحته وقد علمت أنَّ الحق لك دونه وأنَّ معاوية ضالُّ باغٍ؟ فقال: «يا أبا سعيد ألست حجة الله تعالىٰ ذكره علىٰ خلقه وإماماً عليهم بعد أبي»؟

قلت: بلىٰ، قال: «ألست الذي قال رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) لي ولأخي الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا»؟

قلت: بلىٰ، قال: «فأنا إذن إمام لو قمت وأنا إمام إذ لو قعدت، يا أبا سعيد علة مصالحتي لمعاوية علة مصالحة رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) لبني ضمرة وبني أشجع ولأهل مكة حين انصرف من الحديبية أولئك كفار بالتنزيل ومعاوية وأصحابه كفار بالتأويل، يا أبا سعيد إذا كنت إماما من قبل الله تعالىٰ ذكره لم يجب أن يسفَّه رأيي، فيما أتيته من مهادنة أو محاربة وإن كان وجه الحكمة فيما أتيته ملتبساً ألا ترىٰ الخضر (عليه السلام) لمَّا خرق السفينة وقتل الغلام وأقام الجدار سخط موسىٰ (عليه السلام) فعله لاشتباه وجه الحكمة عليه حتىٰ أخبره فرضىٰ هكذا أنا، سخطتم علي بجهلكم بوجه الحكمة فيه ولولا ما أتيت لما ترك من شيعتنا علىٰ وجه الأرض أحد إلَّا قتل»(4).

وهذه الرواية واضحة الدلالة في عدَّة أمور:

١- إنَّ الإمام (عليه السلام) جعل الصلح من شؤون الإمامة، كما أنَّ القتال من شؤونها؛ فهو إمام لو قام، وإمام إذا قعد، ولا يخرج باختياره أحد الأمرين عن كونه حجّة الله تعالىٰ علىٰ خلقه.

٢- إنَّ الإمام (عليه السلام) لم يجعل الصلح تفريطاً في حقّ، ولا إقراراً بشرعية معاوية، بل قرنه بمصالحة النبيّ (صلّىٰ الله عليه وآله) لطوائف من المشركين في الحديبية، فجعل المصالحة لوناً من ألوان التدبير الإلهيّ الذي يقضي به المقام.

٣- إنَّ الحكمة في فعل الإمام قد تخفىٰ علىٰ الناظر، فلا يصحّ أن يسارع إلىٰ الإنكار عليه بمجرّد خفاء وجه الصواب؛ فإنَّ فعل الخضر (عليه السلام) لمّا خفي وجهه علىٰ موسىٰ (عليه السلام) أنكر عليه، فلمّا انكشف له رضي.

٤- إنَّ حفظ البقية المؤمنة كان من أهمّ العلل الداعية إلىٰ الصلح؛ فإنَّ الإمام (عليه السلام) صرَّح بأنَّه لولا ما أتاه من المصالحة لاستؤصلت الشيعة، وهذا ممّا يدخل في وظيفة الإمامة من حفظ أصل الدين وأهله.

فليس الصلح إذن تسليماً عقائدياً، ولا انقطاعاً عن خطّ المواجهة، وإنَّما هو لون من ألوان العمل بمقتضىٰ الإمامة في ظرفٍ خاصّ.

الجهة الثانية: الموانع الواقعية أمام استمرار المواجهة:

يقع الكلام في الظروف التي أحاطت بالإمام الحسن (عليه السلام)؛ إذ لا يصحّ الحكم علىٰ قرار الصلح مع عزل القرار عن حال المجتمع والجيش والقيادات التي كانت تحيط بالإمام.

فقد ورث الإمام الحسن (عليه السلام) أمر المسلمين بعد أبيه (عليه السلام) في حالٍ كانت فيه القلوب مشدودة إلىٰ وطأة الحروب، وكان أهل العراق قد خرجوا من وقعة الجمل وصفين والنهروان، وقد خلفت تلك الوقائع في النفوس آثاراً عصيّة علىٰ الاندثار، من إعياءٍ وخذلانٍ وتفرّقٍ في الكلمة، ولم تكن هذه الآثار قد بردت حين انتقلت القيادة إلىٰ الإمام (عليه السلام)، فاجتمع حوله الموالي والخائن والمتردّد.

ونذكر هنا جملة من الوقائع والروايات، ليعلم منها أنَّ استمرار المواجهة في ذلك الظرف لم يكن ممّا يستقيم مع مقتضىٰ الحال.

فمن ذلك ما ذكره السيد الأمين في أعيان الشيعة، قال: (… معاوية دسَّ إلىٰ عمرو بن حريث والأشعث بن قيس وحجار بن أبجر وشبث بن ربعي دسيساً أفرد كلّ واحد منهم بعين من عيونه أنَّك إذا قتلت الحسن فلك مائة ألف درهم وجند من أجناد الشام وبنت من بناتي، فبلغ الحسن (عليه السلام) ذلك فاستلأم ولبس درعاً وسترها وكان يحترز ولا يتقدَّم للصلاة إلَّا كذلك، فرماه أحدهم في الصلاة بسهم فلم يثبت فيه لما عليه من اللامة).

وفي الخرائج: (إنَّ الحسن (عليه السلام) بعث إلىٰ معاوية قائداً من كندة في أربعة آلاف، فلما نزل الأنبار بعث إليه معاوية بخمسمائة ألف درهم ووعده بولاية بعض كور الشام والجزيرة، فصار إليه في مائتين من خاصته، ثم بعث رجلاً من مراد ففعل كالأوَّل بعد ما حلف بالأيمان التي لا تقوم لها الجبال أنَّه لا يفعل وأخبرهم الحسن (عليه السلام) أنَّه سيفعل كصاحبه.

قال أبو الفرج: ثم إنَّ معاوية وافىٰ حتّىٰ نزل قرية يقال لها الحبوبية بمسكن، فأقبل عبيد الله بن العباس حتّىٰ نزل بإزائه، فلما كان الغد بعث معاوية إلىٰ عبيد الله أنَّ الحسن قد راسلني في الصلح وهو مسلِّم الأمر إليَّ، فإن دخلت في طاعتي الآن كنت متبوعاً وإلَّا دخلت وأنت تابع، ولك أن جئتني الآن أن أعطيك ألف ألف درهم يعجل لك في هذا الوقت النصف وإذا دخلت الكوفة النصف الآخر فانسل عبيد الله ليلاً فدخل عسكر معاوية فوفىٰ له بما وعده)(5).

ونقل جواد مغنية نحو هذا المعنىٰ، قال: (وأرسل معاوية إلىٰ كل من عمرو بن حريث، والأشعث بن قيس، وحجار بن أبجر، وشبث بن ربعي: أنَّك إذا قتلت الحسن فلك مئة ألف درهم، وجند من أجناد الشام، وبنت من بناتي. فبلغ الحسن ذلك، فكان يحترز ويلبس الدرع تحت الثياب، ولا يتقدم للصلاة إلَّا كذلك، فرماه أحدهم بسهم، وهو في الصلاة، فلم يثبت فيه للدرع الذي لابسه)(6).

وروىٰ الطبرسي في الاحتجاج بسنده عن سالم بن أبي الجعد، قال: حدَّثني رجل منّا، قال: أتيت الحسن بن علي (عليه السلام) فقلت: يا بن رسول الله أذللت رقابنا، وجعلتنا معشر الشيعة عبيداً، ما بقي معك رجل، قال: «وممَّ ذاك»؟

قال: قلت: بتسليمك الأمر لهذا الطاغية.

قال: «والله ما سلمت الأمر إليه إلَّا أنَّي لم أجد أنصاراً، ولو وجدت أنصاراً لقاتلته ليلي ونهاري حتّىٰ يحكم الله بيني وبينه، ولكني عرفت أهل الكوفة. وبلوتهم، ولا يصلح لي منهم من كان فاسداً، إنَّهم لا وفاء لهم. ولا ذمة في قول ولا فعل، إنَّهم لمختلفون، ويقولون لنا: إنَّ قلوبهم معنا، وأن سيوفهم لمشهورة علينا، قال: وهو يكلِّمني إذ تنخع الدم، فدعا بطست فحمل من بين يديه مليء مما خرج من جوفه من الدم».

فقلت له: ما هذا يا بن رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) إنِّي لأراك وجعاً؟

قال: أجل دس إليَّ هذا الطاغية من سقاني سمًّا، فقد وقع علىٰ كبدي وهو يخرج قطعاً كما ترىٰ.

قلت: أفلا تتداوىٰ؟

قال: «قد سقاني مرتين، وهذه الثالثة لا أجد لها دواء، ولقد رقىٰ إليَّ: أنَّه كتب إلىٰ ملك الروم يسأله أن يوجِّه إليه من السم القتال شربة، فكتب إليه ملك الروم: أنَّه لا يصلح لنا في ديننا أن نعين علىٰ قتال من لا يقاتلنا، فكتب إليه أنَّ هذا ابن الرجل الذي خرج بأرض تهامة، وقد خرج يطلب ملك أبيه، وأنا أريد أن أدس إليه من يسقيه ذلك، فأريح العباد والبلاد منه، ووجه إليه بهدايا وألطاف فوجه إليه ملك الروم بهذه الشربة التي دسَّ فيها فسقيها واشترط عليه في ذلك شروطاً»(7).

وتدلّ هذه الروايات علىٰ عدَّة أمور:

١- إنَّ الإمام (عليه السلام) لم يكن في مأمن من الغدر حتّىٰ من خاصّة جيشه، إذ بلغ معاوية أن يدسّ إلىٰ وجوه القبائل من يغتاله بالمال والوعد، وهذا وحده كافٍ في الكشف عن انحلال الجبهة التي كان يمكن أن يستند إليها.

٢- إنَّ الاستمالة المالية لم تكن لتقف عند حدّ الجند، بل تسرّبت إلىٰ القيادات الكبرىٰ، فانسّل عبيد الله بن العباس إلىٰ معاوية بعد أن بذل له الأموال، وسبقه إلىٰ ذلك قائد كندة ورجل من مراد، وهذه الخيانة تهدّ أركان الجيش.

٣- إنَّ أهل الكوفة لم يكونوا أهل ثبات في موقف، ولا أهل وفاء بعهد؛ وقد صرَّح الإمام (عليه السلام) بأنَّه عرفهم وبلاهم، وأنَّ قولهم وفعلهم لا يلتقيان، فهم يظهرون المودّة ويسلّون السيوف.

٤- إنَّ الإمام (عليه السلام) لم يكن قد سلَّم الأمر رغبةً منه ولا اعترافاً بشرعية معاوية، بل نصَّ علىٰ أنَّ العلّة في ذلك فقدان الأنصار، ولو وجد أنصاراً لقاتل ليلاً ونهاراً حتّىٰ يحكم الله بينه وبينه.

٥- إنَّ الإمام (عليه السلام) كان مستهدفاً في نفسه بالسمّ، وقد أخبر أنَّ الطاغية دسَّ إليه من سقاه السمّ، وهذا يضيف إلىٰ ضعف الجبهة استهدافاً شخصياً مباشراً، لو استمرَّ معه القتال لكان في ذلك استئصال الإمام وأهل بيته وشيعته من غير أن تُدرك المواجهة غايتها.

فتبيَّن من مجموع هذه الروايات أنَّ استمرار المواجهة لم يكن متعيّناً، بل كان المتعيَّن في ذلك الظرف حفظ البقية المؤمنة، وكشف حقيقة السلطة القائمة، وإبقاء خطّ الإمامة ممتداً إلىٰ المرحلة اللاحقة.

الجهة الثالثة: السياسة الشرعية وشروط الصلح ودلالاتها:

‏بعد بيان الجهة الثانية من موانع استمرار الحرب أخذ الإمام (عليه السلام) إلىٰ تأجيل الحرب وأخذ بصلح، ولكن بالشروط التي يراها مناسبة، ولذلك سوف نذكر الشروط التي ذكرها الإمام لمعاوية حتّىٰ يكشف نزيف هذا الملعون من الناس.

وأمّا تفاصيل وثيقة الصلح، فقد نقلتها المصادر علىٰ اختلافٍ في ألفاظها، ومن ذلك ما رواه الطبري أنَّ وثيقة الصلح تضمّنت خمس مواد، وهي:

(1- تسليم الأمر إلىٰ معاوية علىٰ أن يعمل بكتاب اللّه وسنّة نبيّه (صلَّىٰ الله عليه وآله) وسيرة الخلفاء الصّالحين.

2- ليس لمعاوية أن يعهد إلىٰ أحد من بعده والأمر بعده للحسن (عليه السلام)، فإن حدث به (الحسن) حدث فلأخيه الحسين (عليه السلام).

3 – أن لا يسمّيه أمير المؤمنين، وأن يترك سبّ أمير المؤمنين (عليه السلام)، والقنوت عليه بالصّلاة، وأن لا يذكر عليًّا إلَّا بخير، وأن لا يقيم عنده شهادة.

4- الأمن العام لعموم النّاس، الأسود والأحمر منهم سواء فيه، والأمن الخاصّ لشيعة أمير المؤمنين (عليه السلام)، وعدم التعرُّض لهم بمكروه.

5- استثناء ما في بيت مال الكوفة وهو خمسة آلاف ألف، فلا يشمله تسليم الأمر، وأن يفضِّل بني هاشم في العطاء، وأن يفرِّق في أولاد من قتل مع أمير المؤمنين (عليه السلام) يوم الجمل، وأولاد من قتل معه بصفّين ألف ألف درهم، وأن يوصل إلىٰ كلِّ ذي حقٍّ حقَّه)(8).

بهذه الشروط التي اشترطها الإمام الحسن (عليه السلام) يظهر أنَّ الإمام لم يتعامل مع السلطة الأموية بوصفها سلطة مطلقة، بل قيَّدها بقيود الشرع، وحفظ لشيعة أمير المؤمنين (عليه السلام) أمنهم، ومنع سبَّه، وجعل ولاية العهد في أهل البيت (عليهم السلام).

وكان الإمام (عليه السلام) يعلم أنَّ بني أمية لن يلتزموا بهذه الشروط، وإنَّما اشترطها لتكون حجّة عليهم، وليظهر للناس زيفهم وكذبهم؛ فإنَّهم كانوا يدَّعون العمل بكتاب الله وسُنَّة رسوله (صلّىٰ الله عليه وآله)، وكان معاوية يصلّي بالناس الجمعة ويُظهر التديُّن، فجاءت هذه الشروط لتكشف حقيقة ما هم عليه، وليتبيَّن للناس أنَّهم لا يقفون عند حدود الله إذا خالف ذلك مصالحهم في الملك والسلطان.

فكان نقضهم لهذه الشروط بعد مدّة يسيرة هو الفضيحة التي أرادها الإمام (عليه السلام)، وسيأتي بيان ذلك في الجهة الرابعة.

الجهة الرابعة: انكشاف حقيقة المشروع الأموي:

لا يخفىٰ أنَّ أثر الصلح لم يكن محصوراً في إيقاف الحرب، بل كان لما وقع بعده أثرٌ بالغ في كشف حقيقة السلطة الأموية أمام الناس.

فمعاوية كان قد خاض صراعاً طويلاً مع أمير المؤمنين (عليه السلام)، وأُلبس النزاع في مراحل كثيرة لباس الدفاع عن الدين، وأوهم الناس أنَّه علىٰ الحقِّ، وأنَّه المحامي عن الدين، كما وقع في معركة صفّين حين رفع أصحابُه المصاحف، فالتبس الأمر علىٰ كثيرٍ من الناس، وظنّوا أنَّ معاوية يطلب الكتاب والسُنَّة، وكان يصلِّي بالناس ويقف في مقام المتديّنين، فلا يعرف كثيرٌ منهم كفرَه وباطلَه.

فلمّا انتهىٰ الأمر إلىٰ الصلح، أصبح معاوية أمام التزامات سياسية ودينية واضحة، فإن وفىٰ بها أمكن أن يدَّعي بقاءه علىٰ تلك الالتزامات، وإن نقضها كان النقض شاهداً علىٰ حقيقة سلطته.

وقد وقع النقض سريعاً، واشتهر في المصادر التاريخية خطاب لمعاوية بعد استقرار الأمر له، نقل ابن أبي الحديد خطبة معاوية وكانت طويلة، ونقل منها عدّة نصوص، نذكر بعضها.

فمن ذلك ما ذكره عن أبي إسحاق السبيعي، قال: (إنَّ معاوية قال في خطبته بالنخيلة: ألا إنَّ كل شيء أعطيته الحسن بن علي تحت قدمي هاتين لا أفي به. قال أبو إسحاق: وكان والله غداراً)(9).

وروىٰ الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن سويد، قال: (صلَّىٰ بنا معاوية بالنخيلة الجمعة، ثم خطبنا فقال: والله إنِّي ما قاتلتكم لتصلوا، ولا لتصوموا، ولا لتحجوا ولا لتزكوا، إنَّكم لتفعلون ذلك، وإنَّما قاتلتكم لأتأمَّر عليكم، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون. قال: وكان عبد الرحمن بن شريك إذا حدَّث بذلك، يقول: هذا والله هو التهتك)(10).

وبدأ الناس يتبيَّنون حقيقة معاوية، فانكشف لهم أنَّه لم يكن يطلب الدين ولا يذبّ عن الشريعة، وإنَّما كان يطلب الملك والسلطان، وأنَّ ما كان يظهره من الصلاة والالتزام لم يكن إلَّا ساتراً لمشروعه السياسي.

وقد ذكر ذلك جملة من المؤرخين، ومنهم ابن الأثير في الكامل، فإنَّه قال في ذكر حوادث سنة ست وخمسين: (وفيها أخذ معاوية البيعة ليزيد بولاية العهد بعده…)(11).

ولم يقف الأمر عند نقض الشروط وتوريث الحكم، بل وصل إلىٰ حدِّ استئصال المعارضين، فقتل حجر بن عدي وأصحابه(12)، وقتل عمرو بن الحمق الخزاعي(13)، وسمّ الإمام الحسن (عليه السلام) بالاتِّفاق مع جعدة بنت الأشعث(14)، إلىٰ غير ذلك من الوقائع التي سُجِّلت في التاريخ.

فبهذه الوقائع وأمثالها انكشفت حقيقة السلطة الأموية، وصار واضحاً أنَّها لا تلتزم بكتاب الله ولا بسُنَّة رسوله (صلّىٰ الله عليه وآله)، ولا تقف عند عهد ولا ذمَّة، وإنَّما تسير في طريق الملك والتسلُّط، وتستعمل الدين متىٰ نفعها، وتنقضه متىٰ خالف مصلحتها.

الجهة الخامسة: من صلح الإمام الحسن إلىٰ نهضة الإمام الحسين (عليهما السلام):

وهذه الجهة هي المحور الذي تتلاقىٰ عنده مسائل البحث، إذ يتبيَّن فيها الفرق بين المرحلتين، والعلّة في سكوت الإمام الحسين (عليه السلام) مدّة حياة معاوية، ثم قيامه بعد موت معاوية وتولّي يزيد.

فالإمام الحسين (عليه السلام) لم يحارب معاوية في مدّة حياته، لأنَّ معاوية كان يُظهر الدين ظاهراً، ويقيم الصلاة، ويدَّعي أنَّه علىٰ سُنَّة النبيّ (صلّىٰ الله عليه وآله)، فلم يكن الخروج عليه في ذلك الظرف ممّا يتبيَّن للناس وجهه، بل كان يمكن أن يُصرف إلىٰ كونه طلب ملكٍ أو منازعةً علىٰ سلطان.

وكان الإمام الحسين (عليه السلام) يريد أن يبيِّن للناس أنَّ معاوية خرج عن سُنَّة محمّد وآل محمّد (صلّىٰ الله عليه وآله)، وأنَّ حكمه قائم علىٰ غير الأساس الذي يقوم عليه حكم النبيّ (صلّىٰ الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام).

فلمّا كتب معاوية إلىٰ الإمام الحسين (عليه السلام) في البيعة ليزيد، ظهر الأمر جلياً، إذ طلب منه أن يدخل في بيعة يزيد مع ما هو معلوم من حال يزيد، فكتب إليه معاوية: (أما بعد، فقد انتهت إليَّ منك أمور، لم أكن أظنك بها رغبة عنها، وإن أحق الناس بالوفاء لمن أعطىٰ بيعة من كان مثلك، في خطرك وشرفك ومنزلتك التي أنزلك الله بها، فلا تنازع إلىٰ قطيعتك، واتَّق الله، ولا تردن هذه الأمة في فتنة، وانظر لنفسك ودينك وأُمَّة محمد، ولا يستخفنك الذين لا يوقنون)(15).

فهذه المكاتبة تكشف عن أنَّ معاوية لم يكتفِ بما صنعه من أخذ البيعة ليزيد، بل أراد أن يُدخل الإمام الحسين (عليه السلام) في هذا المسلك، ليكون دخوله فيه حجّةً علىٰ سائر الناس، وليظهر أنَّ أهل البيت (عليهم السلام) قد رضوا بما صار إليه الأمر.

ولكنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) لم يكن ليدخل في بيعة يزيد، فكتب إلىٰ معاوية جواباً عن كتابه، جاء فيه: «أمَّا بعد، فقد جاءني كتابك تذكر فيه أنَّه انتهت إليك عنِّي أمور، لم تكن تظنني بها، رغبة بي عنها، وإنَّ الحسنات لا يهدي لها، ولا يسدد إليها إلَّا الله تعالىٰ، وأمَّا ما ذكرت أنَّه رقىٰ إليك عنِّي، فإنَّما رقاه الملاقون، المشاءون بالنميمة، المفرقون بين الجمع، وكذب الغاوون المارقون، ما أردت حرباً ولا خلافاً، وإنِّي لأخشىٰ لله في ترك ذلك، منك ومن حزبك، القاسطين المحلين، حزب الظالم، وأعوان الشيطان الرجيم.

ألستَ قاتل حجر، وأصحابه العابدين المخبتين، الذين كانوا يستفظعون البدع، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، فقتلتهم ظلماً وعدواناً، من بعد ما أعطيتهم المواثيق الغليظة، والعهود المؤكدة، جراءة علىٰ الله واستخفافاً بعهده.

أوَلستَ بقاتل عمرو بن الحمق، الذي أخلقت وأبلت وجهه العبادة، فقتلته من بعد ما أعطيته من العهود ما لو فهمته العصم، نزلت من شعف الجبال.

أوَلستَ المدَّعي زياداً في الإسلام، فزعمت أنَّه ابن أبي سفيان، وقد قضىٰ رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) أنَّ الولد للفراش، وللعاهر الحجر، ثم سلَّطته علىٰ أهل الإسلام، يقتلهم ويقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، ويصلبهم علىٰ جذوع النخل، سبحان الله يا معاوية! لكأنَّك لست من هذه الأُمَّة، وليسوا منك.

أوَلستَ قاتل الحضرمي الذي كتب إليك فيه زيادة أنَّه علىٰ دين علي (عليه السلام)، ودين علي هو دين ابن عمِّه (صلَّىٰ الله عليه وآله)، الذي أجلسك مجلسك الذي أنت فيه، ولولا ذلك كان أفضل شرفك وشرف آبائك تجشم الرحلتين: رحلة الشتاء والصيف، فوضعها الله عنكم بنا، منة عليكم، وقلتفيما قلت: لا ترد هذه الأُمَّة في فتنة، وإنِّي لا أعلم لها فتنة أعظم من إمارتك عليها.

وقلت فيما قلت: انظر لنفسك ولدينك ولأُمَّة محمد، وإنِّي والله ما أعرف أفضل من جهادك، فإن أفعل فإنَّه قربة إلىٰ ربِّي، وإن لم أفعله فأستغفر الله لديني، وأسأله التوفيق لما يحب ويرضىٰ، وقلت فيما قلت: متىٰ تكدني أكدك، فكدني يا معاوية فيما بدا لك، فلعمري لقديماً يكاد الصالحون، وإنِّي لأرجو أن لا تضر إلَّا نفسك، ولا تمحق إلَّا عملك، فكدني ما بدا لك، واتَّق الله يا معاوية، واعلم أنَّ لله كتاباً لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلَّا أحصاها.

واعلم أنَّ الله ليس بناسٍ لك قتلك بالظنة، وأخذك بالتهمة، وإمارتك صبيًّا يشرب الشراب، ويلعب بالكلاب، ما أراك إلَّا وقد أوبقت نفسك، وأهلكت دينك، وأضعت الرعية والسلام»(16).

فبهذا الجواب كشف الإمام الحسين (عليه السلام) حقيقة معاوية، وذكَّره بقتله حجراً وأصحابه، وعمرو بن الحمق، والحضرميّ، وذكَّره باستلحاقه زياداً علىٰ خلاف حكم رسول الله (صلّىٰ الله عليه وآله)، ثمَّ قرَّعه بأنَّه يريد أن يفرض علىٰ الأُمَّة صبياً يشرب الشراب ويلعب بالكلاب، فبيَّن بذلك أنَّ معاوية لا يطلب الدين، وإنَّما يطلب تثبيت ملكه وتوريثه ليزيد، ولو كان في ذلك هلاك الأُمَّة وضياع الرعية.

ومع ذلك كلّه، كان الإمام الحسين (عليه السلام) باقياً علىٰ عهد أخيه الإمام الحسن (عليه السلام) في الصلح، فلم يخرج علىٰ معاوية، ولم ينقض ما استقرَّ عليه الأمر بين الإمامين (عليهما السلام)، بل أقام علىٰ مقتضىٰ الصلح ما دام معاوية حياً، لأنَّ المصلحة التي اقتضت الصلح كانت قائمة، والظرف الذي دخل فيه الإمام الحسن (عليه السلام) في هذا السبيل لم يتغيَّر بعد تغيُّر يوجب نقض العهد.

ويؤكِّد هذا ما ورد من أنَّ أهل الكوفة لمّا سمعوا أنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) امتنع عن بيعة يزيد في زمن معاوية، أرسلوا إليه يعرضون عليه النصرة والقيام معه علىٰ معاوية، فلمّا بلغ ذلك معاوية، كتب إلىٰ الإمام الحسين (عليه السلام) يحذِّره من غدر أهل الكوفة، ويذكِّره بما كان منهم مع أبيه أمير المؤمنين (عليه السلام) وأخيه الإمام الحسن (عليه السلام)، فأجابه الإمام الحسين (عليه السلام): «أتاني كتابك وأنا بغير الذي بلغك عنِّي جدير، والحسنات لا يهدي لها إلَّا الله، وما أردت لك محاربة ولا عليك خلافاً، وما أظن لي عند الله عذراً في ترك جهادك، ولا أعلم فتنة أعظم من ولايتك أمر هذه الأُمَّة».

فقال معاوية: إن أثرنا بأبي عبد الله إلَّا أسداً(17).

فالإمام الحسين (عليه السلام) لم يقاتل معاوية في مدّة حياته، مع ما وصل إليه من كتب أهل الكوفة التي تعرض عليه النصرة؛ لأنَّ مقتضىٰ الصلح كان باقياً، والظرف الذي أُبرم فيه لم يكن قد تغيَّر بعد، فلم يرَ (عليه السلام) أنَّ القيام علىٰ معاوية في تلك الحال ممّا يحقِّق غرض الدين، بل كان ذلك مدعاةً لتشتيت الجبهة، وتوهين موقف أهل البيت (عليهم السلام)، من غير أن يترتَّب عليه كشف حقيقة السلطة الأموية.

فلمّا مات معاوية وولي يزيد، تغيَّر الموضوع، وصار القيام هو الواجب، والبيعة هي المنكر الذي لا يجوز السكوت عنه، فقام الإمام الحسين (عليه السلام) ومعه بنو هاشم وصحبته، فكانت فاجعة كربلاء، التي كُتب بها حفظ الدين، وبقيت بها الحجّة علىٰ الأُمَّة إلىٰ يوم القيامة.

وبذلك يظهر الفارق بين زمن الإمامين (عليهما السلام)، إذ اختلفت الظروف، فاختلفت الوظيفة، وبقي الأصل واحداً، والغاية واحدة، فما كان من صلح الإمام الحسن (عليه السلام) إلَّا حفظاً لبقية المؤمنين وإبقاءً لخطّ الإمامة، وما كان من قيام الإمام الحسين (عليه السلام) إلَّا ذباً عن الدين، وكلٌّ منهما أدَّىٰ ما افترض الله عليه في زمانه، بحسب ما اقتضاه تكليفه.

الخاتمة:

تبيَّن من مجموع النصوص والوقائع أنَّ صلح الإمام الحسن (عليه السلام) ونهضة الإمام الحسين (عليه السلام) صورتان متكاملتان من صور أداء وظيفة الإمامة، صدرتا عن أصلٍ واحد، واجتمعتا في الغاية، وافترقتا في الوسيلة بحسب الظروف.

فالإمام الحسن (عليه السلام) واجه ظرفاً انهارت فيه الجبهة، وظهرت الخيانة في القيادات، واستُهدف فيه الإمام نفسه بالغدر والسمّ، فكان الصلح هو المتعيّن لحفظ البقية المؤمنة، وإبقاء خطّ الإمامة ممتداً، مع اشتراط شروط تكشف زيف السلطة الأموية، كما وقع نقضها سريعاً علىٰ رؤوس الأشهاد.

وأمَّا الإمام الحسين (عليه السلام) فقد أقام علىٰ مقتضىٰ الصلح ما دام معاوية حياً، لأنَّ معاوية كان يتظاهر بالدين، فلمَّا مات وولي يزيد، تغيَّر الموضوع، وصار القيام واجباً، والبيعة منكراً لا يجوز السكوت عنه، فنهض الإمام (عليه السلام) بما نهض به، فكانت كربلاء حفظاً للدين وبقاءً للحجّة علىٰ الأُمَّة.

فالفرق بين الموقفين فرق في مقتضيات المرحلة، لا في أصل المبدأ ولا في الغاية، وكلٌّ من الإمامين (عليهما السلام) أدّىٰ ما افترضه الله عليه في زمانه.

ولو تبدَّلت المواقع لتبدُّل الموقف تبعاً لها؛ فلو كان الإمام الحسين (عليه السلام) هو المتصدّي للأمر في ظرف الإمام الحسن (عليه السلام) لصالح كما صالح أخوه، ولو كان الإمام الحسن (عليه السلام) هو المتصدِّي في زمن يزيد لثار وحارب كما ثار أخوه، لأنَّ الإمام إنَّما يعمل بما يقتضيه تكليفه في ظرفه، لا بما تمليه عليه صور الأفعال مجرّدةً عن ملابساتها.

فما كان اختلاف الموقفين إذن إلَّا لاختلاف الموضوعين، وبقي الأصل واحداً، والغاية واحدة، والمسير واحداً، وهو حفظ الدين، وكشف الانحراف، وإقامة الحجّة علىٰ الناس.

فإنَّ صلح الإمام الحسن (عليه السلام) لم يكن انقطاعاً عن المشروع، بل كان تمهيداً لثورةٍ كبرىٰ هي ثورة كربلاء، فإنَّ أصحاب الإمام الحسين (عليه السلام) هم امتداد أصحاب الإمام الحسن (عليه السلام)، ولو ثار الحسن (عليه السلام) لقاموا معه، ولكنَّه عهد إلىٰ الصلح ليكشف زيف العدوّ، ويمهّد الطريق لأخيه الحسين (عليه السلام)، فكان صلحه فاتحةً لثورته، وثورته ثمرةً لصلحه.

نسأل الله تعالىٰ أن يجعلنا من المتمسِّكين بولاية محمّد وآل محمّد، وأن يحشرنا في زمرتهم، ويرزقنا الثبات علىٰ نهجهم، وأن يجعلنا من أنصار وليِّه وحجَّته، الإمام المهديّ المنتظر، الحجّة بن الحسن (عجّل الله تعالىٰ فرجه الشريف)، والمستشهدين بين يديه.

والحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّىٰ الله علىٰ سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين.

 

 

 

الهوامش:


(1) الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج١، ص٣٢٧.

(2) الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج١، ص٢٨١.

(3) باب: أنَّ الأئمة (عليهم السلام) لم يفعلوا شيئاً ولا يفعلون إلَّا بعهد من الله (عزَّ وجلَّ) وأمر منه لا يتجاوزونه. [الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج١، ص٣٢٧].

(4) الصدوق، محمد بن علي، علل الشرائع، ج١، ص٢٤٩.

(5) الأمين سيد محسن، أعيان الشيعة، ج١، ص٥٦٩.

(6) العاملي، محمد جواد مغنية، الشيعة والحاكمون، ص٦٢.

(7) الطبرسي، أحمد، علي، الاحتجاج، ج٢، ص١١- ١٢.

(8) الطبري، أحمد بن عبد الله، ذخائر العقبىٰ في مناقب ذوىٰ القربىٰ: ( ط. ج)، ج٢، ص١١٨.

(9) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج١٦، ص٤٦.

(10) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج١٦، ص٤٦.

(11) ابن أثير، الكامل في التاريخ، ج٣، ص٥٠٨.

(12) الدينوري، ابن قتيبة، الإمامة والسياسة، ج١، ص١٥٧.

(13) المصدر نفسه.

(14) انظر: المفيد، محمد بن محمد، الإرشاد، ج٢، ص١٦.

(15) الدينوري، ابن قتيبة، الإمامة والسياسة، ج١، ص١٥٤.

(16) الدينوري، ابن قتيبة، الإمامة والسياسة، ج١، ص١٥٤.

(17) ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق، ج١٤، ص٢٠٦.

Scroll to Top